كيف تحافظ الصحف الورقية على مستقبلها في عالم رقمي؟

كيف تحافظ الصحف الورقية على مستقبلها في عالم رقمي؟
TT

كيف تحافظ الصحف الورقية على مستقبلها في عالم رقمي؟

كيف تحافظ الصحف الورقية على مستقبلها في عالم رقمي؟

بعد سنوات من تراجع المبيعات والقراء، لاحظت مؤسسة «إيه بي سي» (ABC) للتحقق من أرقام التوزيع، أن بعض الصحف والمجلات الورقية عاودت الارتفاع في أرقام التوزيع. وفسر خبراء «بي بي سي» هذه الظاهرة بأنها نابعة من دخول العالم مرحلة غير مستقرة، من معالمها صراع «بريكست» في بريطانيا، وانتخاب ترمب في أميركا، والتشكيك في كل ما ينشر على الإنترنت من أخبار قد يكون بعضها أو معظمها من الأخبار الكاذبة أو المفبركة.
في الغرب، صعدت أرقام توزيع مجلات رصينة مثل «إيكونوميست» و«سبكتاتور» اللتين زاد توزيعهما عما كان عليه قبل سنوات عدة بنسبة 5 في المائة للأولى و11.3 في المائة للثانية. ومثل هذا التطور يشير إلى تغيير جذري يحدث في الأسواق الآن.
هناك تخمة مما ينشر على الإنترنت، ولا يعرف القارئ الغث من السمين. فالنشر الرقمي لا رقابة عليه ولا يلتزم بمعايير صحافية. فلا فارق هناك بين الرأي والخبر، وبين المقال والمدونة. وفي زخم انتشار الأخبار الكاذبة أصبح من الضرورة معرفة مصادر الأخبار قبل التعامل معها.
على الصعيد العربي، ما زال القارئ يقدر التعامل الملموس مع اللغة العربية المطبوعة. وهو يعتبر أن الصحافة المطبوعة ما زالت تقع في قمة المصداقية مقابل ما يقرأه على الإنترنت.
الصحف الورقية ما زالت تعتمد على نوعية قرائها من حيث المكانة الاجتماعية ودرجة التعليم والمنصب الرسمي أو الحرفة. وتعرف إدارات الصحف أن نشر نوعية أرقى وأكثر احترافاً من الأخبار والآراء سوف يجد دوماً نوعية مماثلة من القراء الذين يتجنبون إضاعة الوقت على الإنترنت.
في الغرب، لجأت بعض الصحف إلى أسلوب يسمى (Pay wall)، أي الدفع مقابل القراءة على الإنترنت، ومنها صحف شهيرة مثل «فاينانشيال تايمز» و«تايمز» و«تلغراف». بينما لجأت صحف أخرى إلى وضع محتواها على الإنترنت وضخ المزيد من الإعلانات الرقمية التي تزاحم المحتوى التحريري. وتضيف الصحف لمشتركيها خدمة تحديث الأخبار الفورية على الهاتف الجوال. كما تتيح للمشتركين أيضاً خدمة فتح المواقع الإخبارية بكامل المحتوى لمن يجد نفسه في مواقع في العالم لا تباع فيها صحفه المفضلة. وتعتبر هذه الصحف أن تعداد قراءها يشمل القراءة الورقية والإلكترونية معاً بحيث يمكن للقارئ الواحد أن يحتسب مرتين.
وهناك الكثير من الأفكار التي يقدمها الخبراء إلى الصحف الورقية من أجل الاستمرار في السوق في العصر الرقمي. من هذه الأفكار أو النصائح:
> بناء علاقة ثقة مع القراء: القارئ الذي يثق في جريدته ويعتاد على قراءتها يومياً لن يتردد في شرائها يومياً. ومثل هذا الولاء يتم تشكيله عبر سنين طويلة من تغطية الأخبار بمعايير صحافية متميزة، وإتاحة الفرصة للكتاب للتعبير عن آرائهم المختلفة في الصحيفة نفسها. هذا التميز في التغطية الصحافية لن يجده القارئ في مواقع الأخبار على الإنترنت التي تقوم عليها فرق من غير المحترفين وتنقل في معظم الأحيان أخباراً «مقتبسة» من مواقع أخرى.
> إعادة ابتكار محتوى الأخبار. فالصحيفة الناجحة تصنع الأخبار ولا تنقلها. وهنا تبزغ أهمية المحتوى الحصري من حوارات مباشرة وتحقيقات ميدانية وأبحاث سوق. وهي مواد لن يجدها أي متصفح على الإنترنت. وأقبلت على هذه الخطوة صحيفة «نيويورك تايمز»، التي دمجت بعض الأقسام وركزت على جرعات جيدة من الأعمال والترفيه والرياضة.
> ضرورة التواجد على مواقع رقمية بالتوازي مع التوزيع الورقي وتشجيع الإعلان على هذه المواقع التي تعتمد على نشر المحتوى الكامل للطبعات الورقية. وفي حالة المقارنة بين مواقع صحافية محترفة للأخبار والتعليقات وبين مواقع عشوائية، بعضها غير معروف المصدر، سوف يكون المعلن أكثر حكمة وحرفة في اختيار المواقع المعروفة بحرفيتها التي يثق فيها القارئ.
> لا يقتصر الابتكار على المواقع الرقمية فقط، بل يمتد على كل جوانب الإعلام. وعلى الصحف أن تجد لنفسها مواقع على الهواتف الجوالة والأجهزة اللوحية عبر تصميم تطبيقات خاصة بها توفر خدمات الأخبار السريعة. ويمكن أن يمتد التواجد أيضاً إلى مواقع التواصل الاجتماعي مثل «تويتر» و«فيسبوك». ولا بد أيضاً من التواجد على محركات البحث ومواقع المقارنة التسويقية والمشاركة ومواقع الاستشارة المالية.
> جذب فئات جديدة من القراء عن طريق توفير خدمات لمجموعات معينة من الشباب حول الأعمال أو الهوايات. واستخدام وسائل جديدة مثل لقطات الفيديو على المواقع الرقمية من أجل التعريف بالمحتوى الذي تقدمه الصحيفة. ويجب أن تكون مثل هذه الخطوات ضمن استراتيجية شاملة وجذابة للمستقبل.
> لا بد من التفكير بأسلوب القراء أنفسهم والتركيز على المحتوى الذي يرغب القارئ في الاطلاع عليه والاستمتاع به. ويشمل هذا أيضاً تصميم الصحيفة الذي يوفر مقالات من السهل قراءتها. وإذا وجد القارئ محتويات حصرية في الصحيفة فسوف يزداد ارتباطه بها وولاؤه لها. المواد الخفيفة مثل الكاريكاتير والأخبار الشبابية لأحدث المنتجات. ويسري المنطق نفسه على موقع الصحيفة الإلكتروني الذي يجب أن يكون جيد التصميم ومتميزاً في المحتوى.
وهذه الأفكار من شأنها أن توقف تراجع حجم الصحافة الورقية، وقد يعكس التيار نحو المزيد من الإقبال. وهذه استراتيجيات طويلة المدى سوف تثبت في النهاية أن الصحافة الورقية لها أيضاً وجودها مع تواجد وسائل الإعلام الأخرى. وهي تعتبر أم وسائل الإعلام منذ بدايتها في عام 1690.
وقد مر الإعلام الورقي بموجات مماثلة في الماضي مع قدوم التلفزيون في الخمسينات، ثم الفضائيات، وأخيراً الإنترنت في التسعينات.


مقالات ذات صلة

تونس والسنغال تتراجعان في تقرير «مراسلون بلا حدود» السنوي لحرية الصحافة

العالم العربي تونس والسنغال تتراجعان في تقرير «مراسلون بلا حدود» السنوي لحرية الصحافة

تونس والسنغال تتراجعان في تقرير «مراسلون بلا حدود» السنوي لحرية الصحافة

أظهر التقرير السنوي لحرية الصحافة لمنظمة «مراسلون بلا حدود»، اليوم الأربعاء، أن تونس والسنغال كانتا من بين الدول التي تراجعت في الترتيب، في حين بقيت النرويج في الصدارة، وحلّت كوريا الشمالية في المركز الأخير. وتقدّمت فرنسا من المركز 26 إلى المركز 24.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم غوتيريش يندد باستهداف الصحافيين والهجوم على حرية الصحافة

غوتيريش يندد باستهداف الصحافيين والهجوم على حرية الصحافة

ندّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم (الثلاثاء)، باستهداف الصحافيين، مشيراً إلى أنّ «حرية الصحافة تتعرّض للهجوم في جميع أنحاء العالم». وقال في رسالة عبر الفيديو بُثّت عشية الذكرى الثلاثين لـ«اليوم العالمي لحرية الصحافة»، إن «كلّ حرياتنا تعتمد على حرية الصحافة... حرية الصحافة هي شريان الحياة لحقوق الإنسان»، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية. وأضاف أن «حرية الصحافة تتعرّض للهجوم في جميع أنحاء العالم»، مشيراً إلى أنّه «يتمّ استهداف الصحافيين والعاملين في الإعلام بشكل مباشر عبر الإنترنت وخارجه، خلال قيامهم بعملهم الحيوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم صحافي ليبرالي في الصين يواجه تهمة «التجسس»

صحافي ليبرالي في الصين يواجه تهمة «التجسس»

ذكرت جمعية تعنى بالدفاع عن وسائل الإعلام أن تهمة التجسس وجهت رسمياً لصحافي صيني ليبرالي معتقل منذ عام 2022، في أحدث مثال على تراجع حرية الصحافة في الصين في السنوات الأخيرة، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية». كان دونغ يويو، البالغ 61 عاماً والمعروف بصراحته، يكتب افتتاحيات في صحيفة «كلارتي» المحافظة (غوانغمينغ ريباو) التي يملكها الحزب الشيوعي الحاكم. وقد أوقف في فبراير (شباط) 2022 أثناء تناوله الغداء في بكين مع دبلوماسي ياباني، وفق بيان نشرته عائلته الاثنين، اطلعت عليه لجنة حماية الصحافيين ومقرها في الولايات المتحدة. وقالت وزارة الخارجية اليابانية العام الماضي إنه أفرج عن الدبلوماسي بعد استجو

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم العربي المغرب: أربعة من وزراء الإعلام السابقين يرفضون لجنة مؤقتة لمجلس الصحافة

المغرب: أربعة من وزراء الإعلام السابقين يرفضون لجنة مؤقتة لمجلس الصحافة

بدا لافتاً خروج أربعة وزراء اتصال (إعلام) مغاربة سابقين ينتمون إلى أحزاب سياسية مختلفة عن صمتهم، معبرين عن رفضهم مشروع قانون صادقت عليه الحكومة المغربية الأسبوع الماضي، لإنشاء لجنة مؤقتة لمدة سنتين لتسيير «المجلس الوطني للصحافة» وممارسة اختصاصاته بعد انتهاء ولاية المجلس وتعذر إجراء انتخابات لاختيار أعضاء جدد فيه. الوزراء الأربعة الذين سبق لهم أن تولوا حقيبة الاتصال هم: محمد نبيل بن عبد الله، الأمين العام لحزب «التقدم والاشتراكية» المعارض، ومصطفى الخلفي، عضو الأمانة العامة لحزب «العدالة والتنمية» المعارض أيضاً، والحسن عبيابة، المنتمي لحزب «الاتحاد الدستوري» (معارضة برلمانية)، ومحمد الأعرج، عضو

«الشرق الأوسط» (الرباط)
المشرق العربي «الجامعة العربية» تنتقد «التضييق» على الإعلام الفلسطيني

«الجامعة العربية» تنتقد «التضييق» على الإعلام الفلسطيني

انتقدت جامعة الدول العربية ما وصفته بـ«التضييق» على الإعلام الفلسطيني. وقالت في إفادة رسمية اليوم (الأربعاء)، احتفالاً بـ«يوم الإعلام العربي»، إن هذه الممارسات من شأنها أن «تشوّه وتحجب الحقائق». تأتي هذه التصريحات في ظل شكوى متكررة من «تقييد» المنشورات الخاصة بالأحداث في فلسطين على مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما في فترات الاشتباكات مع القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الإعلام الترفيهي صناعة شاقة تزدهر في أيام السلم

برامج المسابقات والألعاب تتصدر المشهد المرئي الترفيهي (الشرق الأوسط)
برامج المسابقات والألعاب تتصدر المشهد المرئي الترفيهي (الشرق الأوسط)
TT

الإعلام الترفيهي صناعة شاقة تزدهر في أيام السلم

برامج المسابقات والألعاب تتصدر المشهد المرئي الترفيهي (الشرق الأوسط)
برامج المسابقات والألعاب تتصدر المشهد المرئي الترفيهي (الشرق الأوسط)

يجذب الإعلام الترفيهي مختلف الشرائح الاجتماعية عبر برامجه الفنية وبرامج المسابقات والألعاب، فيساهم في تبديد هموم المواطن، ويمنحه جرعة أكسجين يتنفّس من خلالها بعيداً عن قتامة نشرات الأخبار التلفزيونية.

استطاع لبنان أن يترك بصمة لا تُنسى في هذا المجال، وكان السباق إلى ابتكار وصناعة برامج ناجحة لا تزال حاضرة في ذاكرة اللبنانيين. فمنذ عقود، أسّست أسماء إعلامية لهذا النوع من البرامج، وما زال تأثيرها واضحاً، من بينها برامج مثل «استوديو الفن» و«نادي النوادي » و«الأول على الـLBC» وغيرها. وكما كان للمخرج الراحل سيمون أسمر دور محوري، كذلك شكّل الراحل رياض شرارة ركناً أساسياً في بناء الإعلام الترفيهي. وإذا ما سألت أيّ لبناني عمّا يختزنه من ذكريات حول هذه البرامج، يستحضر هذين الاسمين، بعدما تحوّلا إلى أيقونتين في مجالهما. ولا يزال صنّاع الترفيه يستلهمون من تجربتهما حتى اليوم.

وفي مرحلة لاحقة، برزت أسماء أخرى أسهمت في تطوير هذا النوع من المحتوى، كالمخرج أنطوان قهوجي، والمنتجتين رولا سعد وجنان ملّاط، فقدموا سلسلة برامج تثقيفية وفنية طبعت زمن التسعينات، بينها «ستار أكاديمي» و«الشاطر يحكي» و«يا ليل يا عين» و«الرقص مع النجوم».

أمّا اليوم، فيشهد الإعلام الترفيهي تحوّلات لافتة، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً أساسياً في صناعتها. فباتت المقاربة تركّز أكثر على التفاعل المباشر مع المشاهد. ولم تعد فكرة البرنامج محصورة في مذيع وميكروفون واستوديو، بل تحوّل الإعلام الترفيهي إلى منصّات متنقّلة تنشط في المناسبات والأعياد. ورغم التراجع الذي شهده الترفيه الإعلامي في السنوات الأخيرة، فإنّه يعود اليوم بزخم ملحوظ، متصدّراً شاشات التلفزة عبر منافسات حادّة تهدف إلى جذب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور.

مدير كلية الإعلام الفرع الأول رامي نجم (الشرق الأوسط)

الإعلام الترفيهي... القوة الناعمة

يخيَّل للبعض أن الإعلام الترفيهي لا يشكّل مادة مرئية ذات قيمة. غير أنّه في الواقع مساحة أساسية يلتقي فيها الجمهور مع محتوى خفيف وسهل، يخفّف من وطأة الضغوط اليومية ويؤمّن فسحة تواصل إنساني واجتماعي لا تقلّ أهمية عن باقي الأشكال الإعلامية.

ونشهد اليوم دخولها إلى نشرات الأخبار نفسها، إذ خصّصت لها فقرات صغيرة تأتي في نهاية النشرة لتكون بمثابة مسك الختام.

ويعدّ هذا النوع من البرامج القوة الناعمة والخفية لجذب الإعلانات التجارية. وتدر الربح للمحطة التلفزيونية.

رامي نجم: طلابنا يهوون الترفيهي

الإعلامي عماد موسى (الشرق الأوسط)

ويمتهنون الإخباري

يشير مدير كلية الإعلام والتوثيق الفرع الأول في بيروت، الدكتور رامي نجم، إلى أنّ الإعلام الترفيهي يملك خصائص متعدّدة؛ فهو يشبع عين المشاهد ويؤمّن له حاجته الطبيعية إلى التسلية والترفيه. أما بالنسبة لطلّابه، فيصنّف علاقتهم بهذا النوع من الإعلام على الشكل الآتي: «هم يتابعون برامج التسالي، ويتحمّسون لها. لكن عندما يحين وقت اختيارهم المهني، يتّجه معظمهم نحو الإعلام الإخباري. فهم يرون أنّ مستقبلهم كإعلاميين يجب أن يبدأ من بوابة نشرات الأخبار والحوارات واللقاءات السياسية، إضافةً إلى كتابة المقالات المرتبطة بهذا المجال. بالنسبة لهم، الإعلام الترفيهي ليس هدفاً مهنياً أساسياً، لأنّ الاستوديو ومكتب تحرير الأخبار يشكّلان البيئة الأنسب لمهنة الغد». ويضيف الدكتور نجم أنّ البرامج الترفيهية «تصنع نجومها بسرعة، وتُعرف في وقت قصير نظراً لمتابعتها المكثّفة من الجمهور». ويشرح: «لا نفاجأ أحياناً حين نسأل مراهقاً عن الإعلامي مارسيل غانم، فيجهل مسيرته المهنية، فيما يكون على دراية أكبر بأسماء مثل هشام حداد، كارلا حداد، طوني بارود، نظراً إلى حضورهم الواسع في البرامج الترفيهية».

رالف معتوق من أبرز الأسماء اليوم في عالم الإنتاج الترفيهي في لبنان (الشرق الأوسط)

برامج الألعاب والتسلية... صدارة ومنافسة

لا شك أن البرامج الترفيهية شهدت تراجعاً ملحوظاً إثر أزمات متلاحقة شهدها لبنان، فانشغل الإعلام المرئي كما المسموع والمكتوب بتغطية انعكاسات هذه الأزمات على المواطن. وبلغت ذروة هذا التراجع خلال «ثورة 17 أكتوبر» (تشرين الأول). ومن بعدها أصيبت بشلل تام بعيد الأزمة الاقتصادية وانفجار بيروت.

مؤخراً، لوحظ عودتها إلى الشاشة الصغيرة بقوة من خلال برامج الألعاب والتسلية، والفن. وصار اللبناني ينتظر الأعياد والمناسبات لمتابعة هذا النوع من البرامج التي تعود عليه بربح الجوائز ولا سيما المالية منها.

فبرزت برامج تقدم جوائز قيّمة كـ«سيارة الأحلام» وأثاث المنزل والأدوات الإلكترونية ومبالغ مالية. ومن أحدثها «أكرم من مين» على شاشة «إل بي سي آي». و«مع وديع» على قناة «الجديد». و«أنت وحظّك» على محطة «إم تي في» المحلية. وهناك أخرى ترتكز على حوارات فنية مثل «ذا ستايدج» الذي قدّمته الإعلامية كارلا حداد عبر شاشة «إل بي سي آي» ولقي نجاحاً كبيراً.

رالف معتوق: التحديات والمفاجآت أساسية

في زمن ندر فيه بروز شخص مبدع في إنتاج البرامج المسلّية، لمع اسم رالف معتوق الذي يعدّ اليوم من أبرز وأهم صنّاع المحتوى الترفيهي على الشاشة الصغيرة في لبنان. فقد رسّخ مكانته بوصفه واحداً من أكثر المنتجين تأثيراً، فملأ فراغاً امتدّ لعقود.

واتّخذ معتوق من محطة LBCI منصّة ثابتة لإطلاق أفكاره الإبداعية، فبثّ فيها دماً شبابياً وقدّم أعمالاً تحمل طابعاً مختلفاً يقوم على الإبهار والبريق الحديث، ما جعل بصمته حاضرة في كل إنتاج يوقّعه. واتّبع في صناعة المحتوى الترفيهي قاعدة ذهبية ترتكز على ثلاثة عناصر: التحدّي، والمنافسة، والمفاجأة. وقد ارتدت برامجه هذا الأسلوب، فحقّقت أعلى نسب مشاهدة على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال». وبات اسمه يُستشهد به عند إجراء مقارنات بين البرامج.

واستطاع معتوق إدخال فكره الإبداعي في برامج أخرى، سواء عبر البث المباشر أو من خلال التغطيات الخاصة للزيارات الرسمية إلى لبنان، وكان من أحدث هذه التغطيات زيارة البابا ليو الرابع عشر. ونجح من خلال هذه البرمجة في مزج العناصر الترفيهية مع الأحداث الرسمية، ما أضفى طابعاً جديداً على أسلوب التغطية الإعلامية اللبنانية.

يقول معتوق لـ«الشرق الأوسط»: «في الإعلام الترفيهي يجب اغتنام اللحظة التلفزيونية (TV moment). وتكمن قوة الابتكار في إجراء معادلة حسابية سريعة ترتكز على سرعة البديهة. والأهم هو التمتع بالحسّ الترفيهي الجذاب، فتحضّ المشاهد على التسمّر أمام الشاشة بصورة لا شعورية».

ويرى معتوق أن الإعلام الترفيهي يشهد اليوم ولادة جديدة. «لقد شهد تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. أنا شخصياً أربطه بحالة الاستقرار التي تعيشها البلاد. فكلما كانت طاغية على المشهد السياسي والأمني، أسهمت في نضج هذا النوع من البرامج».

يعترف معتوق بأن البرامج الترفيهية تتطلب في معظمها ميزانية ضخمة، لكنه يقول إنها في مرات كثيرة تهدر في المكان الخطأ. ويتابع: «الترفيه الحديث يعتمد على قربه من الناس، حيث يشعرون بأنهم يخوضون تجربة من قلب الحدث. فتلامس مشاعر النوستالجيا والحنين والتجدد في آن. كما أن ثقافات الشعوب تلعب دوراً أساسياً. نحن مثلاً شعب يملّ بسرعة، ولذلك إرضاؤه مهمة صعبة تتطلب الجهد. كما أننا نعاني من غياب نجوم للبرامج الترفيهية، بعضهم لم يجدد هويته، وآخرون توجهوا إلى إعلام من نوع آخر. وأحياناً تلجأ هذه البرامج إلى ممثل أو ممثلة كي تملأ الفراغ. فصنع نجم لبرنامج ترفيهي أمر صعب وشاق».

عماد موسى: عنصر الدهشة أساسي في الإعلام الترفيهي

يمتلك الإعلامي عماد موسى خبرة واسعة في إعداد محتوى البرامج الترفيهية. وفي حديثه مع «الشرق الأوسط»، يقارن بين الماضي والحاضر قائلاً: «المشاهد اليوم يحب عنصر الإبهار بشكل قاطع. فإذا قدّمنا نسخة من برنامج قديم وناجح مثل (نادي النوادي) بالصيغة القديمة نفسها، فلن يحقق النجاح ذاته. لكن المشاهد يتقبّل برنامجاً حديثاً يشبه السابق ويعتمد على عنصر الإبهار، كما في (يلّا ندبك) على شاشة MTV». ويضيف موسى: «حتى برامج الألعاب والمسابقات، إذا غاب عنها عنصر الدهشة، يصبح محتواها ضعيفاً وهزيلاً».


«ميتا» تتجه إلى تقييد نشر الروابط... كيف سينعكس ذلك على عدد الزيارات؟

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)
TT

«ميتا» تتجه إلى تقييد نشر الروابط... كيف سينعكس ذلك على عدد الزيارات؟

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)

أعلنت شركة «ميتا» أنها «تختبر فرض قيود على عدد من منشورات الروابط التي يمكن للصفحات والحسابات نشرها شهرياً على (فيسبوك)»، على أن يُتاح نشر عدد أكبر عبر الاشتراك في خدمة «Meta Verified» المدفوعة. وأثارت هذه الخطوة تساؤلات بشأن تأثيرها على «عدد الزيارات والناشرين»، فيما عدّها خبراء «ضغطاً جديداً على الناشرين الذين يواجهون بالفعل تراجعاً في زيارات مواقعهم».

وبحسب إشعارات أُرسلت إلى بعض الحسابات، فمن المفترض أن يكون تطبيق «القيود» بدأ من 16 ديسمبر (كانون الأول) الحالي على نطاق محدود، مع إتاحة تجاوزها عبر الاشتراك المدفوع الذي تروّج له «ميتا» بوصفه وسيلة لحماية العلامة التجارية. وأكدت الشركة أن «ما يجري اختبار محدود النطاق حتى الآن»، فيما يرى متخصصون في مجال الإعلام أن الهدف الأبرز هو «رفع الإقبال على (Meta Verified) وتعزيز عائدات الاشتراكات».

قال أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبي، الدكتور حسن مصطفى، لـ«الشرق الأوسط»، إن اتجاه «ميتا» جاء ليؤكد أنها منصة استثمارية ربحية بالأساس. وأضاف: «من المتوقع أن تشهد المواقع الإخبارية تراجعاً في الزيارات القادمة من منصات التواصل الاجتماعي، وسيكون وقع هذا القرار أشد على الناشرين الذين اعتمدوا على هذه المنصات بوصفها قناة توزيع رئيسية».

وأوضح أن «هذا التحول لا يعكس تراجع الاهتمام بالمحتوى الإخباري، بقدر ما يعكس تغييراً في دور المنصات نفسها، التي باتت تميل إلى الاحتفاظ بالمستخدم داخل بيئتها الرقمية».

وبحسب مصطفى، فإن «الأمر ليس محدوداً بمنصة (فيسبوك)، فقد سبقت (إكس) إلى اعتماد القيود عينها». ولفت إلى أن «التأثير سيكون متفاوتاً، إذ ستتضرر المؤسسات التي لم تطور قنوات الوصول المباشرة مع الجمهور أكثر من غيرها».

وعن تكيف الناشرين مع القيود الجديدة، قال أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي، الدكتور مصطفى، إنه «لا بد من تغيير الفلسفة التحريرية، بمعنى أن تتحول الروابط الخارجية، فبدل أن تكون فقط أداة تحويل أو إحالة، تكون أداة استراتيجية، وذلك بتقديم صيغة المحتوى». وأوضح أن «ذلك يعني أن يكون المنشور الذي يتم نشره على المنصة لا يحيل المستخدم لوسيط آخر، ومن ثمّ الرابط هنا يصبح أداة انتقائية يستخدم فقط مع المواد ذات القيمة العالية، ما يتطلب تفعيل (النشر المدروس)». غير أنه طرح حلاً، وعدّه الأهم، قائلاً إن «الخيار الأكثر استدامة هو بناء علاقة مباشرة بين المؤسسة الإخبارية وجمهورها، بحيث لا تعتمد فقط على جمهور الزوار؛ لكن يجب أن يتحول هذا الجمهور من مجرد زائر إلى جمهور له ولاء لهذه المؤسسة من خلال الاشتراك في النشرات البريدية».

وأشار تقرير «Widely Viewed Content Report» الصادر عن «ميتا» في ديسمبر، إلى أن «منشورات (فيسبوك) التي تتضمن روابط تُحقق معدلات وصول محدودة داخل التطبيق». وأضاف أنه «لا توجد أرقام معلنة حول حجم الإقبال على خدمة (التوثيق) المدفوعة، لكن عند النظر إلى أرقام الربع الثالث من العام الحالي لدى (ميتا)، نجد أن إيرادات بند (أخرى) التي تتضمن (التوثيق) استمرت في الارتفاع، ووصلت الآن إلى 690 مليون دولار، وهو رقم يزيد على ضعف ما كان عليه عندما أطلقت (ميتا) خدمة (Meta Verified) في الربع الثاني من عام 2023».

من جهته، تحدث خبير إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» في السعودية ومصر، خالد عبد الراضي، عن الدافع وراء اتجاه «ميتا» لتقييد الروابط، قائلاً: «يبدو أنه جزء من توجه (ميتا) لتعزيز الاشتراكات المدفوعة على منصتها، لا سيما أن خدمة (Meta Verified) حققت بالفعل عوائد ملحوظة خلال الفترة الأخيرة، وتعتقد الشركة أن تبني إجراءات مشابهة لما فعلته منصة (إكس)، مثل تقييد نشر الروابط أو خفض مدى الوصول للحسابات غير المشتركة، قد يدفع مزيداً من المستخدمين إلى الاشتراك، بما ينعكس في النهاية على زيادة الإيرادات لصالح المنصة».

وأكد عبد الراضي لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الكبرى أمام الناشرين، هي الاعتماد السابق على الإفراط في نشر الروابط، لذلك حان الوقت للانتقاء». وتابع: «بات توفير بدائل للنشر ضرورة مُلحة، مثل الاهتمام بمنصات منافسة، على شاكلة (إكس) و(تلغرام) وقنوات (واتساب)، وحتى (ماسنجر) الذي يعد جزءاً من (فيسبوك)، لكنه قد يسمح بالوصول المباشر للمستخدمين». وأضاف: «صحيح أن هذه البدائل قد لا تحقق مستوى الوصول والتفاعل نفسه الذي تمنحه الصفحات عبر منشورات الروابط على (فيسبوك)، لكنها قد توفر تعويضاً جزئياً في حال تم تقييد عدد الروابط المسموح بنشرها».

وطرح عبد الراضي مساراً عدّه طويل الأجل، وهو «تعزيز الـ (س. إي. أو) (SEO) للمواقع الإلكترونية... فتحسين الظهور على محركات البحث سينعكس مباشرة على زيادة الزيارات ورفع فرص الوجود». وأضاف: «في السابق أخطأ الناشرون بالاعتماد الكلي على منصات التواصل وإهمال القنوات المباشرة، التي لم تعد الآن خيارات ثانوية، بل يجب العمل عليها بوصفها ركائز أساسية لاستدامة الوصول وبناء الجمهور».


هل تعيد التطورات الرقمية تشكيل أخلاقيات الإعلام؟

التطورات الرقمية تثير معضلات أخلاقية لم تكن موجودة من قبل (رويترز)
التطورات الرقمية تثير معضلات أخلاقية لم تكن موجودة من قبل (رويترز)
TT

هل تعيد التطورات الرقمية تشكيل أخلاقيات الإعلام؟

التطورات الرقمية تثير معضلات أخلاقية لم تكن موجودة من قبل (رويترز)
التطورات الرقمية تثير معضلات أخلاقية لم تكن موجودة من قبل (رويترز)

بينما تتسارع التطورات الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي، وتلقي بظلالها على عملية إنتاج المحتوى الإعلامي، يبرز السؤال حول مدى تأثير ذلك على القواعد المهنية، وما إذا كان التحول الرقمي سيعيد تشكيل أخلاقيات الإعلام؟

وبينما اتفق خبراء على أن التحولات الرقمية ألقت بظلالها بالفعل على القواعد المهنية، شددوا على ضرورة إعادة هيكلة تلك الإرشادات لإعطائها قدراً من المرونة يمكّنها من التعاطي مع التطورات التكنولوجية المتسارعة.

دورية «كولومبيا جورناليزم ريفيو» التي تصدرها كلية الصحافة في جامعة كولومبيا بنيويورك، قالت في تقرير نشرته أخيراً، إن «الوقت يتغير وكذلك القواعد الأخلاقية»، مشيرة إلى أن «الصحافة تحتاج إلى أدلة استرشادية أخلاقية جديدة للتعاطي مع التحديات التكنولوجية المتسارعة»، حيث تثير التطورات الرقمية «معضلات أخلاقية لم تكن موجودة من قبل».

الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، يوشنا إكو، أكد أن «التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل أخلاقيات الإعلام بطرق عميقة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «أخلاقيات الإعلام التقليدية مثل الدقة والإنصاف والمساءلة، صُمِّمت لبيئة إخبارية بطيئة تعتمد على العامل البشري، في حين أدخل التحول الرقمي ديناميكيات جديدة في ظل زيادة حدة التنافس الإعلامي في السعي وراء السبق والخبر العاجل، ما يجعل النشر السريع يفوق الدقة والتحقق».

وأشار إلى أن «ظهور (القبائل الرقمية) أو (غرف الصدى) بات نتيجة مباشرة لطبيعة استهداف المستخدم بناء على بياناته وتخصيص محتوى لفئات معينة دون غيرها، ما يضع تحديات أمام مبدأ خدمة المصلحة العامة». ويقول إن «التقنيات الرقمية باتت تحجب الخط الفاصل بين الحقيقة والخيال ما يتطلب معايير أخلاقية مهنية جديدة»، موضحاً أنه «في ظل تحكم الخوارزميات في نشر المحتوى فإن المسؤولية الأخلاقية تمتد لتشمل شركات التكنولوجيا إلى جانب الصحافيين».

حقاً، كان الاعتقاد السائد أن «تغيّر الزمن لا يستدعي تغيّر الأخلاقيات، فقواعد الإعلام مثل الصدق والشفافية والاستقلال ثابتة مهما تغيّرت صناعة الإعلام». بحسب «كولومبيا جورناليزم ريفيو»، لكنها تشير إلى «تغير هذا الاعتقاد السائد، فالقواعد الأخلاقية القديمة تتطلب إعادة تقييم لمواجهة المعضلات الرقمية الجديدة».

وفي رأي الصحافي اللبناني المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، محمود غزيل، فإن «التطورات التي حدثت في الإعلام وتقنيات النشر تركت أثراً واسعاً على الرسالة الإعلامية وطرق استهلاكها، والأهداف التي ترنو إليها الجهات الإعلامية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ما شهده العالم في الأعوام الثلاثة الأخيرة، منذ توسع مفهوم الذكاء الاصطناعي التوليدي مع الإطلاق الرسمي لمنصة (تشات جي بي تي) وانضمام العديد من حول العالم، ومن بينهم الصحافيون، إليها، واختبار مزايا الذكاء الاصطناعي التوليدي بمختلف أطيافه، جعلت العالم يقف للحظة لمراجعة قرارته وخطواته بما يتعلق بكيفية وشروط النشر».

وأضاف أنه «إلى جانب مشكلة توليد النصوص والمواد المكتوبة عن طريق الذكاء الاصطناعي، وما قد يعتريها من (هلوسة) معلومات ومصادر، هناك أيضاً تحديات أخلاقية مختلفة، من بينها استخدام الفيديوهات والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي»، موضحاً أنه «إن كان بعض أهل الصحافة والإعلام يقعون في فخ عدم التمييز بين الحقيقي والمزور، فمن الطبيعي على القارئ والمتابع أن يرتكب الخطأ نفسه، ما يجعل هناك أزمة معرفة».

وأكد أنه «يتوجب على وسائل الإعلام التي تلجأ إلى التقنيات الحديثة من أجل توليد المشاهد البصرية بسياق رمزي أو أرشيفي، توضيح ذلك للقارئ». وقال إن «الشفافية يجب أن تكون موجودة، مع العودة لمبادئ الصحافة المطبوعة في وصف الصورة ومصدرها».

وأشار غزيل إلى أن المسؤولية النهائية تظل على كاهل الصحافيين المحترفين، فلا يُعدّ أي محتوى إخبارياً ما لم يخضع لتدقيق وتحرير بشري، أي أن الفكرة تبدأ بالصحافي وتنتهي معه».

نقطة أخرى تطرق لها الصحافي اللبناني في حديثه تتعلق بمبدأ «الخصوصية»، حيث أثّرت التطورات التكنولوجية على خصوصية البيانات و«أصبح الصحافي قادراً على جمع المعلومات عبر منصات التواصل دون الحصول على إذن صاحبها ما قد يؤدي في بعض الأحيان إلى ضرر معنوي ونفسي قد لا تكون القوانين المحلية حالياً قادرة على معالجته»، وشدد على «ضرورة التزام الصحافيين بمواثيق الشرف والقواعد الأخلاقية مهما بلغت التطورات التكنولوجية».

وتثير مسألة خصوصية البيانات كثيراً من الجدل في ظل محاولات دول عدة وضع قواعد وقوانين لحماية بيانات المستخدمين، في وقت ترى فيه منصات التواصل الاجتماعي وشركات التكنولوجيا في ذلك «تقييداً لعملها».

وفي هذا الإطار، أكد نائب رئيس جامعة «شرق لندن» بالعاصمة البريطانية، الدكتور حسن عبد الله، لـ«الشرق الأوسط»، أن «التطورات التكنولوجية الرقمية أعادت بالفعل تشكيل أخلاقيات الإعلام»، مشيراً إلى أن «منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، وتقنيات التزييف العميق وغيرها أدت إلى تسريع وتيرة إنتاج وتوزيع المعلومات، تزامناً مع طمس الحدود التقليدية بين الصحافيين والمنصات والجمهور».

وقال إن «التحولات الرقمية فاقمت التحديات الأخلاقية المرتبطة بالدقة، والخصوصية، والمساءلة، والتحيز، لا سيما ما يتعلق بانتشار (المعلومات المضللة) و(غرف الصدى)، والتلاعب بالرأي العام»، مشدداً على أن «هذه التطورات المتسارعة تتطلب إعادة صياغة لأخلاقيات الإعلام، حيث لم تعد الأطر التقليدية كافية في منظومة تهيمن عليها الخوارزميات وصنّاع المحتوى»، مشيراً إلى امتداد المسؤولية الأخلاقية إلى «شركات التكنولوجيا وعلماء البيانات ومصممي المنصات».

ويضرب نائب رئيس جامعة «شرق لندن» عدداً من الأمثلة على «عدم قدرة الأخلاقيات المهنية على التعاطي السريع مع التطورات التكنولوجية، من بينها انتشار المعلومات المضللة خلال حرب غزة التي لم تتمكن المنصات من احتوائها ومعالجتها بالسرعة الكافية، وقضية الإعلانات السياسية الموجهة وقدرتها على التلاعب وتوجيه الرأي العام معتمدة على بيانات المستخدمين».

وفي رأي عبد الله، فإنه «لمواكبة التطورات الرقمية، يجب أن تتطور أخلاقيات الإعلام في ثلاثة اتجاهات رئيسية»، الاتجاه الأول يتعلق بـ«دمج الأطر الأخلاقية في مبادئ حوكمة التكنولوجيا، ما يعني إلزام المنصات بالشفافية بشأن الخوارزميات واستخدام البيانات».

أما الاتجاه الثاني، بحسب عبد الله، فيتعلق بـ«تعزيز التعاون المتعدد التخصصات بين الصحافيين، وخبراء الأخلاق، والتقنيين، وصناع السياسات». وثالثاً، يقترح عبد الله «المراجعة الأخلاقية المستمرة داخل المؤسسات الإعلامية، ودمجها بقدر من التنظيم القانوني، والمعايير المهنية، ومبادرات محو الأمية الإعلامية للجمهور، بحيث تصبح القواعد الأخلاقية الجامدة مرنة بدرجة تسمح لها بالاستجابة للتطورات المتسارعة».

ختاماً، فإنه وفق «كولومبيا جورناليزم ريفيو»، فإن «القواعد المهنية الأساسية للإعلام لم تتغير، فالصحافة لا تزال تؤمن بضرورة خدمة المصلحة العامة بعدالة واستقلالية وشفافية ودقة، لكن طبيعة العمل في عالم سريع التطور يفرض معضلات أخلاقية، قد يساعد وضع قواعد مهنية جديدة في التعامل معها، وهي قواعد ستتغير مع الوقت».