ملايين السودانيين يملأون شوارع المدن احتفالاً بالثورة ودعماً لحمدوك

قطار يحمل متظاهري الخرطوم إلى عطبرة محل اشتعال الثورة الأول

متظاهرو الخرطوم لدى وصولهم إلى مدينة عطبرة التي أشعلت فتيل الثورة قبل عام (أ.ف.ب)
متظاهرو الخرطوم لدى وصولهم إلى مدينة عطبرة التي أشعلت فتيل الثورة قبل عام (أ.ف.ب)
TT

ملايين السودانيين يملأون شوارع المدن احتفالاً بالثورة ودعماً لحمدوك

متظاهرو الخرطوم لدى وصولهم إلى مدينة عطبرة التي أشعلت فتيل الثورة قبل عام (أ.ف.ب)
متظاهرو الخرطوم لدى وصولهم إلى مدينة عطبرة التي أشعلت فتيل الثورة قبل عام (أ.ف.ب)

خرج شعب السودان عن بكرة أبيه إلى الشوارع والساحات العامة في الخرطوم وعواصم ومدن ونجوع وقرى البلاد، في حشد يعد الأكبر من نوعه على الإطلاق في تاريخ البلاد، احتفالاً بانتصار الثورة التي أسقطت نظام المعزول عمر البشير في ذكراها الأولى، وتأييداً ودعما للحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء «عبد الله حمدوك».
ووافق أمس 19 ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى انتفاضة مدينة عطبرة العمالية شمال السودان، والتي مثلت علامة فارقة في تاريخ الحراك الشعبي الذي هزم نظام البشير المعروف باسم «الإنقاذ»، وخلاله طردت الجماهير الثائرة القوات الأمنية التابعة للنظام من المدينة بعد مواجهات دامية، وأحرقت دار الحزب الحاكم وقتها «المؤتمر الوطني»، وقدمت العديد من الشهداء، لتعلن بداية العد التنازلي لسقوط النظام الحاكم.
ورداً لجميل المدينة المدونة في تاريخ الثورات، تحرك قطار من الخرطوم، وعشرات الباصات السفرية وهي تحمل الآلاف من الثوار إلى عطبرة، للالتحام بسكان المدينة التي أحرقت النظام المعزول حين ارتفعت ألسنة اللهب من داره المحترقة، وحين تخضبت شوارعها بدماء الشهداء، والاحتفال بالذكرى الأولى للثورة هناك.
ورغم مغادرة عشرات الآلاف إلى عطبرة، فإن الخرطوم تقاطرت جموعها من كل الأنحاء إلى مركز المدينة، لتبدأ حفل انتصاراتها بتحية لأسر شهداء الثورة، في دارهم بشارع البلدية جوار المحكمة الدستورية.
وبعد أداء فروض الولاء للشهداء، توجهت المواكب الحاشدة القادمة من المدن الثلاث «الخرطوم، الخرطوم بحري، أم درمان» وتقدر أعدادها بالملايين، وامتدت على طول شارع «أفريقيا» إلى منصة الاحتفال بساحة «الحرية»، ولحقت بهم مواكب قادمة من أحياء غرب وجنوب وشرق الخرطوم، لترسم لوحة تعد الأكبر في تاريخ البلاد التي لم تشهد تجمعاً بهذا الحجم من قبل.
ليست الخرطوم وحدها من جمعت ملايينها للاحتفاء بالثورة، فقد انتظمت الحشود المحتفلة بالثورة في كل السودان، واستهلت المهرجان مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان، التي خرج سكانها عن بكرة أبيهم، ومنذ الصباح الباكر إلى الشوارع، يرددون الهتافات التي تمجد صمود الشعب وتضحياته.
وخرجت الملايين في مدن «كسلا، بورتسودان، القضارف، مدني، سنار، الدمازين، وولايات دارفور بأكملها»، إلى الشوارع مهللة وفرحة بالنصر العظيم الذي تحقق للشعب في ثورته المجيدة.
وحملت الجماهير الهادرة في شوارع الخرطوم والولايات لافتات تطالب بالقصاص لشهداء الثورة السودانية، وبتفكيك مراكز نفوذ النظام السابق في الدولة، ومحاكمات عاجلة لرموزه، وتشكيل المجلس التشريعي، وتؤكد في الوقت نفسه دعمها لحكومة رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك.
وسلمت الجماهيرية الكبيرة مذكرة «أسر الشهداء» لوزير مجلس الوزراء عمر مانيس، والذي أكد بدوره التزام الحكومة بإنفاذ القصاص وتقديم المتورطين في دم وأرواح الشهداء للعدالة.
وقال مانيس في كلمته للجماهير: «أعضاء حكومة الثورة يعلمون أنهم خدام لهذا الشعب العظيم»، وأضاف: «ثورة ديسمبر المجيدة كانت ملحمة وطنية ساهمت فيها جميع شرائح الشعب السوداني، بما في ذلك ذوو الاحتياجات الخاصة».
وأكد مانيس أن دماء الشهداء من أبناء السودان، لن تضيع سدى، وأن تأخذ العدالة مجراها، وأن القصاص من القتل سيكون عادلاً بحق أسر الضحايا، وأضاف: «الثورة لن تخبو نارها، طالما هنالك شباب يسكب روحه زيتاً كقنديل الأمل الذي يضيء سديم الجراح».
وبدأ الحراك الشعبي في 13 ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، واستمر أشهراً متواصلة، تنقلت فيها مواكب الاحتجاجات بكل مدينة وحي في السودان، حتى حاصرت الجماهير النظام في معقله أمام قيادة الجيش في الخرطوم، وقيادات القوات في الولايات 6 أبريل (نيسان) الماضي، معلنين اعتصامهم السلمي الشهير الذي هز ضمير العالم، وضجت شوارع البلاد بمطالبات بإسقاط النظام الذي حكم البلاد ثلاثين عاماً، ومطالبين بالانتقال لحكم مدني.
ودُوّنت الهتافات التي نادى بها الثوار في سجل تاريخ البلاد، وأبرزها: «حرية سلام وعدالة الثورة خيار الشعب، تسقط تسقط بس، يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور»، وغيرها من الهتافات والشعارات التي ابتكرها الخيال الثوري، فهزت مراقد رموز النظام وقادته.
وتدخل الجيش في 11 أبريل وأعلن عزل رأس النظام عمر البشير، وأعلن تنحية البشير من الحكم وتكوين مجلس عسكري انتقالي برئاسة نائب البشير عوض بن عوف، لكن الثوار اعتبروه «انقلاب اللجنة الأمنية»، وواصلوا احتجاجهم واعتصامهم، واضطروه للتنحي في اليوم الثاني، ليتدون في تاريخ البلاد أقصر فترة حكم، ويتكون مجلس عسكري جديد برئاسة عبد الفتاح البرهان وعضوية آخرين، ودخل في تفاوض متطاول مع قيادات قوى إعلان الحرية والتغيير من أجل تسليم السلطة للشعب وتكوين حكومة مدنية.
وواجه المعتصمون ببسالة نادرة مدعومين بضباط برتب صغيرة من الجيش، محاولات «كتائب الظل» التابعة للنظام «فض الاعتصام»، إلى أن اضطرت قيادة الجيش للانحناء لمطالب الجماهير، بيد أن المعتصمين واصلوا اعتصامهم، وتعهدوا بعدم فضه قبل تكوين الحكومة المدنية.
بيد أن قوات مكونة من الجيش والدعم السريع والشرطة والأمن، هاجمت المعتصمين عشية عيد الفطر المبارك 3 يونيو (حزيران) الماضي، وفضت الاعتصام مستخدمة القوة المفرطة ضد المعتصمين السلميين، وشهد الميدان فظائع تضمنت قتل أكثر من 130 من المعتصمين، وجرح المئات، واغتصاب النساء والرجال، ما وسع الهوة بين الجيش والمواطنين بشكل عام، وتوقف التفاوض بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير.
ثم تدخلت وساطة أفريقية إثيوبية، أعادت الأطراف لمائدة التفاوض، وتم توقيع الوثيقة الدستورية والإعلان في 17 أغسطس (آب) الماضي، وتم تشكيل حكومة مدنية برئاسة عبد الله حمدوك ومجلس سيادة من 11 عضوا مناصفة بين العسكريين والمدنيين، وشخصية متوافق عليها، إيذانا بفترة انتقالية طولها ثلاث سنوات وثلاثة أشهر.



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».