محارب أفغاني فقد ساقيه في انفجار لغم... يبدأ حياة جديدة

محارب أفغاني فقد ساقيه في انفجار لغم... يبدأ حياة جديدة

الثلاثاء - 3 جمادى الآخرة 1441 هـ - 28 يناير 2020 مـ رقم العدد [ 15036]
ميرزا حسين حيدري (نيويورك تايمز)
كابل: ديفيد زاخينو وفاطمة فيضي
عندما اتجه ميرزا حسين حيدري بسيارته الأجرة البيضاء (ماركة تويوتا) إلى نقطة تفتيش تابعة للشرطة، صعق الضابط لرؤية مفتاح السيارة ملفوفاً بشريط أزرق، ومحاطاً بأسلاك وكابلات معدنية متشابكة. «ما هذا؟».. تساءل الضابط مشتبهاً بوجود قنبلة بدائية الصنع، فأوضح حيدري أنه «أصيب في الحرب؛ وهذه هي الطريقة التي يدير بها السيارة».

فقد حيدري (25 عاماً) ساقيه في انفجار لغم أرضي قبل 5 سنوات، عندما كان مجنداً في الجيش الأفغاني، والآن يتعيش من سيارته الأجرة بعد أن زودها بآلية محلية الصنع تسمح له بالقيادة بيديه، أو بالأحرى ما تبقى منهما، إذ تسبب اللغم في فقدان 4 أصابع من يده اليسرى التي لم يتبقَ منها سوى إصبع واحد، وبقيت يده اليمنى سليمة، لكنها تعرضت لإصابات أثرت على كفاءتها.

وبات هناك كثيرون من المحاربين القدامى المصابين مثل حيدري في المجتمع الأفغاني، بعضهم يحظى بالإعجاب لتضحياته، فيما يحظى آخرون بالشفقة. في الشوارع، تراهم يعرجون على أقدام صناعية أو عكازات. وفي المستشفيات ومراكز إعادة التأهيل، هناك كثيرون يتعلمون المشي أو يتعلمون كيف يرتدون ملابسهم. بعضهم يلقون رعاية من قبل عائلاتهم، فيما يعيش الباقون على قيد الحياة على معاشاتهم العسكرية التقاعدية. بعضهم تراه يتسول في الشوارع أو يبيع الحلي أو بطاقات الهاتف المحمول.

اختار حيدري، الهادئ الوقور، استئناف حياته بطريقة علنية للغاية، فهو يعيش في مقاطعة باميان (وسط أفغانستان)، حيث يعمل على سيارته الأجرة بعد أن قام بتعديلها ليقودها بيديه، وينقل بها ركابه بين منزله المبني من الطوب والتلال الفسيحة.

قال حيدري إن الناس يسخرون منه أحياناً، ويتراجع بعضهم بمجرد رؤية إعاقته، لدرجة أن بعضهم يسارع بالخروج من السيارة بمجرد أن يلاحظ أن السائق مبتور الأرجل.

وأضاف في أسى، بينما يتكئ على وسادة بمنزله وهو يستعد ليوم عمل جديد بسيارته: «عندما يسخر منى الناس، أتمنى لو أن القنبلة قتلتني، بدلاً من أتعذب طيلة حياتي».

وأردف أن إصابته تفاقمت عندما لم يسارع الجيش بفحصه، وأنه بعد ذلك حصل على معاش حكومي ضئيل ساعد في تغطية تكاليف بناء منزله الذي يمكنه الوصول إليه بواسطة كرسيه المتحرك قبل عام، لكنه لا يزال يشعر بأنه «كم مهمل».

واستدرك: «لقد خدمت الجيش الأفغاني وبلدي، لكنني الآن لم أعد أمثل شيئاً، لأنني لا أستطيع فعل أي شيء لهم؛ لا يـأبهون لحقيقة أنني فقدت ساقي بسبب الحرب».

ومع ذلك، يبدو حيدري مصمماً على المثابرة. فقد ألهمه مشهد ضابط متقاعد في الجيش في كابول بلا أرجل يستخدم يديه في قيادة سيارة الخاصة بعد أن جرى تعديلها، وعمل حيدري على تنفيذ هذه الفكرة في سيارته.

وقال إنه أخذ خطط التصميم بنفسه، وذهب به إلى ميكانيكي في مسقط رأسه (بـاميان)، لكن الرجل رفض المساعدة قائلاً إن المهمة مستحيلة، لكن حيدري لم ييأس.

حاول الرجلان، وبالفعل ابتكرا طريقة تسمح لحيدري بتوجيه عجلة القيادة بيده اليمنى السليمة، والضغط على البنزين بإبهامه الأيسر، مستخدماً ذراعاً طويلة، مع استخدام الإبهام للضغط على الفرامل، بالضغط على مقبض؛ كلفه التعديل 5500 أفغاني (ما يعادل 70 دولاراً أميركياً).

وقضى حيدري 3 سنوات يناضل مع الحكومة لتمنحه كرسياً متحركاً وجزءاً من راتب الجندية كمعاش تقاعدي. وقال إنه الآن يكسب رزقه، لكنه يأسف لأن شقيقه البالغ من العمر 11 عاماً يتعين عليه العمل في مخبز، بدلاً من الذهاب إلى المدرسة، لأن الأسرة تحتاج إلى دخله، إذ إن حيدري يعيش مع أخيه وأخته وأمه. وأضاف: «عندما أصبت بإعاقة، دفعت أسرتي الثمن؛ قنبلة واحدة دمرت حياتي وحياة عائلتي».

ولكن بدعم من عائلته وأصدقائه، استطاع تحقيق بعض الإنجاز في حياته بعد الحرب، حيث وجد العزاء خلف عجلة السيارة، وبات يلعب في دوري كرة سلة للكراسي المتحركة، ويعمل في نادٍ لكمال الأجسام للحفاظ على لياقته البدنية.

وقال: «جسدياً، أنا معاق، لكنني عقلياً سليم. لقد فقدت ساقي، وليس عقلي». وفي الحقيقة، تكمن رحلة كفاح حيدري في رحلته اليومية بطرق باميان الوعرة وسط الثلوج، ويشاهد التعبيرات على وجوه الناس الذين «ينادونه ثم يترددون: هل يقبلون الركوب أم يؤثرون السلامة والابتعاد؟».

وفي نهاية كل يوم عمل، يقوم بقيادة السيارة فوق طريق مرصوف، ثم يتخذ مساراً ترابياً إلى منزله على جانب أحد التلال الجرداء. وهناك، يفتح باب السيارة، ويخرج بجسده خارجها، ليجلس على كرسيه المتحرك، ثم يسير بالكرسي لأعلى منحدر خرساني تجاه باب منزله عائداً إلى أسرته.

لكن حتى بعد 5 سنوات، ظلت الذكريات تتملك حيدري كل صباح، عندما قاد كتيبة جنوده في دورية في هلمند (جنوب أفغانستان)، حيث تنتظره الألغام.

وقال: «لقد فقدت كل شيء، لكني مع ذلك لست نادماً على الانضمام للجيش؛ لقد خدمت أفغانستان، وحاربت من أجل وطني».

وتوقف لبرهة، ثم أضاف: «لست نادماً، لكن أحيانا أتمنى لو أن القنبلة قتلتني».

- خدمة «نيويورك تايمز»
أفغانستان حرب أفغانستان

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة