بريطانيا تطل على 2020 بأمل «استعادة عظمتها» وقلق تهاوي اقتصادها

جونسون يواجه تحدي الحفاظ على الوحدة وكسب رهان «بريكست»

بوريس جونسون لدى عودته إلى «10 داونينغ ستريت» في 13 ديسمبر (رويترز)
بوريس جونسون لدى عودته إلى «10 داونينغ ستريت» في 13 ديسمبر (رويترز)
TT

بريطانيا تطل على 2020 بأمل «استعادة عظمتها» وقلق تهاوي اقتصادها

بوريس جونسون لدى عودته إلى «10 داونينغ ستريت» في 13 ديسمبر (رويترز)
بوريس جونسون لدى عودته إلى «10 داونينغ ستريت» في 13 ديسمبر (رويترز)

لم يكن عام 2019 في بريطانيا ككل الأعوام. فيه تعاقب رئيسا وزراء، وحُدّد جدول زمني نهائي للخروج من الاتحاد الأوروبي، وتغيرت الخريطة السياسية بشكل لا سابق له. وصفه رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بـ«عام إنجاز بريكست» واحترام إرادة الناخبين، فيما نعت فيه المعارضة العمالية سقوط «جدارها الأحمر» الذي عزّز موقعها في مجلس العموم لعقود مضت كممثّل شرعي لقلب بريطانيا الصناعي. أما الملكة إليزابيث الثانية فاعتبرته عاما «مليئا بالعثرات»، خاصة بعد فضيحة أخلاقية تكشّفت تفاصيلها بعدما اختار نجلها الأمير أندرو، مواجهة الاتهامات ضده في مقابلة نادرة على شاشة الـ«بي بي سي».
اليوم، تستعدّ لندن لتوديع جيرانها الأوروبيين بإيجابية تستمدّها من جونسون، وقلق تلمسه لدى مجتمع المال والأعمال. يعد رئيس الوزراء بـ«استعادة عظمة» بلاده، في الوقت الذي يحذّر فيه الاقتصاديون من «هجرة» رؤوس الأموال في غياب اتفاق تجارة حرة مع بروكسل، أو «إغراق» السلع البريطانية بمنافساتها الأميركية في حال إبرام اتفاق يرضي سيد البيت الأبيض أكثر من قاطن «داونينغ ستريت». سيكون لـ«بريكست» في العام المقبل تداعيات تتجاوز التحديات الاقتصادية إلى وحدة المملكة المتحدة، مع تمسك الحزب القومي في اسكوتلندا بتنظيم استفتاء جديد على استقلال الإقليم الذي صوّت لصالح البقاء في التكتل الأوروبي.

«بريكست»... أخيراً

هيمنت «ملحمة بريكست» على الحياة السياسية في المملكة المتحدة منذ يونيو (حزيران) 2016، واستمرت في ضبط إيقاع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في السنوات الثلاث التي تلتها. إلا أن جونسون، عكس سلفه تيريزا ماي ومنافسه العمالي جيريمي كوربن، كان واضحا في رسالته وهدفه، فاعتمد عبارة «لننجز بريكست» شعارا لحملته الانتخابية، وأزاح كبار النواب الداعمين للبقاء في الاتحاد الأوروبي من صفوف حزبه المحافظ، وجاب مناطق بلاده الصناعية والزراعية في ويلز وشمال إنجلترا مردّدا وعد احترام رغبتهم و«استعادة عظمة بريطانيا».
ووفاء بوعده الانتخابي الأبرز، وضع جونسون إنجاز «بريكست» في مقدّمة أولوياته التشريعية، ونجح في تمرير مشروع قانون أولي حول «بريكست» في مجلس العموم قبل عطل نهاية العام، ما فتح الباب أمام خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بحلول 31 يناير (كانون الثاني). ومن المتوقع أن يمنح البرلمان موافقته النهائية على القانون في الأسبوع الثاني من يناير، وهو ما ضمنه جونسون في الانتخابات المبكرة الماضية بتأمين غالبية حاسمة.
تفاؤل جونسون بإنجاز «بريكست» ونجاحه في تمرير مشروعات قانون متتالية في مجلس العموم، نجحا في «إخفاء» تفاصيل مثيرة للجدل كانت شبه «تابو» في البرلمان قبل أشهر قليلة. أبرز هذه التفاصيل قضية التفتيش الجمركي في البحر الآيرلندي، الذي اعتبرت تيريزا ماي أن «أي رئيس وزراء سيرفضها لأنها تهدد الوحدة الدستورية للمملكة المتحدة». تجاوز جونسون بعض هذه «المحظورات» واعترف بإمكانية فرض نقاط تفتيش جمركية في بحر الآيرلندي (الذي يفصل بريطانيا عن آيرلندا الشمالية) لبعض السلع البريطانية المتجهة نحو الجمهورية الآيرلندية، ما قد يطرح تحديا سياسيا غير مسبوق لوحدة المملكة المتحدة.

سقوط «الجدار الأحمر»

مني حزب العمال في 12 ديسمبر (كانون الأول) بأسوأ هزيمة انتخابية منذ عام 1923، وخسر معاقله ومقاعد لم تصوّت لصالح المحافظين منذ تأسيسها. يرجع البعض هذه النتيجة إلى تأرجح موقف الحزب من قضية «بريكست»، فيما يلوم آخرون زعيم الحزب جيريمي كوربن الذي أثار قلق أوساط المال بسياساته الاقتصادية، وحمّله البعض مسؤولية تفشي معاداة السامية في صفوف حزبه.
فاز المحافظون بـ48 مقعدا إضافيا، كثير منها كانت جزءا من «الجدار الأحمر» العمالي؛ حيث تحدّت النقابات مارغريت ثاتشر وحمّلتها مسؤولية أزمتها الاقتصادية. وسارع جونسون إلى اقتناص فرصة فوزه التاريخي، وتوجه غداة الانتخابات إلى دائرة رئيس الوزراء العمالي السابق توني بلير التي تلونت بالأزرق للمرة الأولى منذ عام 1935 ودعا مواطنيه «الشماليين» إلى تجاوز خلافاتهم وتوحيد البلاد. وقال: «أتخيل وضع الناخبين الذين حملوا قلمهم وكانوا مترددين قبل أن يضعوا الإشارة قرب خانة المحافظين. أعلم أن بعض الأشخاص قد يكونون غيّروا عادتهم بالتصويت التي كانوا درجوا عليها منذ أجيال، وصوتوا لصالحنا»، واعدا الناخبين «بأن يكون على قدر ثقتهم».
صوت كثير من الناخبين العماليين التقليديين لصالح جونسون على أمل تحقيق طفرة اقتصادية بعد «بريكست». ووعد رئيس الوزراء بضخّ المليارات في البنى التحتية، والخدمات العامة من الصحة إلى التعليم مرورا بأنظمة الرعاية الاجتماعية ووسائل النقل العام. وفيما رحّبت الأسواق بنتيجة الانتخابات لما تمنحه من وضوح سياسي لم تحظ به منذ استفتاء عام 2016 حول «بريكست»، إلا أنها حثّت الحكومة المحافظة على إبرام اتفاقات تجارة حرة تحافظ على نفس مستويات التبادل التجاري والقواعد المالية مع الجيران الأوروبيين. فيما كان اقتصاديون آخرون أقل تفاؤلا، واعتبروا أن الطفرة التي يعد بها جونسون في الاستثمار والاستهلاك والعقار لن تكون كافية لتفادي تباطؤ اقتصادي في السنوات العشر المقبلة. وتوقع مركز الدراسات «ذي يو كاي إن إيه تشينجينغ يوروب» (المملكة المتحدة في أوروبا متغيرة) أن يؤدي الاتفاق الذي توصل إليه جونسون حول بريكست إلى «خفض إجمالي الناتج الداخلي للفرد في بريطانيا بما يتراوح بين 2.3 و7 في المائة بالمقارنة مع مستواه لو بقيت في الاتحاد الأوروبي»، على مدى عقد من الزمن.

تحدي اسكوتلندا

لم تنتظر وزيرة اسكوتلندا الأولى، نيكولا ستورجن، العام الجديد لتوجيه تحد وتحذير لقاطن «10 داونينغ ستريت». واستنكرت ستورجن تهديد جونسون للديمقراطية في اسكوتلندا؛ حيث «حزب الأقلية يفرض رأيه على الغالبية». تقصد الزعيمة الاسكوتلندية هنا حق حزبها الذي خرج منتصرا في الانتخابات الأخيرة في الإقليم، في الدعوة إلى تنظيم استفتاء جديد على الاستقلال من المملكة المتحدة.
وسارعت الحكومة البريطانية إلى رفض مطلب ستورجن، معتبرة أنه سيكون «إجراء مدمرا» وأنه قد يقوّض النتيجة الحاسمة لاستفتاء عام 2014 (عندما صوّت 55 في المائة من الاسكوتلنديين ضد الانفصال)، والتعهد الذي قطع لشعب اسكوتلندا بأن مثل هذا الاستفتاء لن يُجرى سوى مرة واحدة خلال جيل.
توقعت ستورجن هذا الرد من لندن، ودعت مواطنيها خلال 6 أسابيع من الحملة الانتخابية إلى منحها تفويضا شعبيا واسعا لتقديم مبرر «ديمقراطي ودستوري» للحكومة البريطانية، وهو ما حصلت عليه. فقد حقق الحزب القومي الاسكوتلندي فوزا ساحقا، وحصل على 47 من 59 مقعدا، ونحو نصف الأصوات. وعليه، ترى ستورجن أن حصول حزبها على نتائج مماثلة في انتخابات 2015 و2017 يجعل من إجراء استفتاء جديد «أمراً مفروغاً منه». وقالت: «أوضحت اسكوتلندا أنها لا تريد حكومة حزب محافظين بقيادة بوريس جونسون تخرجنا من الاتحاد الأوروبي»، مضيفة: «هذا هو المستقبل الذي نواجهه إذا لم تتح لنا الفرصة النظر للبديل وهو الاستقلال».
ويرى مؤيدو الاستقلال أن قرار بريكست «تغيير مادي» في علاقات اسكوتلندا، التي صوتت لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، مع بقية المملكة المتحدة. وأكّدت ستورجن أن المستقبل الذي اختاره الاسكوتلنديون في 2014 «لم يعد متاحا لهم بعد الآن»، معتبرة أن المملكة المتحدة «ليست اتحاداً جديراً باسمه، ولا يتساوى المشاركون فيه».
بشكل عام، يواجه جونسون تحديا بالغ التعقيد سيقرر ما إذا كان سينجح في الفوز بفترة ثانية كرئيس وزراء. وسيسعى إلى تحقيق توازن صعب بين كسب رهان بريكست عبر إبرام اتفاقات تجارة حرة تدعم النمو الاقتصادي والتوظيف من جهة، وتعزيز أنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية والتعليم والحفاظ على وحدة المملكة المتحدة من جهة أخرى.


مقالات ذات صلة

هيمنة اليمين الكاملة مأزق قد يُبكي الإسرائيليين لأجيال

حصاد الأسبوع دمار غزة (إ.ب.أ)

هيمنة اليمين الكاملة مأزق قد يُبكي الإسرائيليين لأجيال

عندما دخل حزب «المعسكر الرسمي» بقيادة بيني غانتس، إلى الائتلاف الحكومي الإسرائيلي يوم 11 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أي بعد 4 أيام من هجوم «حماس» على المواقع

نظير مجلي (القدس)
حصاد الأسبوع عارضت بشدة محاول عزل ترمب الأولى عام 2019 المتصلة بـ«فضيحة» أوكرانيا ودعمت محاولاته لإلغاء الانتخابات الرئاسية عام 2020

إليز ستيفانيك... هل تكون مرشحة ترمب لمنصب نائب الرئيس الأميركي إثر جنوحها لليمين المتشدد؟

مع اقتراب موعد المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري الأميركي، منتصف الشهر المقبل، لتثبيت ترشيح دونالد ترمب لخوض الانتخابات الرئاسية، تزايدت التكهنات والترشيحات

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كمالا هاريس (آ ب)

ستيفانيك الطموحة تراجعت عن مواقفها المعتدلة لأجل طموحاتها السياسية

مواقف النائبة الجمهورية إليز ستيفانيك من إسرائيل، ولا سيما بعد «هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول)» عزّزت تحوّلها إلى شخصية مفضّلة عند الرئيس السابق دونالد ترمب، غير

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع ميناء تشابهار الإيراني محور التلاقي الهندي - الإيراني (كيهان لندن)

أبعاد جيوسياسية لميناء تشابَهار والاتفاق الهندي ـ الإيراني

بمواجهة الخوف من التعرض لعقوبات أميركية، وبعد سنوات من المفاوضات والانتكاسات، وقّعت الهند، أخيراً، اتفاقية طويلة الأمد مع إيران بخصوص تشغيل وإدارة ميناء

براكريتي غوبتا (يودلهي)
حصاد الأسبوع مناصرو اليمين الألماني المتطرف ... يحتفلون (رويترز)

تحدّيات جدّية لاستمرار «المشروع الأوروبي» بعد انتخابات 2024

لأول مرة منذ تأسيس المشروع الأوروبي أواخر خمسينات القرن الماضي يرى الناظر إلى الساحة الأوروبية أن كل شيء قد تبدّل، أو هو على أعتاب تغيير عميق. لم يحصل أبداً أن

شوقي الريّس (بروكسل)

هيمنة اليمين الكاملة مأزق قد يُبكي الإسرائيليين لأجيال

دمار غزة (إ.ب.أ)
دمار غزة (إ.ب.أ)
TT

هيمنة اليمين الكاملة مأزق قد يُبكي الإسرائيليين لأجيال

دمار غزة (إ.ب.أ)
دمار غزة (إ.ب.أ)

عندما دخل حزب «المعسكر الرسمي» بقيادة بيني غانتس، إلى الائتلاف الحكومي الإسرائيلي يوم 11 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أي بعد 4 أيام من هجوم «حماس» على المواقع العسكرية والبلدات الإسرائيلية في غلاف غزة، حظيت خطوته بتقدير كبير من الجمهور. وفي أول استطلاع رأي أجرته صحيفة «معاريف» خلال تلك الفترة، في أول ديسمبر (كانون الأول) منحه الناخبون 40 مقعداً، أي أكثر من ثلاثة أضعاف قوته الانتخابية، إذ كان له 12 مقعداً فقط. وحسب تلك النتائج، هبط حزب «الليكود» بقيادة بنيامين نتنياهو من 32 مقعداً، له اليوم، إلى 18 مقعداً. ودلَّت النتائج على أن معسكر نتنياهو يهبط من 64 إلى 43 مقعداً، فيما يرتفع نصيب المعسكر المناوئ له من 54 إلى 77 مقعداً. حصاد3 – مستقبل إسرائيل تحت هيمنة اليمين المطلقة

لقد نظر الشارع الإسرائيلي إلى بيني غانتس بنهاية العام الماضي على أنه قائد متواضع يتصرّف كجندي في الاحتياط، يمتثل للأوامر العسكرية، ويضع مصلحة الدولة فوق أي اعتبار. ورأى أن الرجل، «الملسوع» من تجربة سابقة مع بنيامين نتنياهو -والذي استقال أخيراً من حكومته- عضّ على جرحه وعاد للتحالف معه مجدداً في سبيل «الوحدة الوطنية». ويذكر أن الإعجاب بغانتس قد ازداد أكثر عندما أعلن قُبيل تعيينه أنه لا يطالب بوزارات له ولرفاقه، بل كل ما يطلبه هو الشراكة الفعلية في إدارة الحرب، وكان له ما أراد.

يومها، وفقاً لشهود عيان كثيرين، كان نتنياهو محطماً نفسياً من هول الضربة. إذ تمكّنت «حماس» من مباغتة الجيش الإسرائيلي والاستخبارات وإلحاق خسائر فادحة، قتلى وجرحى، واحتلت 11 موقعاً عسكرياً و22 بلدة، فيما بدت القيادة الإسرائيلية كأنها تغطّ في سُبات عميق.

أيضاً، نتنياهو، بصفته رئيس حكومة، يتحمّل مسؤولية أساسية عن هذا الإخفاق، ولذا طالبه 84 في المائة من الإسرائيليين بالاستقالة. أما الجيش فعمد إلى فعلٍ انتقامي هستيري، وشن حرب دمار شامل أحرق فيها غزة وأهلها -وليس «حماس»- وأخذ يُعدّ لتوجيه ضربة استباقية إلى لبنان، حتى قبل أن يعلن «حزب الله» حرب «الإسناد».

الكرامة وإنقاذ الهيبة

كان غانتس، ومعه «شريكه» رئيس الأركان السابق الآخر غادي آيزنكوت، قد جاءا إلى «مجلس قيادة الحرب» ليسهما في «إنقاذ هيبة وكرامة الجيش الإسرائيلي»، وحقاً صار الجمهور يرى في غانتس أفضل المرشحين لرئاسة الحكومة بدل نتنياهو. ولكن الآن بعد مضيّ أكثر من 8 أشهر، عاد الجمهور الإسرائيلي يفتش عن رئيس حكومة آخر، بعد فقدانه الأمل في نتنياهو يقنعه... وأيضاً في غانتس وكل مرشح من الشخصيات القيادية المطروحة.

الاستطلاعات الأخيرة تشير إلى أن غانتس سيهبط إلى 27 مقعداً، ولكن إذا أُسس حزب يميني آخر سيوزّع الجمهور أصواته بين غانتس والحزب الجديد. وهذا ليس تصوراً وهمياً، بل واقعي جداً. إذ إن رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بنيت، يسعى لتشكيل حزب يضم يوسي كوهين، رئيس «الموساد» السابق، وغدعون ساعر الوزير والحليف السابق لغانتس، وأفيغدور ليبرمان رئيس حزب «اليهود الروس»، وأشارت نتائج الاستطلاع إلى أن هذا الحزب سيحصد الأصوات من كل الأحزاب وسيصبح الحزب الأكبر، مما يعني أنه سيكلَّف بتشكيل الحكومة.

وهكذا، يخرج غانتس مرة أخرى «من المولد بلا حمص»، بعدما انفضّ الجمهور عنه. فلماذا يحصل له هذا وهو الذي يحمل على كتفه 33 سنة من الخدمة العسكرية ويتعامل مع محيطه بصدق وصراحة... ومعروف أنه لا ينتمي إلى شريحة السياسيين الفاسدين؟

نتنياهو حاضراً اجتماعاً حكومياً (رويترز)

طريقة اللعب... وتقبّل الفساد

غانتس بنفسه ليس بريئاً من هذه النتيجة، لكنَّ المسؤولية لا تنحصر به. فإسرائيل تعيش أزمة وطنية كبرى، سياسية ومجتمعية شاملة، والشارع يتجه نحو اليمين بشكل جارف، وكما في كل حرب... يتجه أكثر وأكثر إلى اليمين. بينما غانتس يُعد من الجناح الليبرالي، وكان قد أعرب عن تأييده لـ«حل الدولتين».

أيضاً، ليست «حماس» وحدها، بل أيضاً اليمين الحاكم نجح في تقويض هيبة ومكانة الجيش وغيره من أجهزة الأمن. ومع أن الجيش ما زال أكثر مؤسسة رسمية تحظى باحترام الناس وثقتهم، فقد انخفضت نسبة الثقة به من 87 في المائة إلى 63 في المائة. وقسم كبير من الشارع يسير وراء الشعارات العاطفية فارغة المضمون، وتفتش عن قائد «أزعر» و«فهلوي» و«يتقن اللعب والخداع» لا عن قائد «رمادي بارد».

وفي مكان ما، لم يعد الجمهور أيضاً ينفر من «القائد الفاسد»، خصوصاً في يمين الخريطة الحزبية. فوفق استطلاع أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية»، ونُشر عام 2018، قال 47 في المائة من المستفتين إن القيادة السياسية في إسرائيل «فاسدة». وفي تحليل النتائج، تبين أن هذه النسبة تنخفض لدى ناخبي اليمين إلى 25 في المائة، أي إن غالبية 75 في المائة لا يرون أن القيادة السياسية فاسدة، مع أن رئيس الوزراء يحاكَم بتهمة الفساد، وهناك ثلاثة وزراء أُدينوا بالفساد. ثم إن الحكومة الإسرائيلية الحالية سعت لسن قوانين تجيز للوزارات تعيين مسؤولين عديدين على أساس القرب من الوزير وليس الكفاءة. وأقرت في موازنتها صرف أكثر من 1.5 مليار دولار للأحزاب تصرفها على مصالحها الذاتية من موازنة الدولة. والمستشارة القضائية للحكومة حذرت من أن إيتمار بن غفير، وزير الأمن الداخلي، يُحدث تغييراً جوهرياً في الشرطة بما يلائم سياسة حزبه المتطرف ويختار لرئاسة الدوائر والأذرع ضباطاً مقربين منه وليس وفق معيار المهنية. وبالتالي، مضى الزمن الذي كان فيه وزير ينتحر، عندما يكتشفون أنه ارتكب مخالفة فساد. فالفساد ببساطة لم يعد أمراً معيباً.

الخوف

ثمة محنة أخرى يعيشها المجتمع الإسرائيلي تدفعه إلى قرارات وسياسات متهوّرة بعيدة عن الحكمة. فالقيادة اليمينية بمجملها، وليس فقط نتنياهو، تتبنى عقيدة الخوف والتخويف، وتبني سياستها على الاعتقاد بأن عدواً ما يلاحق اليهود لإبادتهم في كل عصر. ووفق قناعات هؤلاء «اليهود شعب الله المختار» والعالم كله يغار منهم ويحسدهم، ويريد التخلص منهم.

بدأ ذلك بالعداء للسامية في الغرب -وأوروبا بشكل خاص– وتفاقم مع «المحرقة النازية»، والآن العرب والإسلام.

طبعاً، هناك أساس لهذا الاعتقاد، فالنازية فعلاً عملت على «إبادة» اليهود. وتوجد جماعات عربية وإسلامية تطلق شعارات معادية لليهود، لكنَّ هؤلاء أقلية ضئيلة، لا تزيد نسبتها -مثلاً- على نسبة اليهود الإسرائيليين الذين يريدون إبادة الشعب الفلسطيني!

في المقابل، العرب يقدمون لإسرائيل عرضاً سخياً لإنهاء الصراع الإسرائيلي - العربي من جذوره، عبر مبادرة السلام السعودية، التي غدت مبادرة عربية تقبلها «منظمة التعاون الإسلامي» وجميع القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني. وسيشمل العرض سلاماً شاملاً بين إسرائيل والعرب والدول الإسلامية يشمل إقامة دولة فلسطينية على مساحة 22 في المائة من فلسطين التاريخية.

قصة اللاسامية

مع هذا، يحاول قادة اليمين إقناع اليهود بأنه لا أحد معهم، وبأن اللاسامية تتحكم بمؤسسات الأمم المتحدة. واستمرت تهم اللاسامية عندما خرج ملايين الناس عبر العالم في مظاهرات غضب إثر مشاهدة صور أطفال غزة يتمزقون بحمم المتفجرات الإسرائيلية. وطالت التهم حتى محكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية في لاهاي، اللتين قررتا التحقيق في ممارسات إسرائيل في غزة بناءً على معطيات رهيبة وأدلة كثيرة، بينها تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، الذي أمر الجيش بالتعامل مع الفلسطينيين على أنهم «حيوانات»، ووزير آخر طلب إبادة غزة بقنبلة نووية، ووزير ثالث دعا إلى محو غزة. بل حتى الرئيس الأميركي جو بايدن، اتهمه بعض الوزراء بـ«التآمر مع حماس» عندما اختلف مع الحكومة الإسرائيلية.

تلاشي «حل الدولتين»

أخيراً، استطلاعات الرأي تشير إلى أن غالبية الشارع ما عاد متقبّلاً «حل الدولتين». بل حتى أجهزة الأمن الإسرائيلية، التي تبني مواقفها على أساس دراسات ومعطيات استخبارية، وترى أن المصلحة الوطنية العليا لإسرائيل تكمن في «حل الدولتين»، تقف عاجزة عن التصدّي لسياسات اليمين، وأبرزها مشاريع الاستيطان في الضفة الغربية الهادفة إلى إجهاض «حل الدولتين»، وحملات القمع الدموية، وحماية مخططات المستوطنين بما فيها طرد مزارعين فلسطينيين من أراضيهم وبيوتهم لكي يسيطروا هم عليها.

إسرائيل تعيش أزمة وطنية كبرى سياسية ومجتمعية شاملة

افتداء الأسرى الإسرائيليين... صار قضية كبيرة

عندما طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من عائلات الرهائن المحتجزين لدى «حماس»، أن يَحذروا من أن يؤدي «نضالهم الشرعي لتحرير أبنائهم» إلى تشجيع «حماس» على تشديد مطالبها في الصفقة، اختلفوا فيما بينهم؛ بعضهم وافقه وبعضهم اعترض بحجة أن نتنياهو «مخادع ويحاول منعنا من ممارسة الضغوط عليه».وفي لقائه الثاني معهم، اقترح عليهم ممارسة الضغط على «حماس» لا عليه، وعرض عليهم السفر على حساب الدولة إلى دول أوروبا وأميركا والتقاء القادة السياسيين لـ«تجنيدهم إلى جانب إسرائيل في المعركة ضد (حماس)». وبالفعل، وافق قسم كبير منهم، وسافروا، في عدة رحلات نظَّمتها وزارة الخارجية، والتقوا عدة زعماء ووزراء، ورفض آخرون هذه الرحلات مؤكدين أن نتنياهو يخدعهم.وبعدما صارت مظاهرات عائلات الرهائن يومية، صاروا يقرأون في الشبكات الاجتماعية منشورات تهاجمهم وتتهمهم بـ«طعن الدولة في ظهرها والمساس بمعنويات الجنود الإسرائيليين الذين يقاتلون العدو»، لكنهم لم يرتدعوا. وكان ردهم: «نحن دولة ديمقراطية، حرية التعبير فيها مكفولة، والاختلافات أمر صحي». ولكن، عندما بدأوا يتعرّضون لاعتداءات جسدية من نشطاء في اليمين المتطرف ينعتونهم بالخيانة، بدا الخوف يتسلل إليهم وبعضهم ارتدع عن المشاركة في المظاهرات.وعندما أطلق الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، الرّسَن للشرطة كي تفرّقهم بالقوة وتعتدي على كثيرين منهم، لا فرق بين شابٍّ ومسنٍّ، أو بين رجل وامرأة، أُصيب متظاهر بكسور في جمجمته، فبدأت العائلات تدرك أن الحكومة اليمينية أدخلتهم إلى «الحرب الداخلية» لا «حرب غزة»، بعد اتهامهم بأنهم «أعداء». ولقد تساءلت باسمها وباسمهم، والدة أحد الجنود الأسرى: «هل يُعقَل أن

قيادة الدولة اليهودية تفقد أهم قيمة في اليهودية، افتداء الأسرى وأبدلت بها إهدار دم الأسرى بشكل متعمَّد؟».

من مظاهرات مناوئي الحكومة الإسرائيلية في تل أبيب (إ.ب.أ)

ولكن، قبل نحو أسبوعين، أزال الوزراء في حكومة نتنياهو الستار عن عورة موقفهم عندما حضروا إلى الكنيست (البرلمان) ليخاطبوا قادتهم.كانت الأنباء تتحدث عن «قبول إسرائيل المقترح الإسرائيلي للصفقة»، حسب الرئيس الأميركي جو بايدن، ووزير خارجيته أنتوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جاك سوليفان. لكنَّ وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، حضر إلى المداولات في لجنة المالية، وقال إنه لن يؤيد الصفقة الجاري العمل عليها مع «حماس». وأضاف: «ما يطلبه (يحيى) السنوار الآن هو تحرير مئات القتلة مع دم على الأيدي كي يحرّر مخطوفين. هذا الأمر من شأنه أن يؤدي إلى قتل الكثير جداً من اليهود... نحن سنقلب كل حجر كي نعيد كل المخطوفين، لكننا لن ننتحر بشكل جماعي».وفي نقاش آخر اصطدم النائب إسحاق فيندروس من «يهدوت هتوراة» لليهود المتديّنين، مع إستر بوخشتاف، أُم المخطوف ياغف بوخشتاف، بعدما طلبت الأم حق الكلام أمام اللجنة التي يترأسها فيندروف. إذ سألها: «أتريدون ممارسة نشاط سياسي حزبي؟». فصُدمت الأم وصرخت في وجهه: «أنت تتهمني بالسياسة وأنا أحاول أن أبثّ ألمي على ولدي؟ ألا تخجل من نفسك؟ أنت رجل دين وتعرف أن التوراة تعد افتداء الأسرى عملاً مقدّساً... فهل هكذا تفهم أحكام الدين؟ مَن منّا يُغلِّب السياسة الحزبية؟ مَن منّا تنازل عن القِيَم؟».في الواقع، الكلام عن القِيَم يكثر هذه الأيام في إسرائيل وسط أجواء التوتر الشديد والحرب متعددة الجبهات. فعلى هامش هذه الحرب ثمة تراجع صارخ وغير مسبوق عن قِيَم كثيرة. وهناك مَن يشعر بأن مصير القِيَم صار أخطر بكثير من السؤال عمّن يحكم إسرائيل في المرحلة التالية، بعد استقالة بيني غانتس وغادي آيزنكوت من الحكومة. وكثرة يقولون إن هناك ما يهدّد مستقبل إسرائيل برمّتها، لأنها بُنيت على أساس تلك القِيَم... وأهمها: افتداء الأسرى.وإلى جانب أحكام الدين في الموضوع، توجد مسألة استراتيجية تتعلق بها. فامتناع الحكومة عن الذهاب إلى صفقة لتحرير الأسرى، البالغ عددهم اليوم 120 أسيراً، يثير شكوكاً لدى كل جندي يحارب في الميدان حول مصيره. فيتساءل: «هل إذا وقعتُ في الأسر، سيصيبني ما يصيب هؤلاء الأسرى؟ سأتعفّن في نفق تحت الأرض ولا يسأل عني أحد؟ أهذه هي إسرائيل التي أنتمي إليها وأحارب لأجلها وأفتديها بروحي وحياتي؟».وعليه، فالقضية هي: هل يستطيع أن يحارب بإقدام وشجاعة مَن يسكنه هاجس كهذا؟