«داعش» يستعيد أساليب إرهابية قديمة

دفع عناصره مجدداً لـ«هجمات منخفضة التكاليف»

أفراد من قوات الأمن الأفغانية يحرسون عناصر من تنظيم «داعش» الإرهابي بمدينة جلال آباد عقب اعتقالهم نهاية العام الماضي (أ.ف.ب)
أفراد من قوات الأمن الأفغانية يحرسون عناصر من تنظيم «داعش» الإرهابي بمدينة جلال آباد عقب اعتقالهم نهاية العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

«داعش» يستعيد أساليب إرهابية قديمة

أفراد من قوات الأمن الأفغانية يحرسون عناصر من تنظيم «داعش» الإرهابي بمدينة جلال آباد عقب اعتقالهم نهاية العام الماضي (أ.ف.ب)
أفراد من قوات الأمن الأفغانية يحرسون عناصر من تنظيم «داعش» الإرهابي بمدينة جلال آباد عقب اعتقالهم نهاية العام الماضي (أ.ف.ب)

في وقت أكد فيه تقرير أممي أن «تنظيم (داعش) الإرهابي، أعاد تأسيس نفسه من جديد في العراق وسوريا، تحت قيادة أبو إبراهيم الهاشمي القرشي». أشارت دراسة أعدها «مرصد الفتاوى المتشددة» التابع لدار الإفتاء المصرية، نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، إلى «استعادة التنظيم مجدداً أساليب إرهابية قديمة عُرفت بـ(العمليات منخفضة التكاليف) بسبب افتقاره لموارده اللوجستية والبشرية والمادية». وقال حسن محمد، مدير مرصد دار الإفتاء المصرية، إن «لجوء (داعش) إلى (العمليات منخفضة التكاليف) كانت عبر مرحلتين، الأولى في مرحلة التأسيس لاستهداف المدن ومحاولة السيطرة عليها من خلال بث الرعب، والأخرى عندما يتعرض للهزائم ويفقد السيطرة على المدن»، موضحاً أن «النداء الأخير لـ(داعش) بالعودة للأساليب القديمة، يأتي في سياق النوع الثاني، بعدما مُني بخسائر هائلة خلال الأشهر الماضية، وتحول في استراتيجيته إلى ما يسمى (النكاية والإنهاك) وفق منهجه في (إدارة التوحش)، والتي تتضمن القيام بعمليات (الإرهاب الرخيص) التي تتميز بكونها قليلة التكلفة، ولا تحتاج إلى خبرة أو حنكة عسكرية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «اللجوء إلى تلك العمليات يكشف عن تراجع في أعداد عناصر التنظيم القادرين على شن هجمات إرهابية كبرى، وتكشف سعي التنظيم لاستعاضته عن فقدانه العناصر البشرية بـ(الذئاب المنفردة)».

لامركزية

ففي أعقاب مقتل أبو بكر البغدادي، زعيم «داعش» السابق، نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نشطت منصات «داعش» الإعلامية للتحريض على استراتيجيات «الإرهاب الرخيص». وقال مراقبون إن «ذلك كشف عن تراجع حجم إمكانياته المالية وفقدانه للقدرات البشرية، بالإضافة إلى فقدان قدرات التخطيط والتدبير والتنفيذ للنشاط الإرهابي، وهو ما يمثل انتقال التنظيم من التخطيط المركزي إلى اللامركزي بشكل كامل».
من جانبه، أكد مدير مرصد الإفتاء المصرية، أن «اتجاه التنظيم نحو اللامركزية فيما يطلق عليها الأفرع والولايات، بدأ منذ فترة البغدادي؛ لكنه زاد في أعقاب مقتل البغدادي، وتولي القرشي الذي واجه عدداً من الانشقاقات الكبيرة وما زالت حتى الآن، وقد كشفت صحيفة (النبأ) الأسبوعية الناطقة باسم التنظيم عن تلك الانشقاقات، كما كشفت عنها الكلمة الأخيرة لأبو حمزة القرشي، التي توعد فيها المنشقين عن التنظيم والخارجين عليه، الأمر الذي دفع القرشي لمنح الأفرع والولايات مساحات أكبر من اللامركزية... كما أن مقتل البغدادي أثّر بشكل سلبي كبير على التنظيم وتماسكه، كون البغدادي كان يميل إلى المركزية أكثر من القرشي، ما يعني أنه في حالة مقتل القرشي، فإن التنظيم مُعرض لهزات ونكسات كبرى... وبالتالي فإن الحفاظ على بقاء التنظيم بعد مقتل قياداته يتطلب بشكل أساسي لامركزية في الإدارة، وهو المنحى الجديد الواضح في فكر القرشي».
وذكرت الدراسة المصرية أن «المنصات الإعلامية التابعة للتنظيم حرّضت عناصر التنظيم أخيراً على تنفيذ عمليات (الإرهاب الرخيص)، وتنفيذ أنماط أقل تكلفة؛ لكنها تضر مباشرة باقتصاديات الدول والأفراد، ويعد (الإرهاب الرخيص) أحد خيارات الجماعات الإرهابية في تنفيذ عمليات إرهابية بأقل تكلفة، تعتمد على تقنيات بسيطة، يصعب الكشف عنها، أو التنبؤ بها، وتتسم بسهولة نقلها، مبتعدة بذلك عن نمط العمليات ذات الأسلحة الثقيلة المكلفة مادياً ولوجستياً، التي يُمكن إفشالها بالتتبع والمراقبة». فيما أكد باحثون في «الإفتاء» أن «منصة موالية لـ(داعش) تسمى (الذئب المنفرد) دعت منذ عدة أشهر إلى استخدام أنماط جديدة منها (القتل بالسم، والدخان، والأسهم المسمومة، والصعق الكهربائي)، وتم طرح ملصقات أخرى في أعقاب مقتل البغدادي تدعو إلى استخدام (البالونات الحارقة)، واستخدام (المناطيد) لعمليات المسح بالقرب من المناطق العسكرية، وتوظيفه في عمليات النقل والاختباء والهجرة وتطوير إمكانياته عن طريق التحكم فيه عن بعد».

مؤشر على التراجع

وعن استخدام «البالونات الحارقة» واستخدام المناطيد. قال حسن محمد، إن «الدعوة إلى استخدام (البالونات الحارقة) تمثل مؤشراً على تراجع قدرات التنظيم التقنية والعسكرية، خصوصاً أن البالونات تمثل البديل عن الطائرة المسيّرة التي استخدمها التنظيم بكثرة في سوريا والعراق»، مضيفاً: «عقب تراجع التنظيم العسكري والتقني، لجأ إلى البالونات، وزادت الدعوات إلى استخدامها بشكل كبير على منصات التنظيم، خصوصاً على تطبيقات الهواتف التي شهدت تزايداً كبيراً في استخدام عناصر التنظيم لها»، موضحاً أن «استخدام (البالونات الحارقة) بوصفها وسيلة جديدة، يُصعّب بشكل كبير نجاحها لما تمثله من صعوبة التخفي في المراقبة والرصد، كما أنه يسهل التعامل معها من خلال القوات العسكرية على الأرض بأقل التكاليف والإمكانيات؛ لكنها تظل وسيلة فعالة في مراقبة المدن والمحاور، بعيداً عن الاشتباكات المسلحة، فهي توفر ميزة المسح والرصد الفعال للمناطق الحضرية والمدن».
كان التقرير الأممي، الذي أعده «فريق الأمم المتحدة للمراقبة»، نهاية الشهر الماضي، الذي يتتبع تهديدات الإرهاب العالمي، قد ذكر في هذا الصدد أنه «من الواضح أن من ضمن أسباب صمود (داعش) في سوريا والعراق أخيراً، جيوبه العميقة؛ لكن في ظل انخفاض النفقات العامة الآن، لم يعد التنظيم قادراً على إدارة بقايا الدولة المزعومة هناك».
وسبق أن حرضت مجلة «رومية» التابعة لـ«داعش» على تنفيذ هجمات عبر «إشعال الحرائق المتعمد»، وقد تسبب التنظيم خلال الأشهر الماضية في إشعال الحرائق في عدد من المزارع بالعراق. واستمر التنظيم في التحريض على هذا النمط بعد مقتل البغدادي، حيث ما زالت منصات التنظيم تُحرض على إشعال الحرائق في «شاحنات نقل النفط»، و«خطوط أنابيب الغاز»، و«محطات الوقود»، وذلك باستخدام أدوات بسيطة مثل «السيجارة» بحيث تبدو كحادثة.
إلى جانب الأنماط السابقة. قالت دراسة دار الإفتاء، إن «(داعش) سيعمل على استغلال أوضاع مناطق النزاعات في كل من (جنوب آسيا، وغرب ووسط أفريقيا، وشمال أفريقيا، ومنطقة الشام والعراق) لتنفيذ (حروب العصابات)، وعمليات الكر والفر؛ لكن سوف يُركز بشكل أساسي على أنماط وأسلحة خفيفة، حسب قدراته في تلك المناطق وأبرزها (عمليات إطلاق النار العشوائي على الأهداف الأمنية والعسكرية، واستهداف شخصيات عامة وأمنية، وزرع عبوات ناسفة محلية الصنع، فضلاً عن عمليات الاختطاف، والذبح، وإعدام المختطفين، واستهداف الكنائس والأديرة والمساجد، وحرق المزارع ونهب المحال التجارية)».

من «القاعدة» لـ«داعش»

وعن جذور «الإرهاب الرخيص»، أرجعته دراسة دار الإفتاء المصرية، إلى تنظيم «القاعدة» الإرهابي عام 2010، حينما حرّض التنظيم على استهداف الأجانب، وتنفيذ عمليات إرهابية في أوروبا، عبر استخدام تقنيات وأدوات بسيطة، ومن ثم بدأت مجلة التنظيم «إنسباير» الناطقة بالإنجليزية في التعريف بكيفية صُنع «عبوة ناسفة» عن طريق أدوات المطبخ، وامتزجت تلك العمليات مع تنامي الإرهاب في الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً عمليات «إطلاق النار» العشوائي على التجمعات وفي أثناء الاحتفالات... وتطورت تلك الأنماط مع ظهور «داعش» في العراق وسوريا، واعتماده على العمليات المعقدة، وعمليات الاستحواذ على الأرض، وتعددت هنا أدواته في «الإرهاب الرخيص» منها «عمليات الطعن، والدهس، والتفجيرات، والسيارات المفخخة، وإطلاق النار العشوائي، والخطف، والهجمات الإلكترونية»، ولم تتوانَ منصات «داعش» الإعلامية عن شرح كيفية صنع قنابل بسيطة.
وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلن التنظيم ذبح 11 رهينة مسيحية جميعهم من الرجال في نيجيريا... وسبق أن تبنى التنظيم أكثر من عملية طعن.
وحول مسببات توجه «داعش» إلى التحريض على «الإرهاب الرخيص» خلال الفترة الأخيرة. أرجعته الدراسة المصرية إلى «تعويض عجز التنظيم المالي واللوجيستي، والحفاظ على مقومات القدرات البشرية، ونشر الخوف بين السكان المستهدفين، وإحداث ارتباك شامل داخل المجتمعات».
وحذرت الدراسة ذاتها من «احتمالية تزايد التحريض من عناصر التنظيم على (العمليات منخفضة التكاليف)؛ لأنها تحقق عدة منافع للتنظيم، منها تكلفة أقل من العمليات الإرهابية المركبة والمعقدة، ونشر الخوف والرعب، والإضرار بالمصالح الاقتصادية والخدمات العامة، وإنهاك الدول اقتصادياً، وإمكانية التوسع فيها، وتقليل عدد الخسائر البشرية لدى التنظيم، وسهولة اختراق الاستنفارات الأمنية في عدد من المناطق، والتغطية على مخططات التنظيم لتنفيذ عمليات معقدة ومركبة، والتسبب في إرهاق وتشتيت أجهزة الأمن والاستخبارات بالبحث والتتبع، ومن هنا ستتنوع تلك الأنماط وفقاً لطبيعة كل مجتمع».
وعن الأنماط الجديدة التي دعا إليها «داعش»، أكد حسن محمد، أنه «من أبرز هذه الأنماط الكبيرة والمؤثرة ما يُعرف باسم (الإرهاب الهاتفي) الذي يعد صورة من صور (الإرهاب الإلكتروني)، عبر استخدام الوسائل العلمية الحديثة، من أجل إلحاق الأذى النفسي والمادي بالآخرين، ويعتمد على استخدام شبكات الاتصالات، الأمر الذي يجعلها هدفاً سهل المنال، وأقل تكلفة من استخدام الجماعات الإرهابية للأدوات التقليدية في العمليات الإرهابية ونشر الذعر والفوضى في المجتمعات، خصوصاً المتفجرات والعبوات الناسفة، لذلك فإن أنظمة الاتصالات باتت محل استهداف من هذه المجتمعات».
وحول لجوء «داعش» إلى مثل هذه الأساليب مجدداً، قال محمد: «هذه الآليات موجودة في فكر واستراتيجيات التنظيم منذ نشأته؛ لكنّ اللجوء إليها مرة أخرى يكشف أوضاع التنظيم وما يواجه من مشكلات وصعوبات، وفي الحالة الراهنة للتنظيم الإرهابي، فإننا يمكننا القول إن الخسائر المادية والبشرية والتقنية التي تعرض لها التنظيم هي الدافع الأهم للجوء التنظيم إلى هذه الآليات، فقبل أسابيع تمكن الاتحاد الأوروبي من حذف نحو 26 ألف حساب ومنصة إلكترونية تابعة للتنظيم على مواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، هذا إلى جانب الهزائم العسكرية التي مُني بها التنظيم في معاقله في سوريا والعراق».


مقالات ذات صلة

حلم أكراد سوريا بحكم ذاتي تلاشى بعد الاتفاق مع الشرع

تحليل إخباري روكسان محمد 37 عاماً (يسار) المتحدثة باسم وحدات حماية المرأة تنتظر برفقة مقاتلات من قوات الأمن الداخلي حاملةً رشاشها بالقرب من مطار القامشلي في 8 فبراير (أ.ف.ب)

حلم أكراد سوريا بحكم ذاتي تلاشى بعد الاتفاق مع الشرع

في قاعدة عسكرية في شمال سوريا، تروي روكسان محمّد ورشاشها على كتفها كيف قاتلت تنظيم «داعش» في صفوف «وحدات حماية المرأة الكردية» التابعة لقوات «قسد»

«الشرق الأوسط» ( الحسكة (سوريا))
المشرق العربي عنصران من الشرطة في سوريا (الشرق الأوسط)

مقتل عنصر أمن وإصابة آخر في هجوم لتنظيم «داعش» بشرق سوريا

أعلن تنظيم «داعش» اليوم الخميس مسؤوليته عن هجوم أسفر عن مقتل عنصر أمن في الحكومة السورية ​وإصابة آخر في شرق سوريا، في تصعيد لهجمات التنظيم ضد القيادة

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي وزير العدل العراقي خالد شواني (واع)

العراق وروسيا يبحثان تبادل محكومين بالسجون

دعا وزير العدل العراقي خالد شواني، الأربعاء، حكومة روسيا إلى أهمية تنظيم ملف تبادل المحكومين بين بغداد وموسكو.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عناصر من «داعش» أثناء إيداعهم سجن الكرخ المركزي ببغداد (أ.ب)

القضاء العراقي يبدأ استجواب «داعش»... ويعزل سجناء قاصرين

تُواصل السلطات العراقية استجواب عناصر متهمين بالانتماء إلى تنظيم «داعش» الذين نُقلوا من سوريا إلى العراق وعزل القاصرين منهم في أماكن خاصة

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي لقطة عامة لمخيم «الهول» في محافظة الحسكة السورية (رويترز) p-circle

السلطات السورية تبدأ إجلاء سكان مخيم «الهول» إلى آخر في حلب

بدأت السلطات السورية، الثلاثاء، نقل من تبقوا من قاطني مخيم «الهول»، الذي يؤوي عائلات عناصر في تنظيم «داعش»، إلى مخيّم آخر في حلب شمال البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعىٍ مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.