بحر الحضارات يحتضر... المشاكل البيئية تخنق البحر المتوسط

بحر الحضارات يحتضر... المشاكل البيئية تخنق البحر المتوسط
TT

بحر الحضارات يحتضر... المشاكل البيئية تخنق البحر المتوسط

بحر الحضارات يحتضر... المشاكل البيئية تخنق البحر المتوسط

لطالما كانت ضفاف البحر المتوسط موطناً لعدد كبير من الحضارات، وعبر أمواجه أبحرت سفن الفينيقيين وقدامى المصريين والإغريق والرومان والمسلمين، فمثّل بذلك جسر تواصل بين الشرق والغرب والجنوب والشمال. وفي مراحل كثيرة، شهد هذا البحر صراعات الشعوب ومغامراتها التي غيّرت وجه التاريخ من دون أن تترك ندوباً ظاهرة على جسده.
وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأ كل شيء بالتغيُّر مع شق قناة السويس، فأصبح البحر المتوسط شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية. ومع اكتشاف النفط في الخليج، صار المتوسط معبراً هاماً للإمداد بالطاقة، ثم أعلنته الاكتشافات الأخيرة مكمناً واعداً للغاز الطبيعي، مما ينذر بتأجيج نيران الصراعات القائمة على شواطئه الشرقية والجنوبية، ويعمّق الجراح التي تنال من نظمه الطبيعية.
تعاني معظم البحار في العالم مشاكل بيئية، لكن طبيعة الصراع على المتوسط، لا سيما في أجزائه الشرقية، حولته إلى ساحة معركة لا يبالي الكثيرون بحجم التخريب الذي ينالها. ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فمياهه هي من بين الأكثر تأثراً بتغيُّر المناخ العالمي، إذ ترتفع حرارتها بمعدلات متسارعة تصل حالياً إلى 0.12 درجة مئوية في السنة. كما تعتبر شواطئ المتوسط من أكثر مناطق العالم تأثراً بارتفاع البحار، لأن معظم النشاطات الصناعية والسياحية في دول الحوض تتركز في الأراضي الساحلية المنخفضة. وكان العالم المصري الراحل الدكتور محمد عبد الفتاح القصاص اقترح بناء حاجز متحرك في مضيق جبل طارق للتحكم بمستوى ارتفاع البحر المتوسط. لكن هذا يحتاج إلى دراسات معقدة، تأخذ في الاعتبار أثر حاجزٍ كهذا على حرارة المياه وتركيزات التلوث في منطقة مغلقة.
وفيما تمثل مساحته أقل من 1 في المائة من مجمل مساحة البحار في العالم، يختنق البحر المتوسط بما يعادل 7 في المائة من كمية المواد البلاستيكية الدقيقة التي تغص بها المحيطات. ويقدر تقرير صدر سنة 2015 عن خطة عمل البحر المتوسط، التي يديرها برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن كمية النفايات البلاستيكية التي ترمى فيه تتجاوز 730 طناً يومياً، حيث تمثل ست دول فقط هي تركيا وإسبانيا وإيطاليا ومصر وفرنسا والجزائر مصدراً لثلاثة أرباع هذه الكمية.
كما يُستخدم المتوسط كمصب لجميع أنواع المنصرفات الملوثة، ابتداءً بمياه الصرف الصحي غير المعالجة مروراً بالمياه العادمة الصناعية وانتهاءً بالمنسكبات النفطية. ورغم كونه مصدر رزق لملايين الناس الذين يعتمدون على البحر في معيشتهم من خلال الصيد والتجارة والسياحة، فإن أكثر أبنائه لا يهتمون برئتهم الزرقاء، التي أصبحت مع الوقت مضرب مثل لهم في اللامبالاة، كما يظهر في القول الشائع: «أعمل منيح وكُب بالبحر».
مأساة المتوسط هي في جغرافيته غير التقليدية، إذ إنه بقلة منافذه على المياه المفتوحة أقرب ما يكون إلى البحيرة المغلقة، حيث تقترح إحدى الدراسات أن قطرة الماء التي تأتيه من المحيط الأطلسي تستغرق مائة عام لتعود إلى مصدرها. ويؤدي انغلاق المتوسط على نفسه إلى زيادة تركيز السموم التي تصب فيه. ولأن كبرى تياراته المائية تتجه من الغرب إلى الشرق، فإن شواطئ بلاد الشام وتركيا ومصر تتحمل العبء الأكبر من الضرر.
وفي الشرق أيضاً، ترمي الصراعات بثقلها في مياه المتوسط. فحسب تقارير رسمية سورية، أدى تخريب خطوط وقود تحت الماء قبالة مصب بانياس النفطي إلى تدفق كميات كبيرة من النفط الخام إلى البحر في نهاية شهر يونيو (حزيران) 2019. حيث كانت آثار التسرب تُشاهد في نطاق 100 كيلومتر. وفي غزة، يستمر صب أغلب الصرف الصحي في البحر مباشرة من دون معالجة، بسبب مصاعب تتصل بتوفير الطاقة وحظر إسرائيلي على استيراد مواد وتجهيزات معالجة المياه والمنصرفات إلى القطاع، بادعاء أن 70 في المائة من مكوناتها تدخل في الاستخدام العسكري.
لعقود كثيرة مضت، ساهمت الأطماع الاستعمارية ونماذج الاحتلال المباشر وغير المباشر في تعميق الفجوة الاقتصادية والسياسية بين بلدان جنوب المتوسط ودول الشمال. وللتغلب على الأزمات المالية المزمنة، كانت أغلب دول شمال أفريقيا وجنوب أوروبا وبلاد الشام تضع حماية البحر المتوسط في مرتبة أدنى على حساب استقطاب الاستثمارات بأي ثمن لتوفير قوت شعوبها.
وأحياناً تأتي المشاكل من حيث لا تكون متوقعة. فقناة السويس، التي جعلت البحر المتوسط مفترق طريق لـ30 في المائة من الملاحة البحرية العالمية، صارت معبراً للأنواع الحية الغازية القادمة من البحر الأحمر، مثل سمكة الأسد العدوانية السامة التي تهدد الشعاب المرجانية ومصائد الأسماك. وازدادت مشكلة الأنواع الغازية بعد توسعة قناة السويس سنة 2014. حتى أصبحنا اليوم نشهد نحو ألف نوع حي غريب عن منظومة المتوسط الأحيائية.
ومع تفاقم المشاكل البيئية يوماً بعد يوم، أشعلت الاكتشافات الغازية والنفطية في قاع المتوسط تسابقاً محموماً للظفر بثرواته البحرية بين عمالقة الطاقة في العالم. ويفتقر الكثير من هذا النشاط إلى دراسات دقيقة للأثر البيئي، إذ إن دول المنطقة تتسابق على تحقيق أرباح سريعة لدعم اقتصاداتها. ويخشى دعاة حماية التنوع الحيوي أن تؤدي فوضى الناقلات والحفارات ومنصات التنقيب إلى ما لا يحمد عقباه. والأمثلة على ذلك كثيرة، ففي مطلع 2019 جرفت الأمواج عشرات السلاحف النافقة على طول سواحل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويعتقد باحثون أن هذا الحادث مرتبط بتفجيرات استكشافية تحت الماء.
وفي اليونان، يؤدي الضجيج الناتج عن حركة الملاحة عبر قناة السويس واستكشاف مكامن الطاقة إلى قتل أو طرد حيتان العنبر والحيتان ذات المنقار، وهي حساسة لأمواج السونار. وربما تزداد الأمور سوءاً إذا نجحت أوروبا في سعيها لإنشاء شبكة أنابيب تمدها بالغاز الطبيعي عبر البحر المتوسط للحد من اعتمادها على الغاز الروسي.
وبينما تزداد المخاوف البيئية، يتحول المتوسط إلى برميل بارود تطمح فيه كل دولة إلى زيادة نفوذها الإقليمي. فتركيا تتبع استراتيجية يرى العديد من جيرانها أنها محاولة للسيطرة على شرق المتوسط، وكذلك تعزز مصر وإسرائيل واليونان قدراتها لحماية ما تراه حقوقاً مكتسبة في حقول الغاز البحرية.
وفي البحر المتوسط، أجرت روسيا مؤخراً كبرى مناوراتها العسكرية منذ انتهاء الحرب الباردة، كما تقوم الولايات المتحدة بتكثيف عملياتها في المنطقة بعد عقود من التجاهل. حتى إيران تسعى إلى موطئ قدم على شواطئ المتوسط، وكذلك الصين التي تلحظه ضمن خطتها التجارية المعروفة باسم مبادرة الحزام والطريق.
وفيما لا تزال فرص الصدام ضئيلة، تبقى التجاذبات والمصالح السياسية كافية لتجميد التعاون العابر للحدود بهدف حماية البحر المتوسط. ومن الواضح أن الإدارة الإقليمية السيئة لهذا المورد الطبيعي والتداخلات السياسية والاقتصادية تفرض واقعاً قد لا يكون على المدى البعيد في صالح جميع الفرقاء.
هناك العديد من الخيارات لإنقاذ البحر المتوسط من مصيره المحتوم، تبدأ أولاً بتعزيز التعاون بين بلدانه باعتبار حماية بيئته هماً مشتركاً يجب تحييده عن الخصومات. ولكن يبدو هذا الخيار بعيداً عن الواقع، حيث تنفق الدول المتوسطية على السلاح أضعافاً مضاعفة، فيما تبقى ميزانيات حماية البيئة أمراً شكلياً.
لايزال المشهد على الشواطئ الشرقية للمتوسط يخطف الأنفاس بجماله في كثير من الأماكن، ولذلك قلما يدرك أحد حجم الكارثة التي تحتضنها الأعماق. ومع تغيُّر المناخ والنمو السكاني المطرد، ستطفو المشاكل إلى السطح على شكل عواصف أكثر عنفاً خلال وقت لا يمكن التنبؤ به.
وبعيداً عن النفط والغاز، قد تكون المكاسب الاقتصادية من البحر المتوسط هي أفضل حافز لحمايته. فعلى شواطئه التي يجتمع عليها 200 مليون سائح كل عام لن يكون من المقبول مشاهدة أكوام القمامة ومعاينة الطفح الجلدي الناجم عن المياه الملوثة وأسراب قناديل البحر. وفي هذه المنطقة الهشة اقتصادياً، لن تتمكن الحكومات من غض النظر طويلاً عن الضربات الموجعة التي يتلقاها أحد أهم مصادر مواردها المالي

(يستند هذا المقال إلى تقرير صدر حديثاً عن مجموعة الأطلسي الشهرية)


مقالات ذات صلة

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري سامح شكري (إ.ب.أ)

مصر: غالبية الدول تعتبر مشاريع قرارات «كوب 27» متوازنة

أكد رئيس مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب27) سامح شكري اليوم (السبت) أن «الغالبية العظمى» من الدول تعتبر مشاريع القرارات التي قدمتها رئاسة مؤتمر المناخ «متوازنة» بعدما انتقدها الاتحاد الأوروبي. وأوضح وزير خارجية مصر سامح شكري للصحافيين بعد ليلة من المفاوضات المكثفة إثر تمديد المؤتمر في شرم الشيخ أن «الغالبية العظمى من الأطراف أبلغتني أنها تعتبر النص متوازنا وقد يؤدي إلى اختراق محتمل توصلا إلى توافق»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وتابع يقول «على الأطراف أن تظهر تصميمها وأن تتوصل إلى توافق».

«الشرق الأوسط» (شرم الشيخ)
بيئة البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

البيئة في 2021... قصص نجاح تعزز الأمل في تخفيف أزمة المناخ

شهدت سنة 2021 الكثير من الكوارث والخيبات، لكنها كانت أيضاً سنة «الأمل» البيئي. فعلى الصعيد السياسي حصلت تحولات هامة بوصول إدارة داعمة لقضايا البيئة إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة. كما شهدت السنة العديد من الابتكارات الخضراء والمشاريع البيئية الواعدة، قد يكون أبرزها مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أطلقتها السعودية. وفي مجال الصحة العامة، حقق العلماء اختراقاً كبيراً في مواجهة فيروس كورونا المستجد عبر تطوير اللقاحات وبرامج التطعيم الواسعة، رغم عودة الفيروس ومتحوراته. وفي مواجهة الاحتباس الحراري، نجح المجتمعون في قمة غلاسكو في التوافق على تسريع العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

فرقة «كولدبلاي» تراعي المعايير البيئية في جولتها سنة 2022

أعلنت فرقة «كولدبلاي» البريطانية، الخميس، عن جولة عالمية جديدة لها سنة 2022 «تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة»، باستخدام الألواح الشمسية وبطارية محمولة وأرضية تعمل بالطاقة الحركية لتوفير كامل الكهرباء تقريباً، فضلاً عن قصاصات «كونفيتي» ورقية قابلة للتحلل وأكواب تحترم البيئة. وذكرت «كولدبلاي» في منشور عبر «تويتر» أن «العزف الحي والتواصل مع الناس هو سبب وجود الفرقة»، لكنها أكدت أنها تدرك «تماماً في الوقت نفسه أن الكوكب يواجه أزمة مناخية». وأضاف المنشور أن أعضاء فرقة الروك الشهيرة «أمضوا العامين المنصرمين في استشارة خبراء البيئة في شأن سبل جعل هذه الجولة تراعي قدر الإمكان متطلبات الاستدامة» و«

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

بعد انخفاضها بسبب الإغلاق... انبعاثات الكربون تعاود الارتفاع

انخفضت انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي بشكل كبير العام الماضي حيث أجبر وباء «كورونا» الكثير من دول العالم على فرض الإغلاق، لكن يبدو أن هذه الظاهرة الجيدة لن تدوم، حيث إن الأرقام عاودت الارتفاع بحسب البيانات الجديدة، وفقاً لشبكة «سي إن إن». وتسببت إجراءات الإغلاق لاحتواء انتشار الفيروس التاجي في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 7 في المائة على مدار عام 2020 - وهو أكبر انخفاض تم تسجيله على الإطلاق - وفق دراسة نُشرت أمس (الأربعاء) في المجلة العلمية «نيتشر كلايميت شينج». لكن مؤلفيها يحذرون من أنه ما لم تعطِ الحكومات الأولوية للاستثمار بطرق بيئية في محاولاتها لتعزيز اقتصاداتها الم

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة 5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

5 ملفات بيئية هامة في حقيبة بايدن

أعلن الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أن وزير الخارجية السابق جون كيري سيكون له مقعد في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، وهي المرة الأولى التي يخصّص فيها مسؤول في تلك الهيئة لقضية المناخ. ويأتي تعيين كيري في إطار التعهدات التي قطعها جو بايدن خلال حملته الانتخابية بإعادة الولايات المتحدة إلى الطريق الصحيح في مواجهة تغيُّر المناخ العالمي ودعم قضايا البيئة، بعد فترة رئاسية صاخبة لسلفه دونالد ترمب الذي انسحب من اتفاقية باريس المناخية وألغى العديد من اللوائح التشريعية البيئية. وعلى عكس ترمب، يعتقد بايدن أن تغيُّر المناخ يهدّد الأمن القومي، حيث ترتبط العديد من حالات غياب الاستقرار

«الشرق الأوسط» (بيروت)

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
TT

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة مملوءة بالزيت والشمع والهواء، مما يبدو أنها ستدفعها للطفو صعوداً، وهو إنجاز يعتقد العلماء الآن أنه أصبح ممكناً بفضل نفخ الفقاعات.

وحيتان العنبر هي الحيتان الوحيدة المعروفة التي تستريح في الوضع العمودي في الماء ورؤوسها متجهة نحو الأعلى. ويعتقد العلماء أن هذا الوضع يسهم في حمايتها من حركة الأمواج السطحية دون الحاجة إلى الطاقة اللازمة للغوص إلى أعماق أكبر، لكن الطريقة الدقيقة التي تبقى بها مغمورة ظلت غير واضحة. واكتشف الباحثون الآن أن الحيتان تطلق الفقاعات لتنظيم طفوها في أثناء استراحتها في وضع عمودي تحت سطح المحيط مباشرة.

وقال باتريك ميلر، الباحث في الثدييات البحرية بجامعة سانت آندروز في اسكوتلندا، إن الباحثين يشيرون إلى هذا السلوك بـ«الاسترخاء» بدلاً من «النوم»؛ لأن النوم يؤكد عادة بقياس نشاط الدماغ، وهو أمر لم يتسنَّ التحقق منه بعد في حالة حيتان العنبر. وميلر هو المعد الرئيسي للدراسة المنشورة في دورية (جورنال أوف إكسبيريمينتال بايولوجي) العلمية. ويعتقد العلماء أن هذه الحيوانات نائمة، لكنهم يفضلون استخدام المصطلح الأكثر حذراً لأن الأمر لم يثبت بنحوٍ قاطع.

ولتحري كيفية بقاء الحيتان مغمورة بالمياه في أثناء الاسترخاء، ثبّت الباحثون أجهزة تتبع صغيرة مزودة بكؤوس شفط على حيتان العنبر قبالة سواحل النرويج. وسجلت هذه الأجهزة بيانات الصوت والحركة ثلاثية الأبعاد، مما سمح للعلماء برصد انبعاث الفقاعات ومحاكاة تأثيراتها على وضع هذه الثدييات البحرية في الماء.

ووجد الباحثون أن الفقاعات تقلل من الطفو الإيجابي للحوت؛ أي ميله للاتجاه نحو الأعلى في الماء.

وتميل حيتان العنبر بطبيعتها إلى الطفو بسبب الكميات الكبيرة من زيت العنبر، وهو مادة شمعية موجودة في رؤوسها. ومع انجراف الحيتان ببطء إلى الأعلى في وضع الاسترخاء، تتوسع الغازات الموجودة في رئتيها بسبب انخفاض ضغط الماء قرب السطح. ويساعد إطلاق الفقاعات على مواجهة هذا التأثير، مما يسمح للحيتان بالبقاء شبه معدومة الوزن تحت سطح المياه.

وقال ميلر إن إطلاق الفقاعات يبدو متعمداً. وأضاف أن بعد أكثر من عقدين من تتبع حيتان العنبر باستخدام أجهزة تسجيل الصوت المثبتة عليها «لا نسمع إطلاق الفقاعات إلا في سياق سلوكي محدد للاسترخاء؛ لذا فإن الإطلاق العرضي للغازات هو أمر لا يبدو أن حيتان العنبر تفعله».

ويشتبه العلماء أيضاً في أن هذا السلوك قد يساعد الحيتان على نقل الغازات الزائدة مثل ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين من الأنسجة إلى الرئتين، مما قد يؤدي دوراً في تبادل الغازات في عملية الأيض.

وحيتان العنبر هي أكبر الحيتان ذات الأسنان في العالم ويمكنها الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائس مثل الحبار العملاق، وتعتمد في التنقل داخل المياه المعتمة على تقنية تحديد الموقع بالصدى؛ إذ تطلق أصوات نقر عالية ثم تستمع إلى الأصداء العائدة لرسم خريطة لمحيطها.

وقال ميلر: «تقضي حيتان العنبر نحو 80 في المائة من وقتها في الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائسها. وبسبب الضغط الشديد في أثناء تلك الغطسات، يميل جسمها إلى مراكمة غازات غير مرغوب فيها مثل النيتروجين وثاني أكسيد الكربون التي قد يستغرق انتقالها من الدم إلى الرئتين وقتاً طويلاً. ونظراً لأنها تستريح على مسافات ضحلة جداً، فإن هذه هي الظروف المثالية لتفريغ تلك الغازات غير المرغوب فيها الناتجة عن بحثها عن الطعام في الأعماق».

وأضاف ميلر أن هذه الفكرة يمكن اختبارها في أبحاث مستقبلية.

وتترك الدراسة الجديدة بعض الأسئلة دون إجابة. فعلى سبيل المثال، لا يزال يتعين إثبات ما إذا كانت الحيتان تطلق الفقاعات عمداً، وماهية الإشارات التي تنبهها إلى الحاجة إلى إجراء تعديل.

ويأمل الباحثون أيضاً في تحديد ما إذا كانت حيتان العنبر تنام بنصف دماغ واحد في كل مرة، كما تفعل الدلافين، أم أن نصفي الدماغ ينامان معاً. ويمكن للدراسات المستقبلية استخدام أجهزة استشعار موجات الدماغ أو مراقبة عيون الحيتان في أثناء الاسترخاء للمساعدة في الإجابة عن هذا السؤال.

وفي الوقت الحالي، تشير النتائج إلى أن حيتان العنبر، مثل البشر، قد تكون على استعداد لفعل أي شيء للحصول على قسطٍ جيد من الراحة.


انخفاض قياسي في معدل إزالة غابات الأمازون البرازيلية

عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
TT

انخفاض قياسي في معدل إزالة غابات الأمازون البرازيلية

عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)

انخفض معدل إزالة الغابات في منطقة الأمازون البرازيلية العام الماضي، إلى أدنى مستوى له منذ عقد، وفقاً لبيانات رسمية صدرت الجمعة، وهو أحدث تراجع تشهده المنطقة في ظل حكم الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.

وسجل المعهد الوطني لأبحاث الفضاء إزالة 2874 كيلومتراً مربعاً من الغطاء النباتي لأكبر غابة استوائية في العالم في الفترة من أغسطس (آب) 2025 إلى يوليو (تموز) 2026، ما يمثل انخفاضاً بنسبة تقارب 37 في المائة مقارنة بالعام السابق.

وكان المعهد قد بدأ تتبع عمليات إزالة الغابات عبر الأقمار الاصطناعية منذ عام 2016.

وتعهد لولا الذي سيسعى لإعادة انتخابه في أكتوبر (تشرين الأول)، بإنهاء إزالة الغابات بطرق غير قانونية بحلول عام 2030.

وقال أثناء عرض البيانات الجديدة في ساو باولو: «تشير الأرقام إلى أننا إذا حافظنا على الوتيرة الحالية وبالجدية التي أظهرناها ومع توفير الموارد اللازمة، يمكننا تحقيق ذلك».

يُذكر أن معدلات إزالة الغابات في الأمازون ارتفعت بشدة في عهد سلفه اليميني جايير بولسونارو، ووصلت إلى ذروتها عام 2022 مع إزالة 12500 كيلومتر مربع.

وأضاف لولا الجمعة: «في هذا البلد، نحن نتعامل مع قضية المناخ بجدية بالغة، لأننا لا ننكر الحقائق. نحن نرى بأعيننا ما يحدث»، في إشارة إلى الظواهر المناخية المتطرفة.

وسيواجه لولا في الانتخابات الرئاسية المقبلة منافسه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق، ويتقدم السياسي اليساري المخضرم بفارق طفيف في أحدث استطلاعات الرأي.

غير أن نشطاء في مجال البيئة يأخذون على لولا دعمه التنقيب عن النفط على نطاق واسع قبالة ساحل الأمازون، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»
TT

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

في عام 2020، ومباشرة بعد أن اشترى وينسلو ولورا روبنسون مزرعة في ولاية مين، فوجئا بمعلومة تفيد بأن مياه الصرف الصحي كانت تُستخدم سماداً في تلك الأرض قبل عقود، وأن هذه المياه خلّفت وراءها مواد كيميائية تُعرف بـ«المواد الكيميائية الأبدية» (forever chemicals) التي ظلت عالقة في التربة.

أراضٍ زراعية أميركية ملوثة كيميائياً

كان مزارعو ولاية مين في طليعة من كشفوا عن هذه المشكلة التي تعاني منها الأراضي الزراعية في جميع أنحاء البلاد؛ إذ استُخدمت مياه الصرف الصحي - الناتجة عن محطات معالجة المياه العادمة - على نطاق واسع في المزارع منذ سبعينيات القرن الماضي، وذلك بهدف تحويلها بعيداً عن مكبات النفايات وتوفير سماد رخيص للمزارعين.

وتُباع هذه المواد أيضاً - تحت اسم «المواد الصلبة الحيوية» أو «biosolids» - في بعض متاجر مستلزمات الحدائق كسماد منزلي، وربما تكون أنت نفسك تستخدمها في حديقة منزلك دون أن تدري. غير أن مياه المجاري هذه قد تحتوي على مستويات عالية من مركبات «بيرفلورو ألكيل» و«بولي فلورو ألكيل» (PFAS)، وهي المواد التي تُلقب بـ«الكيميائيات الأبدية» لأنها لا تتحلل كما تنتقل من التربة إلى الغذاء. ورغم أن الآثار المترتبة على وجود هذه المركبات في الغذاء لم تُفهم بالكامل بعد، فإنها ارتبطت بأمراض الكبد والسرطان وأمراض أخرى.

البحث عن طريقة أقل تكلفة

وفي سياق إزالة هذه المواد الضارة الأبدية، تقترح دراسة جديدة أجرتها جامعة ييل ونُشرت في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS) طريقة منخفضة التكلفة يمكن للمزارعين من خلالها معالجة هذه المشكلة والمساهمة في الوقت نفسه في مكافحة التغير المناخي.

وتُعد الطرق الحالية لمعالجة التربة الملوثة بمركبات PFAS باهظة التكلفة للغاية - إذ قد تصل أحياناً إلى مليون دولار للفدان الواحد - وعادة ما تُستخدم فقط في مواقع محددة مثل المطارات أو القواعد العسكرية، كما أنها تتطلب إزالة التربة ونقلها؛ ومن ثم، فإن تنظيف ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية الأميركية بهذه الطريقة ليس أمراً عملياً أو ممكناً.

قرر نوح بلانافسكي، أستاذ الكيمياء الجيولوجية في جامعة ييل والمتخصص في دراسة صحة التربة، العمل على هذه المشكلة بعد أن اطلع على تفاصيلها من المزارعين. ويقول بلانافسكي: «كان المزارعون يشعرون بقلق عميق إزاء هذا الأمر، وشعروا بأنهم لا يحصلون على معلومات دقيقة، وأنهم يواجهون مشكلة هائلة بينما يتم تجاهلهم أو التلاعب بعقولهم وتضليلهم».

زراعة محاصيل تمتص السموم

اختبرت الدراسة نهجاً بسيطاً لمعالجة التربة الملوثة، يتمثل في قيام المزارعين بزراعة محاصيل معروفة بقدرتها على امتصاص مركبات PFAS بسرعة، مثل القنب وعباد الشمس. ويضيف المزارعون أيضاً صخوراً قلوية مسحوقة إلى التربة لرفع مستوى الأس الهيدروجيني (pH)، ما يساعد النباتات على امتصاص كميات أكبر من المواد الكيميائية. وعند حصاد المحاصيل، فإنها تُعرَّض لدرجات حرارة عالية جداً في غياب الأكسجين، مما يؤدي إلى تفكيك مركبات «بيرفلورو ألكيل» PFAS.

يقول بلانافسكي: «على الرغم من أنها تُعرف بـ(المواد الكيميائية الأبدية) - نظراً لكونها مركبات شديدة الثبات والمتانة - فإنه يمكن تدميرها عند درجات حرارة مرتفعة، وهي حقيقة موثقة جيداً». وتنتج عن هذه العملية مادة «الفحم الحيوي» (biochar)، التي يمكن إعادتها إلى التربة للمساعدة في احتجاز المزيد من المركبات الأبدية.

خفض مستويات التلوث إلى الحدود الآمنة في غضون عقد من الزمن

ويُقدّر العلماء أن هذه الطريقة قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى خفض مستويات التلوث إلى الحدود الآمنة في غضون عقد من الزمن.

وثمة تحدٍ آخر يتمثل في أن مياه الصرف الصحي لا تزال تُستخدم في بعض المزارع في معظم الولايات. ولا عجب في شيوع استخدامها تاريخياً؛ إذ تقول لورا روبنسون، وهي مزارعة عضوية في ولاية مين شاركت في دراسة جامعة ييل: «بالكاد يغطي المزارعون نفقاتهم؛ فالزراعة لا تدر أرباحاً كبيرة. لذا، إذا عُرض عليك سماد مجاني لمساحات شاسعة من حقول القش، فمن الطبيعي أن تقبل به، خاصة وأن الجهات المعنية كانت تؤكد سلامته».

هل تكلفة عمليات المعالجة والتنقية معقولة؟

تتميز الطريقة التي يتبعها العلماء بأن تكلفتها أقل بكثير (بفارق هائل في التكلفة) مقارنة بالأساليب الأخرى المستخدمة لإزالة المواد الكيميائية الأبدية، كما أنها تنطوي على ميزة إضافية: إذ تساهم إضافة الصخور المسحوقة إلى التربة في احتجاز ثاني أكسيد الكربون.

وتجدر الإشارة إلى أن «بلانافسكي» يجري أبحاثاً أيضاً حول هذا النوع من إزالة الكربون - المعروف باسم «التجوية الصخرية المعززة» - كما شارك في تأسيس شركة ناشئة تدعى «ليثوس» Lithos تعمل بشكل منفصل على استخدام غبار الصخور في مزارع أخرى.

ومن الناحية النظرية، يمكن أن تساهم عائدات بيع أرصدة إزالة الكربون في تمويل عمليات معالجة التربة من المواد الأبدية. ويقول بلانافسكي: «نحن بحاجة إلى إزالة مليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون لتحقيق أهدافنا المناخية. وهناك أيضاً إجماع علمي على أن وجود مواد PFAS في المنظومة الغذائية يثير مخاوف صحية حقيقية على نطاق عام واسع... وأعتقد أن معظم الناس يتفقون على أن التمويل المخصص لهذين الأمرين غير كافٍ».

* مجلة «فاست كومباني».