بكين تجدد «مبادرة الحزام والطريق» لتحفيز الزخم العالمي

وسط انتقادات أميركية وأوروبية

مشروعات بنية تحتية في بكين عاصمة الصين
مشروعات بنية تحتية في بكين عاصمة الصين
TT

بكين تجدد «مبادرة الحزام والطريق» لتحفيز الزخم العالمي

مشروعات بنية تحتية في بكين عاصمة الصين
مشروعات بنية تحتية في بكين عاصمة الصين

يبدو أن المبادرة الضخمة المعنية بإنفاق المبالغ المالية الهائلة على تشييد الموانئ وخطوط السكك الحديدية وشبكات الاتصالات المختلفة حول العالم - مع زيادة النفوذ السياسي الصيني في خضم هذه العملية - قد نفدت طاقاتها قبل أن تبدأ منذ عام واحد فقط.
أما الآن، فقد عاد البرنامج الصيني الكبير الذي يحمل اسم «مبادرة الحزام والطريق» إلى التفاعل من جديد. ويجدد المسؤولون الغربيون والشركات الغربية المعنية تحذيراتهم بشأن أن المكاسب الصينية المتوقعة على صعيد المال والأعمال، وعلى الصعيد السياسي، سوف تكون على حسابهم.
وكانت الشركات الصينية قد وقعت على تعاقدات «الحزام والطريق» التي تبلغ قيمتها التقريبية نحو 128 مليار دولار خلال أول 11 شهراً من العام الماضي، وذلك وفقاً لبيانات وزارة التجارة الصينية، بزيادة بلغت 41 في المائة عن الفترة نفسها من عام 2018. وتتعلق أغلب التعاقدات بمشاريع البناء والمعدات من جانب الشركات الصينية العملاقة التي تستعين بالعمالة الصينية الماهرة، فضلاً عن القروض من البنوك الصينية، مع حقيقة أن تلك المشاريع تخلق كثيراً من فرص العمل للعمالة الصينية المحلية أيضاً.
وتشتمل آخر تلك التعاقدات على إنشاء نظام لمترو الأنفاق في مدينة بلغراد الصربية، وخط للسكك الحديدية المعلقة في مدينة بوغوتا الكولومبية، مع مركز لبيانات الاتصالات السلكية واللاسلكية بالقرب من مدينة نيروبي الكينية.
ومن المرجح لعودة العمل بـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية أن تثير المزيد من التوترات مع الولايات المتحدة التي يساورها القلق بشأن بناء الصين لتكتل عالمي شمولي يضم البلدان التي تبتاع أغلبها السلع والبضائع الصينية، مع الميل الواضح إلى اعتماد النموذج السياسي الاستبدادي الصيني في الحكم والسياسة. وتشرف المبادرة الصينية على كثير من أوجه الخلاف بين البلدين من زاوية الأمن القومي والتكنولوجيا.
وجاء الاندفاع الجديد على مسار «الحزام والطريق» إثر التراجع الرسمي الذي اتخذه المسؤولون الصينيون في عام 2018، في أعقاب الانتقادات اللاذعة التي نالت من المسؤولين المحليين في كل من ماليزيا وسريلانكا وباكستان وغيرها من البلدان المعنية بسبب المشاريع الضخمة ذات التكاليف الهائلة والعوائد الطفيفة. وقالت الحكومة الصينية إنها عكفت - منذ تلك الأثناء - على تنقيح الممارسات بهدف الحد من النفايات!
وصرح الرئيس الصيني خلال زيارة قام بها إلى البرازيل في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي: «سوف نواصل متابعة المنهج المستدام القائم على المعايير الفائقة، والمعني بالعنصر البشري في المقام الأول، بغية تعزيز التعاون في (مبادرة الحزام والطريق) مع البلدان المشاركة».
وطالما حاول المسؤولون الصينيون تسويق تلك المبادرة باعتبارها فرصة لمنح الأسواق الناشئة البنية التحتية المطلوبة من المستوى العالمي، التي ساعدت الصين على التحول إلى قوة اقتصادية عالمية. وبموجب بنود «مبادرة الحزام والطريق»، تقوم البنوك الصينية المملوكة للدولة بإقراض الأموال لصالح المشاريع الإنشائية التي تتولاها الشركات الصينية، ثم يتعين على البلدان المقترضة للأموال سدادها، إما بالنفط أو بالموارد الطبيعية الأخرى.

انتقادات أوروبية وأميركية

تعرض المسؤولون في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بالانتقادات للمبادرة الصينية، ووصفوها بالمبادرة العدائية. وفي السنوات الأخيرة، بدأ بعض المسؤولين في البلدان النامية المعنية في الموافقة على الانضمام إلى المبادرة الصينية. وفي عام 2018، قررت حكومة سريلانكا فتح مينائها الرئيسي أمام الحكومة الصينية، بعد عجزها عن سداد القروض الصينية، في حين أوقفت الحكومة الماليزية مشاريعها الخاصة بـ«مبادرة الحزام والطريق» منذ ذلك الحين.
وشرع الزعماء في الصين في الاعتراف بالانتقادات المشار إليها. وأثار نائب رئيس مجلس الدولة الصيني المخاوف في أوائل عام 2018 بشأن عمليات الإقراض الكبيرة التي وافقت عليها البنوك الصينية، والتي لا تتعلق بـ«مبادرة الحزام والطريق» فحسب.
وفي الشهور التالية لذلك، شنت الجهات الرقابية المالية الصينية حملات شديدة على ممارسات الإقراض، المحلية والخارجية على حد سواء. وأسفر ذلك عن تراجع واضح في تعاقدات مشاريع «الحزام والطريق»، كما أظهرت البيانات الصينية ذات الصلة. وطلبت الجهات الرقابية الصينية من البنوك المحلية التفكير ملياً قبل الموافقة على إقراض البلدان الفقيرة. كما توقف كبار الزعماء في الصين عن محاولة ذكر البرنامج والمبادرة في وسائل الإعلام.
غير أن أزمة الائتمان قد أسفرت عن تباطؤ واسع النطاق أكثر من المتوقع في الاقتصاد الصيني في عام 2018ن ومن ثم اعتمدت الجهات الرقابية المالية في الصين عكس مسار العمل، الأمر الذي أفضى إلى إعادة العمل بنظام القروض لمشاريع البنية التحتية المحلية ولمشاريع «مبادرة الحزام والطريق» على حد سواء. وبدأت التعاقدات في التوارد بصورة جدية مرة أخرى خلال الأسابيع الأخيرة من عام 2018، وتوالى الزخم في اندفاعه خلال العام الماضي كذلك.
وفي الأيام الأخيرة، أثارت مجموعتان دوليتان تمثلان الحكومات والشركات والبنوك الغربية التساؤلات حول عودة «مبادرة الحزام والطريق» إلى الحياة من جديد.
وخلص تقرير عن غرفة التجارة الأوروبية في الصين، صدر صباح الخميس، إلى أن شبكات الموانئ والاتصالات صينية الصنع التي جرى إنشاؤها قد شُيدت بطريقة تجعل من الصعب على شركات الشحن الأوروبية وموفري خدمات البرمجيات الحاسوبية، وغيرها من الشركات والأعمال الأخرى، الدخول في منافسة مع الشركات الصينية.
كما خلصت دراسة استقصائية أعدتها الغرفة ذاتها إلى أنه قد جرى استبعاد أعضاء الغرفة بالكامل من التقدم بعطاءات المشاركة في والحصول على تعاقدات مشاريع «الحزام والطريق»، التي ذهب أغلبها لصالح الشركات الصينية المملوكة للدولة.
وقال السيد جورغ ووتكي، رئيس غرفة التجارة الأوروبية في الصين: «كان من المنطقي توقع ذلك الأمر بالنسبة إلى الشركات، ولقد كان من غير المهم ما سوف نحققه من وراء ذلك».
وأصدر معهد التمويل الدولي، وهو المؤسسة البحثية في العاصمة واشنطن التي تدعمها البنوك الغربية الكبرى بصفة أساسية، تحذيراً مختلفاً يوم الاثنين، في جزء من تقرير واسع أعده المعهد حول الديون العالمية.

فخ الديون

وجاء في تقرير المعهد أن كثيراً من البلدان الفقيرة المنضمة إلى «مبادرة الحزام والطريق» وجدت نفسها الآن ترزح تحت وطأة الديون الهائلة المتزايدة بصورة كبيرة. وأفاد التقرير بأن كثيراً من هذه البلدان تتأهل بصعوبة بالغة للحصول على القروض الخارجية، فضلاً عن تحملها للديون الجديدة.
كما أفاد التقرير بأن هناك نسبة 85 في المائة من مشاريع «الحزام والطريق» ضالعة في ممارسات الانبعاثات الهائلة للغازات الدفيئة ذات الصلة الوثيقة بالتغيرات المناخية العالمية، حيث تتضمن هذه المشاريع نحو 63 محطة لتوليد الطاقة الكهربائية على الأقل تعمل بالفحم.
وجاءت التقارير الجديدة في أعقاب التحذير الذي أصدرته شركة «المقاولون الأوروبيون الدوليون»، وهي عبارة عن تكتل تجاري أوروبي من شركات المقاولات والاستشارات الهندسية. وحذر التكتل التجاري الأوروبي من أن القروض الصادرة لمشاريع «مبادرة الحزام والطريق» تميل إلى تحمل أسعار فائدة أعلى بكثير من تلك التي تقدمها مؤسسات الإقراض الدولية، مثل البنك الدولي.
وقالت مجموعة صناعات التشييد، وكذلك الغرفة الأوروبية، إن تكاليف مشاريع «مبادرة الحزام والطريق» غالباً ما يُستهان بشأنها إلى حد كبير، حتى يسهل تمريرها من تحت أنوف المسؤولين في الصين. ثم ينتهي الأمر بالبلدان الفقيرة في النهاية إلى سداد التجاوزات الكبيرة في التكاليف.
وركزت مجموعات الأعمال الأوروبية، التي تضم شركات صناعة معدات الاتصالات السلكية واللاسلكية، في الآونة الأخيرة على اهتمام «مبادرة الحزام والطريق» بمجال الاتصالات. وتملك كثير من البلدان النامية حالياً شبكات الاتصالات الوطنية من أعمال شركتين صينيتين، هما «هواوي» و«زد تي إي»، وهما من الشركات ذات المشاركات الكبيرة في مشاريع «الحزام والطريق». وحصلت شركة «هواوي» على تعاقد في الربيع الماضي لبناء مركز كبير لبيانات الاتصالات في كينيا.
وذكر تقرير الغرفة الأوروبية أن تلك الشبكات مصممة بطرق زادت من صعوبة الشركات الأوروبية في بيع أي معدات أو برمجيات أخرى في تلك الأسواق. وعلى العكس من ذلك، تعد الأسواق الأوروبية لمعدات الاتصالات أكثر انفتاحاً من النموذج الصيني، وفقاً للتقرير. وكانت شركة «هواوي»، على سبيل المثال، قد حاولت توفير معدات الاتصالات إلى ألمانيا وبريطانيا.
وإلى جانب الاتصالات السلكية واللاسلكية، فإن أكبر الشواغل الأمنية لدى الغرب بشأن مبادرة الحزام والطريق تتمثل في بناء أو التوسع الصيني الكبير في بناء الموانئ الخارجية، إذ تطوق هذه الموانئ الآن المحيط الهندي، وتمتد حتى السواحل الغربية الأفريقية، وحتى البحر الأبيض المتوسط.
وقال تقرير الغرفة الأوروبية إن شركات الشحن الأوروبية، التي تصنف ضمن أكبر شركات الشحن على مستوى العالم منذ العصور الوسطى، تجد نفسها الآن وبصورة متزايدة في أوضاع غير مواتية على صعيد المنافسة، إذ تخضع الموانئ الجديدة للتصاميم والإدارة من قبل الشركات الصينية المملوكة للدولة تحت سيطرة الوكالة الحكومية نفسها، مثل شركات بناء السفن وشركات الشحن الصينية.
وتزعم الصين أن النمو الاقتصادي يعالج صعوبات جمة لدى كثير من الأسواق الناشئة بسبب ارتفاع تكاليف النقل، وأن بناء الموانئ الجديدة من شأنه التقليل من وطأة هذه التكاليف.
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جانب من مراسم توقيع البرنامج التنفيذي في باريس الجمعة (واس)

تعاون سعودي - فرنسي في مجال الموسيقى

وقَّعت هيئة الموسيقى السعودية مع «فيلهارموني باريس»، برنامجاً تنفيذياً لترسيخ التعاون في عدة مجالات، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي

«الشرق الأوسط» (باريس)

المركزي السويسري يُبقي الفائدة عند الصفر وسط صعود الفرنك

صورة لمقر البنك الوطني السويسري في بيرن (رويترز)
صورة لمقر البنك الوطني السويسري في بيرن (رويترز)
TT

المركزي السويسري يُبقي الفائدة عند الصفر وسط صعود الفرنك

صورة لمقر البنك الوطني السويسري في بيرن (رويترز)
صورة لمقر البنك الوطني السويسري في بيرن (رويترز)

أبقى البنك الوطني السويسري سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، يوم الخميس، في ظل صعود قيمة الفرنك السويسري نتيجة الحرب مع إيران، التي أدت أيضاً إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية، ما أثار غموضاً بشأن توقعات التضخم.

وحافظ البنك على سعر الفائدة الرئيسي عند صفر في المائة، وهو الأدنى بين البنوك المركزية الكبرى، في خطوة كانت متوقَّعة من قبل غالبية المحللين الذين شملهم استطلاع رأي «رويترز».

جاء هذا القرار في يوم حافل للبنوك المركزية، بعد أن أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير، يوم الأربعاء، مما يعكس حالة عدم اليقين المرتفعة بشكل غير مسبوق، في ظل تقييم صانعي السياسات لتداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

وفي بيان له، أشار البنك الوطني السويسري إلى أن «الصراع الدائر في الشرق الأوسط زاد من رغبتنا في التدخل في سوق الصرف الأجنبي». وأضاف: «يساهم هذا الإجراء في الحد من الارتفاع السريع والمفرط لقيمة الفرنك السويسري، الذي قد يهدد استقرار الأسعار في سويسرا».

وسجل الفرنك تراجعاً مؤقتاً بعد الإعلان، قبل أن يستعيد مكاسبه ليُسجل ارتفاعاً طفيفاً مقابل كل من اليورو والدولار، مسجلاً 0.9082 فرنك و0.793 فرنك على التوالي.


آسيا تستعد لاستقبال كميات قياسية من الوقود الروسي هذا الشهر

ناقلات نفط في مضيق سنغافورة في 17 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط في مضيق سنغافورة في 17 مارس 2026 (رويترز)
TT

آسيا تستعد لاستقبال كميات قياسية من الوقود الروسي هذا الشهر

ناقلات نفط في مضيق سنغافورة في 17 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط في مضيق سنغافورة في 17 مارس 2026 (رويترز)

أظهرت بيانات الشحن الصادرة يوم الخميس أن آسيا تتوقع استيراد كميات قياسية من زيت الوقود الروسي خلال مارس (آذار) الحالي، بعد تخفيف الولايات المتحدة العقوبات، تحسباً لانخفاض متوقع في الإمدادات بدءاً من الشهر المقبل نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومن المتوقع أن يسهم هذا التدفق في تخفيف بعض المخاوف المتعلقة بنقص الإمدادات الناجم عن شح زيت الوقود في الشرق الأوسط، بعد أن أدى الصراع إلى توقف شحنات الوقود عبر مضيق هرمز وتعطّل مصافي التكرير في المنطقة، وفق «رويترز».

وتشير بيانات تتبع السفن الصادرة عن شركتي «كبلر» و«إل إس إي جي» إلى أن آسيا ستستقبل أكثر من 3 ملايين طن من زيت الوقود الروسي هذا الشهر (ما يعادل 614500 برميل يومياً)، متجهة بشكل رئيسي إلى جنوب شرق آسيا والصين. ومن المتوقع أن تكون دول جنوب شرق آسيا أكبر المستوردين؛ حيث ستصل الإمدادات إلى نحو 1.7 – 1.9 مليون طن، مع التركيز على سنغافورة وماليزيا، بحسب بيانات تتبع السفن وتقديرات التجار، مع الإشارة إلى أن معظم هذه الكميات ستُستخدم كوقود للسفن.

وتأتي الصين في المرتبة الثانية من حيث حجم المشتريات، باستقبال نحو 1.2 – 1.5 مليون طن هذا الشهر. ويُستخدم زيت الوقود عادة في مصافي التكرير في مقاطعة شاندونغ الشرقية كبديل للنفط الخام، الذي شهد نقصاً كبيراً نتيجة اضطرابات صادرات الشرق الأوسط.

وأشار خافيير تانغ، كبير محللي السوق في شركة «فورتيكسا»، إلى أن انقطاع تدفقات زيت الوقود يؤثر بشدة على إمدادات الزيت عالي الكبريت مقارنة بانخفاض تأثيره على الزيت منخفض الكبريت، مضيفاً أن الحصار أدى أيضاً إلى تقليص تدفقات النفط الخام متوسط وثقيل الكبريت من مضيق هرمز، مما زاد من شح الإمدادات بشكل عام.

وفي 12 مارس، أصدرت واشنطن إعفاءً لمدة 30 يوماً للدول لشراء النفط والمنتجات البترولية الروسية الخاضعة للعقوبات والمعلقة في البحر. وكانت دول جنوب شرق آسيا من أكبر مستوردي زيت الوقود الروسي قبل الإعفاء، إلا أن وتيرة الشراء تباطأت بعد فرض عقوبات على كبار المنتجين الروس في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

انخفاض مؤقت في الأسعار

أدى ارتفاع الكميات الروسية إلى تراجع أسعار زيت الوقود عالي الكبريت بعد ارتفاعها الأخير، رغم أن المحللين حذروا من أن توقعات الإمدادات لا تزال محدودة. وأظهرت بيانات من مصادر تجارية أن علاوة سعر النفط عالي الكبريت (HSFO) في آسيا، عند سعر 380 سنتي ستوك، بلغت مستوى قياسياً تجاوز 76 دولاراً للطن المتري الأسبوع الماضي، قبل أن تنخفض إلى نحو 70 دولاراً بعد إصدار الإعفاء الأميركي.

وأفاد وسطاء بأن هيكل سوق النفط عالي الكبريت دخل أيضاً في حالة تراجع حاد من الآن وحتى نهاية العام؛ حيث تشير أسعار البيع الفوري، الأعلى من أسعار العقود المستقبلية في سوق متراجعة، إلى شح في المعروض.

وقال إمريل جميل، كبير المحللين في مجموعة بورصة لندن، إن التدفقات الروسية المرتفعة غير كافية لتعويض نقص الإمدادات من الشرق الأوسط في حال استمرار الأزمة.

وأكد رويستون هوان، كبير محللي المنتجات النفطية في شركة «إنرجي أسبيكتس»، أن الإمدادات الروسية قد تخفف الضغط على السوق مؤقتاً، إلا أن انخفاض الإنتاج في المصافي بالشرق الأوسط وآسيا سيؤدي إلى شح المعروض. وأضاف: «لا يزال مضيق هرمز مغلقاً، ولا يزال توفر النفط الخام مصدر قلق، مما يعني أن السوق ستظل متوترة بشكل عام خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة».


تجنباً لتجربة 2022... «المركزي الأوروبي» يلوّح بالتشدد مع تصاعد مخاوف التضخم

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

تجنباً لتجربة 2022... «المركزي الأوروبي» يلوّح بالتشدد مع تصاعد مخاوف التضخم

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

من شبه المؤكد أن يبقي البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة الرئيسي عند 2 في المائة يوم الخميس، لكنه سيؤكد استعداده لرفعه في حال أدى الصراع في إيران إلى زيادة مستمرة في التضخم بمنطقة اليورو.

وارتفعت أسعار النفط والغاز منذ بدء الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، مما يزيد من خطر دفع تكاليف الطاقة الأعلى لارتفاع أسعار المستهلكين في كتلة العملة المكونة من 21 دولة، التي تعتمد بشكل كبير على الوقود المستورد.

وتتوقع الأسواق المالية الآن أن يرتفع التضخم فوق 3 في المائة خلال العام المقبل، وأن يعود ببطء إلى هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة خلال السنوات الأربع التالية. ويراهن المتداولون على رفع سعر الفائدة مرتين بحلول ديسمبر (كانون الأول)، على الرغم من أن غالبية الاقتصاديين لا يتوقعون أي تغيير، وفق «رويترز».

وحذر مصرفيو البنوك المركزية في جميع أنحاء منطقة اليورو من أن الحرب سترفع التضخم وتخفض النمو، إلا أن حجم الأثر يعتمد على مدة الصراع – وهو عامل يعترفون بعدم وضوحه حالياً.

وبالتالي، من المرجح أن تلتزم رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد وزملاؤها بالإشارة أكثر من اتخاذ الإجراءات، موفرين طمأنة بأنهم سيتصرفون عند الحاجة دون الالتزام بأي قرارات مبكرة.

وقال إبراهيم رحباري، رئيس استراتيجية الفائدة في شركة «أبسلوت ستراتيجيا»: «البنك المركزي الأوروبي لا يتوقع رفع الفائدة في أي وقت قريب، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يظهر اليقظة».

وأرسل بنك اليابان رسالة مماثلة في وقت مبكر من يوم الخميس، وكان من المتوقع أن تتبع بنوك إنجلترا، والبنك المركزي السويدي، والبنك الوطني السويسري النهج ذاته لاحقاً خلال اليوم.

وترك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي اجتمع في وقت متأخر يوم الأربعاء، أسعار الفائدة دون تغيير، مع إبقاء خيار خفض الفائدة في وقت لاحق هذا العام مطروحاً.

لكن البنك رفع توقعاته للتضخم، وأكد رئيسه جيروم باول أن البنك يملك قناعة منخفضة بتوقعاته الخاصة نظراً للغموض الاستثنائي حول تكاليف الطاقة ومدى استمرار الحرب.

وتراجعت الأسهم الأميركية بعد ما اعتبر المستثمرون تصريحات باول متشددة، بالإضافة إلى هجوم على حقل غاز رئيسي في إيران.

سابقة مؤلمة تركت أثرها

تشير كتب الاقتصاد إلى أن البنوك المركزية يجب أن تتجاهل القيود المؤقتة في الإمدادات، مثل الإغلاق الحالي لمضيق هرمز – وهو أمر أكده هذا الأسبوع بنك التسويات الدولية.

لكن بالنسبة للعديد من صانعي السياسة في البنك المركزي الأوروبي، ستعيد حرب إيران إلى الأذهان زيادة التضخم المدفوعة بالطاقة التي أعقبت غزو روسيا لأوكرانيا في 2022، والتي اعتبرها البنك آنذاك مؤقتة.

ومع بنوك مركزية أخرى في الدول المتقدمة، اضطر البنك بعد ذلك إلى رفع تكاليف الاقتراض بشكل حاد وسط انتقادات لتأخره في الاستجابة.

وقال الاقتصادي في «إتش إس بي سي» فابيو بالبوني: «تجربة أزمة الطاقة عام 2022، وتوقعات المستهلكين المتأثرة بتلك الحلقة، قد تجعل البنك المركزي الأوروبي أسرع في رفع الفائدة إذا استمرت ضغوط الطاقة».

وحذرت إيزابيل شنايبل، أحد أبرز «الصقور» المناهضين للتضخم في البنك، من «الندوب» التي تركتها تلك التجربة على الأسر والشركات، مشيرة إلى فرق مهم هذه المرة: السياسات النقدية والمالية ليست متساهلة، ما قد يحد من الضغوط التضخمية.

ويبلغ سعر الفائدة الرئيسي للبنك المركزي الأوروبي 2 في المائة، وهو تقريباً يعادل معدل التضخم في فبراير (شباط)، الذي يسبق أولى الهجمات على إيران في 28 فبراير.

«المركزي الأوروبي» يرسم سيناريوهات للنمو والتضخم

سيصدر البنك، الخميس، توقعاته الفصلية المحدثة للنمو والتضخم، رغم أن هذه التوقعات لن تعكس بالكامل تأثير حرب إيران على أسعار الطاقة.

الأهم من ذلك، من المتوقع أن ينشر البنك سيناريوهات توضح كيف يمكن أن يتطور الاقتصاد إذا انتهى الصراع سريعاً أو إذا استمر.

وقال اقتصاديون في «باركليز» إن البنك سيرفع أسعار الفائدة في سيناريو يستقر فيه خام برنت عند نحو 100 دولار للبرميل، كما هو مستواه الحالي تقريباً، والغاز الطبيعي عند 70 يورو لكل ميغاواط/ساعة، أي بزيادة نحو 15 يورو عن مستواه يوم الأربعاء.

وأضافوا: «يمكن أن يرتفع التضخم العام والجوهر إلى نقطة يصبح فيها تجاوز الهدف من البنك المركزي الأوروبي كبيراً ومزمناً، ما يدفع البنك إلى رفع سعر الفائدة لاحقاً هذا العام. ومع ذلك، سيعتمد الأفق الاقتصادي والنقدي أيضاً على الاستجابة المالية لهذه الأزمة».

المزيد من الإنفاق المالي المتوقع؟

تستعد أسواق السندات بالفعل لزيادة الاقتراض الحكومي استجابة لأزمة إيران – وهو تحول يضاف إلى خطط ألمانيا لتعزيز الإنفاق العسكري والبنية التحتية.

من المرجح أن يؤدي ارتفاع عوائد السندات الحكومية إلى رفع تكاليف الاقتراض على شركات وأسر منطقة اليورو حتى قبل أي رفع للفائدة من البنك المركزي الأوروبي. ومع ذلك، من المتوقع أن يتسامح البنك مع هذا التضييق في شروط الائتمان في الوقت الحالي.

وقال سبيروس أندريوبولوس، مؤسس شركة «ثن آيس ماكرو إيكونوميكس» للاستشارات الاقتصادية: «الهدف في هذه المرحلة يجب أن يكون منع الآثار الثانوية – أي ارتفاع توقعات التضخم، خصوصاً ظهورها في الأجور».