كارلوس غصن لن يثبت براءته من خارج اليابان

كارلوس غصن لن يثبت براءته من خارج اليابان

ليس جيمس بوند... وإرثه المتألق في خطر
الأربعاء - 12 جمادى الأولى 1441 هـ - 08 يناير 2020 مـ رقم العدد [ 15016]
لندن: عادل مراد

من المقرر أن يعقد كارلوس غصن، الرئيس السابق لتحالف «نيسان - رينو – ميتسوبيشي»، مؤتمراً صحافياً في بيروت صباح اليوم (الأربعاء)، يشرح فيه ظروف اعتقاله في اليابان والتهم الموجهة إليه ودفاعه عن نفسه. وعلى الهامش سوف يكشف ظروف خروجه من اليابان رغم توقيفه قضائياً في قضايا مخالفات مالية وضريبية، ورغم مصادرة جوازات سفره متعددة الجنسيات، وشروط احتجازه بكفالة على ذمة القضية. ولكن مهما قال غصن في مؤتمره فلن يستطيع تبرئة ذمته المالية خارج المحاكم اليابانية.

كارلوس غصن غنيٌّ عن التعريف، فهو ببساطة الرجل الذي أنقذ شركة «نيسان» من الإفلاس وأدخلها في تحالفات صعدت بها إلى مصافّ الشركة الأولى عالمياً. وقد تعاطف الرأي العام معه عند اعتقاله المفاجئ في العام الماضي وكان عنوان هذه الصفحة حينذاك «غصن: أنقذ «نيسان» من الإفلاس وجاءته الطعنة من الخلف».

وما زالت هناك شبهة تورط مساعده الياباني السابق هيروتو سايكاوا، في مؤامرة من داخل الشركة للإطاحة بغصن. وفي الفترة التي أعقبت اعتقال غصن فشل سايكاوا في إدارة الشركة وهبطت أرباح «نيسان» إلى معدلات لم تشهدها منذ عشر سنوات. واضطرت شركة «نيسان» إلى التخلص من سايكاوا الذي لم يتعرض للملاحقة رغم مخالفاته المالية. من الشبهات أيضاً أن شركة «نيسان» لم تكن ترغب في مزيد من الاندماج مع شركة «رينو» الفرنسية التي تملك الحكومة الفرنسية حصة فيها، ولذلك دبّرت مؤامرة للتخلص من غصن، رئيس التحالف الذي سعى إلى اندماج كامل.

ولكن التكهنات والشبهات شيء والواقع شيء آخر. ما يهم في نهاية المطاف هو إرث كارلوس غصن وسمعته العالمية وتراثه الإداري الذي يحترمه ويقلده معظم شركات السيارات في العالم. والواقع الآن هو أن كارلوس غصن يخاطر بهذا الإرث والتاريخ بهروبه من العدالة اليابانية، مهما كانت شروطها الصعبة في الاحتجاز التي تكاد تصل إلى افتراض الذنب حتى تثبت البراءة.

من المؤكد أن غصن سوف يكشف في مؤتمراته الصحافية التي سيعقدها من بيروت عن حقائق وربما وثائق تدل على براءته من التهم المالية، ولكنّ هذا لا يهم ولا يثبت براءته في ظل طلب الإنتربول الدولي القبض عليه وتسليمه لليابان.

حتى فرنسا التي يحمل غصن جنسيتها لا ترغب في عودته لأنها لا تريد إغضاب اليابان خصوصاً مع حساسية الوضع في الشراكة بين «رينو» و«نيسان». كذلك يواجه غصن تهم مخالفات مالية في فرنسا أيضاً لم يتم التحقيق فيها بعد. وهذا يجعل من الصعب على غصن السفر إلى فرنسا رغم أنها لا تسلّم مواطنيها للمحاكمة في دول أخرى.


- الرأي العام

ينقسم الرأي العام العربي حول قضية غصن إلى فريقين: الصحافة اللبنانية في أغلبها تدافع عن غصن بشراسة وتصفه أحياناً بأنه جيمس بوند الذي استطاع خداع مطارات اليابان وتركيا للوصول إلى بيروت. وهناك تقدير عميق في لبنان لكارلوس غصن لأصوله اللبنانية رغم أنه من مواليد البرازيل. وأصدر لبنان في عام 2017 طابع بريد يحمل صورته واسمه، وهو تكريم نادر لأشخاص على قيد الحياة. وهناك نكته شائعة في لبنان ظهرت بعد القبض على غصن أنه تأهل للمرة الأولى لكي يكون رئيساً للبنان.

الفريق الآخر هو الإعلام العربي الرصين الذي يرى غصن هارباً من العدالة رغم إنجازاته السابقة. وليس هذا تشفياً في الرجل وإنما حفاظ على سمعته من هروبه الأخير الذي يزيد الشك في براءته. فكيف يمكن لرئيس لبناني مفترض أن يكون مطلوباً للعدالة في دولة أخرى؟ وما معنى أن يقول غصن إنه استعاد حريته بالهروب وهو ممنوع من السفر وملاحَق من الإنتربول؟

التقدير العقلاني لموقف غصن هو أنه ارتكب خطأً فادحاً بهروبه. وما لم تتم محاكمته وإثبات براءته قضائياً فسوف يظل مذنباً ومطلوباً للعدالة مهما كانت تصريحاته الإعلامية. أيضاً، لا بد أن تجري المحاكمة في اليابان وفقاً لقوانينها وليس في لبنان أو في أي بلد آخر.

العالم كله كان يتعاطف مع محنة غصن وغلظة النظام القانوني الياباني إلى درجة مطالبات بتعديل النظام القضائي الياباني لكي يتوافق مع الديمقراطيات الغربية. وحتى لو انتهى الأمر بالحكم بالغرامة وشهور في السجن قضى غصن معظمها بالفعل في الاحتجاز، فإن هذا أفضل له من البقاء طريداً للعدالة مدى الحياة. حيث يمكن أن يخرج بعد المحاكمة لطرح قضية براءته، وتكون له حرية السفر بل وإدارة الشركات التي يهمها الاستفادة من عبقريته الإدارية.

الوضع الحالي يختلف: لا يستطيع غصن إثبات البراءة خارج نطاق المحاكم اليابانية، وهو مطلوب دولياً ولا يستطيع السفر إلا إلى دول معدودة ولا يمكن لأي شركة أن تستخدمه إدارياً. وعلاوة على كل ذلك فإن إرثه الإداري المرموق أصابته شبهة تهم مالية رخيصة سوف تلازمه أبداً.

من يعرف غصن شخصياً والتقاه في مناسبات عديدة وتحدث إليه في شؤون الصناعة وأسلوب إدارته الفذّ لن يجد سوى كلمات التعاطف مع تاريخ الرجل وتوجيه نصيحة واحدة له لا بديل لها: عدْ إلى اليابان واعتذر عن الهروب، وقفْ ثابتاً في محاكمتك لإثبات براءتك، واستأنف الحكم إذا لزم الأمر. فحتى إذا صدر حكم بحقك ودفعت الثمن، غرامة أو سجناً، فهذا أفضل لك من البقاء طريداً دولياً بقية سنوات عمرك.

كان لقائي المطول قبل سنوات مع كارلوس غصن، على مدى عدة أيام، في سلطنة عمان بمناسبة طرح سيارات «نيسان باترول» للإعلام العربي. الاقتراب من غصن يكشف مدة عبقريته. فهو الذي قدم للأسواق سيارة «قشقاي» الرباعية المدمجة في عام 2006، قبل أن تكتشف هذا القطاع أي شركة أخرى. وهو الذي تحول مبكراً إلى الدفع الكهربائي رغم تشكيك الشركات الأخرى، ونجح في تقديم السيارة الكهربائية «ليف» في عام 2010 التي باعت منها الشركة 400 ألف سيارة حتى مارس (آذار) 2019، هذا في الوقت التي تعلن شركات الآن أنها ستقدم سيارات كهربائية في حدود عام 2025، أي أن غصن سبقها بنحو 15 عاماً.

لم يسبق لرئيس شركة بحجم «نيسان» أن دشن سيارة جديدة في الشرق الأوسط أولاً، ولا أن حضر مديرها التنفيذي بنفسه للقاء إعلاميين عرب ويجرب معهم السيارة عملياً.

غصن يتحدث أربع لغات على الأقل هي: البرتغالية والإنجليزية والفرنسية والعربية. أطلق عليه الإعلام الفرنسي اسم «قاتل تكاليف الإنتاج» واختارته مؤسسة «فورتشن» كأحد أكبر 10 مؤثرين في الصناعة، ثم رجل العام في عام 2002، واختير في عامي 2004 و2005 كأحد أكثر ثلاثة قادة أعمال احتراماً في العالم. هذا التراث يحتاج إلى من يحافظ عليه، وبأي ثمن.


لبنان السيارات

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة