زعيم قبيلة التبو الليبية: زيدان يصدر مشاكله إلينا.. ونتعرض لتطهير عرقي

عيسى عبد المجيد حذر من استخدام حكومة طرابلس الطائرات في معارك الجنوب

عيسى عبد المجيد («الشرق الأوسط»)
عيسى عبد المجيد («الشرق الأوسط»)
TT

زعيم قبيلة التبو الليبية: زيدان يصدر مشاكله إلينا.. ونتعرض لتطهير عرقي

عيسى عبد المجيد («الشرق الأوسط»)
عيسى عبد المجيد («الشرق الأوسط»)

اتهم عيسى عبد المجيد، زعيم قبيلة التبو الليبية، السلطات الحاكمة في بلاده بدعم ميليشيات مسلحة لتنفيذ ما قال إنها عمليات تطهير عرقي ضد قبيلته، في إشارة إلى الاشتباكات المسلحة المستمرة منذ الأسبوع الماضي قرب مدينة سبها على بعد نحو 770 كيلومترا جنوب العاصمة طرابلس، وسقط فيها عشرات القتلى والجرحى. وحذر، في حوار أجرته مع «الشرق الأوسط» أثناء وجوده في القاهرة، الحكومة الليبية من مغبة استخدام السلاح الجوي ضد مواقع قبيلته، قائلا إنه «في حال قصفنا بالطائرات سنطلب تدخل المجتمع الدولي لحمايتنا».
وقال إن سياسة الحكومة ليس فيها تقبل للآخر من أبناء الوطن، وأضاف أن السلطات تتهم قبيلة التبو بأنها تشادية، بينما هم ليبيون ويزيد عددهم في ليبيا على 600 ألف نسمة ينتشرون في الجنوب والجنوب الغربي والشرقي، وشاركوا بقوة في إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي في 2011 بمجهود ذاتي ودون مساعدة من حلف الناتو، الذي ساعد بالقصف الجوي في مناطق أخرى من البلاد في التخلص من القذافي، مشيرا إلى أنه من الطبيعي أن يكون لقبيلته امتداد عبر حدود الدول، مثل قبائل «أولاد علي» و«النوايل» المنتشرة على حدود ليبيا شرقا وغربا مع كل من مصر وتونس. وأضاف أن امتداد قبيلته جنوبا في تشاد أو النيجر «أمر لا يعيب، بل مصدر فخر».
وشن زعيم التبو هجوما شديد اللهجة على حكومة الدكتور علي زيدان، رئيس الوزراء، واتهمها بافتعال معارك مع التبو في جنوب البلاد في محاولة منها لتصدير المشكلات التي تواجها في طرابلس إلى خارج العاصمة ومحاولتها لفت الانتباه عن المساعي الحالية لإسقاطها من قبل المؤتمر الوطني العام (البرلمان المؤقت).
وإلى أبرز ما جاء في الحوار..
* هل المواجهات الأخيرة التي وقعت في سبها تتعلق فقط بقبيلة التبو أم تتعلق بتحرك سياسي عام يسعى، كما يقول البعض، لإصلاح الأوضاع في ليبيا؟
- ما حصل في سبها خلال اليومين الماضيين نعده تطهيرا عرقيا ضد قبائل التبو من جانب السلطات الليبية. وأنا أتهم في هذا الأمر رئيس الوزراء علي زيدان. وقبل التوترات وقبل القتال في سبها بأسبوعين، أرسل زيدان مجموعة مدججة بالأسلحة من قبيلة واحدة، لكن جرى منحها غطاء شرعيا من مجلس الوزراء. وجرت مهاجمة قبائل التبو خاصة في منطقتي السرير الزراعي وموقع خزانات المياه. ولكن هذا المخطط فشل، إلا أن الحكومة أعادت الكرة مرة ثانية في منطقة سبها، عن طريق كتائب جرى أيضا منحها غطاء شرعيا، سواء اللواء السادس أو بعض الكتائب الأخرى في سبها والتي تعود لقبيلة واحدة أيضا، وأقصد بذلك قبيلة «أولاد سليمان»، وذلك للاعتداء على قبائل التبو. وقامت كتائب هذه القبيلة بالفعل بشن عدوان على قبائل التبو، وللأسف جرى قتل أشخاص ليس لهم علاقة بالأمر، وكان بعضهم قادما من منطقة إجدابيا (شمالا) وبعضهم جرى قتله في الطرقات العامة بعد خطفهم.
* أنت ذكرت أن العدوان على التبو تطهير عرقي، لكن البعض يقول إن الأمر قد يتعلق بنزاع سياسي؟
- يوجد شقان للمشكلة.. الأولى هي أن زيدان لديه أزمات خاصة به كرئيس للحكومة، على رأسها ضغوط البرلمان لسحب الثقة منه، وهو لهذا السبب يريد أن يصدر المشكلات من داخل الحكومة إلى خارجها، حتى يخفف بعض الضغوط بالقول إن هناك مشكلات في الجنوب، وأن الأمن غير مستقر وغيره. وهناك هدف آخر وهو كما قلت التطهير العرقي ضد قبائل التبو، وهو ما يحدث حاليا. ونحن تعرضنا لمثل هذا السيناريو أثناء فترة حكم المجلس الانتقالي (قبل عامين)، حين جرى إرسال قوات مدججة بالأسلحة، منها «درع ليبيا»، وتسبب ذلك في مقتل 180 شخصا في الجنوب الشرقي في منطقة الكفرة. وفي نفس العام أرسلوا مجموعات من «أولاد سليمان» مدججة بالأسلحة إلى سبها في 2012، وتسبب ذلك في مقتل مئات الأشخاص وإصابة نحو 400 شخص. أقول مرة أخرى، إنه للأسف يوجد تطهير عرقي. مثلا، جرحى التبو الذين سقطوا في الاشتباكات الأخيرة في سبها تركوا في مطار أوباري هناك لمدة ثلاثة أيام، قبل أن يجري نقلهم للعلاج في طرابلس. ويوجد إهمال في رعايتهم وأوضاعهم سيئة جدا، بينما الجرحى من «أولاد سليمان» ومن «الكتائب المشرعنة» من زيدان، جرى نقلهم للعلاج في تونس والأردن وتركيا وألمانيا.
* وما السبب وراء لجوء السلطات لـ«التطهير العرقي» ضد التبو، كما تقول. ماذا فعل التبو؟
- التبو لم يفعلوا شيئا.. لكن الحكومة تتبع سياسة ليس فيها تقبل للآخر من أبناء الوطن. هم (الحكومة) يقولون إن التبو تشاديون. حتى بعد أن وقعت الاشتباكات في سبها قالوا إن هذه قوات تشادية ومخابرات تشادية. وهذا الكلام عار تماما عن الصحة. وتوجد نقطة مهمة أريد أن أوضحها، وهي أن التبو والطوارق والأمازيع من الشعوب الأصيلة في ليبيا، وهم لم يأتوا من كوكب آخر. هم ليبيون أصليون، أما علاقتنا بتشاد أو النيجر فهي أمر لا يعيب، بل نفتخر به. وقبيلة التبو موجودة ومنتشرة داخل ليبيا ودخل دول الجوار الليبي من الجنوب، مثل قبائل أولاد علي المنتشرة في مصر وفي ليبيا ومثل قبائل النوايل في تونس وفي ليبيا. نحن نفتخر بانتمائنا الممتد هنا وهناك. وهو أمر، كما قلت، لا يعيب. بل في الدول المتقدمة والدول التي لها سياسيات بعيدة النظر، ترى في الامتدادات القبلية عبر الحدود فائدة للوطن وللدولة وليس العكس.
* ما عدد التبو الليبيين تقريبا؟
- عددهم كبير، ويصل إلى أكثر من 600 ألف نسمة.
* وأين يتركز وجودهم في ليبيا؟
- التبو منتشرون في مرزق وفي الجنوب الغربي وفي سبها وفي قطرون وفي أوباري وفي أم الأرانب وزويدة وتجرهي والجنوب الشرقي في الكفرة وربيانا وغيرها.
* وما السبب الذي أدى إلى وقوع الاشتباكات بين قبيلة التبو وقبيلة أولاد سليمان؟
- توجد ميليشيات تابعة لقبيلة أولاد سليمان مدججة بالأسلحة ومدعومة من رئيس الوزراء، وهناك أجندة خاصة لتصفية قبائل التبو من جانب الدولة الليبية. لماذا لا توجد مشكلات بين التبو وقبائل «المقارحة» أو «القذاذفة» أو «الورفلة» أو «الحضير» أو «الحساونة»؟ في جنوب ليبيا قبائل كثيرة، فلماذا لم توجد مشكلات بينها وبين التبو؟ المشكلة وقعت حين قررت الحكومة دعم ميليشيات تابعة لأولاد سليمان للهجوم على التبو. والاشتباكات والقتال الذي بدأ أخيرا ما زال مستمرا حتى الآن. وعدد القتلى الذين سقطوا فيها 18 والجرحى نحو 27، ومعظم القتلى لم يسقطوا في المعارك، ولكن جرى خطفهم من الشوارع والطرقات والأماكن العامة من قبل الميليشيات المسلحة المدعومة من الحكومة. وأنا أحذر الحكومة الليبية من استخدام السلاح الجوي ضد التبو، وإذا فعلت ذلك سنضطر للمطالبة بالتدخل الدولي لحماية التبو، لكنني في الوقت نفسه أؤكد أننا لا نسعى لتقسيم ليبيا ونتمنى أن تستمر ليبيا دولة واحدة موحدة. وأريد أن أشير إلى أن الحكومة لا تريد أن تفهم أن ليبيا ما زالت تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة (الخاص بتدخل مجلس الأمن لحل النزاعات) منذ عام 2011، ووفقا لهذا فإنه ليس من حق الحكومة أن تقصف أو تضرب أو تقتل. كما أن الفصل السابع يمنع بيع أسلحة لليبيا.
* هل جرى أي تعاون «عسكري» بين قبيلة التبو والقبائل الأخرى في الجنوب لمواجهة الميليشيات المدعومة من الحكومة؟
- لا.. هذا لم يحدث. ولكن المواجهات كانت فقط بين ميليشيات أولاد سلميان والتبو. القبائل الأخرى على الحياد وهي تعلم أن هناك ظلما يقع على قبيلتنا.
* قد يظن البعض أن سبب المشكلات مع التبو يرجع لتبنيهم موقفا معينا من ثورة 17 فبراير (شباط) 2011 التي أطاحت بحكم القذافي، ويحاسبون اليوم على هذا الموقف؟
- بالعكس.. التبو كان لهم دور مميز في تغيير النظام السابق، والتبو لم يستعينوا بحلف الناتو في مواجهة قوات القذافي في الجنوب، كما فعلت معظم مناطق ليبيا. وتحرر الجنوب الليبي من النظام السابق دون الاستعانة بالناتو. ولولا التبو ما نجحت الثورة ضد القذافي. ولكن، بعد تغيير النظام، أصبح يجري التعامل معهم كأنهم ليسوا ليبيين وكأنهم غرباء عن وطنهم ليبيا. وتطور الأمر وأصبحوا حاليا يتعرضون لمعاملة أسوأ مما كان يعاملهم بها النظام السابق.
* بعض المراقبين يقولون إن قبائل التبو وقبائل وتيارات سياسية أخرى خاصة في الجنوب، ترفض التيار الإسلامي المتشدد الذي يعتقد أنه يهيمن على القرار في ليبيا في الفترة الأخيرة؟
- نعم.. التيار الإسلامي المتشدد وتنظيم القاعدة موجودان حاليا في البرلمان الليبي نفسه، مثل شقيق أبو يحيي الليبي (أحد قيادات القاعدة). البرلمان مخترق من المتشددين الإسلاميين ومن تنظيم القاعدة، وهؤلاء هم المصيبة الأكبر في ليبيا، كما هم مصيبة كبيرة في مصر.. أرادوا أن يخلخلوا الأمن داخل ليبيا وفي دول الجوار أيضا مثل مصر وتونس، وذلك حتى تتمكن «القاعدة» من مفاصل الدولة، ويوجد لهم مخطط بأن تتحول ليبيا إلى «بيت المال» للإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة.
ومن المعروف أن اضطراب ليبيا هو اضطراب لدول الجوار خاصة مصر. نحن نتمنى أن تستقر الأوضاع في مصر، لأن هذا سينعكس على الوضع في ليبيا ويسهم في استقرار الأوضاع داخلها. ولا بد من التكاتف لكي نضرب جميعا، وبيد من حديد، المجموعات المتشددة أو المجموعات التي ترتدي ملابس الدين لتحقيق أغراض خاصة. قبيلة التبو قبيلة ليبية معروف عنها رفضها للأفكار المتشددة وهي تقف ضد تنظيم القاعدة. نحن مواطنون مسلمون مثل غيرنا من الليبيين، وليس لدينا أغراض ولا نلجأ لاستغلال الدين في تحقيق الأغراض السياسية أو الأغراض الخاصة، ونصر على رفض العنف وعلى رفض وجود تنظيم القاعدة، لأنه يحاول إفساد الدولة ويحاول إفساد دول الجوار. وبالنسبة لعلاقتنا بالقبائل والتيارات السياسية الأخرى في الجنوب وغيره، فنحن ليس لدينا أي مشكلة مع هذه القبائل أو التيارات السياسية. نحن نعيش مع قبائل «المقارحة» ومع قبائل «القذاذفة» ومع قبيلة «أولاد سليمان»، ومع كل القبائل الأخرى.



العليمي يقدم ملف اليمن في ميونيخ باعتباره قضية أمن دولي

العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
TT

العليمي يقدم ملف اليمن في ميونيخ باعتباره قضية أمن دولي

العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)

سعى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، عبر سلسلة لقاءات مكثفة على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، إلى إعادة تعريف الأزمة اليمنية باعتبارها تحدياً مباشراً للأمن الدولي، ترتبط مباشرة بأمن الملاحة العالمية واستقرار الطاقة ومكافحة الإرهاب، وليست مجرد نزاع داخلي.

وخلال اجتماعاته مع مسؤولين أوروبيين وأميركيين وقادة دول، ركّز العليمي على فكرة مركزية مفادها أن دعم الدولة اليمنية لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار الإقليمي والعالمي.

في هذا السياق، شدد العليمي خلال لقائه مع الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على ضرورة انتقال المجتمع الدولي من مرحلة «إدارة الأزمة» في اليمن إلى مرحلة «إنهائها».

وفي حين رأى أن استمرار الوضع الحالي يمنح الجماعة الحوثية مساحة لإعادة إنتاج التهديدات الأمنية، أكد أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي باتت ذات بعد استراتيجي؛ نظراً لتقاطعها مع أمن الملاحة الدولية واستقرار سلاسل الطاقة والتجارة العالمية.

العليمي مجتمعاً مع رئيس فنلندا على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن التهديد الحوثي لم يعد شأناً داخلياً، بل تحول إلى أداة ضغط إقليمية تستخدم البحر الأحمر كورقة ابتزاز سياسي وأمني، محذراً من أن أي تراخٍ دولي قد يؤدي إلى تمدد المخاطر نحو بحر العرب وممرات مائية أخرى. وفي هذا السياق، أشاد بالدور الأوروبي في حماية الملاحة، معتبراً أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من الاحتواء إلى إنهاء التهديد بشكل كامل.

كما ربط العليمي بين استقرار اليمن وتقليص نفوذ إيران في المنطقة، مؤكداً أن الأذرع المسلحة المدعومة من طهران تمثل التهديد المركزي للأمن الإقليمي، وأن مواجهة هذا التحدي تتطلب دعماً مؤسسياً للدولة اليمنية وليس التعامل مع كيانات موازية.

دعم الدولة

في لقاءاته مع المسؤولين الأميركيين وعدد من القادة الدوليين، قدم العليمي سردية سياسية تقوم على أن نجاح الدولة اليمنية يمثل أفضل استثمار طويل الأمد لأمن الخليج والبحر الأحمر والسلام العالمي.

وأكد أن التحولات الأخيرة داخل اليمن، بدعم سعودي، شملت توحيد القيادة الأمنية والعسكرية، وتشكيل حكومة جديدة، وإطلاق برنامج إصلاحي يركز على الانضباط المالي وتحسين الخدمات واستعادة الثقة المحلية والدولية.

اجتماع العليمي مع مسؤول أميركي رفيع لبحث دعم استقرار اليمن ومكافحة الإرهاب (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن إنهاء تعدد مراكز القرار الأمني أسهم في دحض مزاعم وجود فراغ أمني، موضحاً أن الخطر الحقيقي ينشأ عندما تتنازع جهات متعددة سلطات الدولة. وقال إن توحيد القرار الأمني لا يعزز فقط مكافحة الإرهاب، بل يسهم أيضاً في تجفيف بيئة التطرف وتحسين أوضاع حقوق الإنسان، بما في ذلك إغلاق السجون السرية.

وخلال لقائه بكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، شدد العليمي على أهمية استمرار الدعم الأميركي سياسياً واقتصادياً وتنموياً، خصوصاً في ما يتعلق بتعزيز قدرات البنك المركزي واستقرار العملة وتأمين الخدمات الأساسية، التي وصفها بأنها «خط الدفاع الأول» ضد التجنيد الميليشياوي والتطرف.

الضغط على إيران

كما طرح رئيس مجلس القيادة اليمني رؤية أوسع للمرحلة الحالية باعتبارها لحظة إعادة تشكل استراتيجية في المنطقة، في ظل الضغوط الدولية المتزايدة على إيران، معتبراً أن إضعاف أذرعها الإقليمية يخلق فرصة تاريخية لإنهاء نفوذها في اليمن.

وفي لقائه مع رئيس الوزراء الهولندي، ديك سخوف، دعا العليمي إلى موقف أكثر صرامة تجاه «الحرس الثوري» الإيراني، والدفع باتجاه إدراجه على قوائم الإرهاب الأوروبية، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية في اليمن تمثل إحدى أخطر أذرع إيران الإقليمية، وأن التساهل معها يطيل الحرب، ويُبقي التهديد مفتوحاً على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.

اجتماع العليمي مع رئيس وزراء هولندا لاستجلاب الدعم الأوروبي (سبأ)

ودعا العليمي هولندا للاضطلاع بالدور نفسه أوروبياً تجاه الحوثيين عبر توسيع إجراءات الضغط والعقوبات على شبكات التمويل والتهريب، ودعم آليات الملاحقة القانونية والمالية للشبكات العابرة للحدود المرتبطة بالميليشيات.

أما لقاؤه مع الرئيس الفنلندي، فقد حمل بعداً مختلفاً؛ إذ ركز على الاستفادة من التجربة الفنلندية في الحوكمة الرشيدة والتعليم وإصلاح القطاع العام، باعتبارها أدوات طويلة المدى لإعادة بناء الدولة والهوية الوطنية.


تحسن مفاجئ للريال اليمني يختبر ثقة السوق ويثير التساؤلات

حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
TT

تحسن مفاجئ للريال اليمني يختبر ثقة السوق ويثير التساؤلات

حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)

تراجعت أسعار صرف العملات الأجنبية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية بشكل مفاجئ أمام العملة المحلية (الريال اليمني) خلال الأيام الماضية، دون مقدمات اقتصادية واضحة أو تطورات تبرر هذا التحول؛ حيث لا زيادة في الصادرات، ولا عودة لتصدير النفط والغاز، ولا إعلان عن تدفقات مالية استثنائية، دون أن ينعكس أثر ذلك على أسعار السلع والخدمات الأساسية.

وانخفض سعر الدولار والريال السعودي، وهما أكثر العملات الأجنبية تداولاً في الأسواق اليمنية، بصورة لافتة، في مشهد أربك سوق التداول، وأثار تساؤلات عن أسرار هذا التحول غير المتوقع، ومخاوف من أن تكون حركة سعرية بلا أساس اقتصادي صلب.

وبينما أكد البنك المركزي اليمني في عدن أنه يتابع سوق العملات بصرامة، ويعمل على الحد من المضاربات التي تضغط على العملة الوطنية، وصل سعر صرف الدولار إلى نحو 1558 ريالاً للشراء و1573 ريالاً للبيع، بعد أن كان مستقرّاً عند مستويات أعلى بما يقارب 100 ريال خلال الأشهر الماضية.

وأظهرت مؤشرات من تطبيقات مصرفية على الهواتف المحمولة تراجعاً ملحوظاً في أسعار مختلف العملات.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

ويُعدّ هذا التغير في أسعار الصرف هو الأول منذ أواخر يوليو (تموز) وبداية أغسطس (آب) الماضيين، حين شهدت العملة المحلية تحسناً يقارب 50 في المائة، بإجراءات وسياسات اتبعها البنك المركزي والحكومية، بعد أشهر من انهيار تاريخي.

وجاء هذا التراجع بعد اجتماع للبنك المركزي، الخميس الماضي، ناقش فيه استمرار مراقبة حركة السوق المحلية، والمحافظة على استقرار العملة والأسعار لأطول فترة ممكنة.

تدخل غير معلن

لم يكشف البيان الصادر عن البنك، عقب الاجتماع، عن قرارات بتحديد أسعار العملات الأجنبية، ما أثار المخاوف في أوساط السكان من عودة المضاربة ودفعهم إلى بيع ما بحوزتهم من العملات.

إلا أن مصدراً في البنك المركزي تحدّث عن وجود قرار غير معلن لتحسين سعر العملة المحلية والمحافظة على الأسعار الجديدة لأطول وقت ممكن، بانتظار أن تُحقق المصادر الإيرادية الحكومية دعماً ثابتاً يؤدي إلى مزيد من الاستقرار.

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

وذكر المصدر -الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته- أن البنك لا يستطيع حالياً إعلان أسعار صرف العملات الأجنبية أو إلزام السوق المصرفية بها بشكل رسمي، لالتزامه باتفاقيات مع مؤسسات دولية بعدم التدخل، وترك الأسعار تخضع لحركة الأسواق.

ويرجع الباحث الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي التحسن الجديد في أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني بالتدفق النقدي الخارجي، خلال الأسابيع الماضية، ومن ذلك صرف رواتب الموظفين والعسكريين بالريال السعودي، ضمن تدخلات السعودية لمساندة الحكومة اليمنية.

ويُضيف الآنسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هناك اتفاقاً بين البنك المركزي و«صندوق النقد الدولي» حول التحسن التدريجي للعملة المحلية للوصول إلى مستويات يمكن السيطرة عليها، وخلال الأسابيع الماضية، حدثت زيادة كبيرة في العملات الأجنبية لدى كثير من الأفراد، في حين البنوك وشركات الصرافة تحتفظ بالعملة المحلية لاستخدامها عند تقديم طلبات الاستيراد من اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد.

ويعود ذلك لقرار البنك المركزي بحظر تحويل أي عملات أجنبية إلى خارج البلاد ما لم يكن قد جرى تغييرها بالعملة المحلية، في إطار إجراءاته التي اتبعها العام الماضي لوقف المضاربة بالعملة.

الأسواق اليمنية تشهد عزوفاً عن التسوق بسبب عدم موازاة أسعار السلع لأسعار العملات الأجنبية (غيتي)

ويؤكد الآنسي أن البنك المركزي لا يزال يملك القدرة على التحكم بأسعار الصرف وتحسين وضع العملة المحلية بشكل أكبر، لكنه يسعى إلى المباعدة بين فترات التحسين لضمان حدوث تحسن موازٍ في أسعار السلع، منوهاً بأن الفترة المقبلة قد تشهد مزيداً من تدفق النقد الأجنبي مع استمرار احتفاظ البنوك بالعملة المحلية.

وتقول مصادر محلية إن البنك المركزي وجه، شفهياً، الشركات والبنوك بشراء وبيع العملات الأجنبية بالأسعار الجديدة، على ألا تتجاوز أكبر عملية بيع واحدة مبلغ 600 دولار أو 2000 ريال سعودي، أو ما يعادلها من العملات لكل عميل.

اتساع الفجوة المعيشية

وتشكو العديد من العائلات التي تلقت حوالات خارجية من رفض الشركات والبنوك الشراء منها، بحجة محدودية ما لديها من أوراق نقدية من العملة المحلية، وتتزايد مخاوف العديد من السكان من فقدان قيمة ما يمتلكون أو يدخرون من العملات خلال الأسابيع المقبلة.

من جهته، يُحذر وحيد الفودعي، الباحث الاقتصادي والخبير المصرفي اليمني، من أن يكون هذا التحسن قسرياً وغير مستدام، وناتجاً عن أزمة السيولة المحلية التي يرجح أنها مفتعلة، ويشدد على أن معالجتها ينبغي ألا تتم عبر تخفيض سعر صرف العملات الأجنبية؛ بل من خلال معالجة جذورها النقدية والهيكلية.

عدد من الأنشطة المحلية توقف أو تراجع بسبب عدم موازاة أسعار السلع لأسعار العملات الأجنبية (أ.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يصف الفودعي تراجع سعر الصرف في الأيام الأخيرة بـ«وهم الانخفاض»؛ حيث تتسع الفجوة بين سعر العملات في السوق والأسعار الفعلية للسلع والخدمات، في ظل غياب انتقال حقيقي للأثر إلى المستهلك، في حين لا يلمس السكان أي تراجع لتكاليف المعيشة، في ظل هيكل سوق شبه احتكاري، وضعف في الرقابة وغياب آليات التسعير العادلة.

وينوه بأنه ومع استمرار الغلاء وتآكل الدخول، يتعمق الإحباط الشعبي، إذ لا ينعكس انخفاض سعر الصرف على واقع المعيشة، في حين تحتاج السوق إلى وقت طويل للتفاعل مع أي تغير، إن حدث ذلك أصلاً، ما يجعل خفض الصرف لا يعني بالضرورة خفض الأسعار.

وعلى الرغم من اقتراب شهر رمضان، تشهد الأسواق اليمنية حركة محدودة لشراء المواد والسلع الاستهلاكية، في ظل صعوبات معيشية تواجه السكان بسبب الحرب والتطورات العسكرية والأمنية واعتداءات الجماعة الحوثية على المنشآت الحيوية.

ويلفت حلمي الحمادي، الخبير المالي اليمني، إلى أنه ومع اقتراب شهر رمضان ترتفع معدلات تحويلات المغتربين لأهاليهم في اليمن، لمواجهة تكاليف متطلبات رمضان والعيد، إلى جانب أن كثيراً من رجال الأعمال والتجار المستثمرين خارج البلاد يقدمون مبالغ كبيرة لأعمال الخير والزكاة، وهو ما يؤدي إلى انخفاض سعر صرف العملة المحلية، وهذا يحدث بشكل سنوي تقريباً.

الجماعة الحوثية تسببت بانقسام نقدي وترفض تداول العملة الصادرة عن الحكومة اليمنية (رويترز)

وأبدى الحمادي قلقه في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من أن يكون هذا التحسن بسبب تدخل سياسي لتطمين السكان بوجود مؤشرات جيدة للتحسن الاقتصادي والمعيشي بعد التطورات الأخيرة وتشكيل الحكومة الجديدة، من دون وجود أسباب حقيقية ومستدامة لتحسن العملة المحلية.

ويشهد اليمن انقساماً اقتصادياً ونقدياً بسبب سيطرة الجماعة الحوثية على أجزاء واسعة من البلاد وعدد كبير من مؤسسات الدولة، بينها جهات إيرادية ضخمة، وفرضها، بالقوة، أسعاراً ثابتة وغير عادلة للعملات الأجنبية، ومنعها لتداول العملات الصادرة عن الحكومة في مناطق سيطرتها.


آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
TT

آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)

تتجَّه الاستجابة الإنسانية في اليمن إلى مرحلة جديدة ومعقَّدة، بعد اضطرار الأمم المتحدة إلى اعتماد آليات بديلة لتوزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحوثيين، عقب إغلاق مكاتبها هناك ومصادَرة أصولها، في خطوة أعادت رسم خريطة العمل الإغاثي في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد العاصمة الأردنية لاستضافة مؤتمر دولي للمانحين؛ يهدف إلى احتواء التدهور المتسارع في الأمن الغذائي، وسط تحذيرات من توسُّع دائرة الجوع لتشمل ملايين إضافية خلال العام الحالي.

وتشير أحدث التقديرات الإنسانية إلى أن نحو 22.3 مليون يمني، أي نحو نصف السكان، سيحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية هذا العام، بزيادة 2.8 مليون شخص مقارنة بالعام الماضي، وهو مؤشر يعكس عمق التدهور الاقتصادي واستمرار القيود المفروضة على العمل الإنساني في مناطق النزاع.

انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)

وبحسب مصادر إغاثية، تعمل الأمم المتحدة على إعادة تنظيم عملياتها عبر نقل مهام توزيع المساعدات المنقذة للحياة إلى شبكة من الشركاء، تشمل المنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية، إضافة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي لا تزال قادرةً على العمل ميدانياً داخل تلك المناطق.

تحول اضطراري

يهدف هذا التحوُّل الأممي إلى ضمان استمرار وصول الغذاء والدواء إلى الفئات الأكثر ضعفاً رغم غياب الوجود الأممي المباشر، الذي تعرَّض لانتكاسة واسعة جراء قيود الحوثيين وانتهاكاتهم.

ويعكس هذا التوجه تحولاً اضطرارياً في آليات العمل الإنساني، إذ باتت الوكالات الدولية تعتمد نموذج «الإدارة عن بُعد» لتقليل المخاطر على موظفيها والحفاظ على تدفق المساعدات.

غير أن خبراء الإغاثة يحذرون من أن هذا النموذج يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف القدرة على الرقابة الميدانية، وصعوبة ضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين دون تدخلات أو قيود.

وتؤكد تقارير إغاثية أن القيود المفروضة على العمليات الإنسانية أسهمت في حرمان ملايين اليمنيين من المساعدات الأساسية، في وقت يشهد فيه البلد مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، حيث يعاني أكثر من 18 مليون شخص من الجوع الحاد، بينهم ملايين يعيشون في مستويات طارئة وفق التصنيفات الدولية للأمن الغذائي.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من المساعدات المنقذة للحياة (إعلام محلي)

ويمثل مؤتمر المانحين المرتقب في الأردن محطةً مفصليةً لإعادة حشد الدعم الدولي، إذ تسعى وكالات الإغاثة إلى سدِّ فجوة تمويلية متزايدة تهدِّد بتقليص البرامج الإنسانية الحيوية.

ومن المتوقع أن يناقش المشاركون آليات جديدة لضمان وصول المساعدات في ظل القيود الأمنية والإدارية، إضافة إلى تعزيز دور الشركاء المحليين بوصفهم الحلقة الأكثر قدرة على الوصول إلى المجتمعات المتضررة.

أزمات متعددة

لا تقتصر الأزمة في اليمن على الغذاء فقط، بل تمتد إلى القطاع الصحي الذي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية متوقفة أو مُهدَّدة بالإغلاق؛ بسبب نقص التمويل. ويؤثر ذلك بشكل خاص على النساء والفتيات، مع تراجع خدمات الصحة الإنجابية وارتفاع المخاطر الصحية المرتبطة بالحمل والولادة.

وتحذِّر منظمة الصحة العالمية من أن تدهور الوضع الصحي في اليمن أسهم في انتشار الأمراض التي يمكن الوقاية منها، في ظل انخفاض معدلات التحصين، إذ لم يحصل سوى أقل من ثُلثي الأطفال على اللقاحات الأساسية.

وقد سُجِّلت أكثر من 18600 إصابة بالحصبة و188 وفاة خلال العام الماضي، إضافة إلى تسجيل اليمن ثالث أعلى معدل إصابات بالكوليرا عالمياً بين مارس (آذار) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مع نحو 350 ألف حالة مشتبه بها، وأكثر من 1100 وفاة.

ويرتبط تفشي الأمراض بشكل مباشر بتفاقم سوء التغذية، حيث يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل يمني دون سنِّ الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم 570 ألف حالة شديدة الخطورة، بينما يواجه نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مخاطر صحية جسيمة؛ نتيجة نقص الغذاء والرعاية الصحية.

وتؤكد المنظمات الإنسانية أن نجاح مؤتمر المانحين لن يُقاس فقط بحجم التعهدات المالية، بل بقدرة المجتمع الدولي على إيجاد آليات مستدامة لضمان وصول المساعدات دون عوائق، ومنع تحوُّل الأزمة الإنسانية في اليمن إلى كارثة طويلة الأمد يصعب احتواؤها مستقبلاً.