ملايين السودانيين يملأون شوارع المدن احتفالاً بالثورة ودعماً لحمدوك

قطار يحمل متظاهري الخرطوم إلى عطبرة محل اشتعال الثورة الأول

متظاهرو الخرطوم لدى وصولهم إلى مدينة عطبرة التي أشعلت فتيل الثورة قبل عام (أ.ف.ب)
متظاهرو الخرطوم لدى وصولهم إلى مدينة عطبرة التي أشعلت فتيل الثورة قبل عام (أ.ف.ب)
TT

ملايين السودانيين يملأون شوارع المدن احتفالاً بالثورة ودعماً لحمدوك

متظاهرو الخرطوم لدى وصولهم إلى مدينة عطبرة التي أشعلت فتيل الثورة قبل عام (أ.ف.ب)
متظاهرو الخرطوم لدى وصولهم إلى مدينة عطبرة التي أشعلت فتيل الثورة قبل عام (أ.ف.ب)

خرج شعب السودان عن بكرة أبيه إلى الشوارع والساحات العامة في الخرطوم وعواصم ومدن ونجوع وقرى البلاد، في حشد يعد الأكبر من نوعه على الإطلاق في تاريخ البلاد، احتفالاً بانتصار الثورة التي أسقطت نظام المعزول عمر البشير في ذكراها الأولى، وتأييداً ودعما للحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء «عبد الله حمدوك».
ووافق أمس 19 ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى انتفاضة مدينة عطبرة العمالية شمال السودان، والتي مثلت علامة فارقة في تاريخ الحراك الشعبي الذي هزم نظام البشير المعروف باسم «الإنقاذ»، وخلاله طردت الجماهير الثائرة القوات الأمنية التابعة للنظام من المدينة بعد مواجهات دامية، وأحرقت دار الحزب الحاكم وقتها «المؤتمر الوطني»، وقدمت العديد من الشهداء، لتعلن بداية العد التنازلي لسقوط النظام الحاكم.
ورداً لجميل المدينة المدونة في تاريخ الثورات، تحرك قطار من الخرطوم، وعشرات الباصات السفرية وهي تحمل الآلاف من الثوار إلى عطبرة، للالتحام بسكان المدينة التي أحرقت النظام المعزول حين ارتفعت ألسنة اللهب من داره المحترقة، وحين تخضبت شوارعها بدماء الشهداء، والاحتفال بالذكرى الأولى للثورة هناك.
ورغم مغادرة عشرات الآلاف إلى عطبرة، فإن الخرطوم تقاطرت جموعها من كل الأنحاء إلى مركز المدينة، لتبدأ حفل انتصاراتها بتحية لأسر شهداء الثورة، في دارهم بشارع البلدية جوار المحكمة الدستورية.
وبعد أداء فروض الولاء للشهداء، توجهت المواكب الحاشدة القادمة من المدن الثلاث «الخرطوم، الخرطوم بحري، أم درمان» وتقدر أعدادها بالملايين، وامتدت على طول شارع «أفريقيا» إلى منصة الاحتفال بساحة «الحرية»، ولحقت بهم مواكب قادمة من أحياء غرب وجنوب وشرق الخرطوم، لترسم لوحة تعد الأكبر في تاريخ البلاد التي لم تشهد تجمعاً بهذا الحجم من قبل.
ليست الخرطوم وحدها من جمعت ملايينها للاحتفاء بالثورة، فقد انتظمت الحشود المحتفلة بالثورة في كل السودان، واستهلت المهرجان مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان، التي خرج سكانها عن بكرة أبيهم، ومنذ الصباح الباكر إلى الشوارع، يرددون الهتافات التي تمجد صمود الشعب وتضحياته.
وخرجت الملايين في مدن «كسلا، بورتسودان، القضارف، مدني، سنار، الدمازين، وولايات دارفور بأكملها»، إلى الشوارع مهللة وفرحة بالنصر العظيم الذي تحقق للشعب في ثورته المجيدة.
وحملت الجماهير الهادرة في شوارع الخرطوم والولايات لافتات تطالب بالقصاص لشهداء الثورة السودانية، وبتفكيك مراكز نفوذ النظام السابق في الدولة، ومحاكمات عاجلة لرموزه، وتشكيل المجلس التشريعي، وتؤكد في الوقت نفسه دعمها لحكومة رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك.
وسلمت الجماهيرية الكبيرة مذكرة «أسر الشهداء» لوزير مجلس الوزراء عمر مانيس، والذي أكد بدوره التزام الحكومة بإنفاذ القصاص وتقديم المتورطين في دم وأرواح الشهداء للعدالة.
وقال مانيس في كلمته للجماهير: «أعضاء حكومة الثورة يعلمون أنهم خدام لهذا الشعب العظيم»، وأضاف: «ثورة ديسمبر المجيدة كانت ملحمة وطنية ساهمت فيها جميع شرائح الشعب السوداني، بما في ذلك ذوو الاحتياجات الخاصة».
وأكد مانيس أن دماء الشهداء من أبناء السودان، لن تضيع سدى، وأن تأخذ العدالة مجراها، وأن القصاص من القتل سيكون عادلاً بحق أسر الضحايا، وأضاف: «الثورة لن تخبو نارها، طالما هنالك شباب يسكب روحه زيتاً كقنديل الأمل الذي يضيء سديم الجراح».
وبدأ الحراك الشعبي في 13 ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، واستمر أشهراً متواصلة، تنقلت فيها مواكب الاحتجاجات بكل مدينة وحي في السودان، حتى حاصرت الجماهير النظام في معقله أمام قيادة الجيش في الخرطوم، وقيادات القوات في الولايات 6 أبريل (نيسان) الماضي، معلنين اعتصامهم السلمي الشهير الذي هز ضمير العالم، وضجت شوارع البلاد بمطالبات بإسقاط النظام الذي حكم البلاد ثلاثين عاماً، ومطالبين بالانتقال لحكم مدني.
ودُوّنت الهتافات التي نادى بها الثوار في سجل تاريخ البلاد، وأبرزها: «حرية سلام وعدالة الثورة خيار الشعب، تسقط تسقط بس، يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور»، وغيرها من الهتافات والشعارات التي ابتكرها الخيال الثوري، فهزت مراقد رموز النظام وقادته.
وتدخل الجيش في 11 أبريل وأعلن عزل رأس النظام عمر البشير، وأعلن تنحية البشير من الحكم وتكوين مجلس عسكري انتقالي برئاسة نائب البشير عوض بن عوف، لكن الثوار اعتبروه «انقلاب اللجنة الأمنية»، وواصلوا احتجاجهم واعتصامهم، واضطروه للتنحي في اليوم الثاني، ليتدون في تاريخ البلاد أقصر فترة حكم، ويتكون مجلس عسكري جديد برئاسة عبد الفتاح البرهان وعضوية آخرين، ودخل في تفاوض متطاول مع قيادات قوى إعلان الحرية والتغيير من أجل تسليم السلطة للشعب وتكوين حكومة مدنية.
وواجه المعتصمون ببسالة نادرة مدعومين بضباط برتب صغيرة من الجيش، محاولات «كتائب الظل» التابعة للنظام «فض الاعتصام»، إلى أن اضطرت قيادة الجيش للانحناء لمطالب الجماهير، بيد أن المعتصمين واصلوا اعتصامهم، وتعهدوا بعدم فضه قبل تكوين الحكومة المدنية.
بيد أن قوات مكونة من الجيش والدعم السريع والشرطة والأمن، هاجمت المعتصمين عشية عيد الفطر المبارك 3 يونيو (حزيران) الماضي، وفضت الاعتصام مستخدمة القوة المفرطة ضد المعتصمين السلميين، وشهد الميدان فظائع تضمنت قتل أكثر من 130 من المعتصمين، وجرح المئات، واغتصاب النساء والرجال، ما وسع الهوة بين الجيش والمواطنين بشكل عام، وتوقف التفاوض بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير.
ثم تدخلت وساطة أفريقية إثيوبية، أعادت الأطراف لمائدة التفاوض، وتم توقيع الوثيقة الدستورية والإعلان في 17 أغسطس (آب) الماضي، وتم تشكيل حكومة مدنية برئاسة عبد الله حمدوك ومجلس سيادة من 11 عضوا مناصفة بين العسكريين والمدنيين، وشخصية متوافق عليها، إيذانا بفترة انتقالية طولها ثلاث سنوات وثلاثة أشهر.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.