«محاكمة ترمب» تنطلق خلال أيام

الديمقراطيون يحددون فريق الادعاء... وجمهوريون يطالبون بايدن بتعليق حملته

بيلوسي لدى إعلانها فريق الادعاء في الكونغرس أمس (د.ب.أ)
بيلوسي لدى إعلانها فريق الادعاء في الكونغرس أمس (د.ب.أ)
TT

«محاكمة ترمب» تنطلق خلال أيام

بيلوسي لدى إعلانها فريق الادعاء في الكونغرس أمس (د.ب.أ)
بيلوسي لدى إعلانها فريق الادعاء في الكونغرس أمس (د.ب.أ)

تتحول الأنظار في العاصمة الأميركية واشنطن إلى مجلس الشيوخ، الذي يستعد لاستقبال المرحلة المقبلة من إجراءات عزل الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فقد عيّنت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي رسمياً ممثلين عن الديمقراطيين لعرض الأدلة في المحاكمة التاريخية التي ستعقد الأسبوع المقبل.
وأعلنت بيلوسي في مؤتمر صحافي عقدته في مبنى الكابيتول، أمس (الأربعاء)، عن تعيين 7 ديمقراطيين لحضور إجراءات المحاكمة، أبرزهم رئيس لجنة الاستخبارات آدم شيف، ورئيس اللجنة القضائية جارولد نادلر. وسيؤدي هؤلاء دور محامي الادعاء في جلسات المحاكمة، يقابلهم محامو الدفاع من فريق الرئيس الأميركي في البيت الأبيض.
وقد بدت الاستعدادات للمحاكمة واضحة في مجلس الشيوخ؛ حيث تم تكثيف الوجود الأمني لشرطة الكابيتول، التي بدأ عناصرها بالعمل على تحديد تحرك الصحافيين خلال تغطية المحاكمة. وتم إعلام الصحافيين المرخصين للعمل في مبنى الكابيتول بأن تحركاتهم سوف تكون محصورة في زاوية معينة في مجلس الشيوخ، وأنهم لن يتمكنوا من التجول بحرية في أروقة الكونغرس والحديث مع المشرعين كما جرت العادة.
إجراءات استثنائية تعكس جدية الحدث ووطأته التاريخية، وهذا ما تحدث عنه زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل، الذي قال إن المجلس سينعقد قبل نهاية الأسبوع لاستدعاء كبير قضاة المحكمة العليا جون روبرتس، الذي سيترأس جلسات المحاكمة، وسيشرف روبرتس على أداء كل أعضاء مجلس الشيوخ قسم اليمين قبل بدء المحاكمة رسمياً الأسبوع المقبل.
وشرح مكونيل للصحافيين الخطوات المقبلة قائلاً: «سوف نتمكن من البدء بالخطوات البروتوكولية الأولية للمحاكمة هذا الأسبوع، وهذا يتضمن حضور كبير القضاة إلى هنا لكي يؤدي أعضاء مجلس الشيوخ قسم اليمين أمامه، إضافة إلى إجراءات تمهيدية أخرى». وتابع مكونيل: «هذا سيسمح لنا بالبدء رسمياً يوم الثلاثاء المقبل».
هذا يعني أن مجلس الشيوخ سوف يبدأ بمناقشة أطر المحاكمة وقوانينها يوم الثلاثاء.
ومع بدء تبلور الصورة النهائية للمحاكمة، يبدو أن توقعات بعض المشرعين بانتهاء المحاكمة نهاية الشهر الحالي لن تتحقق. فإصرار الديمقراطيين على استدعاء شهود، ووجود كم هائل من الأدلة التي يجب أن يطلع عليها مجلس الشيوخ ويحللها سوف تطيل من فترة المحاكمة. وقد قال أحد أعضاء مجلس الشيوخ ممن شهدوا إجراءات عزل الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في العام 1999: «هذه المحاكمة سوف تتطلب وقتاً أطول بكثير من التوقعات».
تصريح توافق معه السيناتور الجمهوري البارز جون ثون: «إذا قرر البعض أنهم يريدون استدعاء شهود، فسوف تستغرق المحاكمة وقتاً طويلاً». وسوف تشكل مسألة الوقت تحدياً كبيراً أمام بعض المرشحين الديمقراطيين للرئاسة الأميركية، تحديداً برني ساندرز وإليزابيث وارن وإيمي كلوبوتشار. فهؤلاء هم أعضاء في مجلس الشيوخ ويجب أن يلتزموا بحضور جلسات المحاكمة الطويلة من دون هواتفهم أو أي جهاز يربطهم بالعالم الخارجي، الأمر الذي سيؤدي إلى غيابهم عن حملاتهم الانتخابية والناخبين الأميركيين في وقت حساس للغاية. فالانتخابات التمهيدية في ولاية أيوا ستجري في 3 فبراير (شباط)، تليها انتخابات ولاية نيوهامشير بعد 8 أيام. وبما أن مجلس الشيوخ سوف ينعقد لـ6 أيام متواصلة خلال إجراءات المحاكمة، فإن هذا يعني غياب هؤلاء عن هذه الحملات الانتخابية طوال هذه الفترة. الأمر الذي سيجعل الكفة تميل لصالح مرشحين، كنائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، وحاكم «ساوث بند» بيت بوتاجيج.
هذا، وقد اتهم زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب كيفين مكارثي، رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، بمحاولة التأثير على السباق الانتخابي لصالح بايدن من خلال تجميدها لإجراءات العزل إلى التاريخ الحالي.
ودعا مكارثي بايدن إلى تجميد حملاته الانتخابية حتى انتهاء المحاكمة، وقال في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»: «يجب أن يتعهد جو بايدن بعدم خوض حملات انتخابية خلال إجراءات العزل، هذا إن كان يؤمن بالعدل وبأن نانسي بيلوسي لم تجمد إجراءات العزل من أجله».
اتهامات خطيرة تعكس تشنج الأجواء بين الديمقراطيين والجمهوريين، وقد بدأت الانتقادات الجمهورية لبايدن بالتزايد؛ حيث حذر مكونيل الديمقراطيين من أنه قد يستدعي كل من بايدن ونجله هنتر للإدلاء بإفادتيهما خلال المحاكمة إذا ما أصر الديمقراطيون على استدعاء مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، وكبير موظفي البيت الأبيض ميك مولفاني. وقال مكونيل: «سوف نتعامل مع موضوع الشهود عندما يحين الوقت خلال المحاكمة. ومن المناسب للجهتين الجمهورية والديمقراطية المطالبة بالاستماع إلى شهود».
وسوف يسلط استدعاء بايدن الأضواء على أبرز مرشح للرئاسة الأميركية عن الحزب الديمقراطي، وهو قال خلال مناظرة جمعت مرشحي الحزب، ليلة الثلاثاء، إن الديمقراطيين لم يكن أمامهم خيار سوى عزل ترمب. وتابع قائلاً إنه يتوقع أن يستمر ترمب والجمهوريون بادعاءاتهم القائلة أن بايدن وابنه متهمان بالفساد، بسبب علاقة هنتر بشركة «بوريزما» الأوكرانية.
وكان المرشحون الستة تواجهوا، أول من أمس (الثلاثاء)، في المناظرة الأخيرة قبل بدء الانتخابات التمهيدية الرئاسية. وقد بدت هيمنة إجراءات العزل واضحة على أجواء المناظرة؛ حيث سعى المرشحون إلى عدم مهاجمة بعضهم بعضاً بشراسة كما جرت العادة، وذلك في محاولة منهم لإظهار وحدة الصف الديمقراطي في ظل الأجواء الحالية. لكن برني ساندرز لم يتمالك نفسه من انتقاد سجل بايدن في حرب العراق، وقال إن تصويت نائب الرئيس السابق لصالح حرب العراق في العام 2003 تظهر سوء تقديره. وتابع ساندرز قائلاً عن إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش: «لقد عرفت أنهم يكذبون، ولم أصدقهم للحظة واحدة. أما جو (بايدن) فكان تقديره مختلفاً».
بايدن أعاد القول إن تصويته كان خاطئاً، لكنه لم يخض نقاشاً مطولاً مع ساندرز، بل أعاد التركيز على أهمية وجود مرشح ديمقراطي قادر على هزيمة ترمب في الانتخابات الرئاسية. وقال بايدن: «إن اختيار مرشح يجب أن يكون مبنياً على المزايا الأميركية، وليس على الخطاب الذي يتلفظ به ترمب، المبني على الكراهية والعنصرية. نحن لا نمثل ذلك كأمة».
وانتهزت إليزابيث وارن فرصة تركيز ساندرز على بايدن، فباغتته بانتقادات لاذعة متعلقة بتشكيكه بقدرة النساء على الفوز بمقعد الرئاسة. أمرٌ نفاه ساندرز بشكل قاطع، لكن وارن لم تستلم، بل بدأت بتعداد إنجازات النساء في الانتخابات، وانتقاد من يقول أن الولايات المتحدة غير جاهزة لامرأة في مقعد الرئاسة في البيت الأبيض.


مقالات ذات صلة

رئيس وزراء غرينلاند يرفض عرض ترمب لإرسال سفينة مستشفى عائم

الولايات المتحدة​ ينس فريدريك نيلسن رئيس وزراء غرينلاند (رويترز)

رئيس وزراء غرينلاند يرفض عرض ترمب لإرسال سفينة مستشفى عائم

رفض رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن، ‌الأحد، ‌مقترح ​الرئيس ‌الأميركي دونالد ⁠ترمب ​بإرسال سفينة ⁠مستشفى عائم إلى غرينلاند.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
الاقتصاد جيمسون غرير يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال مأدبة عمل مع وزراء التجارة الأوروبيين في بروكسل - 24 نوفمبر 2025 (رويترز)

مسؤول أميركي: لا توجد دولة تعتزم الانسحاب من اتفاقيات التجارة بعد إلغاء رسوم ترمب

صرّح الممثل التجاري الأميركي، جيمسون غرير، الأحد، بأنه تجري محادثات مكثفة مع الدول التي أبرمت اتفاقيات رسوم جمركية مع الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ضباط من فرقة «الخدمة السرية» يرتدون الزي الرسمي يقومون بدورية في ساحة لافاييت المقابلة للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 27 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

«الخدمة السرية»: مقتل شخص حاول الدخول إلى مقر إقامة ترمب في فلوريدا

أعلن جهاز الخدمة السرية الأميركي، اليوم (الأحد)، قتل شخص حاول الدخول إلى مقر إقامة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فلوريدا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة نشرها موقع لاريجاني من اجتماعه مع كبار قادة «الحرس الثوري» 24 يناير الماضي p-circle

تقرير: لاريجاني يتولى إدارة ملف الحرب وبقاء النظام

كشف تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» أن المرشد الإيراني علي خامنئي كلف علي لاريجاني، أعلى مسؤول أمني في طهران، بإدارة شؤون البلاد مع تصاعد احتمالات الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الاقتصاد جلسة سابقة للبرلمان الأوروبي بمدينة ستراسبورغ الفرنسية (رويترز)

عضو بالبرلمان الأوروبي يقترح تعليق العمل التشريعي الخاص بالاتفاق التجاري مع أميركا

قال بيرند لانغ، العضو في البرلمان الأوروبي، إنه سيتقدم باقتراح إلى فريق التفاوض بالبرلمان الأوروبي، بأن يعلَّق العمل التشريعي الخاص بالاتفاق التجاري مع أميركا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended