توني موريسون وعالمية النظرة إلى الذات

كتابها الأخير نشر قبيل وفاتها

توني موريسون وعالمية النظرة إلى الذات
TT

توني موريسون وعالمية النظرة إلى الذات

توني موريسون وعالمية النظرة إلى الذات

يشهد العالم اليوم ظواهر وقضايا بعضها حديث وله تاريخ طويل، كقضايا الهجرة الجماعية والتمييز العنصري والهيمنة الاستعمارية، وبعضها الآخر مستحدث أو ما بعد حداثي، كقضايا النظر للهوامش والأقليات والذات والآخر والانتماء والاغتراب والهوية والعولمة والخصخصة والاندماج والتنوع والتعدد، وغيرها مما جاءت به الحقبة ما بعد الكولونيالية، وتبلور مع الثورة الرقمية وما أحدثته من انفجار هائل في أساليب التفاعل الثقافي.
وقد تطرقت إلى هذه القضايا بمجموعها الروائية الأميركية توني موريسون في كتابها الأخير الذي نُشر قبيل وفاتها، وعنوانه «مصدر النظرة إلى الذات: مقالات وخطابات وتأملات مختارة» (The source of self-regard: selected essays, speeches, and meditation)، الصادر في طبعته الأولى عن دار «كنوبف» في الولايات المتحدة الأميركية عام 2019. والكتاب لم يترجم للغة العربية بعد، لكننا ارتأينا أن نقف عنده وقفة قصيرة. وقد يبدو عنوانه للوهلة الأولى متعلقاً بسيكولوجيا الشخصية، والنظرة الإيجابية لها، وسلوكيات تحسين الصورة الذهنية التي بها تتمكن الذات من مواجهة مصاعب الحياة؛ بيد أن الكتاب بصفحاته الثلاثمائة والثماني والستين يصب في باب النقد الأدبي والمثاقفة، وقد جمعت فيه موريسون مقالاتها وتأملاتها وشهاداتها التي كتبتها على مدى عقود مضت، وفيها عالجت مسائل معاصرة وراهنة تتعلق بالانتماء ومفهوم الأجنبي والسيادة وسطوة المال والتمييز ضد النساء والنظرة العنصرية للسود الأميركيين. وهي مسائل عنيت بها الرواية الأميركية المعاصرة بالعموم، وروايات موريسون بالتحديد التي توصف بأنها ما بعد حداثية، ومنها روايتها «العين الأكثر زرقة»، مركزة على ما تعانيه المرأة السوداء من التمييز، مدافعة عن النسوية ودافعة بها نحو الواجهة، نبذاً للتبعية وأنظمة الهيمنة الاستبدادية، وتوكيداً لدور الكتّاب، شعراء ومدونين ومسرحيين، في فضح هذه الأنظمة، وتحطيم إمبراطورية الاستبداد، وأنهم بعملهم هذا لا يقدمون مكافأة للبشرية فحسب، بل هم يؤدون ما هو ضروري للبشرية أصلاً (الكتاب، ص9).
وقد أدت هي نفسها هذا الدور حين ناهضت العنصرية، وكشفت ما تلقاه الأفارقة السود من اضطهاد على أيدي البيض المستعمرين الذين عاملوهم معاملة العبيد، وجعلوا منهم خدماً في مزارعهم، بعد أن جرى استقدامهم بهجرات جماعية كبرى إلى أميركا.
وتمتع موريسون بروح متحررة هو الذي مكّنها من رفض خطاب السلطة، مستشعرة ببصيرة ثقافية نضوب التصورات المركزية، ولا سيما التصورات الفكرية القارة عن الهويات والأصول العرقية.
وقد يبدو عنوان كتابها قريباً من عنوان كتاب تشارلز تايلور «The source of the self: the making of the modern identity»، المنشور باللغة الإنجليزية عام 1989، الذي ترجم إلى اللغة العربية بعنوان «منابع الذات: تكون الهوية الحديثة»، ونشر في مصر عام 2014. لكن اهتمام موريسون لا ينصب على الذات من منطلق عقلاني كانطي، أو من مرجعية سيكولوجية فرويدية، إنما مصدر نظرتها للذات متأت من منطلق ما بعد حداثي، فيه الذات مصطلح دال على (التابع) الذي يريد أن يتحرر من تابعيته، معتمدة في سبيل ذلك خطاباً متعدداً يدحض النظرة الانغلاقية الضيقة، ويستبدل بها نظرة انفتاحية تماشي سياسات الاختلاف والتنوع، لافتة النظر إلى الذوات الهامشية الواقعة تحت تأثير مركزية السلطة، وما فيه من أحادية ونخبوية تستلب هويات الهوامش، ناظرة لهم على أنهم خدم لها، إن لم يكونوا فائضين عن الحاجة.
وقد نظرت موريسون عن كثب للمشهد الثقافي العالمي عموماً، والأفروأميركي تحديداً، واضعة تصوراتها حول نظرة الأميركيين البيض المتعالية للمواطنين من ذوي الأصول الأفريقية، وما يترتب على ذلك من تمييز عنصري، هو امتداد لما عاناه أسلافهم من تمييز خاضوا في سبيل التخلص منه نضالات مريرة. لذا، خصصت موريسون للقس الأميركي مارتن لوثر كينغ مقالاً، قدمت فيه تحيتها له تثميناً لما بذله من جهود في سبيل الدفاع عن حقوق هذه الفئة البشرية.
ومن المقالات التي تطرقت فيها إلى قضية العرق واللون: «الجسد المستعبد والجسد الأسود»، و«العبيد والرقيق»، و«أشياء لا توصف غير معلنة»، و«حضور الأفروأميركي في الأدب الأميركي»، و«وساوس أكاديمية»، و«مع السلامة لكل هذا: العرق والأرحام»، و«العرق وفي الاعتبار»، و«العنصرية والفاشية».
ووقفت باستفاضة عند شخصيات روائية اهتمت بالتهميش والغربة، ومنهم جميس بالدوين، الكاتب المسرحي الأميركي من أصل أفريقي، وقد وجهت له موريسون تحية خاصة أيضاً، بسبب ما تكشفه أعماله من صور التمييز العنصري والجنسي والطبقي الذي يتعرض له السود في المجتمعات الغربية، وبالأخص في أميركا الشمالية.
وخصصت للروائي النيجيري تشينوا أتشيبي وقفة مستفيضة، وهو صاحب رواية «الأشياء تسقط» التي تعد تحفة الأدب الأفريقي الحديث، الذي عرف بمواقفه التحررية ضد الاستعمار والعنصرية.
وتحدثت عن الفنان الأميركي من أصل أفريقي روماري بيردين الذي عمل في الجيش الأميركي، وعرف عن كثب حقيقة افتقار العالم إلى الإنسانية، فكانت كتاباته الأدبية معبرة عن ذلك كله.
وناقشت موريسون أيضاً مسألة الجندر، متناولة شخصيات نسوية، كما في مقالتها «جيرترود شتاين والاختلاف الذي صنعته» التي استطاعت أن تستحدث لوناً أثرى الكتابة القصصية والروائية الأميركية المعاصرة، وقوامه التكرار والتجزئة والإيغال في التبسيط.
ومن مقالاتها التي فيها تطرقت إلى ما يطال المرأة من تمييز جنسي: «صعب وحقيقي ودائم»، و«الوحش الذكر وأمه»، و«الكاتب قبل الصفحة»، و«مشكلة مع النخبة»، و«فوكنر والنساء»، و«مصدر احترام الذات»، و«أخوات خطوة سندريلا»، و«النساء والعرق».
وتتضح عالمية موريسون في الجزء الثاني من الكتاب، في تناولها لقضايا أدبية عامة تتعلق بالإبداع والتخييل والكتابة، كما في مقالاتها «عادة الفن - فنان فردي - الصحافة في الفعل - الدعوة للفن - المتاحف الثقافة والاندماج - لغة الرب - الأدب والحياة العامة - هارلم في ذهني - محاضرة نوبل في الأدب - زمن المستقبل: الأدب وتضاؤل التوقعات - حبر غير مرئي: قراءة الكتابة وكتابة القراءة - موقع الذاكرة - إعادة التذكر - ذاكرة الإبداع»، وموضوعات أخرى عن الحرب حين تكون خطأ والأخلاق والثروة.
ولأن العالم اليوم يتميز بظاهرة الهجرات الجماعية التي تعد تحدياً من تحديات العولمة، وما أخذت تستقطبه من اهتمام النقاد والمفكرين، عنيت موريسون بمناقشة هذه التحديات واقفة عند بعض من رهاناتها، ومنها «وطن الأجنبي»، مبتدئة بالحديث عن تجارة الرقيق التي كانت على أوجها في القرن التاسع عشر، وكيف زالت مع تصاعد الحركات الجماهيرية، والكيفية التي بها تنامت حركة التحرر، لتصل إلى شكلها الأعظم من أي زمن مضى في المرحلة ما بعد الكولونيالية، أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين (الكتاب، ص5).
وشهد العالم خلال هذه المرحلة أيضاً إعادة توزيع المجموعات البشرية، وكان من أسباب هذه الإعادة حركة العمال والمثقفين وهجرات اللاجئين وحملات الجيوش العابرة للمحيطات والقارات.
ولا ترى موريسون العولمة هي اتحاد عمال العالم في أجندات عالمية قديمة، كما أنها ليست العالمية ولا الدولية ولا الإمبراطورية التي تبتغي السيطرة الثقافية (الكتاب، ص6)، وإنما العولمة تطور تاريخي مرحب به بالقوة نفسها التي كان فيها مصير الأممية قد وصل إلى مستوى عظيم في مخيلتنا.
والظاهر أن موريسون لا تنجذب كثيراً للعولمة ولا تعاديها. وتبقى العولمة التي توصف بأنها التيه في فندق ضخم أهم ممثل للمرحلة ما بعد الكولونيالية، التي في ظلها تغيرت كثير من المقاييس المتعلقة بالانتماء والنظرة المقاومة للثوابت الكبرى الشمولية، ومركزيات العقل والتاريخ واللغة والعلم وقضايا الهامش، وما يتعرض له من قمع وإبادة وعنف وحرمان.
وإذا كانت العولمة تهيئ الأجواء للمطالبة بالمساواة وعدم التمييز والتعدد والتنوع في اللغات والاعتراف بثقافة الأقليات، فإنها يمكن أن ترتهن بالفوضى، وما يرتبط بذلك من مخاطر تحددها الكاتبة في تجاهل الحدود، واختراق البنى التحتية الوطنية، وخلخلة البيروقراطية المحلية، والرقابة على الإنترنت، والرسوم الجمركية والقوانين واللغات. وتشير إلى خطر آخر تمثله العولمة، وهو تشويه الرأي العام، وتدمير القطاع الخاص، من خلال خصائصها الهائلة، كمحو اللغات الأصلية، والإزالة لخصوصيات التسويق وأغراضه. وهو ما يتطلب التخلي عن كثير من متطلبات التفاعل الحكومي والسياسي والتجاري والاحتياجات الأمنية عبر الخصخصة في شروط التطبيقات والسجون ومراقبة الشركات الخاصة للمنشآت العامة والمدارس العامة والقاعات والحدائق والملاعب والشواطئ، الأمر الذي يجعل حياتنا أشبه بمخازن عرض ترتب كديكورات منزلية لا يميز داخلها من خارجها. وهكذا، يؤدي هذان العاملان، الخصخصة والعولمة، إلى طمس أو تهشيم مفهومنا للوطن.
ومن ثم، تتساءل موريسون لأجل أي شيء يكون ولاؤنا؟ وهل أن ما يقلقنا ويشعرنا بعدم الارتياح من الأجنبي الذي نواجهه بمشاعر الغضب هو اللغات أو الثقافات أو الأجناس أو الدين أو الأعراق؟ وهل نحن سنكون ببساطة متسامحين ودودين وعالميين لكي نقرر أين ننتمي؟ وما اقتناعنا بما نفعل؟ وبشكل آخر: ما المشكلة مع الغربة؟
واختارت موريسون للتعليق على هذه الأسئلة روايات كتبت في الثلاثينات والخمسينات، أرادت أن تصب في تحليل هذه الروايات ما أثمرت عنه قراءتها للأدب الأفريقي، مستكملة به تجوالها في أدب الغربة المعاصر، وما فيه من (مشكلات الأجنبي الغريب في الفندق الكولونيالي)، مبينة أنّ الكتّاب الأفارقة ليسوا وحدهم المعنيين بالعولمة والغربة، لكنهم يمتلكون في مواجهتها تاريخاً فريداً طويلاً، فيه الفرد يوجد في وطن هو نفسه منفى.
ومن تلك الروايات رواية «The Radiance of the King»، للكاتب غيني كامارا لاييه (1928-1980)، وقد كتبها بالفرنسية عام 1954، وكرس فيها موضوع الغربة داخل الوطن وخارجه، معالجاً إياه معالجة مجازية وسيكولوجية ضمن أطر محلية ووطنية وآيديولوجية، فيها تشتبك الثقافات بحثاً عن الانتماء. وتدور أحداثها حول رحلة يقوم بها كلارنس، الرجل الأبيض المفلس، في أفريقيا السوداء، في محاولة للوصول إلى الحكمة العميقة التي فيها يجد البطل خلاصه ونعيمه وحريته، شاعراً بالنبض في قلبه الشاب بسبب الكلمات التي ترحب به، والدالة على الانتماء: ألا تعلم أنني كنت بانتظارك؟ (الكتاب، ص13)
ومما وجدته موريسون أن كامارا تمكن من المحاكاة باستعمال الاستعارة الأدبية التي تستنسخ تصورات أفريقية حساسة دقيقة للغربة، وقد حددتها موريسون في التهديد - الفساد - الغموض، واجدة أنها «كلها تضغط علينا لننكر الأجنبي في نفوسنا، ونصنع مقاومة تموت بها كل القواسم البشرية المشتركة».
إن نظرة موريسون الانفتاحية للذات تتضح أكثر وهي تنظر للآخر بعيداً عن العنصرية والفاشية والاستهلاك، مؤكدة أن مقياس قيمتنا كبشر هو إنسانيتنا وتعاطفنا.
- أكاديمية وناقدة عراقية



«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
TT

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)
الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

يفتتح علاء ميناوي مسرحية «الأرض الحرام» بجملة تُحدّد موقعه داخل العرض: «يجب ألا أكون هنا... انفجار مرفأ بيروت دفعني لأكون على خشبة المسرح (...). صعب أن نتكلّم، وصعب أكثر أن نسكت عمّا جرى».

منذ البداية، تضع هذه الجملة الجسد داخل مساحة لا تعترف بأحد. ميناوي، «لبناني لجهة الأب وفلسطيني لجهة الأم»، يقدّم نفسه على أنه يجمع «المجد من طرفيه»، ثم يترك هذا «المجد» يتصدَّع على الخشبة. يُعرّضه للتفكّك تحت شروط مكان لا يمنح استقراراً نهائياً.

«الأرض الحرام» لا تمنح الإنسان ما يكفي ليطمئن ولا ما يكفي ليغادر (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land» ليست خريطة تُرسَم بحدود محسومة. هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر، ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما. يشرح ميناوي الفكرة بجملة تُشبه البوصلة المكسورة: «أبحثُ عن مكان في جهة لا تُشرق منها الشمس، وفي جهة لا تُغرب منها الشمس... لستُ أرغب في أن أكون هنا ولا هناك، ولا أستطيع أن أكون هنا ولا هناك».

بهذا المعنى، «الأرض الحرام» هي منفى داخل المنفى. منطقة يتعطَّل فيها القانون، وتغيب السيطرة، ثم تبقى الأجساد وحدها أمام مفهوم المكان؛ حيث يتوه المرء أين يضع نفسه حين تُحرَّم عليه الجهات كلّها.

على «مسرح المدينة» في بيروت، يُفتَح المسرح بلا حدود تفصل الخشبة عن الجمهور. هذا الخيار يدفع المتلقّي إلى ملامسة الفكرة جسدياً. فالفراغ الذي تتحدَّث عنه المسرحية يمتدّ إلى مساحة الرؤية، كأنَّ «الحدود» لم تعد خطاً على الأرض، وصارت علاقة قاسية بين عين تراقب وجسد يُجرَّب.

داخل هذا الانفتاح، يُمثّل وجدي خالد الجسد العربي الباحث عن مكانه في «الأرض الحرام». الجسد الذي لا ينسى. لا يُشار إلى «فلسطين» بالاسم دائماً، فتحضر عبر عناق قهري للرمال التي افترشت أرض المسرح، وتحوَّلت إلى جزء من السينوغرافيا كأنَّ القبور مفتوحة. وحين يُلَفّ الجسد بالأكياس بعد أن يصير جثة، تتوالد هذه الأكياس بلا نهاية، كأنّ الموت نفسه يتكاثر ولا يصل إلى خاتمة.

الخشبة المفتوحة تُسقِط الحدود وتترك الجسد أمام امتداد لا ينتهي (الشرق الأوسط)

الجسد في هذه «الأرض» غير المحدَّدة تماماً جغرافياً يراوح بين ثلاثة مصائر. هو جسد محارب، أو جسد هارب، أو جسد ينسحب من العالم إلى عالم آخر مُلتبس بين لا هنا ولا هناك. وجدي يُمثّل قصصاً عاشها الجسد المُثقل، واستحال نسيانها، ثم يضع ذاكرته على الرمل كما لو أنها مادة تُشكَّل.

ميناوي يقول إنّ السينوغرافيا ينبغي أن تكون منتهية قبل بدء العرض، فإذا بوجدي يُعيد تشكيلها خلاله بما يوحي للجمهور بأنَّ الزمن يتوقَّف ثم يُستأنف. تتحوَّل الخشبة إلى ورشة دفن وبناء، وكلّ حركة على الرمل تُعيد رسم المكان الذي لم يجده وجدي لبداية مُحتَملة.

تتوقَّف المسرحية عند كلمة «Amygdala»، وتُترجَم إلى «اللوزة الدماغية». إنها المنطقة الصغيرة التي تُدير خوف الإنسان واستجاباته الانفعالية، وتُخزّن أثر الصدمة في الجسد قبل أن تصير حكاية. حضور المفردة يوسِّع فكرة «الأرض الحرام» إلى داخل الرأس، ليقول العرض إنّ الحدود لا تمرّ على الخرائط وحدها، وإنما أيضاً في الدماغ، وفي ذاكرة الخطر التي تُبقي الجسد رهن حالة إنذار. يُلمح ميناوي لقوة الدماغ، وبأنه الحارس القاسي للحياة، والحارس القاسي للوجع معاً. الصدمة التي لا تُهضَم تتحوَّل إلى نظام، والخوف يصير بيتاً مؤقتاً، و«الأرض الحرام» حالة عصبية مزمنة يعيشها الإنسان وهو يبحث عن مكان يُهدِّئ روحه.

الجسد على الخشبة يختبر معنى أن يكون موجوداً في مكان لا يعترف به (الشرق الأوسط)

في مشهد النَّكْش بالرمل، تنخرط الحركة في طَقْس يُشبه نشوة داخل القهر، كأنّ الحَفْر محاولة للعثور على أثر، أو لاستحضار ما دُفن، أو للتصالح مع ألم لا ينتهي. وجدي ليس وحيداً، فـ«الموتى يُغنّون له». أصوات كارول عبود وعمر ضو وضنا مخايل تُسمَع وهو يتكوَّر على أرض المسرح مثل طفل، فتغدو الذاكرة جماعية، وتتحوَّل العزلة إلى جوقة.

ميناوي حكواتي أكثر منه ممثلاً. ينسج السرد ويقوده، ويقترح المعنى عبر خطاب مباشر أحياناً. قوة «الأرض الحرام» كانت لتتكثَّف لو ظلَّت رمزية، وأبقت الباب مفتوحاً لإسقاطات تمسّ كلّ إنسان معذَّب بالظلم في هذا العالم المتوحّش، الفلسطيني وغيره، خصوصاً مع الإشارة إلى السودان ودارفور. وبانزلاق بعض المقاطع إلى خطاب أقرب إلى التقريرية، مثل السخرية من الدور الأميركي الذي جاء و«معه الحرّية»، أو إدانة فنانين لم يُسجّلوا موقفاً مؤيّداً لفلسطين، أو إعادة طرح سؤال «ماذا فعلتَ أنت؟»، أو المرور على مَن اكتفوا برمز البطيخ في «إنستغرام»، ضاق هامش التأويل، واتّجه المعنى نحو أدلجة تُقيّد المتلقّي بدل أن تحرّره.

الكيس البلاستيكي يترك ملامح الجسد عالقة بين الحضور والغياب (الشرق الأوسط)

مع ذلك، حافظت السينوغرافيا (ميناوي بمساعدة حسن مراد) والإضاءة (ميناوي) واللمسة الإخراجية على قوة العرض ورمزيته، خصوصاً في مشهدَي الرمال والكيس البلاستيكي. هذا الجهاز البصري كان يكفي ليحمل العبء السياسي من دون أن يُقال مباشرة. وتبلغ الدرامية ذروتها مع وضع وجدي الكوفية على كتفيه وكتف ميناوي بختام العرض، في صورة تُعيد تثبيت موقع الجسد داخل هذا الفراغ الذي اشتغل عليه العمل منذ بدايته، حيث يبقى حاملاً لذاكرته، وماثلاً داخل مساحة لا تُعيده إلى نقطة سابقة ولا تنقله إلى موقع جديد، وتُبقيه في حالة حضور مستمرّ داخل هذا التعليق.


أطعمة تتسبّب بالجوع والعطش... تعرّف عليها وتجنّبها في رمضان

TT

أطعمة تتسبّب بالجوع والعطش... تعرّف عليها وتجنّبها في رمضان

بعض الأطعمة التي تتسبب بالجوع والعطش (بكسلز)
بعض الأطعمة التي تتسبب بالجوع والعطش (بكسلز)

إذا كان تناولُها، خلال أيام السنة، ممكناً، فمن المستحسن تفاديها في شهر الصيام. ما تلك الأطعمة والمشروبات التي تثير الجوع والعطش؟ وهل هناك بدائل تمنح شعوراً بالارتواء والشبع؟

وفق حوار أجرته «الشرق الأوسط» مع خبيرة التغذية جويل نهرا، ثمّة خطّان أحمران في هذا المجال هما الملح والسكّر. يتسبّب الأول بالعطش، أما الثاني فيحفّز الشعور بالجوع. وتنضمّ إلى السكّر النشويّات، لذلك فإنّ التخفيف منها على الإفطار والسحور وما بين تلك الوجبتَين، يساعد في الوقاية من العطش والجوع خلال ساعات الصيام.

الملح مسؤول عن العطش والسكّر يتسبب بالجوع (بكسلز)

أطعمة تتسبّب بالجوع

في طليعةِ ما تحذّر منه نهرا، الحلويات والنشويّات البيضاء مثل الخبز، والباستا، والمعجّنات، والأرز الأبيض؛ لأنها ترفع منسوب السكّر بالدم ثم تخفضه بسرعة، ما يتسبب بشعور الجوع. تقول خبيرة التغذية: «عندما يكون السحور عبارة عن نشويّات بيضاء فقط وخالياً من البروتين، سيُصيبنا الجوع حُكماً بعد ساعات قصيرة».

* الكرواسان والكيك وسائر الحلويات

لعلّ الحلويات هي أكثر ما ترغبه العين والمعدة بعد ساعات الصيام الطويلة، إلا أنها أكثر ما يتسبب بالجوع، بعد مرور وقتٍ قصير على تناولها. ربما يوحي الكرواسان مثلاً بالشبَع والامتلاء، لكن كل ما يحتوي من طحين أبيض ودهون غير صحية وسكّر يتسبب بردّ فعل عكسي.

السكّر الذي في الكيك والكنافة والبقلاوة وسائر الحلويات الشرقية والغربية، ينشّط مسارات المكافأة والشهية في الدماغ بطريقة مختلفة عن مصادر الطاقة الأخرى. ووفق دراسة أجرتها جامعة ييل، فإن جميع مناطق الدماغ المسؤولة عن الرغبة في الطعام تسترخي بعد الأكل. لكن عند تناول الحلويات، تبقى هذه المناطق نشطة وغير مكتفية.

الحلويات تنشّط مناطق الدماغ المسؤولة عن الرغبة في الطعام (بكسلز)

أما الدهون غير الصحية، كتلك الموجودة في المخبوزات، فتُظهر الأبحاث أن الجسم لا يتعرّف عليها فوراً كمصدر مفيد للطاقة. ما يحصل بعد تناولها هو أن الجسم يخزّن سُعراتها الحرارية بدل تشغيلها، ومن ثم لا تُرسل إشارة إلى الدماغ بأنّ الشعور بالجوع قد انتهى.

نصيحة

تنصح خبيرة التغذية هنا بالتخفيف من تناول الحلويات يومياً قدر المستطاع، والاستعاضة عنها بالفاكهة الغنية بالألياف مثل التفاح بقشره والجوافة، والتمر، والمكسّرات النيئة، والشوكولاته الداكنة.

الحلويات تتسبب بالجوع أما التمر والمكسرات النيئة فيمنحان شعوراً بالشبع (بكسلز)

* الخبز والأرز والباستا وسائر النشويّات البيضاء

لا تكاد تخلو مائدة إفطار من طبق المعجّنات كالفطائر والرقائق والبيتزا. وهل يمكن تصوّر الطبق الرئيسي دون الأرز الأبيض المرافق له؟

لكنّ الخبر غير السار هو أنّ تلك النشويّات البيضاء كافةً ترفع منسوب السكّر في الدم وتخفضه بسرعة قياسية، ما يؤدي إلى الجوع من جديد. فعندما تفرط في تحميل جسمك بالكربوهيدرات البسيطة، يبدأ البنكرياس العمل بأقصى طاقته لإنتاج الإنسولين، ما يخفض مستويات السكر بالدم ويؤدّي إلى الشعور بجوع شديد.

النشويّات والمعجّنات ترفع منسوب السكّر بالدم وتخفضه بسرعة ما يؤدّي إلى الجوع (بكسلز)

نصيحة

استبدل بالخبز الأبيض ذلك المصنوع من طحين القمح الكامل. أما الأرز الأبيض فيمكن استبدال الأرز البسمتي أو الأسمر به. وهذا ينطبق على الباستا التي يمكن اختيار السمراء منها؛ أي المصنوعة من القمح الكامل. فالحبوب الكاملة تحتوي على الألياف والعناصر الغذائية القادرة على منح شعورٍ بالشبع.

الأرز الأسمر هو البديل الصحي عن الأرز الأبيض (بكسلز)

* البطاطا المقليّة والتشيبس

تنتمي البطاطا المقليّة المثيرة للشهيّة إلى فئة النشويّات المشبعة بالدهون غير الصحية. وليس صدفةً أن تشعر برغبة في تناول الحلويات بعد إفراغك كيس التشيبس. فرقائق البطاطا وسائر الوجبات الخفيفة المالحة ليست سوى كربوهيدرات بسيطة سريعة الهضم، تتسبب بارتفاع مستويات الإنسولين ثم انخفاضها.

نصيحة

يمكن اعتماد البطاطا المشويّة في الفرن مع قليل من زيت الزيتون والملح والبهار والأعشاب المعطّرة.

كلّما تَضاعفت الدهون غير الصحية والسكّر وبدائله في الطعام والشراب، زاد احتمال أن تتسبب بالجوع بعد وقت قصير على تناولها. وينضمّ إلى قائمة الأطعمة والمشروبات المؤدية إلى الجوع العناصر التالية:

- الوجبات السريعة (فاست فود)

- حبوب الفطور بالمُحلِّيات الصناعية (كورن فليكس)

- بياض البيض

- الزبادي قليل الدسم

- عصير الفاكهة المشبع بالسكّر

- المشروبات الغازية العادية وتلك الخالية من السكّر

على عكس ما هو شائع فإنّ المشروبات الغازية تتسبب بالجوع (بكسلز)

أطعمة تتسبّب بالعطش

* الملح ومُلحقاته

كثيرة هي الأطعمة والمشروبات التي تتسبّب بالعطش، على رأسها كل ما هو مالح. فمن المعروف أن أحد الآثار الجانبية للصوديوم احتباس السوائل والتسبب بالجفاف والعطش. وتُحذّر خبيرة التغذية جويل نهرا، في هذا السياق، من المأكولات المملّحة، ولا سيّما رقائق البطاطا (التشيبس)، والمكسّرات المالحة، وسواها من وجبات خفيفة غنية بالملح. «خلال الصيام، ولا سيّما على وجبة السحور، من المستحسن الاستغناء عن الملح قدر المستطاع، بما أنّ المبالغة في تناوله سوف تتسبّب للصائم بالعطش طيلة ساعات النهار»، كما تقول نهرا. وتُضاف إلى لائحة الأطعمة المالحة: صلصة الصويا، والمخلّل أو الكبيس، والزيتون.

كل الأطعمة الغنية بالملح تتسبب بالعطش (بكسلز)

* الدهون والأطعمة المقليّة والمصنّعة

مِن بين الأطعمة المسببة للعطش كذلك، المأكولات المقليّة وتلك الغنية بالدهون غير الصحية مثل الوجبات السريعة واللحوم المصنّعة. وتوضح نهرا أن «هذا النوع من الأكل يبطئ عملية الهضم فينشغل الجسم بمعالجة الكمية الكبيرة من الدهون، وهذا يضاعف الشعور بالجفاف».

تُضاف إليها المشروبات المصنّعة كالعصائر المحلّاة ومشروبات الطاقة وتلك الغازيّة؛ «لأنها ترفع منسوب السكّر في الدم وتخفضه بسرعة فتخسر الخلايا المياه بسبب ذلك»، وفق نهرا.

تفادي الوجبات السريعة خلال الصيام لأنها تؤدي إلى العطش (بكسلز)

* القهوة

الفنجان الأحبّ إلى قلب الجميع فنجان القهوة الذي يفتتح به كثيرون الإفطار ويختمون السحور، هو في صدارة مسبّبات العطش. فالكافيين مادة مجفّفة بطبيعتها، ما يعني أنّ المشروبات الغنية بالكافيين، حتى وإن كانت ممزوجة بالماء، تسبب العطش. وتنضمّ إليها المشروبات الغازية الغنية هي الأخرى بالكافيين.

الكافيين مادة مسببة للجفاف والعطش (بكسلز)

نصائح لتفادي العطش في رمضان

تنصح نهرا بشُرب كمية كافية من المياه (بمعدّل 2 لتر) وتوزيعها على الساعات الممتدة ما بين الإفطار والسحور. كما تدعو الصائمين إلى التركيز على الخضراوات وإضافتها إلى كل وجبة لأنها غنية بالسوائل. أما القهوة فمن المفضّل اقتصارها على فنجان واحد بعد الإفطار وليس قبل السحور أو خلاله.


«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
TT

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا» اليوم الأحد، بعد أن حصد ست جوائز، من بينها جائزة أفضل فيلم وجائزة أفضل مخرج لبول توماس أندرسون.

وتفوق الفيلم على منافسه الفيلم البريطاني «هامنت» الأكثر شعبية داخل البلاد، وفيلم الإثارة «سينرز» (الخطاة) الذي يحمل رقما قياسيا في عدد الترشيحات لجوائز الأوسكار، في الفئتين الرئيسيتين للحفل الذي حضره الأمير وليام والأميرة كيت كضيفي شرف.

وقال أندرسون «اقتبسنا عبارة من نينا سيمون في فيلمنا، وتقول: 'أعرف ما هي الحرية، هي انعدام الخوف'». وتابع «لذا فلنستمر في صناعة الأشياء دون خوف، إنها فكرة رائعة».

وفاز أندرسون بجائزة أفضل سيناريو مقتبس، بينما تفوق شون بن على زميله في البطولة بينيشيو ديل تورو، من بين آخرين، ليفوز بجائزة أفضل ممثل مساعد. وفاز الفيلم، الذي نال استحسان النقاد، بجائزتي أفضل تصوير سينمائي وأفضل مونتاج، ليحصد ست جوائز في المجمل.

وفاز فيلم «سينرز»، الذي حصل على 16 ترشيحا لجوائز الأوسكار، بجائزة أفضل سيناريو أصلي للكاتب والمخرج رايان كوجلر وجائزة أفضل ممثلة مساعدة لوونمي موساكو وجائزة أفضل موسيقى تصويرية أصلية.

مفاجأة في فئة أفضل ممثل

جاءت المفاجأة الأكبر بفوز روبرت أرامايو بجائزة أفضل ممثل عن أدائه المتميز لشخصية جون ديفيدسون، الناشط في مجال التوعية بمتلازمة توريت، في فيلم «آي سووير» (أقسم)، متفوقا على تيموثي شالاميه وليوناردو دي كابريو ومايكل بي جوردان وإيثان هوك وجيسي بليمونز.

وتسلم أرامايو الجائزة، وهي الثانية له في الحفل بعد فوزه بجائزة أفضل ممثل صاعد، وهو يبكي وقال «لا أصدق ذلك على الإطلاق». وعند سؤاله قبل الحفل عما سيكون شعوره إذا فاز قال «بصراحة، لم أفكر بعد في الأمر ، أشعر فقط أنني محظوظ جدا لوجود اسمي ضمن هذه القائمة».

وفازت جيسي باكلي، التي كانت المرشحة الأوفر حظا، بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت»، المقتبس عن رواية ماغي أوفاريل، ومالذين إخراج كلوي تشاو، الحائزة على جائزة الأوسكار. وفاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم بريطاني، لكنه لم يفز بالجائزتين الرئيسيتين، ومنها جائزة أفضل فيلم، إذ كان يعتقد أن كونه فيلما بريطانيا سيكون عاملا مؤثرا في فوزه.

ومثل حفل توزيع الجوائز، الذي قدمه آلان كومينج، أول ظهور رسمي مشترك للأمير وليام وكيت ميدلتون منذ اعتقال عم الأمير وليام، آندرو ماونتبتن-وندسور، يوم الخميس. وقدم الأمير وليام، الذي يشغل منصب رئيس الأكاديمية، جائزة زمالة بافتا إلى دونا لانغلي رئيسة استوديوهات «إن.بي.سي يونيفرسال».