العلم باعتباره نسقاً ثقافياً

صار الأداة الأولى لخلق الثروة في عالمنا المعاصر

ميتشيو كاكو  -  ماركوس دو سوتري  -  جم الخليلي
ميتشيو كاكو - ماركوس دو سوتري - جم الخليلي
TT

العلم باعتباره نسقاً ثقافياً

ميتشيو كاكو  -  ماركوس دو سوتري  -  جم الخليلي
ميتشيو كاكو - ماركوس دو سوتري - جم الخليلي

«العلمُ مزيّة جميلة، وهو أداة عظيمة المنفعة» مونتين
تختزل عبارة مونتين الأيقونية، وبكيفية مكثّفة ورائعة، أهمية العلم الجوهرية في جانبيه القيمي والبراغماتي منذ أن صار العلم قوّة راسخة في تطوير الحياة البشرية والاندفاع بها نحو مرتقيات أعلى؛ لكن ماذا عن العلم باعتباره نسقاً ثقافياً؟ أو لنجعل السؤال مُصاغاً بطريقة أكثر دقّة من الناحية المفاهيمية: ماذا عن البنية التحتية القيمية التي يساهم العلم في ترسيخها والارتقاء بها وبخاصة في بيئتنا العربية؟ تلك موضوعة معقّدة ومشتبكة، وهي موضع دراسة مبحث تأريخ العلم وفلسفته بالإضافة إلى أنثروبولوجيا العلم وعلم اجتماع المعرفة العلمية، ولستُ هنا بالطبع في موضع تناول كلّ هذه الاشتباكات المعرفية؛ بل سأعمل على إلقاء الضوء على موضوعات محدّدة في هذا المبحث الحيوي.
عندما قرأت كتاب «ألف باء النسبية» للفيلسوف البريطاني برتراند راسل، قبل سنوات بعيدة، دفعتني تلك القراءة للمضي في قراءة كتاب آخر عنوانه «النسبية: النظرية الخاصة والعامة» ألّفه ألبرت آينشتاين ذاته واضع تلك النظرية. تتراءى أمامي تلك القراءات كلّما تابعتُ على إحدى الفضائيات سلسلة وثائقية تتناول إحدى الموضوعات العلمية التي يحفل بها عالمنا المعاصر، ولا أنفكّ أتساءل بعد كلّ مشاهدة مثمرة: لِمَ يبدو العلمُ لدينا مملكة عصية الاختراق لا تفتح مغاليقها إلا لصفوة من النخبة (أو بتعبير أدق: لمن نتصوّرُ أنهم الصفوة البشرية المنتخبة)؟ وما السبب الذي يجعل العلم لدينا أقرب إلى الملغزات المفاهيمية اللاهوتية المستعصية على الفهم الجمعي؟ ولماذا يبدو لنا آينشتاين - على سبيل المثال - أحد الشخوص الأسطورية في الوقت الذي يتعامل معه الغربيون باعتباره شخصية ثقافية حالها حال الكثير من الشخصيات الثقافية التي نتعامل معها بصورة يومية!
ثمّة عنصر محدّد أصبح الأكثر مساهمة من سواه في تشكيل الأنساق الثقافية العالمية منذ عصر النهضة الأوروبية، وأعني به (العلم) الذي بات القوّة الثورية القادرة على إعادة رسم خارطة التضاريس الثقافية في العالم وبخاصة بعد أن ساهمت تطبيقاته التقنية في الارتقاء بنوعية الحياة البشرية، وكبحت المعوّقات التي تقيّد مسيرة التطوّر الإنساني وفتحت آفاقاً غير مسبوقة من الممكنات أمام العقل البشري.
من الواضح تماماً أنّ العلم - وتطبيقاته التقنية المتسارعة - صار الأداة الأولى المعتمدة لخلق الثروة في عالمنا المعاصر بعد أن كانت الثروة قائمة على الملكيات العقارية الضخمة، ثمّ صارت تعتمد على الموارد الطبيعية في وقت لاحق قبل انفجار الثورات العلمية المتتالية التي تُوّجت بالثورة المعلوماتية - تلك الثورة التي تبشّر بولادة عصر ما بعد الإنسانية حيث سيكون نموذج (العقل البشري المعزّز بوسائط الذكاء الصناعي) هو النموذج المتوقّع بعد عشرين سنة من يومنا هذا (كما يتوقّع المُنظّر المستقبلي وعالم الذكاء الصناعي راي كيرزويل Ray Kurzweil).
من جانب آخر، يُنظَرُ إلى الثقافة باعتبارها ممارسة بشرية تختصّ بالكائنات البشرية التي غادرت منطقة الحاجات البيولوجية البدائية (طبقاً لمُخطّط ماسلو Maslow في التراتبية الهرمية للحاجات الفردية)، وبلا شكّ فإنّ العلم هو القوة الأساسيّة التي حرّرت الإنسان من عبء العمل الميكانيكي الرتيب ووفّرت له الكثير من الوقت والمال اللازمين لكلّ ممارسة ثقافية وتمكين معرفي على الصعيد الفردي.
ليس العلم بذاته محض قوانين ومعادلات رياضياتية فحسب؛ بل هو توليفة متكاملة ومتناسقة من أنساق مفاهيمية تمنح الفرد قدرة على رؤية العالم بطريقة متمايزة نوعياً عمّا يراه الفرد غير المؤهّل علمياً، وتنعكس آثار هذه الرؤية على كيفية تشكيل الثقافة إلى حدّ أصبحنا معه نشهد الكثير من المنظّرين الثقافيين وممارسي الثقافة المؤثّرين من الحائزين على أرقى المؤهلات العلمية في الفيزياء والرياضيات وسواها.
بالإشارة إلى هذه المؤثرات الثلاثة، وبقدر ما يختصّ الأمر ببيئتنا العربية، يبدو أنّ اختلالاتٍ هيكلية عميقة ضاربة الجذور قد تمكّنت من رسم معالم الأنساق الثقافية العربية ودمغها بتلك السمات المعروفة عنها وهي - في معظمها - تتمحورُ على إعلاء شأن الاشتغالات النسقية الفكرية العتيقة وترسيخ سطوتها، وتقليدية المناهج الدراسية وتخلّفها، وغَلَبَة الدراسات اللغوية التقليدية التي جعلت اللغة العربية أقرب إلى ألاعيب حُواة وسَحَرة تعتمد على الفذلكات والمناورات بدل جعلها عاملاً مساهماً في النهضة الثقافية الشاملة عبر تطويعها المهذّب والمتناسق - البعيد عن التصنّع - مع التطوّرات الثقافية العالمية.
لا يمكن فصل التأثير المتبادل المفترض بين العلم والأنساق الثقافية في المشهد العربي عن نمط تشكّل الثروة لدينا؛ إذ ما زالت كثير من الأوساط تُعدّ العلم اشتغالاً فوقياً بعيداً عن ملامسة قاع البنية التحتية للثقافة، وتتعاظم معالم هذه (الفوقية) كلّما كان الاقتصاد ريعياً لا يتطلّب تفعيل الاشتغالات المعرفية التي تحرك ماكينة الاقتصاد وتوفر المصادر المالية التي تديم زخم الثقافة، وارتقاءها.
فطنت المجتمعات المتقدمة ومنذ عقود إلى هذه الحقائق الاستراتيجية؛ الأمر الذي دفعها إلى السعي وراء توظيف كلّ الوسائل الممكنة لنشر الثقافة العلمية وجعلها مادة مشاعية بكلّ الطرق المُتاحة. القراءة - بكل تأكيد - هي إحدى أهم وسائل الاطلاع على تنويعات الخريطة العلمية، وبخاصة أن تلك المجتمعات تمتلك تقاليد عريقة في تعزيز أهمية القراءة منذ البواكير الأولى لنشأة الصغار؛ غير أن التجربة المتواترة كشفت لهم أنّ القراءة وتقاليدها الراسخة، لم تعُد الوسيلة الوحيدة للاطلاع على المتغيرات المتسارعة في العلم والثقافة العلمية بسبب زيادة الجرعة التقنية التخصصية التي تستلزم تدريباً شاقاً في معظم الفروع العلمية الحديثة فضلاً عن الضغوطات الحياتية التي ما عادت تتيح للمرء أن يحافظ على تقاليد قرائية كلاسيكية الطابع بمثل ما كان شائعاً في القرن التاسع عشر وفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.
تأسيساً على هذه الملاحظة لجأ المسؤولون عن رسم وتنفيذ السياسات العلمية الحديثة إلى الاستعانة بالوسائط البصرية والأفلام السينمائية في تقديم المعرفة العلمية المطلوبة؛ فالإنسان العادي، يظلّ كائناً حسياً تجتذبه الصور المرئية التي تخاطبُ حواسه أجمعها، وهذا أمر لا يتاحُ له عند القراءة التي تشغّل الطاقة العقلية والخيال إلى أقصى المديات، إلا أن هذا الأمر لا يحصل إلا لدى فئة قليلة من البشر. كانت هذه الحقيقة هي الانطلاقة التي دفعت بتلك المجتمعات أن توجّه اهتمامها نحو أفلام الخيال العلمي والوثائقيات العلمية، وهي في مجملها منتجات بصرية رفيعة الصناعة وقيمّة المحتوى. ورافق ذلك شيوع الكتابات العلمية التي تتوجّه للقارئ العام (على شاكلة كتاب «موجز تأريخ الزمان» للراحل ستيفن هوكنغ)؛ لكن تبقى الوثائقيات العلمية أكثر شيوعاً ومتابعة ؛ بل صار تقليداً أقرب إلى سياسة ثابتة أن يتمّ تحويل الكتب العلمية التي تلقى مقروئية عالية إلى سلسلة علمية وثائقية يقدّمها مؤلف العمل ذاته مما أدّى إلى نشوء طبقة من مقدّمي السلاسل العلمية الذين يشغلون غالباً مواقع أستاذية في جامعات مرموقة وباتوا ينافسون أبرز مُقدّمي برامج الترفيه الشائعة (على شاكلة أوبرا وينفري).
وسأذكر هنا خمسة نماذج مميزة لمقدّمي هذه السلاسل الوثائقية العلمية، وهم علماء مرموقون ممن لعبوا أدواراً عظيمة الأهمية في إشاعة الثقافة العلمية وجعلها عنصراً استراتيجياً في الأنساق الثقافية الغربية، وأحسب أن إشارتي هذه هي دعوة لمتابعة السلاسل العلمية لهؤلاء (وهي متاحة بالمجان على الشبكة العالمية):
1. ميتشيو كاكو Michio Kaku: بروفسور الفيزياء النظرية في جامعة نيويورك الذي يخبرنا بأنه حاول في طفولته بناء مسرّع للجسيمات الدقيقة في مرأب منزله!!. أنجز كاكو العديد من الوثائقيات الملهمة؛ إنما تبقى - برأيي - سلسلته المسماة «رؤى مستقبلية» هي الأفضل من سواها.
2. جِم الخليلي Jim Al - Khalili: وهو - كسابقه - بروفسور للفيزياء النظرية في بريطانيا. يذكر الخليلي العراقي الأصل أيام نشأته الأولى في العراق باعتبارها من أطيب ذكرياته، وقد بلغ به تميزه العلمي - فضلاً عن مساهمته في إشاعة الثقافة العلمية الجمعية - أن تكرمه ملكة بريطانيا بمنحه رتبة (فارس). أرى أن سلسلتيه الوثائقيتين «قصة الذرة» و«الفوضى» رائعتان ومبهرتان إلى أقصى الحدود.
3. ماركوس دو سوتوي Marcus du Sautoy: الأستاذ اللامع للرياضيات في جامعة أكسفورد، الذي قدّم الكثير من الوثائقيات الرائعة وفي مقدمتها سلسلة «قصّة الرياضيات».
4. بريان كوكس Brian Cox: الشاب الوسيم الذي ابتدأ حياته عضواً في إحدى فرق الموسيقى الشعبية في بريطانيا، ثمّ أكمل دراسته في الفيزياء حتى حصل على شهادة الدكتوراه في فيزياء الجسيمات الأولية. ثمة الكثير من الوثائقيات العلمية الرائعة التي قدّمها البروفسور (كوكس) وبخاصة في ميدان الكوسمولوجيا (علم نشأة الكون وتطوّره).
5. بريان غرين Brian Greene: الفيزيائي والبروفسور في جامعة كولومبيا الذي حقّق كتابه (الكون الأنيق The Elegant Universe) مبيعات هائلة دفعت إلى تحويله لعمل وثائقي بتقديم البروفسور (غرين) ذاته. يمكن للمتابع الشغوف أن يعثر في الشبكة العالمية على العديد من الوثائقيات العلمية للبروفسور (غرين) تتناول موضوعات فيزيائية مهمة في عصرنا الراهن (مثل فيزياء الكم والنسبية).
إنّنا مُقبلون خلال عقدين من الزمان على عصر غير مسبوق ستكون فيه المعرفة العلمية الرفيعة والدقيقة ركناً أساسياً من مشهد المعيشة البشرية اليومية، فضلاً عن الثقافة بكلّ أنساقها المتنوّعة، ولن يكون هناك متّسع لمن لن تكون مفاهيم العلم الجوهرية (مثل: نظرية كلّ شيء، الدماغ المعزّز بالقدرات الاحتسابية، الذكاء الصناعي العميق، الهياكل وخوارزميات البيانات، الحوسبة الكمّية... إلخ) ركناً جوهرياً في ثقافته العامة مثلما في حياته اليومية.
- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية تقيم في الأردن



مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».


حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».


السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
TT

السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)

تحتل عروض السيرة الهلالية والأراجوز وخيال الظل والتنورة، والفنون الشعبية عموماً، مكانة خاصة في حفلات ليالي رمضان التي تنظمها وزارة الثقافة عبر مواقعها وهيئاتها المتنوعة، وإن كانت الوزارة أعلنت برنامج احتفاليات رمضان لهذا العام متضمناً العديد من الأنشطة والفعاليات التي وصل عددها لما يزيد على 4 آلاف فعالية في المواقع الثقافية بكل محافظات مصر، فقد ظلت عروض السيرة الهلالية والعرائس التقليدية والفنون الشعبية لها نصيبها الوافر من هذه الفعاليات.

فإلى جانب الاحتفاء بفن الإنشاد الذي يستعيد التراث الصوفي ضمن فعاليات برنامج صندوق التنمية الثقافية، من خلال حفلات يحييها عدد من أبرز المنشدين، من بينهم الشيخ محمود التهامي، إلى جانب الشيخ إيهاب يونس، والمنشد مصطفى جمال، يقدم الصندوق عروضاً تعكس ثراء المشهد الثقافي المصري، من بينها عروض فرقة التنورة التراثية، والفنون الشعبية، والسيرة الهلالية، وعروض الأراجوز، وخيال الظل، وفق بيان لوزارة الثقافة.

كما تواصل هيئة قصور الثقافة استضافتها عروض السيرة الهلالية خلال شهر رمضان بالحديقة الثقافية في حي السيدة زينب (وسط القاهرة) ضمن برنامج «راوي من بلدنا» للسيرة الهلالية لفرقتَي محمد عزت وعز الدين نصر الدين، وتقديم الشاعر مسعود شومان.

كما يحتفي قصر ثقافة روض الفرج بعروض السيرة الهلالية لفرقة الفنان فتحي سليمان، بالإضافة إلى فعاليات معارض لنتاج الورش الحرفية والفنية، وورش الحرف اليدوية والفنية للشباب والعمال والقرية ورواد القصور المتخصصة والمرأة، فضلاً عن أنشطة أطلس المأثورات الشعبية.

ويرى الباحث في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، أن «هذه الفعاليات السنوية التي تواكب شهر رمضان تعد ثابتة، وتحتفي بالعديد من الفنون الأصيلة التي تكاد تتعرض للاندثار»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «شهر رمضان له خصوصيته لدى الأسر المصرية التي تحب الخروج والسهر خلال ليالي رمضان، ومن ثم الاستمتاع بالحفلات المتنوعة التي تقدم مجاناً للجمهور في مواقع مختلفة».

عروض الأراجوز تقدم في شهر رمضان (ملتقى الأراجوز)

كما تشهد العديد من المواقع الثقافية مثل «بيت السحيمي» و«قبة الغوري» العديد من العروض الرمضانية لفرقة التنورة وفرق الفنون الشعبية، فضلاً عن فرق متخصصة في فن الأراجوز، وخيال الظل، بالإضافة إلى عروض العرائس وعروض فرقة رضا للفنون الشعبية والفرقة القومية للفنون الشعبية.

وأشار المتخصص في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون إلى أن الاهتمام بتقديم فنون شعبية وأدائية بعينها مثل السيرة الهلالية والتنورة، يحافظ على الهوية المصرية فيما يتعلق بهذه الفنون، موضحاً أن «السيرة الهلالية تكاد تكون اختفت في مصر ما عدا رقعة جغرافية محدودة جداً في الصعيد بين سوهاج وقنا، ولم تعد موجودة بشكل دوري أو ثابت إلا من خلال احتفاليات رمضان. ومن المهم أن يتعرف الناس على هذا الفن من خلال ليالي رمضان، وكذلك أيضاً (عروض) التنورة والأراجوز كانت موجودة في وقت ماضٍ، ولكنها تقارب على الاختفاء، ومن ثم تقوم هذه الفعاليات الرمضانية السنوية باستعادة هذه الفنون وتقديمها للجمهور والأجيال الجديدة».

ويستضيف برنامج صندوق التنمية الثقافية خلال رمضان حفلات للفنان وجيه عزيز، تشهد على عودته بعد فترة غياب طويلة، ويستضيف كذلك حفلاً للفنانة منال محي الدين، إحدى أبرز التجارب الموسيقية المصرية التي نجحت في تقديم آلة «الهارب» ضمن السياق الموسيقي العربي، عبر مشروع فني يمزج بين الدراسة الأكاديمية والروح الشرقية، كنموذج للتجديد الموسيقي القائم على الحفاظ على الهوية، والانفتاح على آفاق تعبيرية جديدة.