لغز النصوص الفينيقية التي حملت الكتابة إلى شبه الجزيرة الأيبرية

لغز النصوص الفينيقية التي حملت الكتابة إلى شبه الجزيرة الأيبرية

الخميس - 5 جمادى الآخرة 1441 هـ - 30 يناير 2020 مـ رقم العدد [ 15038]
كتابات فينيقية على قطع صغيرة من الخزف تعود إلى 2800 سنة عُثر عليها في شبه الجزيرة الأيبرية
مدريد: شوقي الريّس

كما في الروايات البوليسية، يحدث أحياناً في علم الآثار أن يكون مفتاح اللغز أمام الأبصار، لكن أحداً لم ينتبه إليه أو يقاربه من زاوية مختلفة. هذا ما حصل مع عالم الآثار الخبير في الكتابات القديمة خوسيه زامورا عندما كان يبحث في بعض الكتابات الفينيقية عن قطع صغيرة من الخزف تعود إلى 2800 سنة عُثر عليها في شبه الجزيرة الأيبرية. فقد تبين له أن الذين وضعوا تلك الكتابات، لا بد أنهم كانوا يعرفون الكتابة على ورق البردي رغم عدم وجود أي أثر لذلك حتى الآن، نظراً إلى شكل الأحرف وانحناءاتها وسرعة انسيابها.
ويقول زامورا إن ذلك الاكتشاف أتاح له فك العقدة التي مكّنته من التأكيد أن الفينيقيين الأوائل الذين نزلوا في جنوب شبه الجزيرة الأيبرية أواخر القرن التاسع قبل الميلاد «كانوا يكتبون، ويكتبون كثيراً»، على الرغم من عدم وجود أدلة حسية كثيرة على ذلك، مما يعزز الرأي القائل بأن تلك الحضارة المتوسطية الأولى التي قامت على التجارة والسفر، هي التي حملت الكتابة إلى البلاد التي نزلت واستقرت فيها، ثم طورها السكان المحليون وكيفوها مع مقتضيات لغاتهم. ويؤكد هذا العالم الذي يُعد أحد المراجع الكبرى في تاريخ الحضارات المتوسطية القديمة، أن اللغات المحلية التي تدرجت من الفينيقية بقيت حية ومتداولة طوال سبعة قرون، وتعايشت على عهد الرومان مع اللاتينية التي انتهت بالسيطرة عليها جميعاً ودفنتها في غياهب الأنقاض التي يسعى الإخصائيون إلى انتشالها منها.
وفي حديث مع «الشرق الأوسط» على هامش الندوة الدولية حول الدراسات الفينيقية التي عُقدت في مدينة «ميريدا» الإسبانية، كشف زامورا أنه في صدد وضع اللمسات الأخيرة على مشروع لدراسة جميع الكتابات الفينيقية في شبه الجزيرة الأيبرية وجزر الباليار المتوسطية، بهدف تأسيس «قاعدة بيانات شاملة عن الكتابات والمنقوشات التي تركها ذلك الشعب العظيم الذي جال في كل أنحاء المتوسط».
ويقول هذا العالم الذي أمضى سنوات ينقب عن المخطوطات الفينيقية، من قادش في أقصى الجنوب الإسباني إلى قبرص، ومن جزيرة صقلية إلى لبنان، إن الفينيقيين «خلافاً لليونانيين والرومان كانوا يكتبون على مواد تالفة أو اندثرت باندماجها مع الحضارة الرومانية»، ولكن ما وصلنا منها كان كافياً لفك ألغاز الكتابة الفينيقية في القرن الثامن عشر، ثم لكشف النقاب عن اللغة الفينيقية التي يستعصي معظم نصوصها على الفهم.
ولهذا السبب يرى زامورا أنه لا بد من مواصلة البحث عن المزيد من المخطوطات على مواد دائمة مثل الحجارة والمعادن والخزف وجلود الحيوانات، في شكل نصوص قصيرة أو أسماء أو أجزاء منها.
أما في حالة شبه الجزيرة الأيبرية، فقد تأكدت النظرية القائلة بأن الفينيقيين هم الذين أدخلوا الكتابة إليها على ورق البردي، بفضل العثور على خمسة أختام فينيقية كتلك التي تستخدم لختم الوثائق بالشمع، تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، في مدينة قادش التي كانت أولى المستعمرات التي بناها الفينيقيون في شبه الجزيرة. ويقول زامورا إن صاحب تلك الوثائق قرر إحراقها، أو هي احترقت، لكن النيران لم تأتِ على الأختام، ما يعني «أن تلك النصوص الفينيقية المخفية كانت موجودة، وأن السكان المحليين استندوا إليها لتطوير لغتهم».
ويُجمع الإخصائيون في الدراسات الفينيقية استناداً إلى هذه الاكتشافات التي توالت في السنوات الأخيرة، على أن الفينيقيين هم الذين أدخلوا الكتابة إلى إسبانيا والبرتغال عندما استقروا فيها منذ نحو 2900 عام، وساعد الازدهار الكبير الذي شهدته مستعمراتهم بفضل التجارة، على تطور الثقافات المحلية.
وقد بينت دراسات حديثة أن الحضارة البونيقية (القرطاجية) ازدهرت بسبب تأثرها بالحضارة الفينيقية، وانتشرت في القسم الجنوبي الغربي من إسبانيا قبل أن تندثر فجأة أواسط الألف الأول قبل الميلاد بعد أن تركت لنا أول كتابة أصلية في شبه الجزيرة الأيبرية. ويتضح من تلك الدراسات أن الكتابة البونيقية كانت مشتقة من الأبجدية الفينيقية وطوّرت بعد ذلك شخصيتها الذاتية وتركت آثاراً لافتة ومليئة بالألغاز. لافتة إلى أنهم أدخلوها بسرعة في نصوصهم العامة مثل الكتابات الناموسية، ومليئة بالألغاز لأنهم بدل أن يعتمدوا نظاماً أبجدياً كالفينيقي، حيث الحرف هو الدالّ على الصوت، اختاروا نظاماً شبه أبجدي يجمع بين أشكال تمثل مقاطع صامتة إلى جانب أخرى صائتة.
ويقول فرنسيسكو بلتران، أستاذ اللغات القديمة في جامعة فالنسيا، إن تلك التحولات الكبرى تزامنت مع وصول الإمبراطورية الرومانية إلى إسبانيا، علماً بأن المرحلة الأولى شهدت ازدهاراً واسعاً لاستخدام تلك اللغات المحلية المشتقة من الفينيقية، قبل أن تندثر كلياً بعد ذلك. ويضيف أن صعوبة فك الغاز تلك اللغات واستعادتها من النسيان «شبيهة بتلك اللغة الفينيقية، أي أنها ليست مفهومة بعد بشكل كامل، وأن معظم ما كُتب بها قد ضاع لأنه كان على ورق البردي أو القشور النباتية والمشمعات».


اسبانيا آثار

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة