أزياء السهرة والمساء تتخلى عن التكلّف

تحرير المرأة من القيود وما يعيق حركتها أكثر ما يشغل المصممين حالياً

من «إيترو» - من «ديور» - من «إيترو» - من «رالف أند روسو» - من «رالف أند روسو»
من «إيترو» - من «ديور» - من «إيترو» - من «رالف أند روسو» - من «رالف أند روسو»
TT

أزياء السهرة والمساء تتخلى عن التكلّف

من «إيترو» - من «ديور» - من «إيترو» - من «رالف أند روسو» - من «رالف أند روسو»
من «إيترو» - من «ديور» - من «إيترو» - من «رالف أند روسو» - من «رالف أند روسو»

خلال عام 2019، تطرقت أغلب تقارير الموضة إلى «المعايير الإنسانية والبيئية»، التي أصبحت تقريباً المحرك الأول لغالبية الصرعات الحديثة. وأصبح النقاش بشأن ضرورة وقف القسوة تجاه الحيوانات يزاحم المساحات المخصصة للإشارة إلى فخامة الفراء الطبيعي. في تقدير خبراء، فقد «ولى عهد اقتصار صفات الترف والفخامة على قطع سخية بالتطريز أو مصممة من القماش الفاخر». في المقابل، صعدت اتجاهات أكثر عملية توفر للمرأة الأناقة والحرية والنعومة في تصميم يحقق السهل الممتنع.
كما جرت العادة بنهاية العام وحلول سنة جديدة، يتجدد الحديث عن أزياء موسم الحفلات والسهرات، ولقد بدأت النساء رحلة البحث عن فساتين الكوكتيل، والقطع المزينة بوميض الترتر، أو حبات الخرز الرنانة، ولا مانع من حذاء بتصميم مبتكر، ومجوهرات خاطفة لضمان مظهر يليق باستقبال العام الجديد بأحسن حلة.
عندما نبحث عن أزياء السهرة لهذه المناسبة، بالطبع ستكون عروض الأزياء لخريف 2019 هي مصدر الإلهام الذي يحدد ملامح الإطلالة المناسبة، وما قدمته كبريات دور الأزياء قدّم المرأة بنمط يناسب وضعها الحقيقي في المجتمع، ويعكس تفكيرها وقوتها وغموضها... انعكس ذلك من خلال الألوان الرصينة والقصات العملية التي لا تخلو من الأنوثة والنعومة، لكن بمفهوم عصري لا يقيد حركتها. ولعل دار الأزياء الفرنسية «ديور» قدمت دليلاً على ذلك، عندما طرحت مجموعة راقية ترفع شعارات نسوية، لا سيما أن قضايا المرأة هي الشغل الشاغل للمديرة الإبداعية، ماريا غراتزيا تشيوري، وشاهدنا عبرها اللون الأسود بدلالاته العميقة والبعيدة عن الصخب، وجاءت القصّات عملية تناسب سهرات وأمسيات مسائية متنوعة؟ في الوقت نفسه قدمت الدار جرعة من الأنوثة بمفهوم عصري تمثلت في التصاميم المُفصلة، والتنانير الدائرية التي تركز على شكل الخصر، كذلك، انعكست الأنوثة على الخامات الناعمة مثل الدانتيل.
أيضاً، دار «شانيل» قدمت تشكيلة هيمن عليها الطابع الثقافي الذي اعتبر تحية وتقديراً للمصمم الراحل كارل لاغرفيلد، وركزت الدار على التايورات التويد، وفساتين من المخمل مزينة بياقات عالية، وتصاميم أخرى من خامات ناعمة مثل الحرير والشيفون المتطاير، كما برزت أيضاً التنانير الدائرية التي ستظل تصميماً يحمل كثيراً من الأنوثة دون مبالغة.
لا يعني ذلك أن أزياء السهرة تقتصر هذا العام على الناعم والعملي، طالما أن مصممين، مثل إيلي صعب وزهير مراد، لهم شأن في تحديد الموضة. كالعادة، قدموا مجموعة من الأزياء الغنية بالتطريز مع بعد ثقافي من الصين والمغرب.
الاتجاهات كثيرة ومتنوعة، ترضي أذواقاً وثقافات مختلفة، فهناك الأزياء المحتشمة، وهناك المكشوفة الجريئة، فضلاً عن ألوان هادئة تنافسها درجات زاهية تعيدنا للربيع بخامات مصقولة وأخرى تتطاير من خفتها.
يقول مستشار الموضة اللبناني أحمد عبد اللطيف لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا شك في أن أزياء السهرات انقلبت رأساً على عقب مؤخراً، ويظهر ذلك من خلال نجمات الشرق الأوسط، ربما لأنهن كن الأبعد عن الخيارات الجديدة أو التي تحمل رسالة مجتمعية مبطنة».
حسب تقدير عبد اللطيف، فإن «عام 2019 كان أكثر جرأة واحتضاناً للأفكار العصرية والخيارات العملية، إذ نجحت النجمات، سواء بقصد أو من دون قصد، في كسر القوالب وتغيير المألوف، فشاهدنا القميص ضمن أزياء السهرة، بدلات (التوكسيدو) ذات الملامح الرجالية على السجاد الأحمر». ودلل عبد اللطيف على ذلك بظهور «الممثلة التونسية هند صبري على السجادة الحمراء لمهرجان فينيسيا الدولي بإطلالة عصرية بتوقيع علامة (إيترو)، ارتدت فيها قميصاً نسائياً مع بنطلون بخصر عال. ثم عادت للظهور بإطلالات من البدلة (التوكسيدو) إسوة بنجمات عالميات مثل إيمي بوهلر التي اختارت القطعة نفسها في حفل توزيع جوائز الأوسكار».
وشرح عبد اللطيف أن نجمات أخريات دعمّن الخيارات العملية البعيدة عن التكلف مثل الممثلة المصرية منى زكي في مهرجان الجونة في دورته الثالثة، التي اعتمدت فستاناً عصرياً مكوناً من قميص أبيض وتنورة منفوخة من «الأورغانزا الفوشيا»، بتوقيع المصممة الشابة مريم يحيي، ثم تكرر هذا المظهر على نجمات أخريات مثل شيرين رضا ومي عمر.
للمقارنة، فإن هناك حاجة للعودة إلى الحقب السابقة، التي يوضح مستشار الموضة اللبناني أن أزياء السجادة الحمراء في ثلاثينات القرن الماضي، وحتى نهاية الستينات، كانت تركز على تقديم صورة مترفة للنجمة، وكأنها من عالم آخر، عبر تفاصيل مبالغ فيها، وتصاميم محبوكة لا تأخذ في الاعتبار معايير الراحة والحرية.
يقول: «أول تغيير في أزياء السهرة كان في نهاية الستينات، 1968، حين تخلت المغنية والممثلة الأميركية باربرا سترايساند عن الفساتين الفاخرة، وقررت صعود مسرح الأوسكار بإطلالة مكونة من بنطلون وبلوزة مزدانين بحبات لامعة. حينها تعرضت النجمة لانتقادات لاذعة، واعتبرت الصحافة إطلالتها خرقاً لقوانين السجادة الحمراء.
لكن مرت عقود على هذه الحادثة، وتغيرت الموضة بشكل كبير. أحد أسباب تغير أزياء السهرات أيضاً، حسب رأي مستشار الموضة اللبناني أحمد عبد اللطيف، يتمثل في النمط الذي اعتمدته دوقة ساسيكس، ميغان ميركل، منذ دخولها القصر. يوضح: «بداية من فستان زفافها الذي حمل تفاصيل غاية في النعومة، مروراً بباقي إطلالاتها، التي حرصت فيها على أن تكون قريبة من المرأة العادية، دائماً تحمل أزياؤها رسائل إنسانية مبطنة تؤكد من خلالها أن جميع النساء يمكنهن ببساطة أن يعتمدن إطلالات تحاكي أناقة نساء القصر».
ورغم توجه الموضة نحو البساطة والعملية، ما زال أمام المرأة خيارات كثيرة تختار منها ما يناسبها للاحتفال بالعام الجديد، ويمكن القول إن أسابيع الموضة اتفقت على بعض القطع، مثل البدلات العصرية بتصاميم واسعة والألوان الصاخبة، إلى جانب التفاصيل القوية مثل الأكتاف البارزة والأكمام المنفوخة، حسب ما رصد عبد اللطيف.
الإطلالات أحادية اللون، برزت ضمن تشكيلات دور الأزياء لموسمي الخريف والشتاء، لذا، لا مانع من اعتماد لون واحد من الرأس حتى أخمص القدمين.
وعلى النقيض، قدمت الموضة نفحة من الحياة البرية من خلال نقوش الحيوانات، التي ظهرت العام الماضي، ولا تزال قوية هذا العام. ويقترح عبد اللطيف اعتماد حذاء البوت بنقشة الثعبان أو الحمار الوحشي باعتبارها الأحدث مقارنة بجلد الفهد أو النمر.
وبدلاً من الفراء الطبيعي، الذي قاطعته كبريات دور الأزياء، ظهر الريش، لكن فقط كمكمل للتصميم، عن طريق مزجه بخامات وظيفية مثل القطن وحرير الكريب والصوف. كذلك الأهداب التي تعيدنا إلى الأزياء البوهيمية بروحها النابضة بالحياة.
الأقمشة أيضاً جاءت في موضة 2019 متنوعة، تتباين بين المخمل والتويد والجاكار، بحيث يمكن لتصميم بسيط من قماش فاخر أن يحقق الأناقة بأقل مجهود ممكن.
الإكسسوارات لا تزال أساسية في أي إطلالة وأي مناسبة، وهنا ينصح عبد اللطيف باعتماد الحقائب ذات الحجم الصغير جداً، كذلك تزيين شعرهن بطوق أنيق من المخمل أو اللؤلؤ على غرار دوقة كامبريدج، كيت ميدلتون.


مقالات ذات صلة

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.