العلم باعتباره نسقاً ثقافياً

صار الأداة الأولى لخلق الثروة في عالمنا المعاصر

ميتشيو كاكو  -  ماركوس دو سوتري  -  جم الخليلي
ميتشيو كاكو - ماركوس دو سوتري - جم الخليلي
TT

العلم باعتباره نسقاً ثقافياً

ميتشيو كاكو  -  ماركوس دو سوتري  -  جم الخليلي
ميتشيو كاكو - ماركوس دو سوتري - جم الخليلي

«العلمُ مزيّة جميلة، وهو أداة عظيمة المنفعة» مونتين
تختزل عبارة مونتين الأيقونية، وبكيفية مكثّفة ورائعة، أهمية العلم الجوهرية في جانبيه القيمي والبراغماتي منذ أن صار العلم قوّة راسخة في تطوير الحياة البشرية والاندفاع بها نحو مرتقيات أعلى؛ لكن ماذا عن العلم باعتباره نسقاً ثقافياً؟ أو لنجعل السؤال مُصاغاً بطريقة أكثر دقّة من الناحية المفاهيمية: ماذا عن البنية التحتية القيمية التي يساهم العلم في ترسيخها والارتقاء بها وبخاصة في بيئتنا العربية؟ تلك موضوعة معقّدة ومشتبكة، وهي موضع دراسة مبحث تأريخ العلم وفلسفته بالإضافة إلى أنثروبولوجيا العلم وعلم اجتماع المعرفة العلمية، ولستُ هنا بالطبع في موضع تناول كلّ هذه الاشتباكات المعرفية؛ بل سأعمل على إلقاء الضوء على موضوعات محدّدة في هذا المبحث الحيوي.
عندما قرأت كتاب «ألف باء النسبية» للفيلسوف البريطاني برتراند راسل، قبل سنوات بعيدة، دفعتني تلك القراءة للمضي في قراءة كتاب آخر عنوانه «النسبية: النظرية الخاصة والعامة» ألّفه ألبرت آينشتاين ذاته واضع تلك النظرية. تتراءى أمامي تلك القراءات كلّما تابعتُ على إحدى الفضائيات سلسلة وثائقية تتناول إحدى الموضوعات العلمية التي يحفل بها عالمنا المعاصر، ولا أنفكّ أتساءل بعد كلّ مشاهدة مثمرة: لِمَ يبدو العلمُ لدينا مملكة عصية الاختراق لا تفتح مغاليقها إلا لصفوة من النخبة (أو بتعبير أدق: لمن نتصوّرُ أنهم الصفوة البشرية المنتخبة)؟ وما السبب الذي يجعل العلم لدينا أقرب إلى الملغزات المفاهيمية اللاهوتية المستعصية على الفهم الجمعي؟ ولماذا يبدو لنا آينشتاين - على سبيل المثال - أحد الشخوص الأسطورية في الوقت الذي يتعامل معه الغربيون باعتباره شخصية ثقافية حالها حال الكثير من الشخصيات الثقافية التي نتعامل معها بصورة يومية!
ثمّة عنصر محدّد أصبح الأكثر مساهمة من سواه في تشكيل الأنساق الثقافية العالمية منذ عصر النهضة الأوروبية، وأعني به (العلم) الذي بات القوّة الثورية القادرة على إعادة رسم خارطة التضاريس الثقافية في العالم وبخاصة بعد أن ساهمت تطبيقاته التقنية في الارتقاء بنوعية الحياة البشرية، وكبحت المعوّقات التي تقيّد مسيرة التطوّر الإنساني وفتحت آفاقاً غير مسبوقة من الممكنات أمام العقل البشري.
من الواضح تماماً أنّ العلم - وتطبيقاته التقنية المتسارعة - صار الأداة الأولى المعتمدة لخلق الثروة في عالمنا المعاصر بعد أن كانت الثروة قائمة على الملكيات العقارية الضخمة، ثمّ صارت تعتمد على الموارد الطبيعية في وقت لاحق قبل انفجار الثورات العلمية المتتالية التي تُوّجت بالثورة المعلوماتية - تلك الثورة التي تبشّر بولادة عصر ما بعد الإنسانية حيث سيكون نموذج (العقل البشري المعزّز بوسائط الذكاء الصناعي) هو النموذج المتوقّع بعد عشرين سنة من يومنا هذا (كما يتوقّع المُنظّر المستقبلي وعالم الذكاء الصناعي راي كيرزويل Ray Kurzweil).
من جانب آخر، يُنظَرُ إلى الثقافة باعتبارها ممارسة بشرية تختصّ بالكائنات البشرية التي غادرت منطقة الحاجات البيولوجية البدائية (طبقاً لمُخطّط ماسلو Maslow في التراتبية الهرمية للحاجات الفردية)، وبلا شكّ فإنّ العلم هو القوة الأساسيّة التي حرّرت الإنسان من عبء العمل الميكانيكي الرتيب ووفّرت له الكثير من الوقت والمال اللازمين لكلّ ممارسة ثقافية وتمكين معرفي على الصعيد الفردي.
ليس العلم بذاته محض قوانين ومعادلات رياضياتية فحسب؛ بل هو توليفة متكاملة ومتناسقة من أنساق مفاهيمية تمنح الفرد قدرة على رؤية العالم بطريقة متمايزة نوعياً عمّا يراه الفرد غير المؤهّل علمياً، وتنعكس آثار هذه الرؤية على كيفية تشكيل الثقافة إلى حدّ أصبحنا معه نشهد الكثير من المنظّرين الثقافيين وممارسي الثقافة المؤثّرين من الحائزين على أرقى المؤهلات العلمية في الفيزياء والرياضيات وسواها.
بالإشارة إلى هذه المؤثرات الثلاثة، وبقدر ما يختصّ الأمر ببيئتنا العربية، يبدو أنّ اختلالاتٍ هيكلية عميقة ضاربة الجذور قد تمكّنت من رسم معالم الأنساق الثقافية العربية ودمغها بتلك السمات المعروفة عنها وهي - في معظمها - تتمحورُ على إعلاء شأن الاشتغالات النسقية الفكرية العتيقة وترسيخ سطوتها، وتقليدية المناهج الدراسية وتخلّفها، وغَلَبَة الدراسات اللغوية التقليدية التي جعلت اللغة العربية أقرب إلى ألاعيب حُواة وسَحَرة تعتمد على الفذلكات والمناورات بدل جعلها عاملاً مساهماً في النهضة الثقافية الشاملة عبر تطويعها المهذّب والمتناسق - البعيد عن التصنّع - مع التطوّرات الثقافية العالمية.
لا يمكن فصل التأثير المتبادل المفترض بين العلم والأنساق الثقافية في المشهد العربي عن نمط تشكّل الثروة لدينا؛ إذ ما زالت كثير من الأوساط تُعدّ العلم اشتغالاً فوقياً بعيداً عن ملامسة قاع البنية التحتية للثقافة، وتتعاظم معالم هذه (الفوقية) كلّما كان الاقتصاد ريعياً لا يتطلّب تفعيل الاشتغالات المعرفية التي تحرك ماكينة الاقتصاد وتوفر المصادر المالية التي تديم زخم الثقافة، وارتقاءها.
فطنت المجتمعات المتقدمة ومنذ عقود إلى هذه الحقائق الاستراتيجية؛ الأمر الذي دفعها إلى السعي وراء توظيف كلّ الوسائل الممكنة لنشر الثقافة العلمية وجعلها مادة مشاعية بكلّ الطرق المُتاحة. القراءة - بكل تأكيد - هي إحدى أهم وسائل الاطلاع على تنويعات الخريطة العلمية، وبخاصة أن تلك المجتمعات تمتلك تقاليد عريقة في تعزيز أهمية القراءة منذ البواكير الأولى لنشأة الصغار؛ غير أن التجربة المتواترة كشفت لهم أنّ القراءة وتقاليدها الراسخة، لم تعُد الوسيلة الوحيدة للاطلاع على المتغيرات المتسارعة في العلم والثقافة العلمية بسبب زيادة الجرعة التقنية التخصصية التي تستلزم تدريباً شاقاً في معظم الفروع العلمية الحديثة فضلاً عن الضغوطات الحياتية التي ما عادت تتيح للمرء أن يحافظ على تقاليد قرائية كلاسيكية الطابع بمثل ما كان شائعاً في القرن التاسع عشر وفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.
تأسيساً على هذه الملاحظة لجأ المسؤولون عن رسم وتنفيذ السياسات العلمية الحديثة إلى الاستعانة بالوسائط البصرية والأفلام السينمائية في تقديم المعرفة العلمية المطلوبة؛ فالإنسان العادي، يظلّ كائناً حسياً تجتذبه الصور المرئية التي تخاطبُ حواسه أجمعها، وهذا أمر لا يتاحُ له عند القراءة التي تشغّل الطاقة العقلية والخيال إلى أقصى المديات، إلا أن هذا الأمر لا يحصل إلا لدى فئة قليلة من البشر. كانت هذه الحقيقة هي الانطلاقة التي دفعت بتلك المجتمعات أن توجّه اهتمامها نحو أفلام الخيال العلمي والوثائقيات العلمية، وهي في مجملها منتجات بصرية رفيعة الصناعة وقيمّة المحتوى. ورافق ذلك شيوع الكتابات العلمية التي تتوجّه للقارئ العام (على شاكلة كتاب «موجز تأريخ الزمان» للراحل ستيفن هوكنغ)؛ لكن تبقى الوثائقيات العلمية أكثر شيوعاً ومتابعة ؛ بل صار تقليداً أقرب إلى سياسة ثابتة أن يتمّ تحويل الكتب العلمية التي تلقى مقروئية عالية إلى سلسلة علمية وثائقية يقدّمها مؤلف العمل ذاته مما أدّى إلى نشوء طبقة من مقدّمي السلاسل العلمية الذين يشغلون غالباً مواقع أستاذية في جامعات مرموقة وباتوا ينافسون أبرز مُقدّمي برامج الترفيه الشائعة (على شاكلة أوبرا وينفري).
وسأذكر هنا خمسة نماذج مميزة لمقدّمي هذه السلاسل الوثائقية العلمية، وهم علماء مرموقون ممن لعبوا أدواراً عظيمة الأهمية في إشاعة الثقافة العلمية وجعلها عنصراً استراتيجياً في الأنساق الثقافية الغربية، وأحسب أن إشارتي هذه هي دعوة لمتابعة السلاسل العلمية لهؤلاء (وهي متاحة بالمجان على الشبكة العالمية):
1. ميتشيو كاكو Michio Kaku: بروفسور الفيزياء النظرية في جامعة نيويورك الذي يخبرنا بأنه حاول في طفولته بناء مسرّع للجسيمات الدقيقة في مرأب منزله!!. أنجز كاكو العديد من الوثائقيات الملهمة؛ إنما تبقى - برأيي - سلسلته المسماة «رؤى مستقبلية» هي الأفضل من سواها.
2. جِم الخليلي Jim Al - Khalili: وهو - كسابقه - بروفسور للفيزياء النظرية في بريطانيا. يذكر الخليلي العراقي الأصل أيام نشأته الأولى في العراق باعتبارها من أطيب ذكرياته، وقد بلغ به تميزه العلمي - فضلاً عن مساهمته في إشاعة الثقافة العلمية الجمعية - أن تكرمه ملكة بريطانيا بمنحه رتبة (فارس). أرى أن سلسلتيه الوثائقيتين «قصة الذرة» و«الفوضى» رائعتان ومبهرتان إلى أقصى الحدود.
3. ماركوس دو سوتوي Marcus du Sautoy: الأستاذ اللامع للرياضيات في جامعة أكسفورد، الذي قدّم الكثير من الوثائقيات الرائعة وفي مقدمتها سلسلة «قصّة الرياضيات».
4. بريان كوكس Brian Cox: الشاب الوسيم الذي ابتدأ حياته عضواً في إحدى فرق الموسيقى الشعبية في بريطانيا، ثمّ أكمل دراسته في الفيزياء حتى حصل على شهادة الدكتوراه في فيزياء الجسيمات الأولية. ثمة الكثير من الوثائقيات العلمية الرائعة التي قدّمها البروفسور (كوكس) وبخاصة في ميدان الكوسمولوجيا (علم نشأة الكون وتطوّره).
5. بريان غرين Brian Greene: الفيزيائي والبروفسور في جامعة كولومبيا الذي حقّق كتابه (الكون الأنيق The Elegant Universe) مبيعات هائلة دفعت إلى تحويله لعمل وثائقي بتقديم البروفسور (غرين) ذاته. يمكن للمتابع الشغوف أن يعثر في الشبكة العالمية على العديد من الوثائقيات العلمية للبروفسور (غرين) تتناول موضوعات فيزيائية مهمة في عصرنا الراهن (مثل فيزياء الكم والنسبية).
إنّنا مُقبلون خلال عقدين من الزمان على عصر غير مسبوق ستكون فيه المعرفة العلمية الرفيعة والدقيقة ركناً أساسياً من مشهد المعيشة البشرية اليومية، فضلاً عن الثقافة بكلّ أنساقها المتنوّعة، ولن يكون هناك متّسع لمن لن تكون مفاهيم العلم الجوهرية (مثل: نظرية كلّ شيء، الدماغ المعزّز بالقدرات الاحتسابية، الذكاء الصناعي العميق، الهياكل وخوارزميات البيانات، الحوسبة الكمّية... إلخ) ركناً جوهرياً في ثقافته العامة مثلما في حياته اليومية.
- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية تقيم في الأردن



وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».