مهرجان «أبوظبي السينمائي 5» : فيلمان روائي وتسجيلي يبحثان في الماضي الحاضر دوما

المهرجان تخلى عن التشابه الذي ساد سياسته في سنواته الأولى

ذكريات منقوشة على حجر،  و لقطة من الفيلم الاماراتي «صوت البحر».
ذكريات منقوشة على حجر، و لقطة من الفيلم الاماراتي «صوت البحر».
TT

مهرجان «أبوظبي السينمائي 5» : فيلمان روائي وتسجيلي يبحثان في الماضي الحاضر دوما

ذكريات منقوشة على حجر،  و لقطة من الفيلم الاماراتي «صوت البحر».
ذكريات منقوشة على حجر، و لقطة من الفيلم الاماراتي «صوت البحر».

أحد الأمور الجوهرية التي يعمد مهرجان «أبوظبي السينمائي» (23 أكتوبر /تشرين الأول - 1 نوفمبر /تشرين الثاني) إليها، أن يتخلّى عن التشابه الذي ساد سياسته في السنوات الأولى على إنشائه. وحسنا يفعل.
في النصف الثاني من العقد الأول من هذا القرن، تداعى بعض مسؤوليه من الإداريين والمبرمجين إلى اعتباره مهرجان «كان» العرب. من هؤلاء من أطلق عليه اسم «كان الصحراء» ومن أكد في تصريحاته أنه بات ينافس كان بالفعل.
إدارة المهرجان الحالية أكثر وعيا من أن تقع في مصيدة التشبيهات والمقارنات. «كان» هو «كان» و«أبوظبي» هو «أبوظبي»، كما أن برلين ليس فينسيا وصندانس ليس تورونتو وهكذا. لأنه ليس صحيحا أن هناك مهرجانا عالميا يشبه «كان» فما البال بمهرجان عربي؟ كل مهرجان له خصائصه وحجمه ومنهجه. صحيح أنه ضمن هذه الخصائص والمناهج وحدة اتجاه (كلها بلا استثناء تهدف لعرض أفضل الأفلام المتاحة وغالبا في مسابقات دولية) لكن الفوارق كبيرة. «كان» استوى على المنصب الأول بسبب المدينة وبسبب التاريخ (تاريخه) وبسبب شموليّته (المهرجان والسوق) وبسبب استقطابه إعلاما كاسحا لا يحتاج لدعوة معظمهم لكنهم يقبلون عليه بالألوف من النقاد والصحافيين والمصوّرين.
إذا لم يكن لشيء آخر، فإن المقارنة بينه وبين أي مهرجان آخر، من بينها دبي أو أبوظبي أو سواهما من مهرجانات العالم العربي، تبقى غير صحيحة وبالتأكيد ليست مفيدة.

* عالمية فعلية!
* إلى ذلك، ليس من مصلحة أي مهرجان اليوم أن يعقد مقارنة بينه وبين مهرجان آخر. مهرجان أبوظبي السينمائي يعرف اليوم أهمية هذه النقطة جيدا. فكلّما ابتعد المهرجان عن المقارنة وادعائها كلما كان عليه - إذا ما أراد أن يتبوأ مركزا مهما - أن ينهل من كيانه الخاص. أن يتبلور ويتطور معتمدا على فاعليّته في المحيط الذي يعمل فيه. هنا هو محيط إماراتي - خليجي - عربي - دولي وبذلك هناك الكثير مما عليه أن ينجزه في هذا المحيط المتضاعف.
على أن هذا لا يغني عن تقييم المهرجان ضمن هذه التعددية. وفي حين أنه بالفعل مهرجان إماراتي، نسبة لوجود مسابقة خاصّة بالسينما الإماراتية، تقود لجنة تحكيمها المخرجة المغربية فريدة بليازيد وتضم الكاتب والفنان المسرحي الإماراتي عبد الله صالح وفريقا متنوّعا تم تشكيله من فنانين ومسؤولين سعوديين وقطريين وعراقيين، وهو مهرجان عربي يضم أعمالا آتية من معظم الدول العربية المنتجة (لبنان، العراق، الإمارات، البحرين، فلسطين، مصر) وعالمي من حيث أنه يستقبل طبعا أفلاما من كل دول العالم وأركانه، إلا أن ما يجب أن يُذكر أن «العالمية» وضع هش بالنسبة لأي مهرجان.
غني عن القول أن استقبال مهرجان لأفلام من الأميركتين وآسيا وأفريقيا وأوروبا وسواها يعني أن المهرجان دولي في عروضه، إلا أن ذلك لا يعني أنه مهرجان دولي في حضوره. هذا لا يمكن تحقيقه مطلقا عبر استحواذ أفلام من الولايات المتحدة والسويد وأستراليا أو كندا أو فرنسا أو كوريا الجنوبية أو كولومبيا أو الكونغو أو أستراليا. لأن العالمية الفعلية هي سقف مرتفع عن السطح، لا بالنسبة لهذا المهرجان فحسب، بل لمعظم المهرجانات الأخرى حول العالم.
بين المهرجانات «كان» يستطيع أن يقول إنه العالمي الأول. «تورونتو» يستطيع أن يقول إنه الثاني. الفارق هو أن كليهما له اختصاصات في عروضه تجعله محل هجوم الإعلام والسينمائيين على حد سواء. لديك فيلم تريد بيعه، أو مشروع فيلم تبحث له عن تمويل؟ كان وتورونتو سيساعدانك على تحقيق هذه الغاية لأنهما يجسّدان كتلا من الأسواق الآسيوية والأوروبية والأميركية المترامية.
حين يأتي الأمر إلى الجوائز ليس هناك من جائزة تعلو عن جائزة الأوسكار كحضور عالمي وكشهرة ولا حتى جائزة مهرجان «كان». فوز «صمت الحملان» The Silence of the Lamb لجوناثان دَمي سنة 1992 بجائزة الأوسكار كأفضل فيلم أحدث يومها صدى أعلى من فوز فيلم «أفضل النوايا» لبيلي أوغست بالسعفة الذهبية، وسنجد أن هذا المنوال هو السائد دوما.
طبعا جائزة السعفة الذهبية هي تكريم معنوي رائع من مهرجان اعتاد ألقاب الاستثناء والتميّز، لكن في الواقع الفعلي فإن الأوسكار هو سيد الجوائز العالمية.

* ذكريات على حجر..
* هذا كله ليس للتقليل من شأن مهرجان «أبوظبي» أو سواه على الإطلاق، لكن للتأكيد أن مشواره في الحياة السينمائية يختلف ومن الأفضل له أن يختلف وهذا يأتي متطابقا مع النظرة السائدة بين القائمين عليه. يقول لي أحدهم: «تستطيع أن تلاحظ أمرين أساسيين في برمجتنا هذه السنة. الأمر الأول هو أننا لم نفضّل العدد على النوع. لقد كان لدينا هذا الخيار ورأينا أن نقوم بانتخاب ما نراه الأهم لنوعيّته. لذلك ستجد أن عدد الأفلام المعروض هنا التي سبق لها وفازت بجوائز من المهرجانات الأخرى كبير. الأفلام الفائزة بمهرجانات برلين وكان وفينسيا وكارلوڤي ڤاري وسان سابستيان موجودة هنا».
الأمر الثاني، كما يضيف المتحدّث هو «الرغبة في أن ندفع بالسينما العربية إلى مصاف دولي بالفعل».
في هذا الإطار هناك شيء مهم وقع ولا يزال. بعض متابعي هذا المهرجان في السابق، وهذا الناقد من بينهم، شكّك في جدوى ضم أفلام عربية إلى مسابقة دولية ثم فصلها بجوائز خاصّة ضمن المسابقة ذاتها. اليوم، ومن بعد تعديل جزئي في تنظيم المسابقة، يبدو أن الغاية بررت الوسيلة فعلا. الآن بات الأمر تكريسا لحق الفيلم العربي أن ينافس أترابه المقبلة من هونغ كونغ وروسيا وأميركا وفرنسا وسواها.
طبعا هذا لا ينفي أن مثل هذه المسابقة تحدد عدد الأفلام العربية المشتركة (ما زال مهرجان دبي يستقطب غالبية الأعمال العربية الجديرة بالتسابق في كيان مستقل) لكنها تمنحه الشعور بالمساواة مع فرص الإنتاجات العالمية.
واحد من الأفلام العربية المهمّة التي رأيناها في الأيام السالفة كان، وكما تقدّم، «المطلوبون الـ18» وخلال اليومين الماضيين شاهدنا فيلمين آخرين جديرين بالإعجاب مع بعض التحفّظ.
«ذكريات منقوشة على حجر» (مسابقة الأفلام الروائية) هو فيلم عراقي- ألماني وكردي في هويّته الثقافية، أخرجه شوكت أمين كوركي الذي يعيش ويعمل في ألمانيا منذ عدة سنوات. دراما توفّر نظرة داكنة على الحاضر غير القادر من التخلّص من أعباء الماضي مضاف إليها المزيد من تبعات العيش في الصندوق المتداول من التقاليد الصارمة.
هناك مخرج كردي في هذا الفيلم (الممثل حسين حسن) يحاول تحقيق فيلم عن «الأنفال» (وتحت هذا العنوان) ليجسّد فيه واحدة من المذابح المدنية التي أقدم عليها الجيش العراقي بأمر من القيادة العليا في زمن الرئيس صدّام حسين. إنه يبحث عن ممثلة تؤدي الدور الذي في باله. فجأة تتقدّم منه فتاة شابّة (شيماء مولدي) تعمل في الأصل مدرّسة، ويجد فيها الصفات الفنية التي يريد. ما إن يبدأ التصوير حتى تترتّب على العمل مشاكل مختلفة. البطولة الرجالية آلت لنجم اضطر المخرج إليه لأن التمويل يريده. الفتاة ذاتها تتعرّض للضغط من قِبل عمّها وابن عمّها (وخطيبها) اللذين يريان أن التمثيل معيب. عندما ينبري المخرج ومساعدوه لتأكيد ضرورة السماح للفتاة بالاستمرار في العمل لأن الفيلم في النهاية كردي يكشف عن مأساة تعرّض هذا الشعب لها وبالتالي فإنه واجب وطني. لكن هذا النداء لا يسجل إلا هدنة مؤقتة تتدافع خلالها وبعدها الأحداث صوب نهاية أكثر قتامة من الأجواء التي سادت مسيرة الفيلم سابقا.
العنوان هو إشارة لاسم والد الممثلة الذي وجدته محفورا في واحد من غرف التعذيب في مبنى مهدم. إنه مبنى يتألّف من طابقين بلا نوافذ أو أبواب الآن تدخله الفتاة ويميل المخرج في كل مرّة تقوم هي بزيارته إلى تغيير منهج عمله فتصبح الكاميرا محمولة تسير وراءها ويتشبّع شريط الصوت بهمهمات من الماضي. لكن المخرج بدوره يحمل ذكريات مرّة لا يستطيع إلا أن يخفيها. حين كان صغيرا صعد قمرة صالة السينما بينما كان والده يعرض فيلم المخرج يلماز غونيه (الفيلم هو «الجدار»). غونيه هو شاعر وممثل ومخرج كردي - تركي كان نجما مشهورا بين قومه ثم تحوّل إلى نموذج للنضال عندما قام الأتراك بسجنه لمواقفه السياسية، وأسطورة بعدما مات، سنة 1984. في بلدان المهجر. «الجدار» (1983) كان آخر أفلامه واحتوى دعوة لثورة الأكراد على الوضع القائم في سجون تركيا السياسية، لجانب الدعوة الدائمة التي برزت في كل أعمال غونيه حول الهوية الاجتماعية والثقافية المختلفة وقمع السلطات التركية لها.
فجأة يداهم الأمن العراقي الصالة ويعتقل الموجودين ويقتل والد الصبي الذي يعمل عارضا للفيلم أمام ناظري ابنه. الآن إذ يعمل هذا الابن مخرجا يعيش تحت وطأة لا الرغبة في تعرية أحداث الأنفال التي من بين ما عاناه الأكراد خلال الحكم العراقي السابق، بل أيضا تحت وطأة الحياة التي لا تؤمّن للسينمائي الجاد كل ما يريده للتعبير عن نفسه. كلاهما، هو وبطلته، راضخان تبعا لظروف متشابهة وإن اختلفت: هي تحت مفهوم أن التمثيل معيب وهو تحت مفهوم أن الفيلم سلعة تجارية مهما كانت أهدافه نبيلة أو وطنية.
موضوعه وطروحاته تبقى أهم وأفضل إنجازا من مستواه الفني الشامل. ليس أنه لا يصيب الهدف على صعيده الفني هذا، لكنه لا يؤسس لأسلوب إخراج ناجح يضمن سردا محكما واستخدام أفضل للعناصر الدرامية المطروحة. متكرر في أكثر من مشهد ويعمد لسرد تتوزّع فيه الشخصيات المساندة لتصبح كما لو أنها أولى. بذلك يتم تحديد فاعلية الحكاية وشخصيّتيها الرئيستين.

* .. وأخرى في حياة البحر
* الفيلم الثاني هو «صوت البحر» (مسابقة الأفلام التسجيلية الطويلة) والمخرجة هي الفنانة الإماراتية نجوم الغانم التي لها باع بات طويلا من الأفلام الجيّدة التي استحقت من ما نالته من جوائز على مدى السنوات الـ13 الماضية. من بينها مثلا «المريد» (2008) و«حمامة» (2011) و«أحمر أزرق أصفر» (2013).
الحقيقة هي أن نجوم الغانم لا تتوقّف عن العمل، وأنها لا تنجز أفلاما رديئة أو متناقضة المستوى. الحقيقة الثانية هي أن اهتمامها هنا يختلف بعض الشيء عن اهتمامها عبر أفلامها القليلة السابقة. فمن بعد طرحها حياة الفنانة السورية المهاجرة أمل حويجة في «أمل» وتناولها حياة وظروف امرأة عجوز اسمها حمامة (في فيلم بنفس الاسم) لديها معرفة كبيرة بالطب الشعبي ولديها قدرة فطرية على مداواة المرضى وفهم ماهية أمراضهم، ومن بعد سبرها غور الفنانة الإماراتية نجاة مكّي التي تداوم سكب مشاعرها وأحاسيسها في رسوماتها، تلتفت هنا إلى التراث في صورته الأوسع.
هو فيلم عن الصيادين والبحر والبر. عن التقاليد المرمية في التاريخ في مقابل الحضارة العصرية التي تسود الحياة اليوم. طبعا ما زال هناك صيادون، والفيلم يدور حولهم اليوم، لكنهم إذ ينشدون ويغنون ويرقصون ويؤمون البحر لاصطياد ثرواته السمكية كما كان يفعل أجدادهم، يشكون من أنهم قد يكونوا آخر عناقيد أجيالهم.
نتعرّف على سيف الزبادي الذي كان صيّادا ومنشدا يؤم الرحال في اتجاهات صيد مختلفة وبعيدة. الآن بات يجلس في منزله العادي بينما يقوم بعض أولاده بالعمل مكانه. نتعرّف على أولاده وعلى شخصيات تشكّل نواة التلاحم بين الأسر التي عاشت فوق المراكب كما على بعض العاملين الهنود المهاجرين الذين أمضوا في هذه الحياة عقودا.
مثل أفلام نجوم الغانم السابقة، النبرة حزينة. صوت الفيلم هامد ويحمل شجونا. الشخصيات لديها الكثير من الحكايات وما فيها من أفراح وابتسامات يكمن في الماضي وليس في الحاضر. نجوم ما زالت الأولى بين كل مخرجي السينما الخليجية (رجالا ونساء) في معرفة تقنيات ما تقوم به لخلق حالات وجدانية آسرة ولدمجها في المحيطين الاجتماعي والمكاني. لقطاتها (تصوير جيّد من الإيطالي ماركو باسكويني) دوما معبّرة. الكاميرا صامتة. راصدة وملاحظة والشخصيات هي التي تتكلّم، عوض أن تعايش الكاميرا حالة الشخصيات فتخلق قلقا لا لزوم له.
ما يتعثّر في هذا الفيلم هو وحدته. على سعة شخصياته وتداولاته ومواده، لا يستطيع الفيلم إلا أن يتكرر في أكثر من موضع. لا يعني ذلك أنه يثير بتكراره أي ملل أو أن سرده يضعف أو يتهاون، لكن سيره يتباطأ بعض الشيء في مكانين أو 3 معرّضا المشاهد لطرح يتكرر هنا أو هناك.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».