الهند تبنّت أساليب الطهي الفارسي شكراً لإمبراطورية المغول

أطباق اليوم عربون تقدير للتاريخ

البهارات سر النكهة في  المطبخ الهندي
البهارات سر النكهة في المطبخ الهندي
TT

الهند تبنّت أساليب الطهي الفارسي شكراً لإمبراطورية المغول

البهارات سر النكهة في  المطبخ الهندي
البهارات سر النكهة في المطبخ الهندي

بدأت إمبراطورية المغول، التي حكمت الهند لنحو 300 عام، عندما استولى مؤسسها بابور على دلهي في 1526، مما مهد لدخول فصل جديد في تاريخ الهند تم فيه جلب أساليب الطهي الموجودة الفارسية، وتلك الموجودة في آسيا الوسطى إلى الهند، وهو الأمر الذي أدى لوجود مجموعة متنوعة من الأطباق الهندية الشهية اليوم.
وقد كان المغول أصحاب ذوق فخم ورفيع، حيث كانوا يحبون الوصفات الغنية، والمعقدة، التي تضم مزيجاً لذيذاً من النكهات، والتوابل، والروائح، فالطبخ في المطابخ الملكية في ذلك الوقت كان بمثابة حالة عارمة من الألوان والنكهات، وغالباً ما كان يتم إضافة الحليب والقشدة واللبن الزبادي للكاري والمرق وذلك لجعلهم أكثر غنى، كما كان يتم تزيين الأطباق بالزهور الصالحة للأكل، والرقائق المصنوعة من المعادن الثمينة مثل الذهب والفضة.
وكان من المألوف أن يتشاور كبير الطهاة مع كبير الأطباء أثناء وضع قائمة الطعام الملكية، وذلك للتأكد من استخدام مكونات مفيدة على المستوى الطبي، فعلى سبيل المثال، كان يتم تغليف كل حبوب الأرز الذي يتم استخدامه لعمل أطباق البرياني بزيت يحتوي على الفضة، حيث كان يُعتقد أنه يساعد على الهضم كما كان يُستخدم كمنشط جنسي.
أما بالنسبة لمساهمات الأباطرة المغول أنفسهم، فقد أضاف كل منهم ذوقه في فصل خاص به، ولكن بابور، مؤسس الأسرة الحاكمة، هو مَن وضع الأساس، حيث إنه لم يجلب الجيوش فقط إلى الهند، ولكنه أيضاً جلب حنيناً هائلاً لطفولته التي قضاها في جبال أوزبكستان الصخرية، فلم يكن بابور من محبي الطعام الهندي، ولذا فقد كان يفضل مطبخ بلده في سمرقند، وخاصة الفواكه.
وتكشف الروايات التاريخية عن شيوع الطهي في ذلك الوقت في الأفران المدفونة في الأرض، حيث كان يتم دفن الأواني الفخارية المليئة بالأرز والبهارات وأي لحوم كانت متاحة، في حفر ساخنة وبعد اكتمال النضج كان يتم تقديمها للمحاربين، وكان طهاة بابور متمسكين، بشكل أساسي، في المقام الأول، بالحمية الغذائية المرتبطة بفترات الحرب، كما استخدموا تقنيات الشواء البسيطة التي استخدموا فيها بعض المكونات الهندية.
ومن المثير للاهتمام أن بابور قد قال، في سيرته الذاتية: «لا يوجد عنب، أو فواكه عالية الجودة، أو شمام أو رمان في الهند»، فلم يكن معجبا بالطعام الهندي المحلي، الذي كان يفتقر إلى البهارات والنكهات التي اعتاد عليها في مسقط رأسه في سمرقند، فقد كان يفتقد طعام فرغانة (وهو الإقليم الذي ولد فيه في آسيا الوسطى).
ولذا، فإن أول ما فعله كان إنشاء سلاسل لتوريد الطعام إلى الهند، والتي جلبت طعام أراضيه الأصلية إلى البلاد، وتقول الأسطورة إن بابور كان يبكي عند تذوق نكهة البطيخ الحلوة وذلك لأنها كانت بمثابة تذكرة مؤلمة له ببلاده التي يفتقدها.
وفي كتاب «الكاري: قصة طهاة وغزاة»، والذي صدر في 2006، كتب المؤرخ ليزي كولينغهام أنه «في نهاية حياته، اكتشف بابور أنه كان من الممكن زراعة العنب والبطيخ في الهند ولكن طعم البطيخ كان يجعله يشعر بالحنين إلى الوطن، وهو الأمر الذي كان يجعله يبكي».
وعندما طُرد نجل بابور، همايون، من الهند بواسطة الإمبراطور الهندي شير شاه صوري، فإنه لجأ إلى بلاد فارس، وعلى عكس والده، فقد كان الإمبراطور المغولي الثاني يوظف طهاة هنديين، والذين كانوا يقدمون له طبقاً من الأرز والبازلاء، وهو بمثابة النسخة الهندية من الكشري، وقد أدى ظهور المزيج الرائع من الأرز والبازلاء والزعفران إلى ولادة البرياني الهندي الذي يتم تناوله في أجزاء كثيرة من البلاد باعتباره جزءاً أساسياً من عادات الطعام الهندية.
وعند عودته إلى الهند، أحضر همايون عدداً كبيراً من الطهاة الفارسيين، الذين جلبوا إلى الهند أطباقاً تم تطويرها على مدى قرون، وبتعبير أدق، فقد كانت زوجته الإيرانية، حميدة، هي التي أدخلت استخدام الزعفران والفواكه المجففة في المطابخ الملكية خلال النصف الأول من القرن السادس عشر. وكان همايون مولعاً للغاية بمشروب «الشربات»، ولذلك فقد كان يتم تطعيم المشروبات في المطبخ الملكي بطعم الفواكه، وعلى هذا النحو، فقد كان يتم جلب الجليد من الجبال للحفاظ على هذه المشروبات باردة ولذيذة.
وقد تم ذكر الكثير من الوصفات التي تم استخدام كميات كبيرة من الزعفران فيها، في كتاب «Ain - i - Akbari»، الذي يتحدث عن حكم الإمبراطور المغولي الثالث، جلال الدين أكبر، من أبناء همايون، فقد قام المغول بزراعة هذه النباتات لتزويد الطهاة بالإمدادات الجاهزة، ويكتب كولينغهام: «أصبح الحلتيت شائعاً بين الأشخاص النباتيين في البلاد، فعندما يتم طهيه في الزيت، فإن مذاقه يصبح قريباً من مذاق الثوم، مما جعله بديلاً جيداً للبصل والثوم اللذين كانا يتم تجنبهما من قبل الهندوس المتدينين».
ومع ذلك، فإن المطبخ المغولي لم يبدأ في التطور بشكل حقيقي إلا خلال عهد الإمبراطور أكبر في الفترة بين (1555 - 1605)، فقد بدأ الأمر بفضل الكثير من الزيجات، حيث جاء طهاة من جميع أنحاء الهند وقاموا بدمج أساليب الطهي الخاصة بهم مع النكهات الفارسية.
والنتيجة كانت ظهور وجبات فريدة ومعقدة ولذيذة في المطبخ المغولي، فعلى سبيل المثال، هناك طبق مورغ موسلم الرائع، وهو عبارة عن دجاجة كاملة يتم تتبيلها بتوابل الماسلا، ثم حشوها بمزيج من التوابل واللحم المفروم والبيض المسلوق، ثم يتم طهيها لمدة طويلة للغاية، وهناك أيضاً طبق نافراتان كورما (أي الكاري المكون من تسع جواهر)، وهو طبق شهي محضر من تسع خضراوات مختلفة مغطاة بصلصة لذيذة مكونة من الكاجو والكريمة. كما أدخل الإمبراطور أكبر أيضاً النكهات المحلية في المطابخ الملكية، واختار أن يكون نباتياً عدة أيام في الشهر، وقد تضمنت قائمة الطعام المفضلة لأكبر الخضراوات الطازجة المزروعة في حدائق مطبخه الملكي، فضلاً عن أطباق محلية أخرى مكونة من الأرز.
وتماشيا مع الأفكار الملكية في الهند، فلم يكن الإمبراطور أكبر يستخدم سوى مياه نهر الغانغ للشرب، حيث يقول مؤرخ حكمه وصديقه، أبو الفضل، إنه كان حريصاً للغاية على أن تكون مياه الغانغ متوفرة دائماً في قصره، وأيضاً في رحلاته.
ومن المثير للاهتمام، أن أكبر كان نباتياً لمدة 3 أيام في الأسبوع، بل وقام بزراعة حديقة خاصة بالمطبخ الملكي، وذلك لضمان أن النباتات التي يتناولها يتم سقيها بعناية بماء الورد، بحيث تنبعث رائحة العطر من الخضار عند طهيه.
ويُعتقد أيضاً أن زوجة أكبر، جودا باي، هي مَن أدخلت الـpanchmel dal (عبارة عن 5 أنواع مختلفة من العدس مطبوخة معاً)، للمطبخ المغولي، وذلك إلى جانب مجموعة كبيرة من الأطباق النباتية الأخرى، وبحلول الوقت الذي تولى فيه شاه جاهان العرش، كان قد بات لدى المطبخ الملكي وصفة خاصة به من الـpanchmel dal. واستمر تطور المطبخ المغولي بشكل سريع في عهد جيهانكير، والذي كانت مقاليد الإمبراطورية حينها في قبضة زوجته العشرين، ميهرو نيسا (المعروفة باسم نور جهان)، فقد كانت شخصية قوية للغاية في البلاط الملكي، وكثيراً ما كان يتم إهداؤها أشياء فريدة من نوعها من قبل التجار الزائرين من دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا وهولندا. وقد استخدمت نور جهان، التي كانت فنانة بالفطرة، هذه الأشياء الفريدة لعمل نبيذ أسطوري، ولبن زبادي ملون بألوان قوس قزح، وأطباق مزينة بأشكال جميلة من طلاء مصنوع من مسحوق الأرز وقشور الفاكهة المسكرة.
ومع ذلك، فإن المطبخ المغولي لم يبلغ ذروته سوى في عهد الإمبراطور شاه جاهان، والذي أمر الطهاة في المطبخ الملكي بإضافة المزيد من التوابل مثل الكركم والكمون والكزبرة إلى الوصفات الملكية، وذلك لخصائصها الطبية الهائلة، ومن المثير للاهتمام، أن الأسطورة تقول إن الطهاة قد أضافوا أيضاً مسحوق الفلفل الأحمر لإبقاء الأرواح الشريرة بعيداً.
وتفسر أسطورة أخرى أصول طبق الـ«نيهاري»، وهو مرق اللحم الحار المطبوخ ببطء على مدى ليلة كاملة في وعاء كبير يسمى shab deg، بأنه قد ظهر بعدما اجتاحت الإنفلونزا العنيفة شاهن آباد، عاصمة المغول التي تسمى الآن دلهي القديمة، وحينها عمل الطبيب الملكي وكبير الطهاة معاً حتى توصلوا لهذه التوابل القوية التي يتم وضعها في الحساء للحفاظ على الجسم دافئاً ومحصناً ضد العدوى، فيما تُرجِع قصة شعبية أخرى أصول البرياني إلى ممتاز محل، وهي ملكة شاه جاهان الجميلة التي ألهمته لبناء تاج محل، حيث يقال إن ممتاز قد زارت ثكنات الجيش في أحد الأيام ووجدت أن جنود المغول يبدون ضعفاء ويعانون من سوء التغذية، وحينها طلبت من الطاهي إعداد طبق خاص يجمع بين اللحم والأرز وذلك لتوفير التغذية المتوازنة للجنود، وكانت النتيجة هي طبق البرياني. وكان الأباطرة المغول يبهرون الحكام، والنبلاء، والضيوف الأجانب، وكبار الشخصيات الذين كانوا يجلسون على موائدهم، فقد كانت قائمة الطعام، التي يقوم بوضعها الحكيم (الطبيب الملكي)، تتكون من نحو 100 طبق، وكان يعد كل طبق منهم طباخ واحد، وكان الضيوف يأكلون على الأرض، فوق السجاد الفاخر المغطى بقماش أبيض، وكان الطبق الأساسي الذي يتم وضعه في منتصف الوليمة هو البيلاف (طبق مكون من الأرز المطبوخ بالسمن والتوابل واللحوم)، وذلك بجانب مجموعة كبيرة من الطيور والأسماك ولحم الضأن ولحم الغزال ولحم البقر المطبوخ بأشكال مختلفة، وبعد تناول الوجبات، فإنهم كانوا يغسلون أيديهم بالماء المعطر الذي يتم سكبه من الأباريق بواسطة الخدم.
أما في الأيام العادية، فقد كان الإمبراطور يتناول وجباته مع ملكاته، ولم تكن وجبات الطعام اليومية أقل سخاء من الوجبات التي كان يتم تقديمها في الولائم، كما كان المغول يتبعون العرف الهندي في ذلك الوقت من خلال بدء وجباتهم بتناول المخللات والزنجبيل الطازج والليمون، كما أنهم كانوا ينهون الوجبات بمضغ التنبول، ولكنهم أضافوا إلى العرف الهندي تقليد تناول الحلويات، أي تناول شيء حلو في نهاية الوجبة، وليس في البداية أو في الوسط. وبحلول الوقت الذي تم فيه إسقاط الإمبراطور المغولي الأخير من قبل البريطانيين في 1858، كانت هندوستان تم تغيرت إلى الأبد، فقد تركت القرون الثلاثة لحكم المغول إرثاً مستمراً من فنون الطهي، والذي غير شكل المطبخ الهندي بشكل كامل.


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)

الأطعمة المخمّرة... تقاليد تتقاطع بين ثقافات متعددة

الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الآسيوي
الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الآسيوي
TT

الأطعمة المخمّرة... تقاليد تتقاطع بين ثقافات متعددة

الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الآسيوي
الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الآسيوي

في المطبخ العالمي، تتقاطع تقاليد تخمير الطعام بين ثقافات متعددة. ورغم أن هذه التقنية ارتبطت تاريخياً بضرورات الحفظ، فإن النظرة الحديثة تكشف وجهاً آخر لها؛ إذ تفتح الباب أمام طيف واسع من النكهات، تتدرج بين الحلو والحامض.

فمن الزبادي وبعض الأجبان، إلى وصفات مخلل الملفوف والكومبوتشا والكفير، وصولاً إلى نكهة «الأومامي» الغنية، تبرز العديد من وصفات الأطعمة المخمرة.

ففي السنوات الأخيرة؛ ازدادت التوجه للأكلات المخمرة، لا سيما مع نكهاتها المميزة التي باتت تجذب شريحة واسعة من محبي التجارب المطبخية، فضلاً عن الباحثين عن التنوع في الطعام الصحي، وفق شيف أحمد الشناوي.

ويشير الشناوي إلى أن «هذه الأطعمة تحمل فوائد معززة لصحة الأمعاء عبر دعم البكتيريا النافعة، كما تقوي جهاز المناعة، ويناسب بعضها متبعي الحمية الغذائية».

الشيف المصري أحمد الشناوي (الشرق الأوسط)

وتبدو خطوة إعداد هذه الأصناف المخمرة منزلياً خياراً سهلاً وممتعاً لمن يرغب في إدخالها إلى نظامه الغذائي بصورة منتظمة؛ إذ يمكن تحضيرها بجهد بسيط ونتائج مرضية. ويقول شيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم أن معظم الأطعمة المخمرة يمكن تناولها أو شربها كما هي، فإن متعة إضافية تكمن في استكشاف طرق إبداعية لدمجها ضمن الوجبات اليومية؛ إذ يظل هذا العالم الواسع مفتوحاً على أفكار جديدة تجمع بين الفائدة والمتعة في آن واحد».

لكن ما هي الأطعمة المخمرة؟ ولماذا بدأت تحتل مساحة بارزة في مطابخ العالم؟

يحتوي الزبادي على بكتريا نافعة بفضل التخمير

يقول اختصاصي التغذية الدكتور أيمن ساهر لـ «الشرق الأوسط»: «تعد من أقدم أنواع الطعام؛ إذ يعد التخمير من أقدم وسائل حفظ الطعام؛ فقد لجأت إليه الحضارات القديمة قبل ظهور وسائل التبريد الحديثة».

ويوضح أن هذه التقنية، مثلما تعمل على إطالة عمر المنتجات الغذائية، فإنها تسهم أيضاً في تحسين قابلية الهضم، وتعزيز امتصاص العناصر الغذائية، ورفع المناعة. ومن اللافت أنه مع ازدياد الوعي بالغذاء الصحي، عادت لتفرض نفسها في عالم الطهي. ومن أبرز هذه الأطعمة:

الأجبان

يُعد عالم الأجبان المختمرة رحلة رائعة في عالم النكهات والقوام والفوائد الصحية المتنوعة، ويقدم كل جبن تجربة مختلفة، وطريقة لذيذة لتحسين صحة الجهاز الهضمي. ويوضح الشناوي: «يعد الجبن مخمراً عندما تدخل في إنتاجه بكتيريا حية نشطة تستمر بعد التصنيع، مثل: الجبن الأزرق، الشيدر المعتق، البرميزان، أو عندما يمر بمرحلة تعتيق تسمح بتطور النكهات بفعل الميكروبات».

الأجبان المختمرة رحلة رائعة في عالم النكهات

ويتابع: «ومن أفضل أنواع الجبن المخمرة هي الكمتي (Comté)، وهو جبن فرنسي معتق يشتهر بكثافة الميكروبات المفيدة». ويحتوي على أكثر من 100 نوع من البكتيريا في كل غرام، كما أنه من أغنى أنواع الجبن بالنكهات والبروبيوتيك الطبيعي.

وإذا أردت الاستمتاع بمذاق ثري في أطباقك، يمكنك إدخال جبن الكمتي في عدد كبير من الوصفات المعروفة في المطبخ الفرنسي، كما أنه يناسب كثيراً من الوصفات العربية والعالمية؛ لأنه يذوب بشكل ممتاز، ويتمتع بنكهة غنية تشبه مزيجاً من الغرويير والبارميزان، وفق الشناوي.

الكيمتشي

ومن أشهر تلك الوصفات «غراتان البطاطس» بالثوم وكريمة الطبخ، وطبقة سخية من هذا الجبن الذي يمنح الوصفة قواماً ذهبياً ونكهة عميقة.

ويقترح الشناوي أيضاً وصفة «المعكرونة بالكمتي والفطر» والزبد والثوم والكريمة الخفيفة، وهي بديل رائع عن مكرونة ألفريدو التقليدية، أو «شطيرة الكمتي» مع الديك الرومي أو اللحم البارد، و«شوربة البصل الفرنسية» مع طبقة كمتي ذائبة والبصل المقلي ومرق اللحم والخبز المحمص وكمتي مبشور مشوي يضاف على الوجه.

كما أنه خيار مميز لمحبي البيتزا ذات النكهة القوية، أما عشاق السلطات، فنقدم لهم «سلطة أوراق السبانخ» والجوز أو اللوز، وصوص خفيف بالليمون، ومكعبات جبن كمتي، ويتم خلطها وتقديمها دافئة.

يمكن تناول الكفير كمشروب.. أو كمكون يمنح الأطباق نكهة منعشة

الكيمشي

هو أيقونة المائدة الكورية وسرها المخمر؛ فهو طعام تقليدي عبارة عن مزيج من الخضراوات المخمرة، يتكون من التوابل والخضراوات مثل الملفوف والفجل والكراث والخيار والبطاطا الحلوة، يشبه «المخلل» في الثقافة العربية. ويقوم هذا الطبق على مكونات بسيطة، أبرزها الملفوف، وكميات وفيرة من الثوم، ومسحوق الفلفل الأحمر الحار، إلى جانب مكونات أخرى، ويحفظ الكيمشي في مكان بارد، ويُقدم كمقبلات أو طبق جانبي إلى جانب الأرز.

ويوضح الشناوي: «على الرغم من أن الكيمشي عادة ما يكون مزيجاً مالحاً وحامضاً، فإنه يأتي بنكهات متنوعة حسب التوابل والبهارات والخضراوات المستخدمة». مشيراً إلى أن «الخضراوات المخمرة في الكيمشي تعد من أغنى الأطعمة بالبكتيريا النافعة (بروبيوتيك)، وهو ما يمنحه قائمة طويلة من الفوائد الصحية».

يستخدم الميسو في تحضير الشوربات والصلصات وتتبيلات السلطة

ولعمل الكيمشي، يحدد الشيف الشناوي مكوناته قائلاً: «أحضر ملفوفاً، ويفضل الصيني (نابا)، لكن من الممكن استخدام الملفوف العادي، وملح خالٍ من اليود، وثوم مبشور، وزنجبيل طازج، وصلصة سمك أو معجون روبيان، ومسحوق الفلفل الأحمر الكوري (ويمكن استبداله بالبابريكا أو بودرة الشطة)، فجل أبيض، وبصل أخضر».

يُقطع الملفوف، ويُضرب بالملح حتى يلين، ثم يُغمر بالماء لعدة ساعات، بعد ذلك يُشطف جيداً ويُصفى، قبل أن يُخلط بمعجون التوابل المكون من الثوم والزنجبيل والفلفل الأحمر وصلصة السمك. تُضاف الخضراوات الأخرى، ويُدلك المزيج جيداً، ثم يُحفظ في برطمان محكم الإغلاق، ليبدأ مرحلة التخمير التي قد تستغرق ما بين يوم و5 أيام، بحسب درجة الحرارة والنكهة المرغوبة.

هريس الفلفل يجمع بين حدة الطماطم وحموضة التخمير الطبيعية

الكفير

يعد الكفير واحداً من أقدم مشروبات الحليب المخمرة في العالم؛ إذ يرجح أنه نشأ في منطقة القوقاز قبل آلاف السنين، ليصبح اليوم ضيفاً ثابتاً على موائد المهتمين بالغذاء الصحي حول العالم. يقول الشيف الشناوي: «يمكن استخدام الكفير تماماً كما يُستخدم اللبن الرائب أو الزبادي؛ سواء كوجبة إفطار مغذية، أو كطبق خفيف بعد الوجبات، أو حتى كمكون يمنح الأطباق نكهة منعشة وحموضة محببة».

أما طريقة تحضيره التقليدية، فتقوم على إضافة حبوب الكفير إلى الحليب في درجة حرارة الغرفة، وتركه ليتخمر ما بين 10 إلى 24 ساعة، لتتكون بذلك بنية غنية من البكتيريا والخمائر المفيدة.

ومن الوصفات التي يقدمها الشيف الشناوي هي «دجاج بالكفير والأعشاب»، ومكوناتها هي: كوب من الكفير، وصدور دجاج أو أفخاذ منزوعة الجلد، وعصير ليمون، وفصوص ثوم مهروس، وبابريكا، وكمون، وزعتر مجفف أو أعشاب إيطالية، وملح وفلفل أسود، وزيت، وورشة شطة.

في وعاء عميق، يُمزج الكفير مع عصير الليمون والثوم والبابريكا والكمون والأعشاب، يضاف الملح والفلفل، وتقلب المكونات حتى تتجانس. تُتبل الدجاج، وتُضاف إلى الخليط مع التأكد من تغطيتها جيداً بالتتبيلة، ويتم قليها أو وضعها في الفرن، وتُقدم ساخنة.

الجبن المعتق طعام مختمر بمذاق ثري

الميسو

يعد الميسو أحد أبرز المكونات التقليدية في المطبخ الياباني، وهو معجون كثيف يحضر عبر تخمير فول الصويا مع الملح وفطر «الكوجي». ويوضح الشناوي: «يستخدم هذا المعجون أساساً في تحضير الشوربات والصلصات وتتبيلات السلطة، فضلاً عن إضافته إلى أطباق الخضار واللحوم لإثراء مذاقها».

ويستغرق إنتاجه، بحسب الشيف المصري، عدة أشهر من التخمير، تُخلط خلالها حبوب الصويا المطهوة مع الأرز أو الشعير المخمر والملح، لتخضع لتحول بطيء يمنحها مذاقها المميز الذي يجمع بين الملوحة والعمق والأومامي.

الزبادي

يعد الزبادي واحداً من أقدم الأغذية المخمرة وأكثرها انتشاراً في مطابخ العالم. ويُصنع الزبادي عبر إضافة بكتيريا نافعة إلى الحليب تمنحه قوامه المتماسك ونكهته الحامضة المميزة. ومع تنوع استخداماته، أصبح الزبادي مكوناً أساسياً في العديد من الأطباق، سواء كقاعدة للتتبيلات والصلصات، أو كمكون في العصائر، أو وجبة خفيفة تُقدم كما هي.

الكومبوتشا

الكومبوتشا هو شاي مختمر تقليدي ازداد استهلاكه في السنوات الأخيرة؛ نظراً لخصائصه الوظيفية المتعددة، مثل خصائصه المضادة للالتهابات ومضادات الأكسدة. ويتميز بنكهة فوارة خفيفة، وتعتمد قوته على مدة التخمير والمكونات المضافة مثل الفواكه أو المنكهات كالزنجبيل أو الريحان خلال مرحلة التخمير.

ويرى الشناوي أنه «من الأفضل تحضيره في المنزل؛ حتى تستطيع تخصيص النكهة، والأمر سهل لكن يتطلب أن تمنحه الوقت ليتخمر دون تعجل، وهذا ما يميز تحضير الأطعمة المخمرة في المنزل بشكل عام».

صلصة مختمرة بنكهة لاذعة

تقدم الصلصة المخمرة أو هريس الفلفل نكهة مميزة تجمع بين حدة الطماطم وحموضة التخمير الطبيعية، مع لمسة فقاعية خفيفة لا تشبه ما نجده في الصلصات الجاهزة أو حتى المنزلية التقليدية، وفق الشيف.

ويقدم الشناوي مكوناتها وهي: نحو 400 غرام من الطماطم الكرزية مقطعة إلى أنصاف، ونصف كوب من البصل الأخضر المفروم، وسيقان الكزبرة المفرومة، وفصان من الثوم المهروس، والملح الخشن، وعصير ليمونة، وحبة فلفل أخضر أو برتقالي (نصفها مفروم ناعماً، والنصف الآخر يُحفظ لمرحلة التخمير). وأضف إلى ذلك ملعقة كبيرة من العسل، فلفل أحمر، ملعقتان كبيرتان من مصل اللبن، وماء مصفى.


نصائح ذكية لطهي أفضل «معكرونة بالفرن»

طرق تحضير الباستا عديدة ومتنوعة (الشرق الاوسط)
طرق تحضير الباستا عديدة ومتنوعة (الشرق الاوسط)
TT

نصائح ذكية لطهي أفضل «معكرونة بالفرن»

طرق تحضير الباستا عديدة ومتنوعة (الشرق الاوسط)
طرق تحضير الباستا عديدة ومتنوعة (الشرق الاوسط)

لا تحتاج المعكرونة المخبوزة في الفرن إلى جهد لتكون طبقاً يبعث على الدفء والراحة؛ فكل مقوماتها حاضرة: الصلصة، والجبن السائل، ورائحة المعكرونة الزكية والفواحة. لكن الحقيقة هي أن بضع لقمات من هذا الدفء الدسم قد تغرقك في النعاس (ولماذا تستسلم للنوم بينما لا يزال هناك المزيد من المعكرونة لتناولها؟). لذا، في المرة القادمة التي تعدّ فيها المعكرونة بالفرن، اعتمد أحد هذه التحسينات التي ستجعل طبقك أكثر متعة.

معكرونة بالفرن (نيويورك تايمز)

أضف الخضراوات الورقية

تماماً كما يفعل الليمون في صلصة الكريمة أو السلطة الجانبية مع شريحة اللحم، يمكن للخضراوات الورقية في المعكرونة المخبوزة أن تكسر حدة الدسامة. ومن الأفضل طهي الخضراوات للتخلص من سوائلها قبل وضعها في الفرن لتجنب جعل قوام المعكرونة طرياً. لذا، يمكنك سلق الخضراوات الصلبة مثل البروكلي أو الكرنب في الدقائق الأخيرة من سلق المكرونة، أو تذويب الأوراق الخضراء الطرية مثل السبانخ الصغيرة أو الجرجير في الصلصة الدافئة حتى تذبل.

معكرونة بكرات اللحم (نيويورك تايمز)

نصف الطهي هو السر

لا يسع المعكرونة إلا أن تشرب الصلصة اللذيذة؛ وأثناء خبزها ف ي الفرن، تلتهم السوائل حتى تتجاوز مرحلة التشبع بكثير. فإذا دخلت المعكرونة إلى الفرن وهي لينة بالفعل، فسوف تنتفخ حتى تصبح «عجينة». والحل البسيط هو تقليل مدة سلقها، مع العلم أنها ستكتمل في الفرن: اغلِ المكرونة لمدة تقل بدقيقتين عن التوقيت المكتوب على العبوة حتى تصير «آل دينتي» (نصف استواء).

لازانيا على الطريقة الايطالية (نيويورك تايمز)

البصل المقرمش على الوجه

لا ضير في تزيين المعكرونة المخبوزة بفتات الخبز (البقسماط). هناك خيارات أخرى مثل المكسرات، أو البسكويت الملح، أو قطع اللحم المقدد؛ وكذلك البصل المتاح لديك بالفعل للصلصة. في وصفتها للمكرونة بالفرن مع جبن الشيدر والبصل المتبل، تخصص «ميليسا كلارك» جزءاً من البصل المكرمل لتضعه على وجه الطبق؛ حيث يتقرمش البصل ويلتوي مع جبن الشيدر أثناء الخبز.

باستا في الفرن مع الخضار (نيويورك تايمز)

التنويع في خيارات الأجبان

عند اختيار الجبن، فكر في كيفية تفاعله داخل الفرن. المزيج الكلاسيكي المعتاد هو الموزاريلا، والبارميزان، والريكوتا، لكن الخيارات لا تتوقف هنا. فهناك أجبان مثل الفونتينا، والشيدر، والغرويير تذوب بشكل رائع. أما قطع الجبن القريش أو الكريمي أو جبن الماعز فتمنح قواماً قشدياً، بينما يمنح جبن الفيتا أو الحلوم المبشور نكهة مالحة قوية. كما أن اختيار نوع الموزاريلا بعناية يصنع فارقاً؛ فالموزاريلا منخفضة الرطوبة تذوب وتتحمر بشكل أسهل لأنها تحتوي على ماء أقل.

باستا مع السبانخ (نيويورك تايمز)

اخبزها بحرارة أعلى ووقت أقل

توصي العديد من الوصفات بتغطية المعكرونة وخبزها لفترة طويلة، ثم كشفها لتحمير الوجه. لكن قضاء كل ذلك الوقت في الفرن بعيداً عن عينك قد يجعلها تجف. ولمزيد من التحكم، اخبز المعكرونة على درجة حرارة عالية (نحو 230 درجة مئوية) لمدة قصيرة (من 10 إلى 15 دقيقة)؛ فهذا الوقت كاف تماماً لتتجانس المكونات وتذوب الأجبان ويتحمر الوجه.

يجب إضافة الخضار في المرحلة الاخيرة من طهي الباستا (نيويورك تايمز)

اتركها تهدأ

من المفهوم أنك تريد التهام المعكرونة فوراً لحظة خروجها من الفرن، ولكن إذا وضعتها في طبقك، فسوف تسيل مثل الحمم البركانية المنصهرة. بترك المعكرونة تهدأ لمدة 10 دقائق، سيتماسك قوامها، وستلتصق الصلصة بالمعكرونة، وسيبقى الجبن في مكانه، وستنخفض الحرارة بحيث لا تحرق لسانك.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.