مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة

كتاب يرصد الظواهر الطبيعية والآثار العمرانية في المدينة المقدسة خلال القرن الـ18

مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة
TT

مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة

مكة المكرمة بعيون الرحالة المغاربة

يُبرز كتاب «الظواهر الطبيعية والآثار العمرانية في مكة المكرمة من خلال كتابات الرحالة المغاربة في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)» اهتمام الرحالة المغاربة بوصف الظواهر المناخية التي سادت مكة المكرمة عند زيارتهم لها، وعناية هؤلاء المؤرخين بوصف مظاهر سطح الأرض في مكة المكرمة وتضاريسها من جبال وهضاب وشعاب، ووديان، وما يكسو هذه الأماكن من نباتات وأعشاب، واهتمامهم أيضاً بوصف الآثار العمرانية القديمة التي بقيت معالم تاريخية قائمة أزمنة مديدة.
ويعكس الكتاب صور الحياة الثقافية والدينية في مكة المكرمة في القرن الثامن عشر الميلادي، والتي كانت ممتدة عبر الأزمان، وتجسد التسامح والتعددية الفكرية، كما تصور كتابات الرحالة الطبيعة المكانية للمدينة المقدسة، وتأثير المكان والزمان على مسيرة الحجاج والمعتمرين، حيث تعصف بقوافلهم حالات الطقس الملتهبة، وتؤدي لوفاة أعداد غفيرة منهم. كما تمثل المسارات التي يمرّ بها الحجاج جانباً مهماً من حركة التجارة والعمارة والحضارة.
- كرسي الملك سلمان
الكتاب، الواقع في 300 صفحة من الحجم الكبير وينقسم إلى 3 فصول، من إصدارات «كرسي الملك سلمان بن عبد العزيز لدراسات تاريخ مكة المكرمة»، وهو كرسي علمي نشأ بمبادرة من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى، بالشراكة بين الجامعة و«دارة الملك عبد العزيز»، ويهدف لدراسة تاريخ مكة المكرمة وفق منهج تاريخي، وآليات بحثية أصيلة وحديثة. وخلال 4 أعوام أتمها الكرسي، أصدر عدداً من الكتب والتحقيقات التي تدور حول التاريخ المكي، كما تم تدشين 9 إصدارات تناولت الجوانب الاجتماعية والأدبية والمالية، ومناهج البحث والأوقاف والظواهر الطبيعة والمعالم التاريخية، ويشرف على الكرسي الدكتور عبد الله الشريف، الذي يرى أن المجموعة الأولى من إنجازات الكرسي العلمية تمثّلت في «إنجاز أكثر من 50 بحثاً علمياً، نشر عدداً منها والبقية تحت النشر، إلى جانب عدد من الدراسات البحثية الأخرى التي يعكف عليها الباحثون في تاريخ مكة المكرمة عبر العصور؛ ومنها العصر السعودي».
ويقول الشريف إن الكرسي يسعى «لخدمة وإبراز تاريخ مكة المكرمة ودعم البحث العلمي وتعميق الفكر التاريخي، وكذلك دراسة تاريخ مكة المكرمة، وتمويل المشاريع البحثية فيه، وتحقيق مصادر التاريخ المكي، وترجمة المؤلفات في التاريخ المكي، بالإضافة إلى نشر المصنفات في التاريخ المكي، من خلال جعله حلقة وصل بين الأكاديميين والباحثين في قسم التاريخ بجامعة أم القرى، ومركز تاريخ مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومكملاً لدور المركز ورافداً لدارة الملك عبد العزيز في خدمة التاريخ الوطني، علاوة على عقد شراكات بحثية واستشارية مع المراكز العلمية والقطاعات الحكومية والأهلية في مجالات اختصاص الكرسي، وعقد اللقاءات والمناشط العلمية في حقل التاريخ المكي، ودعم طلاب الدراسات العليا بقسم التاريخ، والباحثين في تاريخ مكة المكرمة».
- عينُ الجغرافي عينٌ ثاقبة
تمتاز كتابات الرحالة على العموم باشتمالها على قدر كبير من القضايا والمعلومات عن البلاد والمجتمعات، بنظمها السياسية والاقتصادية، وأنساقها الاجتماعية والثقافية.
وتُعدّ الرحلات المغربية على هذا النحو وثيقة تاريخية ‏مهمة سجلها مثقفون معاصرون، ضمنوها مشاهداتهم للأماكن والبلدان التي مروّا بها منذ خروجهم حتى عودتهم، وتزداد عنايتهم بوصف المكان حسب أهميته لديهم. وتتسم هذه الكتابات الوصفية بالبعد عن التزييف إلى حد كبير «فكتابها لا يرغبون من ورائها في مطمع دنيوي، ولا يتأثرون بتوجه سياسي أو عرقي أو طائفي، فضلاً عن كونهم متلبسين بطاعة الحج» (ص 14).
‏يرى محقق هذه الرحلات، الدكتور سامح عبد العزيز، أن ما دوّنه الرحالة يمثل المصادر غير التقليدية التي عُني أصحابها بتسجيل المشاهدات والأحداث الخاصة بمكة المكرمة في القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي)، وقد دوّن هذه الرحلات الحجاج المغاربة من العلماء والأدباء، وهم يمثلون النخبة المثقفة في بلادهم، فأثروا المكتبة العربية برحلاتهم إلى امتازت باشتمالها على وصف كامل للحياة بشتى صورها، ورصدٍ لكل ما شاهدته أعينهم من مظاهر طبيعية، وآثار عمرانية، مركّزين على بيان أثرها في النشاط البشري عند تأدية مناسك الحج في مكة المكرمة.
ويلاحظ المؤلف أن مشاهدات الغرباء عن المكان تختلف غالباً عن رؤية المؤرخين المحليين، فما ألفه المقيمون بمكة المكرمة حول الظواهر والأحداث وقد لا يعيرون لها انتباهاً، هي موضع عناية الرحالة واهتمام الغرباء؛ «حتى غدت رحلات عبارة عن خريطة مناخية تضاريسية تصف الطقس وسطح الأرض وصفاً دقيقاً، فكلما مروا بظاهرة وصفوها، مع التركيز على أثرها الإيجابي أو السلبي في الحجاج والمعتمرين، ‏ووضع بعض الحلول ليستعين اللاحقون بها لتفادي المعوقات».
أما عنايتهم بالآثار العمرانية في مكة المكرمة؛ من مساجد ومنازل وبيوت وقبور وغيرها، فيرجع إلى التعريف بالمزارات والآثار الشريفة، ووصفها وتحليلها، وتحديد أماكنها، وتسجيل انطباعاتهم عنها، في محاولة لربطها بالواقع، وإخراجها من مصادر التراث، ليستعين بذلك القادمون من الحجاج والزوار.
- الحسّ الجغرافي
يسرد مؤلف الكتاب بداية معرفته بهذه الرحلات المغربية إلى عام 2008 حين كان يُعّد رسالة الدكتوراه في جامعة الأزهر عن العلاقات التجارية بين مصر وولايات المغرب العثمانية في القرن الـ18 الميلادي، حيث قاده البحث لسبر أغوار 15 رحلة مغربية، كانت حافزاً لتخصيص بحث لهذه الدراسة موضوع الكتاب.
ويقول إنه اعتمد في إعداد دراسته على عدد كبير من الرحلات المغربية التي لا يزال أكثرها مخطوطاً في دور الحفظ في الرباط والقاهرة، بالإضافة إلى مصادر التاريخ المكي من المخطوطات والمطبوعات (وهي مثبتة جميعاً في قائمة المصادر والمراجع).
ويذكر المؤلف أن سبب اهتمام الرحالة المغاربة بوصف الظواهر الطبيعية في مكة المكرمة من مناخ وتضاريس وآبار وغيرها، هو أن «هؤلاء الرحالة غلب عليهم الحسّ الجغرافي، فكانت رحلاتهم تحمل كثيراً من المعلومات الجغرافية لا عن مكة وحدها؛ بل عن الطرق والبلاد التي مرّ بها الركبان منذ خروجهم من المغرب وحتى عودتهم إلى بلادهم... وعين الجغرافي عين ثاقبة تلتفت إلى كل غريب ومثير» (ص25).
‏ أما الرحلات التي حققها المؤلف للوصول لهذا الكتاب، فمن بينها: «الرحلة الناصرية»، لأبي العباس أحمد بن ناصر الدرعي (تمت الرحلة بين 1709 و1710)، و«رحلة الإسحاقي» لمحمد الشرقي الإسحاقي (1731 - 1732)، و«رحلة ابن عبد القادر الفاسي» من مدينة فاس إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهذه تمت بين عامي 1797 و1798... وغيرها.
- دليل الحجاج
وقد اهتم المؤرخون والرحالة بتسجيل مشاهداتهم في مكة المكرمة وحرصوا على وصف طرقها التي مروا بها؛ من جبالٍ ووديان وعيون ماء، وما زاروا فيها من أماكن وآثار بقيت شاهدة لمن مروا بها أو عاشوا في زمانها. وتمّثلت مقاصد الرحالة في تعريف من يأتي بعدهم بهذه الأماكن التاريخية، وتحقيق مواضعها، أو تنبيههم إلى اجتناب المعوقات والأخطاء التي وقع فيها من سبقهم، وتحذيرهم من المصاعب التي تواجههم في الطريق لأداء مناسكهم.
من أهداف هذه الدراسة، تحديد بعض المواضع التاريخية المهمة في الحجاز التي يتعين أن يوليها الباحثون المختصون عناية خاصة. ويلقي هذا الكتاب الضوء على أحد جوانب هذا التاريخ، حيث يبيّن اهتمام الرحالة المغاربة بوصف الظواهر المناخية التي سادت في مكة المكرمة عند زيارتهم لها في القرن الثاني عشر (هجري/ 18 ميلادي)؛ من حرارة ورطوبة وبرودة وأمطار ‏وسيول، وبيان أثرها على الحجاج، وعنايتهم بوصف مظاهر سطح الأرض وتضاريس مكة المكرمة وما يكسوها من نباتات وأعشاب، واهتمامهم بوصف الآثار العمرانية القديمة التي بقيت معالمها قائمة لأزمنة كثيرة.
- رحلة الحج القاسية
أشدّ ما اشتكى منه الرحالة كان حرّ الطقس، حيث يشتكون من الحرارة في مكة المكرمة وأثرها على الحجاج والدواب، مما أدى إلى وفاة عدد من الحجاج، كما أصيب بعضهم بالإعياء. وقضية حرارة الجو في مكة المكرمة من القضايا التي كانت سبباً رئيسياً في معاناة الحجاج أثناء مسيرهم لأداء المناسك. يقول أبو العباس الفارسي وهو يصف موت بعض الحجاج: «حصد الموت بسبب حرارة الشمس أعداداً كبيرة من الحجاج إما بسبب الإصابة ‏المباشرة بضربة شمس قوية تؤدي إلى الحُمّى، أو بسبب تسخين الماء (بفعل الحرارة) لدرجة أنهم لا يستطيعون تناوله، ثم يورد أن هذه الحادثة وقعت معهم بعد (عسفان) وقبل (وادي فاطمة)». ويقول: «ورحلنا قبل الزوال في حرٍّ شديد مات بسببه خلقٌ كثير» (ص56). وفي طريق العودة أيضاً تعرض الركب نفسه للعطش بفعل الحرارة، يقول: «توفي في هذا اليوم خلقٌ كثير عطشاً من الحر».
‏‏كما يعطي الرحالة وصفاً للحرم المكي الشريف وآثار مكة المكرمة الحدودية وأبواب مكة وما داخلها، وحدود مكة المكرمة الفاصلة بين منطقتي الحِلّ والحرم، ومواقع الإحرام المكانية لأهل مكة ومواقيت الإحرام للقادمين من خارج مكة، ثم وصف المسجد الحرام، والمساجد الأخرى، ووصف الكعبة المشرفة من الداخل.
‏اما مواعيد فتح باب الكعبة، فقد لاحظ الرحالة المغاربة أن باب الكعبة لا يفتح إلا في مواعيد مخصوصة ومناسبات معلومة، ولفترة قصيرة، اجتهد العياشي في تحديدها مستعيناً بما ذكره السابقون في مؤلفاتهم، فقال أبو سالم العياشي: «ويفتح البيت عادة سبع مرات في السنة؛ الأولى يوم النحر لتعليق الكسوة عند طلوع الشمس، ولا يدخل ذلك اليوم إلا من زاحم وتعلق بالقرب، والثانية يوم عاشوراء، والثالثة يوم المولد النبوي في ربيع، والرابعة في شعبان، والخامسة والسادسة في رمضان، والسابعة في ذي القعدة... وقد منّ الله عليّ بدخولها خمس مرات في هذه السنة» (ص168).
- الحياة في مكة المكرمة
كما تحدث الرحالة المغاربة عن أئمة الحرم، ووصف الإسحاقي المنابر الأربعة الموزعة في رواق الحرم لأداء الصلاة حسب مذهب الإمام.
كذلك تحدثوا عن أسعار البيوت وأُجرتها، حيث كانت متفاوتة حسب سعتها وقربها من البيت الحرام. ووصف الرحالة الدور التاريخية في مكة المكرمة، وبينها دار عبد الله بن عبد المطلب، (والد النبي محمد صلى الله عليه وسلم) وتعرف بـ«دار المولد»، التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ومكانها في سوق الليل؛ «وهي من المزارات المهمة للحجاج المغاربة، وموضعها مشهور في شعب بني هاشم» (ص212). «ومن الملاحظ أن هذه الدار كانت من الأماكن التي يجتمع عندها الناس للاحتفال كل ليلة اثنين، وأما في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول فيجتمع الفقهاء والأعيان وناظر الحرمين وقضاة مكة الأربعة ويخرجون بالشموع والمشاعل والفوانيس، ويجتمع معهم مشايخ الطوائف يحملون أعلامهم ويزدحم الناس عند محل ولادته (صلى الله عليه وسلم) في موكب من أعظم مواكب ناظر الحرمين بمكة» (ص212).
إلى ذلك؛ يرصد الرحالة عدداً من المقاهي التي حفلت بها الطرق المؤدية إلى مكة المكرمة، وهي تمثل محطات استراحة للحجاج وتوفر لهم أحياناً أماكن للنوم والراحة. يقول الرحالة العياشي: «في المقاهي مجالس حسنة يبالغ أصحابها في تنظيفها وكنسها ورشها بالماء... وقد اتخذوا فيها أسرّة كثيرة منسوجة بشريط المَسَد وبصنعة محكمة». (ص230).


مقالات ذات صلة

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

ثقافة وفنون حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

يشكل تنوع الأفكار واختلاف الأساليب الفنية في عالم الإبداع عبر القرن العشرين جوهر كتاب «مختارات من المسرح الصيني الحديث» الصادر في القاهرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟».

هاشم صالح
كتب «ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، يقدّم الكاتب، خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ
TT

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟». وهو عبارة عن سلسلة حوارات بين الفيلسوف الشهير ريمي براغ والباحث المطلع جيداً على موضوع الأصولية والأصوليين: بيير كونيزا. الأول هو أحد الفلاسفة المعدودين في فرنسا حالياً. وهو أحد المثقفين النادرين الذين يعلنون إيمانهم المسيحي الكاثوليكي صراحة. وهذا شيء نادر جداً في الساحة الباريسية. فمعلوم أن معظم مثقفي فرنسا يعلنون على الملأ إلحادهم كلياً. بل ويعدّونه تحصيل حاصل غير قابل للمناقشة. هذا ما يفعله ميشيل أونفري يومياً ويصفعك به صفعاً. ولكن المرجلة ليست أن تعلن إلحادك في باريس في وقتنا الراهن. المرجلة أو البطولة هي أن تعلن إلحادك في باريس قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة عندما كانت الأصولية المسيحية جبارة تخنق الأنفاس خنقاً. وعندما كان الإلحاد يؤدي إلى قطع الرؤوس بكل بساطة. أما الآن؟... على سبيل النكتة المعبرة قال لي أحدهم مؤخراً: يا أخي العالم عجيب غريب. إنه مليء بالتناقضات. قلت له: كيف؟ قال لي في فرنسا أو العالم الغربي ككل لا أحد يتجرأ على الإعلان عن إيمانه.

غلاف «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟»

إنهم يضحكون عليه أو يستهزئون به فوراً ويعدّونه مجرد شخص رجعي متخلف عفّى عليه الزمن. وأما في العالم الشرقي أو الإسلامي فلا أحد يتجرأ على القول إنه ملحد أو حتى علماني. كيف يمكن ردم هذه الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب؟ قلت له: هذه مسألة تفاوت تاريخي ليس إلا...

وحده البروفسور ريمي براغ يتجرأ على إعلان إيمانه على رؤوس الأشهاد ولكن مع التقيد بالعقلانية الفلسفية الحداثية الصارمة. بمعنى أنه إيمان ما بعد الحداثة لا ما قبلها. لماذا يرفض هذا الفيلسوف الإلحاد رفضاً قاطعاً؟ لأنه يؤدي في نظره إلى العدمية والقلق الوجودي وانهيار القيم. ومن ثمّ فالإيمان بالله أو بالقدرة العُلوية التي تتجاوزنا وتتخطانا شرط أساسي لتحقيق الطمأنينة والسكينة للإنسان على هذه الأرض. وقد وصل الأمر بفيكتور هيغو إلى حد القول: «أومن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي». بمعنى: أومن بإله الحق والعدل، إله الخير والجمال. بل وأومن بوجود عناية إلهية تطل على العالم، ترفرف فوقه، تسهر عليه وتحميه. وهي تعرف مصلحتنا وتحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا. وبالتالي فنحن محميون من فوق دون أن ندري. بمعنى آخر: أومن بأن الشر مهزوم والظلام مهزوم مهما طال الزمن. وهنا يكمن عزاؤنا الوحيد في هذه الظروف المدلهمات.

هل نعلم أن القيم الميتافيزيقية العليا هي التي تدعمنا نفسياً وترفع معنوياتنا وبخاصة في أوقات الشدة والضيق؟ وبالتالي فينبغي أن ننسى تلك المقولات السطحية التي تهاجم الميتافيزيقا وتعدّها مجرد ضبابيات وأوهام. هذا ليس صحيحاً على الاطلاق. الميتافيزيقا هي البنية التحتية أو الفوقية الساندة أو المساندة للوجود البشري. من دونها لا يمكن أن نتماسك. نحن بحاجة إلى الميتافيزيقا أكثر من حاجتنا إلى الخبز. ولهذا السبب يقول لنا ريمي براغ إن الحضارة المادية الإلحادية المهيمنة على الغرب حالياً حبلها قصير. وقد استنفدت طاقتها وأصبحت عالة على البشرية. بل وغرقت في المثليات والشذوذيات والمخدرات وأصبحت كئيبة جداً ومسببة للأمراض النفسية والعقلية المتفاقمة. والحل في رأيه هو أن يعود الغرب إلى الإيمان الروحاني والأخلاقي العالي المتعالي. بعد أن شبع الغرب من الماديات آن له أن يعود إلى الروحانيات والمثاليات العليا. ولكن حذارِ ثم حذارِ. هذا لا يعني العودة إلى إيمان القرون الوسطى التكفيري الأصولي القديم. هذا لا يعني العودة إلى المجازر الطائفية ومحاكم التفتيش. أوروبا لن تعود إلى الوراء. أوروبا لن تعود إلى الحروب المذهبية الطاحنة التي مزقتها سابقاً وطحنتها طحناً. أوروبا لن تعود إلى تدين ما قبل التنوير. هذا من رابع المستحيلات. المسألة كلها هي مسألة المصالحة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال... فالتدين الأعمى بلا عقل خراب للروح والفكر بل ودمار للحضارات. وهو الذي دمر حضارتنا منذ أفول عصر المأمون والدخول في عصر الانحطاط. وقد رأينا إلى أي الكوارث أوصلنا هذا التدين الأصولي منذ «11 سبتمبر» وحتى الآن. ورأينا أيضاً كيف ابتلينا بالخميني وظلامياته المكفهرة منذ نصف قرن ولا نزال. ولا نعرف متى نخلص، متى يزول عنا الكابوس. فالقرون الوسطى الإسلامية لا تزال ترفض أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حصل للقرون الوسطى المسيحية في أوروبا.

ثم تقول لنا كتب ريمي براغ ما معناه: إن الجرائم والتفجيرات الناتجة عن الأصولية المتطرفة تدفعنا دفعاً إلى طرح السؤال التالي: هل دخلنا في مرحلة التطرف الراديكالي للأديان؟ هل حقاً تخلع الأديان المشروعية الإلهية على الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والتفجيرات؟ أم أنها على العكس تقدم للإنسان كل بشائر الأمل والخلاص في الدنيا والآخرة؟ هذه التساؤلات أصبحت تشغل مثقفي العالم كله وليس فقط المثقفين العرب والمسلمين المتذمرين من فظائع «داعش» وأشباهه. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن الدين ليس هو المشكلة. وحده الفهم الخاطئ للدين، أي الفهم المنحرف الضال، هو المشكلة العظمى والبلية البلياء. الإسلام كله سلام ووئام ولا ينتج عنه إلا الخير العميم للبشرية إذا ما فهمناه على حقيقته. وقد نتجت عنه أجمل الحضارات في الماضي إبان العصر الذهبي. وسوف تنتج عنه أعظم الحضارات قريباً عندما ينتصر إسلام الأنوار على إسلام الظلمات.


«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج
TT

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يقدّم الكاتب والروائي القطري، الدكتور خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد والفهم العميق والمساءلة الجريئة.

تتميّز الرواية بقدرتها على استبقاء أثرها في الذاكرة، ليس لاستعادتها فقط مرحلة حساسة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، بل لاقترابها منها من زاوية غير مطروقة؛ زاوية «العين التي جاءت من بعيد»، قبل أن تجد نفسها أسيرة المكان الذي سعت لاكتشافه، فإذا به يعيد تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها.

بهذه المقاربة، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سرداً يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال، في صيغة أدبية تسعى إلى إعادة قراءة إرث الماضي واستنطاق طبقاته الخفية، عبر استكشاف التقاطعات بين الشرق والغرب وصراع الأنا والآخر.

من الوثيقة إلى الأثر

تأتي «الإرساليّة» امتداداً طبيعياً لمشروع أدبي وبحثي أوسع لدى المؤلف، يسعى إلى قراءة التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية في منطقة الخليج العربي من زاوية إنسانية تُنصف المنسيّ والمجهول. في هذا السياق، لا يُستدعى الأرشيف على هيئة إسنادٍ تاريخي محض، بل باعتباره مدخلاً جمالياً وأخلاقياً: أوراقاً ورسائل ومذكّرات وتقارير تُستعاد من عتمة الإهمال، فتتحوّل في الرواية إلى نبضٍ جديدٍ يُمنح حقَّه في الكلام بعد طول صمت.

ما يميّز هذا النص أنه لا يُقدّم نفسه منذ الصفحة الأولى بوصفه سرديّة منمّقة، بل يدخل إلى القارئ من بابٍ مألوف: حكاية ممرضة أميركية جاءت ضمن إرساليات تبشيرية إلى الخليج. غير أن هذا المدخل «المطمئن» لا يلبث أن ينقلب تدريجياً إلى طبقات أعمق؛ إذ تتحوّل الحكاية إلى اختبارٍ معرفي، ويغدو السفر الخارجي مرآةً لسفرٍ داخلي أشد قسوة: انتقالٌ من يقينٍ مؤسسي إلى قلقٍ إنساني، ومن «الرسالة» كفعلٍ ديني إلى «الرسالة» كمعيارٍ أخلاقي يواجه صاحبه بأسئلة المعنى والكرامة والحدود.

ومن حيث الخلفية التاريخية، تستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. حيث تشير المصادر الأرشيفية إلى تأسيس «الإرسالية العربية» (Arabian Mission) تقريباً عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأميركية، ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي امتدّ لاحقاً إلى مناطق متعددة على سواحل الخليج والجزيرة العربية. هذا الإطار التاريخي لا يرد في الرواية بوصفه معلومة خام، بل كفضاءٍ تتشابك فيه الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الطبية، وتتعقّد فيه العلاقة بين الزائر والمكان، بين النوايا المعلنة والنتائج التي لم تكن في الحسبان.

ومن هنا، تبتعد الرواية عن نوستالجيا التزيين؛ فلا تُقدّم الماضي بوصفه صورةً جميلة تُعلّق على الجدار، بل بوصفه مسؤولية سردية. الماضي، في «الإرساليّة» ليس زينةً ولا حنيناً مجانياً، بل امتحان؛ هل نملك الشجاعة لنرى هشاشتنا القديمة كما هي؟ وهل نستطيع أن نقرأ الألم بعيداً عن الأحكام الجاهزة؟ وهل نقدر أن نفهم التحوّلات الكبرى من خلال الممرات الضيقة للحياة اليومية؟

بين الشرق والغرب

تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأميركية ماري مجدولين سميث محوراً سردياً. هذه الشابة التي عبرت البحار، لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، مؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.

في الرسائل، تتجاور اليوميات البسيطة مع التوترات العميقة: فرحٌ صغير يُسجَّل، وخوفٌ يتكرر، ودهشةٌ من اختلاف العالم، وإحساسٌ متنامٍ بأن الإنسان في كل مكان يحمل جرحه الخاص وإن اختلفت لغته. غير أن القيمة الأبرز في مسار ماري ليست في كونها «شاهدة» على المكان فحسب، بل في كونها كائناً يتغير تحت ضغط التجربة. الرواية تقترح بذكاءٍ سردي أن ماري لا تبقى داخل تعريفها الأول: «ممرضة ومبشّرة». الاحتكاك الطويل بالمرض وبحياة الناس وبفوارق السلطة والعوز، يدفعها إلى تجاوز الإطار الضيق، لتصبح شخصيةً قادرة على رؤية البشر خارج بطاقات الهوية.

وفي المحصّلة، لا تُقاس «الإرساليّة» بمسافةٍ تقطعها سفينة في عرض البحر، ولا بزاوية النظر التي تلتقط بها عينٌ أجنبية مشهد الخليج؛ بل تُقاس بما يُحدثه الاحتكاك الطويل بالعالم داخل الإنسان نفسه، حيث تتصدّع المعارف الموروثة، ويُعاد النظر فيما كان يبدو يقيناً نهائياً، لتنكشف الهوية بوصفها بناءً قابلاً لإعادة التشكل، لا معطًى مكتملاً. وفي هذا السياق، لا تظلّ ماري أسيرة تعريفها الأول بوصفها «مبشّرة»، ولا تختزلها المؤسسة التي جاءت باسمها، إذ تعيد التجربة صياغتها من الداخل عبر مواجهةٍ يومية مع الواقع، فتتحوّل من ذاتٍ مؤطرة بآيديولوجيا محددة إلى شخصيةٍ إنسانية أوسع، تتجاوز حدود الدور والانتماء، وتنفتح على أفقٍ كونيّ أكثر رحابة.

في رواية «الإرساليّة»، يمنحنا د. خالد الجابر رواية تستحق القراءة المتأنية، ليس لأنها تحكي قصةً مشوقة فحسب، بل لأنها تُعيد فتح نقاشٍ حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة، والهويات أشد صلابة، والأسئلة رغم ذلك أعمق وأقسى.

وتظهر بصمةُ د. الجابر المهنية والأكاديمية في هذه الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية. اللغة تبقى أدبية، والخيال حاضر، لكن تحتها يقظة معرفية تمنح النص قدرته على خلق توازنٍ نادر: أن يكون جذاباً حكائياً، ومتيناً في إحالاته، ومقنعاً في رسم بيئةٍ ثقافية معقدة.

د. خالد الجابر هو أستاذ الاتصال السياسي في برنامج دراسات الخليج، بجامعة قطر، وقد انطبعت الخبرة التاريخية للمؤلف في هذه الرواية، كما في مجمل أعماله الروائية، بدءاً من روايته الأولى «مَلَكَوينا»، حيث استلهم فيها تاريخ العرب في الأندلس، بإضاءة سردية معاصرة. تلتها رواية «راهب بيت قطرايا»، يوظف فيها دراسته لتاريخ الجزيرة العربية في كتابة رواية ذات جذور تاريخية تتناول واحداً من الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، وتركز على نحو خاص بالديانات السماوية التي سبقت الإسلام في هذه المنطقة، ومنها المسيحية.

كما أصدر رواية أخرى بعنوان «سفرطاس»، وهي تتناول أعماق النفس البشرية عبر طرح أسئلة وجودية حول الهُوية، والصراع الداخلي، وقدرة الإنسان على التكيف مع التغيرات المجتمعية.


«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع
TT

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع، وهو ثمرة متابعات ومواكبات ولقاءات مع أصحاب القرار ورحلات إلى سوريا ورؤية عن قرب للحظة التحولات السياسية التي حصلت في دمشق وسائر بلاد الشام منذ عام 2011 بداية الثورة السورية إلى لحظة سقوط نظام الأسد، وسيطرة النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، وتشابك سوريا الجغرافي مع العالم من أنقرة إلى موسكو وواشنطن والرياض والدوحة.

جاء في تعريف الكتاب:

سقط الأسد، ولم يكن سقوطه مجرد حدث سياسي، بل لحظة نفسية أيضاً، لحظة كسر صورة بدت لسنوات عصية على الانهيار. لم يكن ذلك وليد أسبوع أو شهر.

هذا الكتاب، لا يكتفي بالسرد التقريري، فما حدث أعقد من صورة نهائية. هناك عوامل داخلية تراكمت، تحولات إقليمية، تبدل في أولويات القوى الكبرى.

اعتمد الكاتب على شهادات من أشخاص كانوا في قلب القرار، أو في قلب المعركة، للكشف كيف كان يدار نظام الأسد، وكيف بدأ يتفكك من داخله ويتآكل. سقوط بهذا الحجم لا يُختصر في أيامه الأخيرة.

هذا الكتاب يرصد خفايا سقوط الأسد، وينقل رؤية الرئيس أحمد الشرع لسوريا، بناءً على لقاءات به، وببعض الشخصيات من فريق عمله المقرّب، كما يرصد نقاط القوة في سوريا فهي ليست فقيرة، سواء لناحية الموقع الجغرافي الذي يربط بين عدة طرق وممرات (يرى النظام الجديد أن سوريا الجديدة / محور ربط تجاري بين الشرق والغرب)، أو لناحية الموارد فيها غاز وفوسفات وأراضٍ خصبة. مواردها لم تكن هائلة مقارنة بدول أخرى، لكنها كانت كافية لتشكل قاعدة اقتصادية. والقوة الحقيقية لم تكن في الموارد وحدها، بل في البشر. في سوريا تنوع سكاني تركيبة معقّدة، ليست سهلة الإدارة وحدها، لكنها غنية بالتجارب والتقاليد.

ويقارب الكتاب مجموعة قضايا معقدة من النفط إلى الاقتصاد والعلاقات مع دول العالم إلى الصدام مع إسرائيل إلى تحديات بناء الدولة، وصولاً إلى رؤية النظام الجديدة لعلاقة ندية مع لبنان، على عكس النظام السابق الذي كرس التبعية.

المؤلف منير الربيع، صحافي لبناني، مستشار سابق في رئاسة مجلس الوزراء، ورئيس تحرير «المدن» الإلكترونية. كاتب في جريدة «الأوريان لوجور». صدر له عن رياض الريس في عام 2023 كتاب «العرب في قطار النظام العالمي خرائط مهددة أو عولمة متجددة».