خامنئي أصدر الأمر بوأد الاحتجاجات... والحصيلة 1500 قتيل

محتجون إيرانيون يقطعون طريقاً سريعة بالعاصمة الإيرانية طهران غداة قرار مفاجئ برفع أسعار البنزين منتصف الشهر الماضي (رويترز)
محتجون إيرانيون يقطعون طريقاً سريعة بالعاصمة الإيرانية طهران غداة قرار مفاجئ برفع أسعار البنزين منتصف الشهر الماضي (رويترز)
TT

خامنئي أصدر الأمر بوأد الاحتجاجات... والحصيلة 1500 قتيل

محتجون إيرانيون يقطعون طريقاً سريعة بالعاصمة الإيرانية طهران غداة قرار مفاجئ برفع أسعار البنزين منتصف الشهر الماضي (رويترز)
محتجون إيرانيون يقطعون طريقاً سريعة بالعاصمة الإيرانية طهران غداة قرار مفاجئ برفع أسعار البنزين منتصف الشهر الماضي (رويترز)

في أحدث حصيلة للأحداث الدامية بإيران خلال الشهر الماضي، كشفت مصادر مسؤولة بوزارة الداخلية الإيرانية عن أن المرشد علي خامنئي جمع كبار المسؤولين في أجهزة الأمن والحكومة بعد 48 ساعة من بداية الاحتجاجات، وأصدر بنفاد صبر أوامر لهم: «افعلوا ما يلزم لوضع حد لها». ونقلت وكالة «رويترز» عن 3 مصادر على صلة وثيقة بدائرة المقربين من خامنئي، ومسؤول رابع، أن نحو 1500 شخص سقطوا قتلى خلال الاحتجاجات التي بدأت في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي واستمرت نحو أسبوعين، ومن بين القتلى 17 في سن المراهقة، ونحو 400 امرأة، وبعض رجال الأمن والشرطة.
وبحسب المصادر؛ فإن أوامر خامنئي أطلقت شرارة أكثر الحملات الأمنية لاحتواء الاحتجاجات دموية منذ ثورة في 1979 التي أطاحت نظام الشاه.
وكانت الأوامر قد صدرت من خامنئي أو إنها صدرت في الاجتماع الذي عقد في 17 نوفمبر الماضي. وبدأت الاحتجاجات بسبب زيادة مفاجئة بنسبة 300 في المائة في أسعار البنزين وسرعان ما اتسع نطاقها لتصبح واحداً من أكبر التحديات التي واجهت النظام الإيراني على مدى 4 عقود.
ووصلت الاحتجاجات إلى أكثر من 100 مدينة وتحولت إلى احتجاجات سياسية. وطالب المتظاهرون من الشباب والطبقة العاملة بتنحي القيادات الدينية. وفي مدن كثيرة تردد هتاف مشابه: «يعيشون كالملوك والناس يزدادون فقراً» حسبما جاء في مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي وما قاله شهود.
وفي غضون ساعات تدفق المئات إلى الشوارع في أماكن من بينها مدينة مشهد في الشمال الشرقي ومحافظة كرمان في الجنوب الشرقي ومحافظة الأحواز (خوزستان) في الجنوب الغربي المتاخم للعراق، وذلك وفقاً لما ورد في وسائل الإعلام الرسمية.
وانتشرت مقاطع فيديو فيما بعد على وسائل التواصل الاجتماعي وتلفزيون الدولة ظهرت فيها مشاهد لمصادمات في الأحواز ومدن أخرى بين المواطنين وقوات الأمن.
وبحلول 17 نوفمبر وصلت الاضطرابات إلى العاصمة طهران وطالب فيها الناس بإنهاء حكم رجال الدين وبسقوط قادته. وأحرق المتظاهرون صور خامنئي ودعوا إلى عودة رضا بهلوي ابن شاه إيران الراحل من منفاه؛ وفقاً لما ورد في مقاطع مصورة نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي وأقوال شهود العيان. وفي مساء ذلك اليوم التقى خامنئي في مقر إقامته الرسمي بمجمع محصن في وسط طهران كبار المسؤولين؛ بمن فيهم مساعدوه المختصون بالأمن والرئيس حسن روحاني وأعضاء حكومته.
وبحلول 18 نوفمبر بدا أن شرطة مكافحة الشغب تطلق النار عشوائياً على المحتجين في الشوارع، وقالت سيدة من سكان طهران حينها لـ«رويترز» إن «رائحة البارود والدخان في كل مكان». وأضافت أن «الناس يتساقطون على الأرض وهم يهتفون، بينما سعى آخرون إلى اللجوء للبيوت والمتاجر».
وقالت المصادر الثلاثة ذات الصلة الوثيقة بالدائرة المقربة من خامنئي إن الزعيم البالغ من العمر 80 عاماً رفع صوته في ذلك الاجتماع وانتقد أسلوب التعامل مع الاحتجاجات. وبذلك اتجه إلى قواته الخاصة لإخماد الاحتجاجات، فاستخدم «الحرس الثوري» وميليشيا الباسيج الخاصة التي تنتسب له.
ومع انتشار قوات الأمن في طهران لإنهاء الاحتجاجات أطلع مستشارون أمنيون خامنئي على حجم الاحتجاجات. واستعرض وزير الداخلية عدد القتلى والجرحى والاعتقالات. وركز وزير المخابرات وقائد «الحرس الثوري» على دور جماعات المعارضة.
وقالت المصادر الثلاثة إن خامنئي اهتم بوجه خاص بمشاعر الغضب في المدن الصغيرة التي تنتشر بها الطبقة العاملة والتي كان الناخبون من أصحاب الدخول المنخفضة فيها من أعمدة الدعم للنظام.
وستكون لأصوات هؤلاء الناخبين أهميتها في الانتخابات البرلمانية التي تنظم في فبراير (شباط) المقبل وتمثل اختباراً لشعبية الحكام منذ انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق النووي وهي الخطوة التي أدت إلى انخفاض صادرات إيران النفطية بنسبة 80 في المائة منذ العام الماضي.
وتحت وطأة العقوبات، لا يملك خامنئي موارد تذكر لمعالجة معدلات التضخم والبطالة المرتفعة. وتوضح أرقام رسمية أن معدل البطالة يبلغ نحو 12.5 في المائة بصفة عامة. لكن المعدل يتجاوز مثليه تقريباً بين الملايين من الشباب الإيرانيين الذين يتهمون المؤسسة الحاكمة بسوء إدارة اقتصاد البلاد وبالفساد.
ومما أثار غضب خامنئي، صاحب القول الفصل في جميع شؤون البلاد، أن المحتجين أحرقوا صورة المرشد الإيراني الأول الخميني ودمروا تمثالاً له.
ونقل أحد المصادر عن خامنئي قوله للحاضرين: «الجمهورية الإسلامية في خطر. افعلوا ما يلزم لوضع نهاية لذلك. هذا هو أمري لكم»، مضيفاً أنه سيحمّل المسؤولين المجتمعين المسؤولية عن عواقب الاحتجاجات إذا لم يوقفوها على الفور. واتفقت آراء الحاضرين في الاجتماع على أن المحتجين يهدفون لإسقاط نظام الحكم.
وهذا أكبر عدد من الخسائر البشرية في الاحتجاجات ينشر حتى الآن، ويمثل زيادة كبيرة على الأرقام التي رددتها منظمات حقوقية دولية والولايات المتحدة. وقال مسؤولان إيرانيان إن الحصيلة الجديدة مبنية على معلومات تم تجميعها من قوات الأمن والمشارح والمستشفيات ومكاتب الطب الشرعي.
وكان تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر في 16 ديسمبر (كانون الأول) الحالي ذكر أن العدد لا يقل عن 304 قتلى. وقالت وزارة الخارجية الأميركية إنها تقدر أن مئات عدة من الإيرانيين قتلوا وإنها اطلعت على تقارير جاء فيها أن العدد قد يتجاوز الألف.
ونقلت «رويترز» عن أحد المصادر أن «الأعداء أرادوا إسقاط الجمهورية الإسلامية وكان من الضروري أن يكون رد الفعل فورياً». وقال مصدر مسؤول رابع، اطلع على الاجتماع، إن خامنئي أوضح أن المظاهرات تستلزم رداً قوياً، مشيراً إلى أن خامنئي «إمامنا مسؤول أمام الله وحده. وهو يحرص على الشعب والثورة. كان في غاية الحزم وقال إن هؤلاء المشاغبين يجب سحقهم».
وقال ناشطون، كما أوضحت تفاصيل كشفت عنها السلطات، إن السلطات الإيرانية استخدمت القوة المميتة بوتيرة أسرع بكثير منذ البداية مقارنة بالاحتجاجات الأخرى في السنوات الأخيرة.
وفي 2009 عندما خرج الملايين في احتجاجات على إعادة انتخاب الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد، سقط عدد يقدر بنحو 72 قتيلاً. وقال مسؤولون إنه عندما واجهت إيران موجات احتجاج بسبب المصاعب الاقتصادية في 2017 و2018 بلغ عدد القتلى نحو 20 قتيلاً.
وقال عضو كبير في «الحرس الثوري» بمحافظة كرمانشاه غرب البلاد إن حاكم المحافظة أصدر تعليمات في اجتماع طارئ عقد في ساعة متأخرة من الليل بمكتبه يوم 18 نوفمبر، وقال مكررا حديث الحاكم: «تلقينا أوامر من كبار المسؤولين في طهران بإنهاء الاضطرابات. لا رحمة بعد الآن. فهم يهدفون لإسقاط الجمهورية الإسلامية. لكننا سنقضي عليهم».
وحمّل حكام طهران من رجال الدين مسؤولية إثارة الاضطرابات لـ«مثيري شغب» على صلة بخصوم النظام في المنفى وبأعداء البلاد الرئيسيين في الخارج.
ووصف خامنئي الاضطرابات بأنها «مؤامرة في غاية الخطورة». وأكد تقرير بثه تلفزيون الدولة بإيران في 3 ديسمبر الحالي أن قوات الأمن أطلقت النار فقتلت مواطنين، وأن «بعض المشاغبين قتلوا في الاشتباكات».
في 27 نوفمبر الماضي، قال وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي، إن المحتجين أضرموا النار في أكثر من 140 موقعاً حكومياً ومئات البنوك وعشرات من محطات الوقود في حين تعرضت 50 قاعدة كانت قوات الأمن تستخدمها للهجوم. وقال الوزير إن ما يصل إلى 200 ألف شخص شاركوا في الاضطرابات في مختلف أنحاء البلاد.

* «رائحة البارود والدخان»

على مدى عشرات السنين حاول النظام الإيراني توسعة نفوذه في مختلف أنحاء الشرق الأوسط؛ من سوريا إلى العراق ولبنان باستثمار قدراتها السياسية والاقتصادية وبدعم فصائل مسلحة. غير أنه يواجه الآن ضغوطاً في الداخل وفي الخارج.
وفي الأشهر الأخيرة وجّه محتجون في مظاهرات شهدتها الشوارع من بغداد إلى بيروت، غضبهم إلى طهران، فأحرقوا العلم الإيراني ورددوا هتافات مناهضة لنظام الحكم الإيراني.
وفي الداخل ازدادت صعوبات الحياة اليومية منذ أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات بعد انسحابها في العام الماضي من الاتفاق النووي بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يتضمن ملف الصواريخ الباليستية وتهديدات إيران الإقليمية.
في معشور بمحافظة الأحواز ذات الأهمية الاستراتيجية، في جنوب غربي إيران، سعى أفراد «الحرس الثوري» بعربات مصفحة ودبابات لاحتواء المظاهرات. وقال تلفزيون الدولة إن قوات الأمن فتحت النار على «المشاغبين» المختبئين في الأهوار. وقالت جماعات حقوقية إنها تعتقد أن معشور شهدت واحدا من أعلى إحصاءات أعداد القتلى في إيران بناء على ما سمعته من سكان في المدينة. وقال المسؤول المحلي: «في اليوم التالي عندما توجهنا إلى هناك كانت المنطقة تمتلئ بجثث المحتجين، خصوصاً الشباب. ولم يسمح لنا (الحرس) بنقل الجثث». وقدر عدد القتلى «بالعشرات».
وكانت وزارة الخارجية الأميركية قالت إنها تلقت مقاطع فيديو لرجال «الحرس الثوري» وهم يفتحون النار دون سابق إنذار على المحتجين في معشور قرب أكبر منشأة للبتروكيمياويات جنوب البلاد. وقالت إنه عندما فرّ المحتجون إلى منطقة الأهوار القريبة طاردهم رجال «الحرس الثوري» وحاصروهم بعربات مثبتة عليها مدافع رشاشة وأطلقوا النار عليهم فقتلوا ما لا يقل عن 100 من المحتجين.
وترفض السلطات الإيرانية الرواية الأميركية. وقد قال مسؤولون إيرانيون إن قوات الأمن في معشور تصدت «للمشاغبين»، ووصفوهم بأنهم تهديد أمني لمجمعات البتروكيماويات ولمسار رئيسي للطاقة كان من شأنه أن يخلق أزمة في البلاد إذا تعطل.
وقال مسؤول أمني لـ«رويترز» إن التقارير التي ترددت عن معشور «مبالغ فيها وغير صحيحة» وإن قوات الأمن تدافع عن «الشعب ومنشآت الطاقة... بالمدينة في مواجهة تخريب الأعداء والمشاغبين».
وروت أمٌ لفتى عمره 16 عاماً، عبر الهاتف، كيف احتضنت جثته التي غطتها الدماء بعد إصابته بالرصاص خلال احتجاجات بمدينة غرب إيران في 19 نوفمبر الماضي. وقالت: «سمعت الناس يتصايحون: (أصيب بالرصاص... أصيب بالرصاص)، فجريت ناحية المتجمهرين ورأيت ابني... لكن الرصاص نسف نصف رأسه». وأضافت أنها كانت قد حثت ابنها، الذي ذكرت أن اسمه الأول هو أمير حسين، على عدم المشاركة في الاحتجاجات لكنه لم ينصت لها.
ونقلت «رويترز» عن مسؤول في مدينة كرج غرب طهران أن الأوامر كانت تقضي باستعمال القوة اللازمة لإنهاء الاحتجاجات على الفور. وقال مشترطاً إخفاء هويته: «الأوامر جاءت من طهران. ادفعوهم للعودة إلى بيوتهم ولو بإطلاق النار عليهم».
وقال سكان من المدينة إنهم تعرضوا لإطلاق النار من أسطح المباني بينما كان عناصر «(الحرس الثوري) والشرطة يشهرون مدافع رشاشة وهم يتنقلون بالدراجات النارية». وقال أحد السكان هاتفياً: «سال الدم في كل مكان... دماء في الشوارع».
وفي مدينة أصفهان القديمة التي يبلغ عدد سكانها مليوني نسمة بوسط إيران فشل وعد الحكومة باستخدام أموال الزيادة في أسعار البنزين لدعم الأسر محدودة الدخل، في طمأنة الناس من أمثال بهزاد إبراهيمي الذي قال إن ابن أخيه أرشد إبراهيمي البالغ من العمر 21 عاماً لقي حتفه بالرصاص خلال الحملة الأمنية. وقال إبراهيمي: «في البداية رفضوا تسليمنا الجثة وأرادوا أن يدفنوه مع آخرين قتلوا في الاحتجاجات». وأضاف: «في النهاية دفناه بأنفسنا لكن في ظل وجود مكثف لقوات الأمن».



مرافعة ترمب للحرب ضد إيران تحت المجهر

ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)
ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)
TT

مرافعة ترمب للحرب ضد إيران تحت المجهر

ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)
ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)

في سياق عرض الرئيس دونالد ترمب ومساعديه، هذا الأسبوع، مبررات شنِّ حملة عسكرية أميركية جديدة ضد إيران، أكدوا أن طهران أعادت تشغيل برنامجها النووي، وأنَّها تمتلك ما يكفي من المواد النووية لبناء قنبلة خلال أيام، وأنَّها تطوِّر صواريخ بعيدة المدى ستصبح قريباً قادرةً على ضرب الولايات المتحدة. غير أنَّ هذه الادعاءات الثلاثة إما خاطئة أو غير مثبتة.

ويقدِّم مسؤولون أميركيون وأوروبيون، ومنظمات دولية معنية بمراقبة الأسلحة، وتقارير صادرة عن أجهزة الاستخبارات الأميركية، صورةً مختلفةً تماماً عن مستوى التهديد الإيراني مقارنة بما عرضه البيت الأبيض في الأيام الأخيرة.

فقد اتخذت إيران خطوات لإعادة بناء أو إزالة آثار الأضرار في منشآت نووية استهدفتها ضربات إسرائيلية وأميركية في يونيو (حزيران)، واستأنفت العمل في بعض المواقع المعروفة منذ زمن للأجهزة الاستخباراتية الأميركية. لكن مسؤولين قالوا إنه لا توجد أدلة على أن إيران تبذل جهوداً نشطة لاستئناف تخصيب اليورانيوم أو لتطوير آلية تفجير قنبلة.

كما أنَّ مخزونات اليورانيوم التي سبق لإيران تخصيبها لا تزال مدفونةً منذ ضربات العام الماضي، ما يجعل من شبه المستحيل أن تصنع إيران قنبلة «خلال أيام».

وتمتلك إيران ترسانةً كبيرةً من الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، القادرة على ضرب إسرائيل وقواعد أميركية في الشرق الأوسط، إلا أنَّ أجهزة الاستخبارات الأميركية تعتقد أن إيران قد تكون على بُعد سنوات من امتلاك صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة.

ومنذ أسابيع، ينقل «البنتاغون» سفناً وطائرات ووحدات دفاع جوي إلى الشرق الأوسط، في إطار أكبر حشد عسكري أميركي في المنطقة منذ أكثر من عقدين. وأثار هذا التصعيد، إلى جانب تهديدات ترمب، انتقادات بأنَّ البيت الأبيض لم يقدم مرافعة علنية واضحة لتبرير نزاع عسكري أميركي ثانٍ في إيران خلال أقل من عام.

وبدأ كبار مسؤولي إدارة ترمب في عرض حججهم، إلا أنَّ عناصر أساسية منها لا تصمد أمام التدقيق، بل إنَّ بعض التصريحات العلنية تضمَّنت تناقضات.

الجنرال دان كين رئيس هيئة الأركان المشتركة إلى اليسار وقادة عسكريون آخرون يحضرون خطاب الرئيس دونالد ترمب عن «حالة الاتحاد» في مبنى الكابيتول بواشنطن يوم الثلاثاء الماضي (نيويورك تايمز)

وحملت تصريحات ترمب في خطاب «حالة الاتحاد» هذا الأسبوع، بشأن خطورة التهديد الذي تمثله القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، أصداء عام 2003، حين استخدم الرئيس جورج دبليو بوش الخطاب ذاته لتبرير الحرب في العراق، مؤكداً أن بغداد سعت للحصول على يورانيوم من أفريقيا لدعم برنامج نووي ناشئ، وهو ادعاء ثبت لاحقاً عدم صحته.

وقال النائب جيم هايمز، أكبر الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، الثلاثاء بعد اجتماع مغلق مع وزير الخارجية ماركو روبيو: «أنا قلق للغاية. الحروب في الشرق الأوسط لا تسير على ما يرام للرؤساء ولا للبلاد، ولم نسمع سبباً وجيهاً يبرر شنَّ حرب أخرى في هذا التوقيت».

الصواريخ الباليستية

يُعتقد أن إيران تمتلك نحو ألفَي صاروخ باليستي قصير ومتوسط المدى. ويقول خبراء إن طهران أعادت إلى حد كبير ملء هذه الترسانة بعد إطلاق مئات الصواريخ على إسرائيل، وأكثر من 10 صواريخ على قاعدة أميركية في قطر، في يونيو. وقد زادت إيران تدريجياً مدى صواريخها، وبات أقواها قادراً على ضرب وسط وشرق أوروبا.

لكن ترمب قال في خطاب «حالة الاتحاد»: «إن إيران تعمل على بناء صواريخ ستصل قريباً إلى الولايات المتحدة الأميركية». وفي اليوم التالي، كرَّر روبيو حديث الرئيس عن سعي إيران إلى تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات، لكنه استخدم صياغةً مختلفةً بشأن التوقيت؛ فبينما قال ترمب «قريباً»، قال روبيو «يوماً ما». وأضاف للصحافيين: «لقد رأيتم أنهم يزيدون مدى الصواريخ التي يمتلكونها الآن، ومن الواضح أنهم يسيرون في مسار قد يُمكِّنهم يوماً ما من تطوير أسلحة تصل إلى الأراضي الأميركية».

وقال 3 مسؤولين أميركيين، مطلعين على معلومات استخباراتية حالية بشأن برامج الصواريخ الإيرانية، إن ترمب بالغ في تصوير مدى إلحاح التهديد. وأشار أحدهم إلى قلق بعض محللي الاستخبارات من تضخيم التهديدات أو تقديم المعلومات بصورة انتقائية أو مشوَّهة عند رفعها إلى المستويات العليا.

إيرانية تمر أمام صاروخ محلي الصنع من طراز «خيبر شكن» ولافتات عليها صور للمرشد الإيراني علي خامنئي (وسط) وقادة القوات المسلحة الراحلين الذين قُتلوا إثر غارة إسرائيلية بشهر يونيو بميدان بهارستان في طهران (نيويورك تايمز)

وخلص تقرير لوكالة استخبارات الدفاع، العام الماضي، إلى أنَّ إيران لا تمتلك صواريخ باليستية قادرة على ضرب الولايات المتحدة، وأنه قد يستغرق الأمر ما يصل إلى عقد لتطوير ما يصل إلى 60 صاروخاً عابراً للقارات، حتى مع بذل جهود مكثفة لتطوير هذه التكنولوجيا. وعندما سُئل روبيو عن التقرير، رفض التعليق.

القلق بشأن الصواريخ الإيرانية ليس جديداً. ففي عام 2010، كشف تقييم سري نشره موقع «ويكيليكس» عن أن الحكومة الأميركية كانت تراقب سراً مساعدات تكنولوجية في مجال الصواريخ قدَّمتها كوريا الشمالية لإيران.

وكانت الصواريخ المعنية متوسطة المدى، قادرة على قطع أكثر من 2000 ميل، بما يكفي لضرب أجزاء من أوروبا. وحصلت إيران على 19 صاروخاً من كوريا الشمالية، وفق برقية دبلوماسية مؤرخة في 24 فبراير (شباط) 2010. وحذَّر مسؤولون أميركيون آنذاك من أن أنظمة الدفع المتقدمة قد تسرّع تطوير إيران صواريخ عابرة للقارات.

لكن بعد 16 عاماً، لا توجد أدلة على أن إيران جعلت برنامجها للصواريخ بعيدة المدى أولويةً قصوى، إذ ركزت بدرجة أكبر على تعزيز ترسانتها من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، بوصفها رادعاً أكثر فاعلية ضد أي جهود إسرائيلية أو أميركية لإسقاط النظام في طهران.

وقد فوّض المرشد الإيراني علي خامنئي مسؤولين للتفاوض مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي، لكنه يصر على أن برنامج الصواريخ غير قابل للتفاوض.

البرنامج النووي الإيراني

قال ستيف ويتكوف، كبير مفاوضي البيت الأبيض في المحادثات مع الإيرانيين، لقناة «فوكس نيوز» إن إيران «ربما يفصلها أسبوع عن امتلاك مواد لصنع قنبلة على نطاق صناعي».

لكن مسؤولين أميركيين ومفتشين دوليين قالوا إن ذلك غير صحيح، نظراً لأن الضربات الأميركية والإسرائيلية في يونيو ألحقت أضراراً جسيمة بالمواقع النووية الثلاثة الرئيسية في نطنز وفوردو وأصفهان.

وجعلت تلك الهجمات من الصعب على إيران الوصول سريعاً إلى الوقود القريب من درجة صنع القنبلة. وحتى لو تم استخراجه، فإن تحويله إلى رأس حربي سيستغرق أشهراً عدة، وربما أكثر من عام.

ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن معظم ما يقرب من 1000 رطل من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60 في المائة مدفون في أصفهان، ولا توجد أدلة تُذكر على أن الإيرانيين يستخرجون الحاويات المدفونة عميقاً.

ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول بواشنطن يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)

ومن دون هذا المخزون، الذي يتطلب تخصيباً إضافياً إلى 90 في المائة قبل تصنيعه في سلاح، يصبح إنتاج قنبلة أمراً شبه مستحيل.

حتى بعض حلفاء ترمب في الكونغرس شكَّكوا في تقدير ويتكوف. وقال السيناتور ماركواين مولين، عضو لجنة القوات المسلحة، على شبكة «سي إن إن»: «لا يمكنني التحدُّث نيابةً عن ستيف. لم أطلع على تلك التقارير. لا أقول إنه مخطئ أو محق، لكنني لم أرَ تلك المعلومات».

وأقرَّ روبيو، الأربعاء، بعدم وجود أدلة على أن الإيرانيين يخصبون الوقود النووي حالياً.

وفي خطاب «حالة الاتحاد»، كرَّر ترمب قوله إن الضربات الأميركية في يونيو «قضت بالكامل» على البرنامج النووي الإيراني، لكنه أكد أن إيران أعادت تشغيله، قائلاً: «إنهم يريدون البدء من جديد، وهم في هذه اللحظة يسعون مرة أخرى إلى تحقيق طموحاتهم».

غيَّر أن مسؤولين مطلعين على تقييمات الاستخبارات الأميركية قالوا إن إيران لم تبنِ مواقع نووية جديدة منذ يونيو، رغم رصد نشاط في موقعين غير مكتملين لم يتعرَّضا للضرب. أحدهما قرب نطنز، والآخر قرب أصفهان، حيث يُدفن معظم مخزون اليورانيوم القريب من درجة صنع القنبلة.

كما تشير تقارير استخباراتية إلى أنَّ مهندسين إيرانيين يدرسون الحفر على أعماق أكبر لبناء منشآت جديدة قد تكون خارج نطاق «القنبلة الخارقة للتحصينات» التي استخدمها «البنتاغون» ضد موقع فوردو، الذي لا يزال غير قابل للتشغيل، وفق مسؤولين أميركيين.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان «قلق للغاية» من خطر تصعيد إقليمي

المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك يتحدث خلال افتتاح الدورة الحادية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف الاثنين الماضي (إ.ب.أ)
المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك يتحدث خلال افتتاح الدورة الحادية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف الاثنين الماضي (إ.ب.أ)
TT

مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان «قلق للغاية» من خطر تصعيد إقليمي

المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك يتحدث خلال افتتاح الدورة الحادية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف الاثنين الماضي (إ.ب.أ)
المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك يتحدث خلال افتتاح الدورة الحادية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف الاثنين الماضي (إ.ب.أ)

أعرب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الجمعة، عن «قلقه البالغ» إزاء خطر تصعيد عسكري إقليمي، في وقت تتعرض فيه إيران لضغوط عسكرية مكثفة من الولايات المتحدة.

وقال فولكر تورك، في كلمته حول أوضاع حقوق الإنسان في العالم أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف: «أنا قلق للغاية من خطر التصعيد العسكري الإقليمي وعواقبه على المدنيين، وآمل أن ينتصر صوت العقل».

ويأتي هذا التصريح عقب جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بشأن الملف النووي بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، التي يُنظر إليها على أنها محاولة أخيرة لتجنب حرب بين الخصمين اللدودين.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد منح طهران، الأسبوع الماضي، مهلة 15 يوماً للتوصل إلى اتفاق، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة أكبر تعزيز عسكري لها في الشرق الأوسط منذ عقود.

كما تطرق تورك إلى الوضع الداخلي في إيران، بعد حملة القمع الواسعة التي نفذتها طهران، الشهر الماضي، ضد موجة من الاحتجاجات، والتي أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص وفقاً لمنظمات حقوق الإنسان.

وقال إن «الوضع في إيران لا يزال غير مستقر» بعد هذه الحملة، مشيراً إلى أن «الأيام الأخيرة شهدت موجة جديدة من الاحتجاجات في الجامعات، ما يدل بوضوح على استمرار المظالم الكامنة».

وأضاف: «لا تزال ترد تقارير عن أعمال قمع، بما في ذلك اعتقالات وضغوط على الأوساط الأكاديمية»، مذكّراً بأن «آلاف الأشخاص ما زالوا في عداد المفقودين».

كما أعرب المفوض السامي لحقوق الإنسان عن «صدمته» إزاء صدور أحكام بالإعدام بحق «ما لا يقل عن ثمانية أشخاص، بينهم طفلان، على خلفية الاحتجاجات».

وأضاف: «يُقال إن 30 شخصاً آخرين يواجهون العقوبة نفسها. وأدعو إلى إجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة وشفافة، وضمان محاكمات عادلة، ووقف فوري لتنفيذ عقوبة الإعدام».


الصين تدعو مواطنيها لتجنّب السفر إلى إيران

لوحة إعلانية معادية لإسرائيل والولايات المتحدة على مبنى في طهران (رويترز)
لوحة إعلانية معادية لإسرائيل والولايات المتحدة على مبنى في طهران (رويترز)
TT

الصين تدعو مواطنيها لتجنّب السفر إلى إيران

لوحة إعلانية معادية لإسرائيل والولايات المتحدة على مبنى في طهران (رويترز)
لوحة إعلانية معادية لإسرائيل والولايات المتحدة على مبنى في طهران (رويترز)

دعت الصين مواطنيها، الجمعة، إلى تجنّب السفر إلى إيران في ظل «ازدياد كبير في المخاطر الأمنية الخارجية» في وقت تهدد الولايات المتحدة بتنفيذ ضربات ضد طهران.

امرأة تمر بجانب العلم وخريطة إيران المرسومة على جدار في طهران في 25 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وقالت الخارجية الصينية في بيان: «في ضوء الوضع الأمني الحالي في إيران، تذكّر الخارجية الصينية وسفارة الصين وقنصلياتها في إيران المواطنين الصينيين بضرورة تجنّب السفر إلى إيران في الوقت الحالي».

وأضافت: «يُنصح المواطنون الصينيون الموجودون حالياً في إيران بتعزيز إجراءات السلامة والمغادرة في أقرب وقت ممكن».