ترمب يدعو إلى وقف محاكمته في مجلس الشيوخ

بيلوسي تقول إنه عُزل للأبد... و«النواب» لإرسال بنود العزل هذا الأسبوع

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى فعالية انتخابية في أوهايو الخميس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى فعالية انتخابية في أوهايو الخميس (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو إلى وقف محاكمته في مجلس الشيوخ

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى فعالية انتخابية في أوهايو الخميس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى فعالية انتخابية في أوهايو الخميس (أ.ف.ب)

فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمهوريين بمطالبتهم بوقف إجراءات عزله. وقال ترمب في سلسلة من التغريدات أمس (الاثنين): «كثير من الأشخاص يعتقدون أن عقد محاكمة في مجلس الشيوخ من دون أدلة تذكر ولا جرائم، يعطي إجراءات العزل المزيفة وحملة مطاردة الساحرات الديمقراطية مصداقية لا تتمتع بها في الوقت الحالي. أنا أوافق على هذا!». وتابع ترمب: «لا يجب السماح بالمضي قدماً في إجراءات العزل. لم أرتكب أي خطأ. كان تصويتاً حزبياً من دون أي أصوات جمهورية وهذا لم يحصل من قبل!».
من جهتها، قالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي: «لقد قمنا بعملنا ودافعنا عن دستور الولايات المتحدة. نأمل أن يسير مجلس الشيوخ على خطانا». وأكدت بيلوسي في مقابلة مع شبكة «أي بي سي» أنه وبغض النظر عن محاكمة مجلس الشيوخ، فإن مجلس النواب عزل الرئيس الأميركي للأبد. واستفزت هذه التصريحات ترمب، الذي غرّد قائلاً: «لماذا يجب أن يرتبط اسمي بالعزل في وقت لم أرتكب فيه أي خطأ؟ اقرأوا نصوص الاتصالات! هذا غير عادل لملايين الناخبين!».
وهذه هي المرة الأولى التي يدعو فيها ترمب مجلس الشيوخ إلى عدم عقد محاكمة، وهو كان في السابق يحث الجمهوريين على إنهاء محاكمته بسرعة ويركز بشكل أساسي على مهاجمة بيلوسي. وقد وصفها مؤخراً بأنها رئيسة مجلس النواب الأسوأ في التاريخ الأميركي.
ولم يكن الجمهوريون يتوقعون هذا التغيير في استراتيجية ترمب، فهم تنفسوا الصعداء الأسبوع الماضي، عندما أعلنت بيلوسي أنها سوف تفرج عن بنود العزل هذا الأسبوع. وبدأت القيادات الجمهورية في مجلس الشيوخ الاستعداد لعقد محاكمة تاريخية بعد تسلم المجلس الملف. وكانت رئيسة مجلس النواب أعلنت يوم الجمعة الماضي، وبعد طول انتظار أن المجلس سيصوت هذا الأسبوع لإرسال بندي الاتهام بحق ترمب إلى مجلس الشيوخ. وقالت بيلوسي في رسالة كتبتها إلى الديمقراطيين في المجلس يوم الجمعة: «لقد سألت رئيس اللجنة القضائية جارولد نادلر أن يطرح مشروع قرار لتعيين ممثلين في المحاكمة وإرسال بندي الاتهام إلى مجلس الشيوخ».
إعلان بيلوسي يعني أن زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل يستطيع البدء بإجراءات محاكمة ترمب، بمجرد تسلمه مشروع قرار مجلس النواب. يأتي هذا الإعلان بعد عملية شدّ حبال طويلة بين مكونيل وبيلوسي، التي كانت تحاول الضغط على زعيم الأغلبية لاستدعاء شهود من الإدارة الأميركية قبل بدء المحاكمة. الأمر الذي رفضه مكونيل كلياً، عادّاً أن أي قرار باستدعاء شهود أو المطالبة بمستندات جديدة يجب أن يحصل بعد بدء المحاكمة.
وكان مكونيل أعطى بيلوسي مهلة حتى نهاية الأسبوع الحالي لإرسال بنود العزل إلى المجلس والبدء بمحاكمة الرئيس، وقال: «إن لم يتم إرسال البنود، سوف أنتقل إلى نقاش مسائل أخرى في المجلس، وسوف أفترض أن الديمقراطيين في مجلس النواب محرجون من المضي قدماً». وواجهت بيلوسي في الأيام الأخيرة ضغوطاً متزايدة من صفوف حزبها الديمقراطي للإفراج عن بنود العزل، وإرسالها إلى مجلس الشيوخ، حيث دعا رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب آدم سميث، وهو من حلفاء بيلوسي المقربين، رئيسة المجلس إلى إرسال بندي الاتهامات إلى مجلس الشيوخ. وقال سميث: «في نهاية المطاف وكما يسيطر الديمقراطيون على الأغلبية في مجلس النواب، فإن الجمهوريين يتمتعون بالأغلبية في مجلس الشيوخ. حان الوقت كي نرسل بنود العزل إلى المجلس وأن نلقي بمسؤولية المحاكمة على (زعيم الأغلبية) ميتش مكونيل».
كما دعا عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين بيلوسي إلى إرسال بنود العزل إليهم بأسرع وقت ممكن. فقالت كبيرة الديمقراطيين في اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ دايان فاينستاين: «كلما انتظرنا أصبح الموضوع أقل استعجالاً. إذا كان الموضوع جدياً وملحاً أرسلي البنود إلينا. إذا لم يكن جدياً وملحاً، لا ترسليها». وكان الديمقراطيون يأملون بأن يؤدي إعلان مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون استعداده للإدلاء بإفادته أمام الكونغرس إلى تغيير رأي مكونيل باستدعاء شهود، لكن هذا الأخير أصر على موقفه ورفض التجاوب مع المطالب الديمقراطية.
بيلوسي كانت قررت عدم إرسال بنود العزل إلى مجلس الشيوخ بعد موافقة مجلس النواب عليها، في خطوة فاجأت الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء. وقالت بيلوسي حينها: «لن أرسل بنود الاتهامات التي صوّتنا عليها إلى مجلس الشيوخ قبل أن أطّلع على أطر المحاكمة». وقد تمكنت بيلوسي من الاستفادة من إجراءات مجلس النواب الدستورية لتأجيل ملف العزل، فضمن هذه الإجراءات التي يجب أن تحصل قبل تسلم مجلس الشيوخ رسمياً ملف العزل، تصويت إجرائي في مجلس النواب لتعيين نواب مسؤولين عن المحاكمة وتسليم الملف لمجلس الشيوخ.
قرار بيلوسي حينها أثار حفيظة مكونيل، فقال في خطاب لاذع في المجلس: «إن الإجراءات التي اعتمدها الديمقراطيون أدت إلى أول عزل حزبي منذ الحرب الأهلية. إن الديمقراطيين خائفون من تسليم مجلس الشيوخ ملف العزل، لأنهم قاموا بعمل أرعن في تحضيرهم للملف». ولا يعني الإفراج عن إجراءات العزل أن المواجهة بين الحزبين ستنتهي.
فقد كرر زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر إصراره على استدعاء شهود مثل ميك مولفاني كبير موظفي البيت الأبيض، وبولتون، وروبرت بلير ومايكل دافي من مكتب الموازنة والإدارة في البيت الأبيض. وقال شومر إنه سيسعى جاهداً إلى طرح استدعاء الشهود في جلسات المحاكمة على التصويت في المجلس، مشيراً إلى أن هذه الاستدعاءات ستأتي في شكل مذكرات جلب يصدرها كبير قضاة المحكمة العليا جون روبرتس الذي سيترأس جلسات المحاكمة التاريخية.
وقد رفض مكونيل هذه المطالب قائلاً: «نحن لا نخلق إجراءات العزل بل نحكم عليها. إن وظيفة مجلس النواب التحقيق وواجبه أن ينظر في القضية التي ستقلب إرادة الناخبين الأميركيين». وتابع مكونيل: «إن وظيفة مجلس الشيوخ ليست البحث عن أدلة وطرق لإدانة الرئيس». ما يتحدث عنه مكونيل هو الدور الذي حدده الدستور لكل من مجلسي النواب والشيوخ. فوظيفة مجلس النواب تقضي بجمع الأدلة والتصويت على عزل الرئيس فيما تقضي وظيفة مجلس الشيوخ عقد جلسات محاكمة لتحديد ما إذا كان يجب خلع الرئيس من منصبه بسبب الاتهامات التي يواجهها، أم لا.
لكن الدستور لا يحدد أطر المحكمة، بل يترك الأمر بيد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ. وقد قال شومر إنه سيضغط لطرح مطالبه على التصويت خلال جلسات المحاكمة، وبما أن هذه المطالب ستحتاج إلى الأغلبية البسيطة للموافقة عليها، فهذا يعني أن الديمقراطيين بحاجة إلى انضمام بعض الجمهوريين المعتدلين إلى صفوفهم. وفي حال تعادل الأصوات، ستكون الكلمة الأخيرة لكبير قضاة المحكمة العليا جون روبرتس الذي سيترأس جلسات المحاكمة.
وفي هذه الجلسات سيؤدي أعضاء مجلس الشيوخ دور هيئة المحلفين، ويستمعون إلى إفادات المسؤولين عن ملف العزل في مجلس النواب من ديمقراطيين وجمهوريين وشهودهم. ولن يتمكن أعضاء المجلس من طرح أسئلة مباشرة خلال جلسات المحاكمة، بل عليهم كتابة هذه الأسئلة وتسليمها إلى كبير القضاة الذي هو بدوره يطرحها على مسؤولي الملف. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب كرّر مطالبته باستدعاء نائب الرئيس الأميركي جو بايدن ونجله هنتر إلى جلسات المحاكمة، الأمر الذي رفضه بايدن كلياً، واتهم ترمب بمحاولة تشتيت الانتباه عن قضية عزله والاتهامات التي يواجهها. وبعد الانتهاء من جلسات المحاكمة، يصوت المجلس على قرار خلع الرئيس أو تبرئته، ويحتاج القرار إلى ثلثي الأصوات، الأمر المستحيل نسبياً نظراً لسيطرة الجمهوريين على المجلس.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended