إقبال جماهيري على معرض «أيتها الأرض» الفني بجدة

المعمار والفن يوجهان رسالة حب عاجلة واعتذار للبيئة

جانب من المعرض الفني «أينها الارض»
جانب من المعرض الفني «أينها الارض»
TT

إقبال جماهيري على معرض «أيتها الأرض» الفني بجدة

جانب من المعرض الفني «أينها الارض»
جانب من المعرض الفني «أينها الارض»

تحولت مدينة جدة ليلة أمس إلى معرض فنّي شامل مع افتتاح النسخة السابعة من معرض الفنون السنوي 21,39، الذي يأتي هذا العام محملا بهموم بيئية ورسالة حب واعتذار لكوكب الأرض. وتفاعل مع موضوع العام الحالي، وعنوانه "أيتها الأرض" عدد ضخم من الفنانين، قدم كلّ منهم تصوّره لقضايا البيئة مع نظرة محلية تحاول فهم دور الإنسان في إصلاح الضرر الذي وقع على البيئة وأيضا محاولة فهم العلاقات مع الكائنات التي تشاركنا الحياة على هذا الكوكب.
تجوّل الزوار بين المعروضات باهتمام واضح، ودارت المحادثات مع الفنانين حول رؤاهم وأعمالهم، وكان من اللافت أيضا الإقبال على حضور عروض الفيديو المشاركة التي تميّز منها عرض الفنان أيمن زيداني المعنون بـ"عودة القدماء 2020".
وخلال جولة خاصة بـ«الشرق الأوسط»، مع منسقة العرض مايا الخليل، التي استعرضت لنا الفكرة وراء العرض والمفهوم الذي استند إليه.
بداية الانطباع الذي يتركه المعرض لدى المشاهد هو الإحساس بالحب لهذه الأرض والحزن لمعاناتها، كما يخالطنا شعور بالحنين لأزمنة مضت ولطرق حياة تغيرت، أما الإحساس بالقلق من القادم فهو متغلغل في كل الآمال الموجودة. المعرض طموح وغني بالأفكار والتحليلات والتجليات المرئية وممتع على أكثر من مستوى.
لكل معرض محور ونقطة محددة ينطلق منها محملاً بالأفكار والمعاني، وفي معرض «أيتها الأرض» ننطلق من أعمال فراي أوتو الفنان والمصمم المعماري العالمي الحائز على جائزة بريتزكر للهندسة المعمارية (1925 - 2015)، وهو رائد هندسة وتصميم الهياكل الخفيفة والمحاكاة الحيوية. في جولة ممتعة جداً وموجعة في أحيان ولكن مليئة بالأفكار والتحليلات والاكتشافات، انطلق مع منسقة المعرض مايا خليل لاستعراض الأعمال المشاركة. تبدأ الحديث معي عن فراي أوتو وتأثيره على الكثيرين وأعماله التي نفذها في السعودية، بعض منها ما زال موجوداً وعدد آخر لم ير النور. «الفكرة من المعرض اعتمدت في الأساس على أعمال فراي أوتو، الذي نرى بعضاً من تصميماته المعمارية هنا في السعودية. أوتو يعد والد مذهب محاكاة الطبيعة (بيو ميميكري) وهو أسلوب معماري يبحث عن الحلول المستدامة في الطبيعة، وذلك عن طريق محاكاة الأشكال الطبيعية. التعريف الموسوعي للفلسفة التي قامت عليها فلسفة وطريقة عمل فراي أوتو يفتح لنا الباب لفهم الأعمال المختلفة التي شارك بها 60 فناناً في معرضنا هذا». وهو أيضاً ما تعبر عنه المنسقة مايا الخليل بقولها: «أوتو كان قريباً جداً من الطبيعة في أعماله»، وتستطرد: «أعتقد أنه أمر هام جداً أن نعيد التفكير في علاقتنا بالطبيعة في هذه المرحلة تحديداً».
كانت نقطة التواصل مع الفنانين نابعة من فلسفة فراي أوتو، تشرح لنا: «بدأت التواصل مع الفنانين على أساس مفهوم واضح ومحدد وهو التفاعل مع البيئة وتأثيرنا عليها، أدركت أن الموضوع كان بعيداً عن الممارسات الفنية التي قاموا بها حتى الآن. قررنا سوياً أننا نريد أن نقدم لمحة وفكرة مرتبطة بالقضية البيئية»، تشير إلى أن الوقت المتاح أمام الفنانين للبحث والقراءة وتكوين مفهوم فني متماش مع الموضوع كان محدوداً ولكن ذلك أمر يمكن تفهمه، «فقليل يعرفون عن أعمال أوتو في السعودية وبعض تلك الأعمال لم ير النور».
تقدم مايا الخليل مع جورج فراشليوتيس، أستاذ نظرية العمارة ومدير مجموعة الهندسة المعمارية في معهد كارلسروه للتكنولوجيا، فرصة للتأمل في رؤية المصمم فراي أوتو وكيف ساهمت في المشهد الحضري للمملكة العربية السعودية، التي أصبحت موطناً لبعض مشاريعه الأكثر ابتكاراً.
فرح بهبهاني... أغاني البحر وبلاستيك ملون على قاع المحيط
نمر في جولتنا على الفنانة الكويتية فرح بهبهاني التي تقدم عملاً مستوحى من الحياة قديماً في الكويت، من علاقة السكان بالبحر والمحيط، تختار بهبهاني مفرداتها الفنية بوعي وحساسية، تقول ملخصة في كلمات بليغة عملاً نراه أمامنا يحتل مساحة كبيرة ويطغى بحضوره على ما عداه: «عملي هنا يتعلق بحماية التنوع البيئي في الخليج العربي». عملها يبدو كموجة ضخمة من الورق الأبيض المطوي وكأنه موجة من البحر على طاولة سطحها زجاجي وتحدها حبال. هل هي المراكب التي كان السكان يستخدمونها لطلب الرزق في الخليج، وما هذه الأشكال المنتظمة على الأرض أسفل ذلك المجسم الورقي، الأشكال منتظمة وهندسية وملونة. تشير الفنانة إلى أن الأشكال المنتظمة أمامنا تكون كلمات لقصيدة لشاعر كويتي عنوانها «رحال». تشرح لنا أكثر: «ما فعلته هو التأمل في الأشكال الهندسية في الطبيعة، قرأت عن نوع من الحياة الفطرية البحرية متعدد الأشكال (4000 شكل)، هي أشكال ميكروسكوبية. ما أثار اهتمامي هنا هو الأشكال المتماثلة التي تتخذها، اخترت أحد هذه التشكيلات وبدأت العمل معها وتكوين عملي هنا، في ثنايا الورق أدخلت كلمات قصيدة «رحال» للشاعر بو رسلي، وذلك باستخدام أسلوب من التراث الإسلامي يطلق عليه «التأبير»، وهو عبارة عن إحداث ثقوب في الورق باستخدام الإبرة. القصيدة تتحدث عن تاريخ الكويت قبل اكتشاف النفط وأهمية الحياة البحرية لأهلها.
استخدمت الفنانة الخط الكوفي لتكون كلمات القصيدة باستخدام ثقوب الإبرة. «تأثير أسلوب التأبير بصرياً مذهل بالفعل، يخترق الضوء تلك الثقوب الصغيرة ويطرح الظلال على الأرضية تحتها»، تقول: «أردت أن أبدأ المحادثة حول التلوث والبحار». كلمات القصيدة نراها على الأرض وكأنما تسللت من الثقوب في موجة الورق الموضوعة أعلى، تقول كلماتها: «هيلي يلاا... يلاا... رحال يطوي البحور يبحر ليالي القوس يبني الحياة...». هل سيكون التأثير أكبر لو كان هناك صوت يؤدي تلك الكلمات ليغلف المشهد الفني ويحول الأمر إلى تجربة مكتملة؟ أتساءل وأترك سؤالي مع الفنانة وأنتقل مع المنسقة الخليل لجانب آخر من المعرض.
في عرض الفنانة دانية الصالح، تشير المنسقة إلى أن الفنانة تتناول فكرة تعتمد على العمل الجيد أو الفكرة الجيدة تحمل داخلها الطاقة للتكاثر، وتضيف: «الفنانة تستنسخ التواصل مع الطبيعة وكأنها تحمل رسالة تقول: (نحن متصلون ببعضنا، ما هي طبيعة التواصل الذي نريد أن يتكاثر ويتكرر؟)».
الرجل الأخضر يعود دائماً
الفنان مهند شونو يجلس منكباً على إكمال عمله الضخم والمعتمد على أسطورة عالمية هي «الرجل الأخضر»، أتحدث معه سريعاً عن النقوش والخطوط التي يخطها، ويقول: «حذرونا من الصغر من محاولة تقليد الكائنات الحية أو إعادة رسمها، كان الحل وقتها هو رسم خط بالعرض على رقبة الشخص أو الحيوان المرسوم حتى تنتفي شبهة تقليد الحياة». يلتقط الفنان فكرته الفنية من ذلك الخط، وتتطور الفكرة معه بشكل مبدع، أن ترسم خطاً على الرسم فكأنما تقطع رأسه. يربط بين الفكرة وبين شخصية موجودة في أدبيات وأساطير عالمية وهي شخصية «الرجل الأخضر» الذي يتعرض لتقطيع أجزائه ولكنه يستعيد حياته في كل مرة. هو أوزوريس وهو أيضاً الرجل الأخضر في قصة الملك آرثر. يرى الفنان في العودة الدائمة للرجل الأخضر بعد كل مرة يتم قطع رأسه، نوعاً من التحدي والانبعاث والتجديد.
معرض «أيتها الأرض» يحمل من الأعمال الكثير وكل عمل يستحق التوقف أمامه ومحاولة فك رموزه، أكتفي بجولتي الأولى وأخرج من المعرض محملة بالأفكار والصور والمعاني، ولكن المعرض يستحق العودة مرة ثانية لاستكمال ما أراد بقية الفنانين الـ60 قوله. وأستعيد جملة قالتها المنسقة مايا الخليل في المؤتمر الصحافي أمس: «قد انفصلنا عن الطبيعة، ببناء علاقة متزايدة من الهيمنة والاستغلال. نحن بحاجة إلى إعادة النظر في قيمة تربطنا ليس فقط مع الطبيعة ولكن مع بعضنا البعض. من خلال مراقبة ومحاكاة أنماط واستراتيجيات الطبيعة التي تم اختبارها عبر الزمن، لدينا بالفعل حلول لمستقبل مستدام».



النعناع البري حل طبيعي لطرد البعوض

جرى توزيع المنتج مجاناً على السكان خلال مرحلة التجارب (جامعة كارديف)
جرى توزيع المنتج مجاناً على السكان خلال مرحلة التجارب (جامعة كارديف)
TT

النعناع البري حل طبيعي لطرد البعوض

جرى توزيع المنتج مجاناً على السكان خلال مرحلة التجارب (جامعة كارديف)
جرى توزيع المنتج مجاناً على السكان خلال مرحلة التجارب (جامعة كارديف)

نجح فريق بحثي من المملكة المتحدة وأوغندا في تطوير دهان موضعي «لوشن» منخفض التكلفة يعتمد على زيت نبات النعناع البري، وأثبتت التجارب المخبرية والميدانية أنه يوفر حماية من البعوض تضاهي فاعلية طاردات الحشرات التجارية.

وأوضح باحثون من جامعة كارديف البريطانية، بالتعاون مع جامعة ماكيريري في أوغندا، أن هذه النتائج تمهد الطريق لتطوير وسيلة محلية ومستدامة للحد من الإصابة بالملاريا في المناطق الريفية الأوغندية، وعُرضت النتائج، الثلاثاء، خلال المؤتمر السنوي لجمعية علم الأحياء التجريبي، المنعقد في مدينة فلورنسا الإيطالية.

وتُعد طاردات الحشرات التجارية من أبرز وسائل الوقاية من لسعات البعوض، إذ تعتمد معظمها على المادة الفعالة «ديت» (DEET)، التي تمنع الحشرات من الاقتراب والهبوط على جلد الإنسان، إلا أن ارتفاع أسعار هذه المنتجات في بعض الدول، ومنها أوغندا، يجعل استخدامها المنتظم أمراً صعباً على كثير من السكان، لا سيما في المناطق الريفية.

وسعى الفريق إلى تطوير طارد بعوض فعّال يعتمد على نباتات النعناع البري المزروعة محلياً، بما يسهم في خفض تكاليف الوقاية من الأمراض التي ينقلها البعوض، إلى جانب توفير فرص عمل ومصدر دخل للمجتمعات المحلية.

ويحتوي زيت النعناع البري على مركب طبيعي يُعرف باسم «نيبيتالاكتون» (Nepetalactone)، وهو المسؤول عن التأثير المعروف للنبات على القطط، لكنه يتميز أيضاً بخصائص قوية في طرد الحشرات، لا سيما البعوض الناقل للملاريا وأمراض أخرى منتشرة في أفريقيا جنوب الصحراء.

وأشار الباحثون إلى أن الحد من الاعتماد على أدوية الملاريا أصبح ضرورة، في ظل قدرة الطفيليات المسبِّبة للمرض على تطوير مقاومة للعلاجات بمرور الوقت. وأكدوا أن طاردات البعوض تمثل إحدى أهم وسائل الوقاية، لأنها تقلل من فرص اقتراب البعوض من الإنسان ولسعه.

وأضاف الباحثون أن ارتفاع تكلفة منتجات «ديت» يجعلها بعيدة عن متناول كثير من المزارعين في الريف الأوغندي، لذلك استهدفوا تطوير طارد بعوض فعّال منخفض التكلفة يُنتَج محلياً بمشاركة المجتمع، ليكون متاحاً للسكان.

وأوضح الفريق أن زيت النعناع البري يمتاز بسهولة استخلاصه، وأمان استخدامه، وإمكانية زراعة النبات على نطاق واسع في الريف الأوغندي، فضلاً عن أن رائحته أكثر قبولاً لدى المستخدمين مقارنةً بمنتجات «ديت».

ولتقييم كفاءة المستحضر، طوّر الباحثون «لوشن» لطرد الحشرات أطلقوا عليه اسم (DSK Lotion)، يحتوي على زيت النعناع البري، ثم اختبروه في تجارب مخبرية وميدانية لمقارنة فاعليته مع أنواع مختلفة من طاردات الحشرات في منع البعوض من الاقتراب من جلد الإنسان.

واعتمدت التجارب المخبرية على جهاز يقيس مدى انجذاب البعوض إلى الجلد المعالج بالطارد مقارنةً بالجلد غير المعالج، بينما استندت التجارب الميدانية إلى اختبار لقياس عدد البعوض الذي يهبط على جلد المتطوعين بعد استخدام المستحضر.

وأظهرت النتائج أن اللوشن الذي يحتوي على 6 في المائة من زيت النعناع البري حقق فاعلية تكاد تعادل منتجات «ديت»، في حين كان اللوشن الذي يحتوي على 2 في المائة من الزيت أقل فاعلية بفارق طفيف فقط.

وجرى توزيع «اللوشن» مجاناً خلال مرحلة التجارب بتمويل من جهات مانحة، فيما يعمل الفريق حالياً على توسيع نطاق الإنتاج وطرحه بسعر رمزي يضمن استدامة المشروع، ويوفر في الوقت نفسه مصدراً للدخل للعاملين فيه.


لينا أبيض تُمسرِح «تعويذة جميلة» لغريغ كاليراس بعيون لبنانية

كلُّ علاقة طويلة تُخفي شخصاً ثالثاً... الزمن (الجهة المُنتِجة)
كلُّ علاقة طويلة تُخفي شخصاً ثالثاً... الزمن (الجهة المُنتِجة)
TT

لينا أبيض تُمسرِح «تعويذة جميلة» لغريغ كاليراس بعيون لبنانية

كلُّ علاقة طويلة تُخفي شخصاً ثالثاً... الزمن (الجهة المُنتِجة)
كلُّ علاقة طويلة تُخفي شخصاً ثالثاً... الزمن (الجهة المُنتِجة)

تدخل «حبيبتي... رجعي عَ التخت» إلى المسرح من الباب الأصعب؛ من نصّ يعرف إلى أين يذهب، ويملك أدواته قبل أن تُضاء الخشبة. حين يكون البناء الدرامي مُحكَماً، يتحرَّر العرض من عبء تعويض ضعف النصّ. فالنصّ الجيّد لا يختصر العمل، لكنه يمنحه عصباً داخلياً يحميه من الترهُّل، ويمنح المُخرج والممثلين مادة قادرة على الاحتمال والتشكُّل وإنتاج المعنى. هكذا تأتي النسخة اللبنانية من «تعويذة جميلة» للكاتب الأميركي غريغ كاليراس على هيئة اختبار مسرحي لشيء أعقد التباساً من علاقة زوجية تمرّ بأزمة. إنها اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنّ ما اعتقده ثابتاً صار قابلاً للزوال.

أخطر ما يفعله الوقت أنه يُبدّل طريقة النظر... لا الأشياء (سحر عساف)

بطلا المسرحية (مسرح «KED»- منطقة الكارنتينا البيروتية) «جاد» و«لين» زوجان أمضيا 12 عاماً معاً، يستيقظان ذات ليلة على انكسار ما كان يجمعهما. لا يحتاج النصّ إلى حدث كبير كي يُحرّك الخشبة. بجملة يتبدَّل الهواء في الغرفة. ومنها يبدأ الانهيار المخيف، حيث لا عدوّ واضحاً، ولا خيانة، ولا مأساة قابلة للتسمية. هناك شعور انسحب من مكانه وترك وراءه فراغاً لم يكن مُعلَناً قبل تلك اللحظة.

على ديكور يوحي بالسرير، تدور المسرحية كأنها داخل مساحة مفتوحة على طبقات كثيرة. السرير مسرح صغير للحياة المشتركة. أرشيف للسنوات. مكان يختزن فيه الزواج تاريخه، من البدايات إلى الشروخ. فوقه تُستعاد الآثار المُتراكمة للعلاقة. يصير السرير طاولة اعتراف تُرمَى عليها جميع الأوراق دفعة واحدة.

ليس الزمن ما يسرق العلاقات... اعتيادُها أنفسها (إيلي يوسف)

في هذا الفضاء، تعرف مُخرجة المسرحية لينا أبيض أين تضع يدها وأين تترك النصّ يَجري. تظهر لمستها في ضبط الإيقاع وإبقاء الخشبة مشدودة إلى القلق الكامن بين ما يُضحك وما يُوجع. لا تنجرف نحو استعراض إخراجي يبتلع النصّ، ولا تكتفي بإدارته من بعيد. تتركه في الواجهة من دون أن يفقد العرض بصمتها.

الإضاءة تكشف عمّا تحاول الشخصيات إخفاءه. الضوء يعمل مثل ضمير بصري. يقترب حين يضيق هامش الإنكار ويمنح العتمة وظيفة نفسية. فالليل في المسرحية مجال تسقط فيه الأدوار اليومية. في النهار يمكن للعلاقة أن تختبئ خلف العادة والعمل والواجبات. في الليل، تعلو الحقيقة فوق كلّ شيء.

وحين تدخل الممثلةٌ سحر عساف (مُترجِمةُ النصّ مع طارق تميم) والممثلُ إيلي يوسف مناخَ المسرحية، يتركان للشخصيتَيْن أن تتشكّلا على مهل من دون استعجال الذروة. الأداء يقوم على التقاط الخلل الذي يُصيب الإنسان حين يفقد تعريفه المُعتاد لنفسه داخل علاقة طويلة. ينجحان في جَعْل الخوف مُضحكاً أحياناً ومكشوفاً أحياناً أخرى، من دون دفعه إلى حيِّز المُبالغة العاطفية. يُعطيان من منطقة داخلية، حيث التمثيل يخرج من رغبته في الإقناع نحو حقيقة اللحظة.

وهما يُبيّنان أنّ الخشبة ليست حكراً على الأسماء الأوسع تداولاً. هناك ممثلون يُثبتون حضورهم حين تمنحهم التجربة فرصة عادلة، وحين يمتلكون ما يكفي من الوعي بجسد الشخصية. وهذه المسرحية تختبر الممثلَيْن بعيداً عن لمعان الاسم. تضعهما في مواجهة الوقت والجمهور وشفافية الأداء، فتحتفظ العلاقة بمنطقها الإنساني حتى في أكبر لحظاتها عبثية.

لا أحد يخرج من المسرح الشخصَ نفسَه الذي دخله... ولو أنكر ذلك (الجهة المُنتِجة)

الكوميديا في العرض ليست غايته. محطّات كثيرة تُضحِك، والحوار يعرف كيف يلتقط المفارقة، لكنّ الضحك يظهر حين تعجز الشخصيات عن احتمال الحقيقة. من هذه الناحية، لا تنتمي المسرحية إلى الترفيه الخفيف، ولا تكتفي بسرد خلاف زوجيّ فوق سرير. الضحك طريق جانبية نحو ما لا يُقال مباشرة. يضحك المتلقّي، ثم يشعر أنّ الضحكة لم تكن بعيدة عن مكان مؤلم فيه.

لا تنشغل «حبيبتي... رجعي عَ التخت» بسؤال بقاء الزوجين معاً. المسألة أبعد من مصير علاقة. إنها تقترب من سؤال الاعتياد حين يصير عمىً ناعماً، ومن الطريقة التي يتوقَّف بها الإنسان عن رؤية مَن يعيش بقربه. مع الوقت، لا يختفي الآخر دائماً. أحياناً يبقى في المكان نفسه، لكن العين تفقد دهشتها أمامه. تضع المسرحية يدها على جرح لا يخصُّ الزواج وحده. إنها تتحدّث عن كلّ ما نملكه ونكفُّ عن رؤيته، والأشياء التي لا نخسرها فجأة، وإنما نخسر قدرتنا على الانتباه إليها.

تستغرق المسرحية 70 دقيقة في الحديث عن علاقة بين اثنين. لكنها في عمقها تحفر في علاقة الإنسان بما يظنُّ أنه يعرفه عن نفسه. وما إن تختلّ هذه الصورة، حتى يصبح كلّ ما حوله قابلاً لإعادة القراءة. هنا يغادر العرض حكايته الخاصة ويصبح شأناً شخصياً لكلّ مَن شاهده.


للمرة الأولى... إشعال النار على القمر

على القمر... لا تحترق النار بالطريقة التي نعرفها (ناسا)
على القمر... لا تحترق النار بالطريقة التي نعرفها (ناسا)
TT

للمرة الأولى... إشعال النار على القمر

على القمر... لا تحترق النار بالطريقة التي نعرفها (ناسا)
على القمر... لا تحترق النار بالطريقة التي نعرفها (ناسا)

تعتزم وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) إشعال النار على سطح القمر، في تجربة علمية غير مسبوقة. وإذا نُفّذت، فستكون هذه أول تجربة يُشعل فيها الإنسان ناراً على سطح القمر.

والهدف، وفق ما أعلنته الوكالة ونقلته «الإندبندنت»، هو التوصُّل إلى فهم أعمق لكيفية تصرّف ألسنة اللهب في حالات الطوارئ خلال بعثات برنامج «أرتميس» المأهولة المستقبلية إلى المريخ وما بعده، وهي بعثات يُتوقَّع أن تُسهم في توسيع آفاق الوجود البشري ومعرفتنا بالمنظومة الشمسية.

وتقول «ناسا»، في صفحة التجربة المعروفة باسم «إف إم 2» أو «قابلية اشتعال المواد على القمر»، إنّ «الحريق قد يُشكّل خطراً كارثياً على رحلات الفضاء والاستكشاف البشري في البيئات القصوى، لذا تُمثّل تجربة (إف إم 2) خطوة حيوية لتحديد قابلية اشتعال المواد ووضع معايير السلامة للبعثات المستقبلية».

وتشير الوكالة إلى أنّ بعض المواد غير القابلة للاشتعال على الأرض قد تصبح قابلة للاشتعال في الفضاء، نظراً إلى احتمال احتراقها عند تركيزات أقل من الأكسجين، في ظلّ الجاذبية القمرية مقارنةً بجاذبية الأرض.

وأوضحت مديرة مشروع التجربة، إيميلي جونسون، في بودكاست عام 2025، قائلةً: «ثمة مواد تميل حين تحترق إلى التساقط في كتل تُشبه قطرات الدموع الصغيرة. ويمكن تصوّر ما يعنيه ذلك في بيئة انعدام الجاذبية أو الجاذبية الجزئية، إذ تتحوَّل تلك القطرات إلى كرات نارية صغيرة قادرة على التحليق وإشعال ما تصطدم به».

وأضافت: «لذا، فإنّ فهم الخصائص المختلفة للمواد المتباينة عند مستويات مختلفة من الاشتعال أمر شديد الأهمية».

وتتصرَّف ألسنة اللهب على القمر بصورة مختلفة عمّا هي عليه على الأرض. فالشكل الكلاسيكي للهب الأرضي ينشأ عندما تسحب الجاذبية الهواء الأبرد والأكثر كثافة إلى الأسفل، وهو ما لا يحدث على القمر أو في بيئة انعدام الجاذبية على متن محطة الفضاء الدولية.

وكتبت «ناسا»، في مدوّنة لها عام 2023: «في بيئة انعدام الجاذبية لا تحدث هذه الحركة، وعلى متن المحطة الفضائية تميل الألسنة ذات الزخم المنخفض إلى أن تكون مستديرة أو حتى كروية».

أما في الجاذبية القمرية، التي تبلغ نحو سُدس جاذبية الأرض، فتكون ألسنة اللهب أكثر استدارة مقارنةً بنظيرتها على الأرض.

فكيف ستبدو هذه التجربة على أرض الواقع؟ لا داعي للقلق، فلن يُشعل أحد ناراً ضخمة. وبدلاً من ذلك، سيرسل العلماء غرفة احتراق آلية مكتفية بذاتها، وهي حجرة معدنية أسطوانية، إلى سطح القمر على متن بعثة تحمل حمولات تجارية.

وتحتوي الغرفة على 4 عيّنات اختبار مُعدّة للإشعال، مصنوعة من القطن والألياف الزجاجية وقضبان الأكريليك.

كما تضم مستشعراً للأكسجين، وجهازاً لقياس الإشعاع الكهرومغناطيسي، وكاميرات ترصد سلوك النار في ظل الجاذبية القمرية، بما في ذلك سرعة انتشارها.

وعلى مدى العقود الماضية، أُجريت تجارب عدة على الحرائق في بيئات انعدام الجاذبية، وإنما نتائجها كشفت عن أنّ «ناسا» بحاجة إلى مزيد من المعلومات.

وكتب باحثو «ناسا»، في ورقة بحثية نُشرت في وقت سابق من العام الحالي: «يُمثّل الوصول المباشر إلى القمر أفضل السبل لتقييم قابلية اشتعال المواد على سطحه. والمثالي إجراء سلسلة شاملة من اختبارات تأهيل المواد هناك، وإنما ذلك يتعيَّن تأجيله إلى حين ترسّخ الوجود البشري الممتدّ على سطح القمر».

وأشارت الورقة إلى أنّ التجربة الجديدة ستُسهم في ردم ثغرات معرفية حيوية في مجال سلامة الحرائق على متن المركبات الفضائية.

وقد تُفضي النتائج إلى تحديث معايير المواد المستخدمة في هذه المركبات.

ووفق الورقة البحثية، قد تنطلق البعثة في وقت لاحق من العام الحالي.