حلول بحثية مبتكرة لتعزيز الأمن المائي في السعودية

محطات تجريبية في «كاوست» لتحلية المياه بطريقة بيئية وتحويل النفايات إلى موارد

حلول بحثية مبتكرة لتعزيز الأمن المائي في السعودية
TT

حلول بحثية مبتكرة لتعزيز الأمن المائي في السعودية

حلول بحثية مبتكرة لتعزيز الأمن المائي في السعودية

ندرة موارد المياه العذبة وتأثرها بالتغيّر المناخي والنمو السكاني العالمي، كان مثار اهتمام بالغ لمركز تحلية وإعادة استخدام المياه (WDRC) في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، بقيادة البروفسور هانز فروينفيلد، الأستاذ في العلوم والهندسة البيئية ومدير المركز، حيث شكل هذا الموضوع حافزاً للبحث عن حلول مبتكرة لمواجهة التحديات العالمية المتمثلة في أمن المياه واستدامتها وسلامتها.

- ندرة المياه
يشير تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى أن ندرة المياه تهدد التنمية في المنطقة العربية؛ إذ يؤدي كل من انخفاض وتذبذب معدلات سقوط الأمطار، وارتفاع معدلات التبخر، وتكرار موجات الجفاف إلى انخفاض القدرة على الاعتماد على الموارد المائية وتوفرها. ورغم شغل البلدان العربية 1 في المائة من مساحة العالم، فإن متوسط سقوط الأمطار السنوي لا يبلغ فيها إلا 2.1 في المائة ولا تتخطى كمية الموارد المائية الداخلية المتجددة في المنطقة إلا 6 في المائة.
وفي مختبرات «كاوست» يقوم البروفسور فروينفيلد وزملاؤه بالعمل على تحسين التقنيات الحالية، وتطوير طرق جديدة لمعالجة المياه؛ إذ يعمل المركز على ثلاثة محاور بحثية رئيسية، تتمثل في: تحلية المياه بطريقة أكثر مراعاة للبيئة، وأمن المياه، وتحويل النفايات إلى موارد. ويهدف المحور الأخير إلى الاستفادة من مياه الصرف الصحي، واستخلاص المياه والطاقة والمعادن والعناصر الغذائية منها.

- محطات تجريبية
يقول فروينفيلد: «لعرض عملنا، بنينا محطات تجريبية لتحلية المياه، ومعالجة مياه الصرف في (كاوست). ولتطبيق تحلية المياه بطريقة أكثر مراعاة للبيئة، يعمل الباحثون على تقليل الآثار البيئية المرتبطة بالعملية بتحسين الكفاءة، وتقليل استخدام المواد الكيميائية أو وقفها نهائياً، واستخلاص الموارد المستخدمة خلال هذه العملية، وتنقية وتحسين تقنيات الأغشية».
وهناك طريقتان رئيسيتان لتحلية المياه: التحلية الحرارية؛ التي تنطوي على تسخين المياه المالحة حتى يتبخر الماء العذب ويُجمَع. والتحلية بالأغشية؛ وتتم بدفع المياه المالحة من خلال مرشّحات لفصل الملح عن جزيئات الماء. وتتطلب كلتا الطريقتين طاقة كبيرة وتعملان بالنفط غالباً، فضلاً عن كونهما تتسمان بعدم الكفاءة.
ويشير فروينفيلد إلى أن جميع عمليات تحلية المياه الحالية في المملكة تستخدم النفط بشكل مباشر أو غير مباشر، ففي الوقت الحالي، هناك فرص محدودة لتحلية المياه باستخدام الطاقة الشمسية؛ لأن متطلباتها مرتفعة، ويصعُب توسيع نطاق هذه التقنيات.
وكانت شركة «مداد» الناشئة الابتكارية، التابعة لـ«كاوست»، قد اتّخذت خطواتٍ لتحسين كفاءة التحلية الحرارية، بإنشاء عملية مختلطة أو هجينة. وعن ذلك يقول فروينفيلد: «أضافت شركة (مداد) مرحلة في نهاية العملية التقليدية هي المرحلة المضافة التي تُمتصُ فيها جزيئات الماء في هلام السيليكا؛ مما يخفض درجة حرارة التكثيف، وهذا يعني أنه يمكننا استخراج المزيد من المياه العذبة باستخدام كمية الطاقة نفسها».
ومع ذلك، تثير جميع عمليات تحلية المياه المزيد من المشاكل البيئية. فعندما تُضخّ المياه المالحة المتبقية في المحيط، فقد يؤدّي ذلك إلى تَكوَّن طبقات مياه شديدة الملوحة وعالية الكثافة تستقر في قاع البحر؛ مما يعوق تدفق الأكسجين ويقتل الأحياء البحرية.
من جانبه، يقول يشير البروفسور كارلوس دوارتي، عالم الأحياء البحرية في مركز أبحاث البحر الأحمر بـ«كاوست»، إلى أن المياه المالحة قد تحتوي على عناصر غذائية مركزة، ومواد كيميائية سامة تُضاف خلال عملية تحلية المياه. ويسعى الباحثون في مركز تحلية وإعادة استخدام المياه إلى إيجاد حلول لهذه المشكلة؛ إذ تحتاج المياه المالحة إما إلى إعادة تدويرها وإما إلى تنظيفها أو تخفيفها قبل صرفها.

- تحدي العقول
وفي سياق متصل، أطلق مركز تحلية وإعادة استخدام المياه وشركة البحر الأحمر للتطوير، إلى جانب شركاء آخرين في المملكة، مبادرة «تحدي العقول لتصريف المياه المالحة» لإيجاد حلول مبتكرة خاصة بإدارة المياه المالحة.
ويهدف التحدي كذلك إلى ابتكار حلّ لتوفير مياه الشرب لمنتجع فاخر أُنشأته شركة البحر الأحمر للتطوير، على مجموعة من الجزر في الجزء الشمالي من البحر.
ويوضح مارتن ستال، أحد منسوبي الشركة، إلى أنهم يلتمسون الأفكار ووجهات النظر الجديدة من العلماء والمهندسين والمبتكرين الشباب، من مختلف المجالات، لمواجهة التحدي المتمثل في إدارة المياه المالحة بطريقة مستدامة بيئياً.
وأضاف: «لن يوقف الاقتراح المثالي صرف المياه المالحة في البحر فحسب، بل سيوفّر أيضاً حلاً بيئياً - مجدياً تجارياً - لإدارة الأملاح المستخلصة».
واعتبر ستال، أن الالتزام بوضع معايير جديدة من أجل التنمية المستدامة، وحماية البيئة الطبيعية الخلابة التي تجعل هذه الوجهة فريدة من نوعها، والحفاظ عليها وتجميلها، يدخل في صميم مشروع البحر الأحمر.
وتتمثل إحدى المبادرات في وقف التصريف نهائياً، وإعادة استخدام المياه المستعملة بنسبة 100 في المائة، وعدم صرف المياه المالحة في بيئة البحيرة الشاطئية؛ وهو ما سيجعل مبادرة تحدي العقول لصرف المياه المالحة ذات تأثير حقيقي في هذا المجال.
وسوف تُقيَّم جميع الأفكار المقدّمة بواسطة شركة البحر الأحمر للتطوير ومركز تحلية وإعادة استخدام المياه، وتتحول أكثر الأفكار الواعدة إلى خطط. كما سيُختار ثلاثة فائزين بالجائزة الأولى بحد أقصى، ويمنح كل منهم 10 آلاف دولار أميركي.
وستتاح للفائزين الفرصة لتجربة حلولهم كشركة ناشئة تابعة لشركة البحر الأحمر للتطوير، بالتعاون مع مشروع البحر الأحمر، أحد المشاريع الثلاثة الكبرى التي أعلن عنها الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود في عام 2017.
وخلافاً للتحديات السابقة فهناك تحدٍ كبير آخر يواجهه مركز تحلية وإعادة استخدام المياه يتمثل في نمو أغشية بكتيرية رقيقة، أو أغشية حيوية رقيقة، على أغشية تحلية المياه والأنابيب وأبراج التبريد؛ مما يؤثر على تكلفة إنتاج المياه وجودتها، وإمكانية الاعتماد عليها وأمانها عبر الشبكة.
ولمواجهة ذلك، طوَّر مركز تحلية وإعادة استخدام المياه أنظمة للإنذار المبكّر، تُمَكِّن من الاستجابة السريعة لتلوث الأغشية في أثناء تحلية المياه. ومن الإنجازات الأخرى التي تحققت في الآونة الأخيرة، تطوير منظّف للأغشية يعاد استخدامه، ويوقف صرف سوائل التنظيف في البيئة.

- بدائل لمياه الري
تعتبر إدارة مياه الري العذبة وتوفير الفقد الكبير منها، من القضايا الأساسية التي تشغل مركز تحلية وإعادة استخدام المياه؛ إذ تستهلك الزراعة نحو 80 في المائة من إمدادات المياه العذبة في السعودية، ويكون مصدرها طبقات المياه الجوفية غير المستدامة غالباً.
ويجرِّب المركز التقنيات التي قد تشجّع المزارعين على تقليل مياه الري، أو استبدالها بمصادر مياه أخرى لزراعة محاصيلهم. وعلى سبيل المثال، نجحت مجموعة بحثية يقودها الدكتور هيمانشو ميشرا، الأستاذ المساعد في العلوم والهندسة البيئية في قسم العلوم والهندسة البيولوجية والبيئية، وطالب الدكتوراه أدير جالو جونيور، في تقليل التبخّر من التربة، بوضع طبقة رقيقة من الرمال المغلَّفة بالشمع (SandX) حول قاعدة نباتات الطماطم. خلال التجارب الأولية، حَفَّض غطاء الرمال الواقي هذا التبخّر لدرجة أن محصول الطماطم زاد بنسبة 70 في المائة، دون الحاجة إلى زيادة الري.
كما أن هناك جهوداً بحثية أخرى لمواجهة الفقد الكبير للمياه بسبب سوء إدارتها، يقودها البروفسور ماثيو ماكابي، أستاذ العلوم والهندسة والبيئية في قسم العلوم والهندسة البيولوجية والبيئية وفريقه بمراقبة استخدام المياه في الزراعة، حيث يجمع الباحثون بيانات من الأقمار الصناعية والطائرات من دون طيار، بالإضافة إلى البيانات الميدانية، لزيادة كفاءة استخدام المياه وتحسين إنتاجية المحاصيل.
من جهته، سلَّط البروفسور فروينفيلد الضوء على أهمية استغلال مياه الصرف، قائلاً: «تعتبر معالجة مياه الصرف مجالاً آخر نعمل على تحسينه، ونعالجه من خلال أبحاثنا المتعلقة بتحويل النفايات إلى موارد. كما نأمل أيضاً في تقدير حجم المخاطر الميكروبية المرتبطة بإعادة استخدام مياه الصرف، وضمان سلامة استخدامها». وتتمثَّل إحدى الإمكانات التي يجرِّبها مركز تحلية وإعادة استخدام المياه في استخدام المفاعلات الحيوية لمعالجة مياه الصرف، ليس فقط لاستخلاص المياه، لكن لإنتاج منتجات ذات قيمة مع تقليل صرف النفايات في البيئة.
وأشاد البروفسور فروينفيلد بالتعاون والدعم الذي يقدّمه رجال الحكومة والصناعة في المملكة قائلاً: «شركاؤنا في المملكة، سواء من الصناعة أو الحكومة، ينفّذون بسرعة نتائج عمل مركزنا، ويطلبون مساعدتنا لتوقع التغييرات المقبلة في التشريعات البيئية أيضاً».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.