كبرى الشركات الأميركية تحتفل بنجاح أعمالها في السعودية... وتتطلع لمشروعات جديدة مع «رؤية 2030»

أكدت توفر فرص هائلة في المملكة

أولوف أرنمان  -  جان مارك  -  كاثي ايستر  -  أندرو باري
أولوف أرنمان - جان مارك - كاثي ايستر - أندرو باري
TT

كبرى الشركات الأميركية تحتفل بنجاح أعمالها في السعودية... وتتطلع لمشروعات جديدة مع «رؤية 2030»

أولوف أرنمان  -  جان مارك  -  كاثي ايستر  -  أندرو باري
أولوف أرنمان - جان مارك - كاثي ايستر - أندرو باري

شركات أميركية كثيرة حفرت لها اسما بارزا في مسيرة الاقتصاد السعودي ورسخت شراكة قوية من خلال التزام قوي بالعمل والنجاح وأخذ خطوات متسارعة لتنفيذ مشروعات حيوية وتطبيق رؤية 2030 لتنويع الاقتصاد والنهوض بالمهارات وتوطين الصناعة. وفي اليوبيل الماسي لبدء العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية بلقاء الرئيس فرانكلين روزفلت والملك المؤسس عبد العزيز آل سعود على متن السفينة كوينسي، يلقي رؤساء كبرى الشركات الأميركية الضوء على مسيرة النجاح خلال العقود الماضية وعلى الخطط المستقبلة خلال العقود المقبلة.
من أكبر الشركات التي رسخت اسما كبيرا في مجال النفط والغاز هي شركة أكسون موبيل التي بدأت العمل في المملكة منذ عام 1927. ويقول جان مارك تاتون، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة أكسون موبيل السعودية: «منذ أكثر من 90 عاما بدأنا بتسويق المنتجات البترولية في منطقة الحجاز، وعلى مر العقود كانت أنشطتنا في المملكة متنوعة ومثيرة ومربحة. واليوم بصفتنا أحد أكبر المستثمرين الأجانب في السعودية، نحن فخورون بالشراكة مع شركة أرامكو السعودية وسابك وسامرف وكيميا ويانبت، فقد حققت هذه المشاريع المشتركة على مدار الثلاثين عاما الماضية نتائج رائعة في السلامة في مكان العمل والصحة والأداء البيئي وتقدم أيضا فرص تدريب وتوظيف لآلاف السعوديين».
ويضيف أنه «بناء على هذا الأساس القوي للشراكات مع الشركات السعودية، تشارك أكسون موبيل الآن في مشروعات خارج حدود السعودية. حيث نعمل مع أرامكو في الصين ونعمل مع سابك في بناء منشأة جديدة للبتروكيماويات على ساحل الخليج الأميركي بمليارات الدولارات، وستحتوي هذه المنشأة على أكبر وحدة تكسير بخار الإيثلين في العالم». مؤكدا أن «المملكة شهدت تغيرا ملحوظا ونموا وتقدما، ورسخت في تاريخها الثري منصة استثمارية مستقرة وجذابة. ونعتبر رؤية 2030 شهادة حقيقية على الريادة المستمرة مع المملكة».
ويقول أولوف أرنمان مدير عام شركة مكديرموت بالسعودية بأن الشركة عملت مع أرامكو السعودية كفريق رابح في المملكة لأكثر من خمسة عقود، حيث قامتا ببناء منشآت حديثة للنفط والغاز وتقديم بعض من أكثر المشروعات تحديا في العالم بنجاح. وبناء على مبادئ رؤية 2030 ستقوم الشركة ببناء ساحة تصنيع جديدة في راس الخير، تكون جاهزة للعمل في أواخر 2022. وسيكون مرفقا عالميا واسع النطاق في المملكة باستخدام المعدات والتكنولوجيات المبتكرة مما يساهم في تكوين مهارات القوى العاملة بالسعودية وسلسلة التوريد المحلية».
ويؤكد نهير يارديمي نائب رئيس شركة رد وود غلوبال للطاقة والاستثمارات والبنية التحتية على العلاقات التجارية القوية بين الولايات المتحدة والسعودية في تعظيم الحيوية ودفع الديناميكية في اقتصاد المملكة، ويقول: «لقد تم التأكيد على أهمية هذه العلاقة الثنائية خلال زيارة ولي العهد السعودي الأخيرة للولايات المتحدة، وهناك أدلة على تأثير هذه الزيارة تبدو واضحة في الاستثمارات المتنامية في البنية التحتية والخدمات داخل المملكة».
ويضيف أن شركته (التي تعمل تحت مظلة شركة مابا غونال العالمية) في الولايات المتحدة «تتطلع للمشاركة في تنفيذ رؤية 2030 باعتبارها مبادرة وفرصة لتعزيز النقاشات لتنمية استثمارات المياه والبنية التحتية، وتفخر الشركة والعديد من الشركات الأميركية بأن تكون جزءا من عملية التطوير المثيرة للإعجاب، حيث ستستمر قوة النمو الاقتصادي في المملكة في التأثير على مستقبل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».
ويقول أندرو باري رئيس شركة «كي بي أر» الرائدة عالميا في مجال إدارة المشارع وتقديم الخدمات المهنية والهندسية في قطاع الكيماويات، بأن «الشركة تطورت في عملها في المملكة كمورد موثوق به لتقديم الخدمات المتنوعة في قطاعي الطاقة والتكنولوجيا لأكثر من أربعة عقود. ولا يزال هذان القطاعان التجاريان يمثلان أولويات استراتيجية رئيسية لشركة كي بي أر في السعودية وفي جميع أنحاء العالم، ونعتمد على خبرتنا في جميع أنحاء العالم لخدمة وتطوير أعمال الحلول الحكومية في المملكة العربية السعودية». مضيفا: «وضعنا رؤية 2030 كأساس لمبادئنا التوجيهية، ولذا نقوم بتوطين سلاسل التوريد وتوسيع نطاق توظيف الخريجين من الطلبة السعوديين، ونقوم بنقل الطرق الجديدة لتقديم الأعمال الحكومية، وبصفتنا أحد موردي الخدمات في ناسا نرى فرصا كبيرة للعمل مع قطاع الفضاء السعودي من أجل تحقيق رؤية 2030».
وعن تعزيز العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والسعودية خلال الخمسة والعشرين عاما القادمة، أوضح باري أن «العالم يتطور دائما، ومع التغيير تأتي الفرص. وتواصل شركة كي أر بي المضي قدما في مسار مشترك يرتكز على المصالح والقيم المشتركة في بناء أقوى علاقات الأعمال التجارية، والأهم في ذلك هو تقوية العلاقات الإنسانية، وهو الأساس للخمسة والعشرين عاما القادمة من الشراكة والنمو والأمن واستغلال الفرص».
ويقول راندي كريجر، رئيس أسواق «فورد للسيارات» بأن «رحلة شركة فورد في المملكة تمتد إلى سبعة عقود، حينما تم استخدام سيارات بيك أب F - 1 في جميع أنحاء المملكة للتحرك والسفر خلال فترة ما قبل الطفرة النفطية. واليوم لا يزال التزام شركة فورد موتورز بالمملكة قويا كما كان دائما، ونواصل تطوير وتعميق علاقاتنا في المنطقة، لكن علاقتنا مع المملكة تتجاوز بيع السيارات والخدمات المصاحبة لها، فنحن نركز على أن نكون جزءا من المجتمع ونعمل على مساعدة الشباب السعودي على استكشاف فرص جديدة، وندعم الشركة المحلية في تحقيق أهدافها، وقمنا بذلك على مدى عقود بإنشاء أكاديمية هنري فورد لريادة الأعمال وتوفير المنح البيئية ومهارات القيادة من أجل الحياة».
وتقول كاثي ايستر، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة هيوستن ميثوديست لخدمات الرعاية الصحية العالمية، إن «الشركة تشارك منظمات مهمتها تحسين الرعاية الصحية في جميع أنحاء العالم، وقد أصبحت وجهة عالمية للمرضى والأطباء الذين يبحثون عن حياة جديدة، حيث توفر التقنيات في رعاية القلب والأوعية الدموية وغيرها من التخصصات. وكانت المملكة من أوائل الدول التي أدركت الثورة الطبية التي تحدث في هيوستن ميثوديست، وأصبحت الشركة شريكا استراتيجيا في رحلة المملكة لتعزيز قطاع الرعاية الصحية وبرامج تنمية القدرات البشرية لصالح المرضي».
وتضيف أن «مفتاح النجاح لأي علاقة تجارية أميركية سعودية هو أن تكون شريكا طويل الأجل مع نفس المستوى من الالتزام الذي يتوقعه الشركاء السعوديون، ونحن ملتزمون بالشراكة مع المملكة حلال السنوات المقبلة ونؤمن أن التمكين المتزايد للمرأة في المملكة سيوفر فرصا كبيرة ليس فقط في مجال الرعاية الصحية لكن في جميع جوانب الحياة السعودية».
ومن أقدم الشركات الأميركية العاملة في المملكة هي شركة سابكو، ويقول رئيسها شين هال «دخلت السعودية في شراكة مع بكتل منذ أكثر من 77 عاما للمساعدة في دفع نموها الاقتصادي لتصبح مركزا عالميا للصناعة والابتكار. وحتى قبل الاجتماع التاريخي بين الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود، بدأت المملكة وبكتل مشروعهما الأول معا وهو مصفاة راس تنورة التي لا تزال تعمل حتى اليوم. ومنذ ذلك الحين قمنا بتنفيذ مشاريع متعددة لتحسين البنية التحتية. ونحن متمسكون برؤية المملكة 2030 مع أهدافها الطموحة لتنويع الاقتصاد ومواصلة بناء بلد مزدهر».
ويضيف قائلا: «إلى جانب مشاريع تاريخية مثل مترو الرياض ومدينة الجبيل الصناعية، فإننا نستثمر في أثمن مورد في المملكة وهو شعبها، من خلال عملنا في المنظمة الوطنية لإدارة المشاريع والشراكة مع كلية الرياض للتكنولوجيا وملتزمون بنجاح الجيل القادم من المهنيين السعوديين».
ويقول ستيف ديميتريو الرئيس والمدير التنفيذي لشركة جاكوبس التي تعمل بالمملكة منذ عام 1945، إن مشاريع الشركة في النفط والغاز والطاقة تطورت للتركيز على البنية التحتية والاجتماعية والتخطيط الحضري والمياه والنقل وأعمال الموانئ بما يتوافق مع رؤية 2030. موضحا أن «شركة جاكوبس فخورة بكونها جزءا من هذا التاريخ العظيم وجزءا من التحول المتطور». ويؤكد أن العلاقات التجارية بين البلدين ستبقى قوية، ومن خلال مشروع جسارة المشترك بين أرامكو مع بي أي إف وجاكوبس، فإننا ندعم برامج البنية التحتية الاجتماعية بما يتماشى مع رؤية 2030. وأحد الأهداف الرئيسية لمشروع جسارة هو تطوير مهارات الشباب السعوديين ليصبحوا مديري البرامج في المستقبل.


مقالات ذات صلة

السعودية: أكثر من مليوني منشأة و12 مليون عقد في «قوى» خلال الربع الأول  

الاقتصاد عاملون في وزارة الصحة يقومون بأداء مهامهم الوظيفية (الشرق الأوسط)

السعودية: أكثر من مليوني منشأة و12 مليون عقد في «قوى» خلال الربع الأول  

كشفت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية عن أبرز أرقام منصة «قوى» خلال الربع الأول من العام الحالي، وذلك في إطار جهودها المستمرة لتطوير سوق العمل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص المقر الرئيسي لشركة «موبايلي» (الشرق الأوسط)

خاص رئيس «موبايلي»: «رؤية 2030» حوّلت قطاع الاتصالات في السعودية إلى محرك للاقتصاد الرقمي

أسهمت «رؤية السعودية 2030» في إحداث تحوّل هيكلي عميق في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، حوّله من مزود تقليدي للخدمات إلى ممكن رئيسي للاقتصاد الرقمي.

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس) p-circle 00:47

شهباز شريف: سددنا 3.5 مليار دولار من الديون بفضل دعم السعودية «المحوري»

أعرب رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، عن امتنانه العميق وتقديره البالغ للسعودية، قيادةً وحكومةً، لدورها الحاسم في مساندة بلاده.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد موقع تصنيعي لشركة «سابك» في الجبيل (المركز الإعلامي للشركة)

«سابك» تعود إلى مربع الربحية في الربع الأول وسط تحولات استراتيجية كبرى

نجحت الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) في استعادة توازنها المالي خلال الربع الأول من عام 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد سجلت مجموعة «إس تي سي stc» السعودية نمواً في أدائها المالي خلال الربع الأول من عام 2026 (الشرق الأوسط)

أرباح «إس تي سي» تقفز 12 % وإيراداتها تلامس 5.3 مليار دولار

سجلت مجموعة «إس تي سي stc» السعودية نمواً في أدائها المالي خلال الربع الأول من عام 2026، مدفوعةً بزيادة الإيرادات وتحسن الكفاءة التشغيلية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.