الحقيقة الخفية لمفهوم الذكاء

يضم مهارات محددة تشمل قدرات العقل والتعلم والخطط لحل المشاكل

الحقيقة الخفية لمفهوم الذكاء
TT

الحقيقة الخفية لمفهوم الذكاء

الحقيقة الخفية لمفهوم الذكاء

هل الذكاء شيء ما، أنت ولدت وتمتلكه؟ أم أنه مهارة يمكنك صقلها وتطويرها طوال الحياة؟ هل أن الشخص الذي يكون دماغه مليئاً بالحقائق أكثر ذكاءً من فنان يناشد الناس لرؤية العالم بشكل مختلف، أو من عالم رياضيات يصمم تصاميم خوارزمية تمكن الكومبيوتر من التغلب على الإنسان في لعبة الشطرنج؟ هل الكومبيوتر أذكى من الإنسان؟
- جوانب غامضة
الذكاء هو مفهوم غامض حتى أن كتب علم النفس حول موضوع الذكاء مليئة بالأساطير والأخطاء. مع ذلك، فإن البحوث الحديثة تشير إلى أننا توصلنا أخيراً إلى السيطرة على بعض الأسئلة الرئيسية حول الذكاء.
الذكاء هو سرعة في الفهم والبديهة، ونشاط فكري ومعرفي يقوم به العقل، وليس شرطاً أن يكون الذكاء مرتبطاً مع التحصيل الأكاديمي أو المنهجي كما هو معروف عند البعض، فقد يتعدّاه إلى جوانب أخرى كالذكاء الاجتماعي، واللغوي، والرياضي، فيتميز كل شخص بنوعٍ أو أكثر من أنواع الذكاء. ويقول يون في كتابه الموسوم «معجم الحقيقة» Truth lexicon المنشور عام 2017، إن الحقيقة حول الذكاء هي أن الذكاء لا يتحرك أبداً... بل إنه ترقب لكل حركة، وبالتالي فهو خالٍ من أي حركة. لا يمكن أبداً أن يتحرك ولا يحتاج إلى التحرك. الأفكار والمشاعر والعواطف تتحرك دائماً، وبالتالي هي ليست ذكية.
ويعرف جاستن باريسو، مؤلف «الحاصل العاطفي» emotional quotien EQ في مجلة «نيويورك تايمز» الأميركية في يوليو (تموز) 2019، الذكاء العاطفي على أنه قدرة الإنسان على التعرف على العواطف وإدارتها، سواءً كانت عواطفه الخاصة، أو عواطف الأشخاص المُحيطين به،، أما الذكاء الصناعي فهو قدرة الآلة على محاكاة العقل البشري وطريقة عمله، مثل قدرته على التفكير، والاكتشاف والاستفادة من التجارب السابقة.
- مفهوم الذكاء
عندما يتحدث الباحثون عن الذكاء فإنهم يشيرون إلى مجموعة محددة من المهارات التي تشمل قدرات العقل والتعلم والخطط لحل المشاكل. الشيء المثير للاهتمام هو أن الناس الذين يجيدون واحدة من تلك المهارات يجيدون بقية المهارات. يبدو أن هذه المهارات تعكس قدرة عقلية واسعة لُقّبت بالذكاء العام.
يقول ستيوارت ريتشي، باحث في الذكاء من جامعة إدنبرة في المملكة المتحدة في بحثه المنشور في سبتمبر (أيلول) 2019 في مجلة Intelligence، إن هذا لا يعني أن الناس لا يمكن أن يتخصصوا في مجالات مختلفة؛ فبعضهم جيدون بشكل خاص في حل المشاكل الحسابية، والبعض الآخر لديهم قدرات لفظية أو قدرات فضائية، أي التعرف على الفضاء المحيط بهم، وهكذا.
جادل عالم النفس هاورد غاردنر من جامعة هارفارد في الولايات المتحدة في كتابه الموسوم «نظرية غاردنر في الذكاء المتعدد» Gardner›s Theory of Multiple Intelligence المنشور في يوليو 2019 حول الذكاء المتعدد بما في ذلك القدرة الحركية والقدرة على حل المسائل الحسابية أو حتى القدرة الموسيقية. ومع ذلك، فإن معظم الباحثين يعتقدون أن هذه الفئات من الناس تعكس مزيجاً مختلفاً من القدرات والمهارات والسمات الشخصية ولا ترتبط جميعها بالقدرة المعرفية. وبطريقة مماثلة تشير الأبحاث الحديثة إلى أن ما يسمى الذكاء العاطفي هي القدرة على تنظيم عواطف شخص ما وربطها بأشخاص آخرين هو مجرد مزيج من الذكاء العام والشخصية.
أما ريكس جونغ، من جامعة نيومكسيكو، في بحثه المنشور عام 2018 في مجلة «الذكاء» أيضاً فيقول إن فكرة أنك تكون خلاقاً دون أن تكون ذكياً هي أسطورة، فهناك حاجة إلى مستوى معين من الذكاء لاكتساب البيانات الخام لكي تكون خلاقاً. إن ارتفاع معدل الذكاء لدى بعض الناس يبدو أنه يستخدم طاقة أقل عند أداء المهام العقلية، وأن خلاياهم العصبية تنقل الإشارات العصبية أسرع ربما لأن الأدمغة الذكية هي أكثر كفاءة. فكرة أخرى، هي أن الناس الأذكياء لديهم ذكريات أكثر في العمل؛ لذلك يمكن أن يتعاملوا مع المزيد من المعلومات في وقت واحد.
- شحذ الذكاء
هل يمكن أن أكون أكثر ذكاءً؟ البحوث التي نشرت في التسعينات من القرن الماضي في مجلة «نيتشر» أشارت إلى أن أداء الطلاب كان أفضل في اختبارات الذكاء عند استماعهم للموسيقى الكلاسيكية، لكن ذلك لم يقنع الباحثين الآخرين، بل إن دراسات ألعاب الكومبيوتر التي تهدف إلى تحسين العقلية أنتجت نتائج مختلطة جداً، كما يقول ستيورت ريتشي.
في دراسة أخرى، يضيف ريتشي وجماعته، أن استحداث سنة دراسية إضافية من التعليم قد عزز معدل الذكاء من 1 - 5 نقاط، ولا يعني ذلك أننا إذا تركنا الطلاب في المدرسة إلى الأبد سوف يصبحون جميعاً عباقرة في مرحلة ما. لكن بالنظر إلى التباين في التعليم في الوقت الحاضر فإنه يوفر درجه من الدعم؛ إذ إن دراسة الرياضيات وتراكم المعرفة العامة هو تدريب جيد لهذا النوع من التفكير يحتاج إليه الطالب لأداء جيد في اختبارات الذكاء.
التعليم قد يساعد الأطفال أيضاً في الحفاظ على تركيزهم. لكن تأثير ذلك غير واضح تماماً في الكبار؛ إذ ليس بالضرورة أن يكون التعليم في قاعة الدراسة، ففي إحدى الدراسات التي قارنت درجات ذكاء الناس في الأعمار بين سن 11 و70 وجدت أن وجود الشخص في وظيفة أكثر تعقيداً سوف يكون أكثر ذكاء في وقت لاحق حتى لو لم يكن الشخص ذكياً في بداية عمله.
- قياسات واختبارات الذكاء
> هل يمكن قياس مستوى الذكاء؟ أمضى رسل ويم في بحثه المنشور في 2018 في مجلة «أرشيفات علم وظائف الأعضاء العلمية» Archives of Scientific Physiology وقتاً طويلاً في التدقيق في الكتب الجامعية لعلم النفس بصفته أستاذاً لعلم النفس في جامعة يوتا فالي في الولايات المتحدة، وهو لم يكن يبحث عن البصيرة، بل عن الأخطاء. ووجد الكثير منها ثم توصل إلى قناعة بأن من الصعب قياس مستوى الذكاء لدى أي شخص.
• هل تصلح اختبارات الذكاء في الحصول على وظيفة؟ واجهت التطبيقات الخاصة لاختبارات الذكاء أيضاً تفحصاً دقيقاً من الباحثين، وانتقدت كثيراً عند استخدامها لفحص المتقدمين للعمل، حيث يتم اختبار مجموعة فرعية من المهارات المعرفية، فمثلاً لأنها لا تقيس الإبداع ولا السمات البارزة في الشخصية، مثل الاجتهاد أو الضمير أو القدرة على المضي قدماً مع الأشخاص الآخرين. وبناءً على ما تقدم، يفضل إعطاء المتقدمين للعمل فحص اختبار الشخصية وتمريناً عملياً لتقييم مهاراتهم المتعلقة بالوظيفة.
• ما الذي يجعل شخصاً أكثر ذكاءً من الآخر؟ من أسباب عدم مناقشة الكثير من الناس للذكاء هو الاعتقاد بأنه شيء أنت ولدت هكذا معه، ولا تستطيع فعل شيء للتأثير عليه، وهو ما يضعف المساواة الاجتماعية. ومع ذلك، لا يمكن الهرب من حقيقة أن الذكاء موروث إلى حد ما، فقد وجد الباحثون أن معدل ذكاء الأطفال المتبنين عند الولادة قليلي الارتباط مع والديهم بالتبني، لكنهم يرتبطون بعلاقة قوية بوالديهم الحقيقيين، وما هو أكثر من ذلك تصبح هذه العلاقة أقوى كلما كبر الأطفال. وهذا غير بديهي بالنسبة لمعظم الناس.
يقول روبرت بولمن من كينغز كوليدج - لندن في بحثه المنشور في عام 2019 في مجلة «بحوث التوائم والوراثة» Twin Research and Human genetics، إن الناس يعتقدون مع تقدم العمر بمفهوم فظيع، وهو أن الاختلافات البيئية تصبح أكثر أهمية لاعتقادهم أن الجينات تؤثر فقط على ما يحدث أثناء الحمل، وهذا غير صحيح بالطبع. وفي الحقيقة، تشير مئات الدراسات إلى الاتجاه نفسه، وهو أن 50 في المائة من الفرق في الذكاء بين الناس هو بسبب الوراثة.
• هل أصبحت الإنسانية أكثر غباءً؟ على العكس، يبدو أن البشر أصبحوا أكثر ذكاءً، وهي ظاهرة معروفة باسم «تأثير فلين» Flynn effect بعد الدراسة التي أنجزت عام 2015 والتي تم فيها فحص نتائج الاختبار من 48 دولة، وجد أن معدل الذكاء زاد بمعدل 20 نقطة منذ عام 1950، وأكبر المكاسب كانت في البلدان النامية بما فيها الهند والصين. هذا يشير إلى أن تأثير فلين يرتبط بتحسن في الظروف الاجتماعية بما في ذلك التغذية والتعليم.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل انتهى عصر «الذكاء الاصطناعي الطبي المتخصص»؟

من يستحق الثقة؟
من يستحق الثقة؟
TT

هل انتهى عصر «الذكاء الاصطناعي الطبي المتخصص»؟

من يستحق الثقة؟
من يستحق الثقة؟

ماذا لو لم يكتفِ الذكاء الاصطناعي بإعطاء التوصية الطبية، بل بدأ بتنظيم المواعيد، وطلب الفحوصات، ومتابعة المرضى، واتخاذ خطوات تنفيذية بنفسه؟ لسنوات طويلة ساد اعتقاد شبه راسخ داخل الأوساط الطبية والتقنية أن أفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي الصحي هي تلك التي جرى تصميمها خصيصاً للقطاع الطبي، وتدريبها على قواعد بيانات سريرية متخصصة. وكان المنطق يبدو بديهياً؛ فكلما ازداد النظام تخصصاً، ازدادت قدرته على فهم تعقيدات التشخيص، والعلاج، واتخاذ القرار السريري.

إلا أن دراسة جديدة نُشرت في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine) في 12 يونيو (حزيران) 2026تطرح سؤالاً لم يكن مطروحاً بجدية قبل سنوات قليلة: هل ما زال الذكاء الاصطناعي الطبي المتخصص يتمتع بالتفوق الذي افترضه الجميع؟

معركة جديدة في الذكاء الاصطناعي الطبي

«العام» و«المتخصص»

أظهرت الدراسة، التي قادها الباحث كريثيك فيشواناث (Krithik Vishwanath) مع فريق من جامعة نيويورك (New York University) ومركز لانغون الصحي التابع لها (NYU Langone Health)، أن بعض النماذج اللغوية العامة المتقدمة استطاعت في عدد من الاختبارات الطبية تحقيق أداء يضاهي، بل ويتجاوز أحياناً، أداء أدوات ذكاء اصطناعي جرى تطويرها خصيصاً للاستخدامات السريرية.

وقد لا تبدو هذه النتيجة مجرد تفصيل تقني يهم الباحثين وحدهم، لكنها قد تمثل مؤشراً على تحول أوسع في الطريقة التي يفكر بها العلماء في مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي، وفيما إذا كان عصر النماذج المتخصصة يقترب من نقطة إعادة تقييم حقيقية.

واعتمد الباحثون على مجموعة من الاختبارات المصممة لتقييم قدرات النماذج المختلفة في التعامل مع المهام الطبية المعقدة، والاستدلال السريري، وتحليل المعلومات الصحية. وكانت النتيجة التي لفتت الانتباه أن بعض النماذج العامة واسعة النطاق حققت أداءً يضاهي أو يتجاوز أداء أنظمة طبية متخصصة طُورت خصيصاً للعمل في المجال الصحي.

وتشير هذه النتائج إلى أن اتساع المعرفة التي تكتسبها النماذج العامة من مصادر متنوعة قد يمنحها قدرة أكبر على الربط بين المعلومات وفهم السياقات المختلفة. فبدلاً من التعلم من قواعد بيانات طبية محدودة نسبياً، تستفيد هذه الأنظمة من كم هائل من المعارف العلمية، واللغوية، والبحثية التي تسمح لها بتطوير قدرات استدلالية أكثر مرونة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن النماذج الطبية المتخصصة فقدت أهميتها، لكنه يشير إلى أن الفجوة التي كانت تفصل بين النماذج العامة والمتخصصة بدأت تتقلص بوتيرة أسرع مما توقعه كثير من الخبراء.

السر ليس في المعلومات وحدها

أهمية خاصة للعالم العربي

لا تقتصر أهمية هذه النتائج على المختبرات البحثية، أو شركات التكنولوجيا، بل قد تحمل دلالات خاصة للعالم العربي في وقت تتسارع فيه الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي الصحي، والنماذج اللغوية العربية.

فعلى مدى السنوات الأخيرة اتجهت مبادرات كثيرة حول العالم إلى تطوير نماذج طبية متخصصة انطلاقاً من الاعتقاد بأن التخصص العميق هو الطريق الأفضل لتحقيق الأداء السريري الأمثل. غير أن الدراسة الجديدة تطرح احتمالاً مختلفاً يتمثل في أن النماذج العامة واسعة النطاق قد تكون قادرة، في بعض الحالات، على تحقيق مستويات مماثلة من الأداء بعد تكييفها، وتدريبها على السياقات المحلية المناسبة.

وبالنسبة للدول العربية، يكتسب هذا السؤال أهمية إضافية. فبناء نموذج طبي متخصص من الصفر يتطلب موارد مالية وبشرية هائلة، وقواعد بيانات سريرية واسعة، ومحدثة باستمرار. أما الاستفادة من النماذج العامة المتقدمة، وتكييفها للغة العربية، والاحتياجات الصحية المحلية فقد تمثل مساراً أكثر سرعة ومرونة في بعض التطبيقات. قد يكون هذا النهج أكثر واقعية للدول التي تسعى إلى تسريع التحول الرقمي الصحي دون تحمل التكلفة الكاملة لبناء نماذج طبية ضخمة من الصفر.

كما أن هذه المقاربة قد تساعد على تسريع تطوير أدوات صحية رقمية تدعم العاملين الصحيين في المناطق البعيدة، وتسهم في تحسين الوصول إلى المعرفة الطبية الحديثة، خصوصاً في البيئات التي تعاني نقصاً في بعض التخصصات الدقيقة، أو تفاوتاً في توزيع الخدمات الصحية.

ومع التوسع المتسارع في برامج التحول الرقمي الصحي في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج، وعدد من الدول العربية الأخرى، قد لا يكون السؤال الأهم في السنوات المقبلة هو كيفية بناء أكبر عدد من النماذج المتخصصة، بل كيفية الاستفادة من القدرات المتنامية للنماذج العامة، مع ضمان سلامتها، وموثوقيتها، وملاءمتها للواقع الصحي العربي.

اختبارات متعددة ومتكاملة

مرحلة جديدة من الطب

• أسئلة تتجاوز التكنولوجيا. لكن كما حدث مع كثير من التحولات التقنية الكبرى في تاريخ الطب، لا تقتصر الأسئلة المطروحة على ما تستطيع التكنولوجيا فعله، بل تمتد إلى ما ينبغي لها أن تفعله. فإذا كانت النماذج العامة بدأت تحقق أداءً يضاهي بعض الأنظمة الطبية المتخصصة، أو يتفوق عليها، فإن ذلك يفتح باباً جديداً من التساؤلات حول كيفية توظيف هذه التقنيات داخل الممارسة السريرية. فالتفوق في الاختبارات لا يكفي وحده لضمان سلامة التطبيق في الواقع، حيث تتداخل العوامل الطبية والنفسية والاجتماعية والإنسانية في كل قرار علاجي. كما تثير هذه النتائج سؤالاً محورياً يتعلق بالثقة. فهل ينبغي الاعتماد على نموذج عام جرى تدريبه على مليارات النصوص من مجالات متنوعة، أم على نظام طبي صُمم خصيصاً للعمل داخل بيئة سريرية محددة؟ وما المعايير التي يجب أن تستند إليها المؤسسات الصحية عند اختيار أحد هذين المسارين؟

وتزداد أهمية هذه التساؤلات كلما اقتربت الأنظمة الذكية من التأثير المباشر في القرارات السريرية. فإذا أوصى النظام بخطة علاجية غير مناسبة، أو أغفل معلومة مؤثرة في مسار الرعاية، فإن المسؤولية لا تقع على الخوارزمية، بل تبقى مسؤولية بشرية ومؤسسية في المقام الأول.

ولهذا فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي لن يتحدد فقط بقدرة النماذج على الإجابة عن الأسئلة، أو اجتياز الاختبارات، بل أيضاً بقدرتنا على بناء أطر أخلاقية وتنظيمية تضمن استخدام هذه الأدوات بصورة آمنة، وشفافة، ومسؤولة.

• مرحلة جديدة من الطب. قبل سنوات قليلة كان السؤال المطروح هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على مساعدة الأطباء في فهم البيانات الطبية، وتحليلها. أما اليوم، وبعد التطور السريع للنماذج اللغوية واسعة النطاق، فقد أصبح السؤال مختلفاً: ما نوع الذكاء الاصطناعي الذي سيقود المرحلة المقبلة من التحول الرقمي في الرعاية الصحية؟

تشير نتائج الدراسة الجديدة إلى أن الحدود التقليدية بين النماذج العامة والنماذج الطبية المتخصصة بدأت تصبح أقل وضوحاً مما كانت عليه في السابق. فالنماذج العامة لم تعد مجرد أدوات متعددة الاستخدامات، بل أصبحت تمتلك قدرات متنامية تسمح لها بأداء مهام كانت تُعد حتى وقت قريب حكراً على الأنظمة المصممة خصيصاً للقطاع الصحي.

ولا يعني ذلك بالضرورة نهاية عصر النماذج الطبية المتخصصة، لكنه قد يشير إلى بداية مرحلة جديدة تتعايش فيها مقاربتان مختلفتان: الأولى تقوم على بناء أنظمة شديدة التخصص لمهام سريرية محددة، والثانية تعتمد على الاستفادة من القدرات الواسعة للنماذج العامة، ثم تكييفها لتلبية الاحتياجات الطبية المحلية.

وفي نهاية المطاف، قد لا تكون الرسالة الأهم لهذه الدراسة أن النماذج العامة أصبحت أكثر ذكاءً، بل إن مستقبل الطب الرقمي قد يكون أكثر مرونة مما تصورناه سابقاً. فبينما تتغير التقنيات بسرعة غير مسبوقة، يبقى الهدف ثابتاً: توظيف أفضل ما تقدمه الخوارزميات لخدمة الإنسان، مع الحفاظ على الحكم السريري، والمسؤولية الأخلاقية، والثقة الإنسانية التي شكلت جوهر الممارسة الطبية عبر التاريخ.


حيوانات منوية مُستنبتة مختبرياً للمساعدة في الإنجاب

حيوانات منوية مُستنبتة مختبرياً للمساعدة في الإنجاب
TT

حيوانات منوية مُستنبتة مختبرياً للمساعدة في الإنجاب

حيوانات منوية مُستنبتة مختبرياً للمساعدة في الإنجاب

العقم ليس موضوعاً يُحب الرجال التحدث عنه، ولكنه شائع جداً، إذ يُعاني نحو واحد من كل عشرة أزواج من مشاكل في الإنجاب، وفي نصف الحالات يكون السبب كلياً أو جزئياً متعلقاً بالحيوانات المنوية (الحيامن). وفي كثير من الحالات، لا تُجدي العلاجات الحالية نفعاً، لكن شركة ناشئة أميركية تُدعى «باتيرنا بيوساينسز» تعتقد أنها قادرة على تغيير هذا الواقع، كما كتب مايكل لو بيج في مجلة «نيوساينتست».

إنتاج عينات من «الحيامن»

هناك أسباب عديدة قد تجعل الرجال يُعانون من صعوبة الإنجاب. قد يكون لديهم عدد قليل من الحيوانات المنوية، أو قد لا تتمكن حيواناتهم المنوية من اختراق البويضة، وما إلى ذلك. في هذه الحالات، عادة ما ينجح حقن الحيوانات المنوية مباشرة في البويضة كونه جزءاً من علاج التلقيح الصناعي.

إلا أن نحو واحد من كل مائة رجل لا يحتوي سائله المنوي على أي حيوانات منوية على الإطلاق. قد يكون سبب هذا النقص وجود انسداد ما، يمنع الحيوانات المنوية من الوصول إلى البروستاتا. في هذه الحالات، عادة ما يكون من الممكن إزالة الانسداد أو الحصول على الحيوانات المنوية مباشرة من الخصيتين.

لكن في معظم الحالات التي لا يحتوي فيها السائل المنوي على حيوانات منوية، فإن ذلك يعود إلى قلة إنتاجها في الخصيتين أو انعدامه. وهنا يأتي دور شركة «باتيرنا» للعلوم الحيوية. ويقول أليكس باستوزاك، المؤسس المشارك ورئيس الشركة، إن الشركة قادرة على أخذ عينات صغيرة من أنسجة الخصيتين وإنتاج «عدد يتراوح بين بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف من الحيوانات المنوية» من كل عينة.

وتؤكد الشركة أن الحيوانات المنوية التي استخلصتها قادرة على تخصيب بويضات بشرية، التي تطورت إلى أجنة في مراحلها المبكرة. ويوضح باستوزاك أن فريق «باتيرنا» قادر على تحقيق ذلك؛ لأنه حدد الإشارات التي تحفز الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية على بدء تكوينها. وتستغرق هذه العملية نحو شهر في المختبر.

لم تقدم «باتيرنا» أي دليل يدعم ادعاءاتها حتى الآن، ويقول باستوزاك إن الأمر يتعلق بحماية الملكية الفكرية. وإذا كانت «باتيرنا» قد حققت ما تدّعيه، فالسؤال التالي هو: هل هذا آمن؟

محاذير ومخاطر

تتكون الحيوانات المنوية من خلايا جذعية في الخصيتين. وعندما تنقسم هذه الخلايا الجذعية إلى خليتين، تبقى إحداهما خلية جذعية، بينما تنقسم الأخرى لتكوين أربع حيوانات منوية عبر عملية تُسمى الانقسام الاختزالي، حيث تتبادل الكروموسومات أجزاءً من الحمض النووي.

يقول مايلز ويلكنسون، من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، الذي يدرس الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية: «هذا وضع خطير للغاية». فعندما ينكسر الحمض النووي، هناك خطر من عدم إعادة تركيبه بشكل صحيح، لذا من المهم جداً عدم تعطيل عملية الانقسام الاختزالي.

إلا أن باستوزاك يقول إن الحيوانات المنوية المُستنبتة مختبرياً تبدو طبيعية. ويضيف: «لقد أثبتنا أن الحيوانات المنوية التي نُنتجها في المختبر تُشبه جزيئياً الحيوانات المنوية التي تُنتج (في الخصيتين) تماماً».

بافتراض أن تقنية «باتيرنا» آمنة، فإن السؤال الأهم التالي هو: ما نسبة الرجال المصابين بالعقم الذين يمكن أن تُساعدهم هذه التقنية؟ فبعض الرجال الذين لا يُنتجون حيوانات منوية يفتقرون إلى الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية تماماً، ومن المؤكد أن هذه التقنية لن تُجدي نفعاً معهم. أما لدى البعض الآخر فإن الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية لا تتحول إلى حيوانات منوية، ومن المرجح أن تكون الطفرات هي السبب في كثير من الحالات.

يقول جيرت هامر، من معهد أمستردام لأبحاث التكاثر والتطور في هولندا، إنه إذا كانت الطفرة تعيق الانقسام الاختزالي في الخصيتين، فمن المرجح أن تعيقه أيضاً في المختبر.

لكن باستوزاك يدّعي أن فريقه تمكن من استخلاص الحيوانات المنوية في المختبر من رجال لا ينتجون أي حيوانات منوية في خصيتيهم. ويعزو ذلك إلى وجود طفرات لديهم تمنع الخلايا الداعمة من تحفيز الانقسام الاختزالي، كما يقول، وبالتالي فإن توفير الإشارات الصحيحة يسمح بتكوين الحيوانات المنوية.

ومع ذلك لا يوجد لدينا دليل يدعم هذا... لكن الأمل هو أن تكون الشركة على صواب، لأن الكثير من الأزواج قد يستفيدون إذا كان كذلك. ولكن ماذا لو كان «باتيرنا» مخطئة؟ حسناً، ثمة حل محتمل؛ وهو استخدام تقنية كريسبر لتعديل الجينات لتصحيح الطفرة المسببة للعقم في الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية، ما يُمكّنها من التحول إلى حيوانات منوية، وبالتالي ولادة أطفال مُعدّلين جينياً لا يحملون هذه الطفرة الضارة.

ولكن هذا ليس بالأمر الهين، ففي معظم الحالات فإننا لا نملك فكرة واضحة عن الطفرة المُسببة للعقم، بل مجرد بعض الارتباطات غير المؤكدة. ومع ذلك، وفي الحالات التي نستطيع فيها تحديد الطفرة بدقة، يكون استخدام تعديل الجينات في الخلايا الجرثومية لهذا الغرض مُبرراً في الواقع.

ولا تستبعد «باتيرنا» هذا الخيار. ويقول باستوزاك: «لن أستبعده تماماً، لأنني أعتقد أن العلم والتكنولوجيا سيواصلان التقدم، والهدف هنا هو مساعدة الكثير من الناس».


جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد

جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد
TT

جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد

جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد

في اكتشاف قد يغيّر فهم العلماء لأحد أكثر الاضطرابات العصبية تعقيداً، نجح باحثون كنديون في تحديد جين غير تقليدي يبدو أنه يرتبط مباشرة بالسمات الأساسية لاضطراب طيف التوحد مثل صعوبات التفاعل الاجتماعي والسلوكيات التكرارية دون أن يؤثر في الذكاء أو القدرات المعرفية الأخرى.

جينات «غير مشفرة»

وتأتي أهمية هذا الاكتشاف من كونه يسلط الضوء على جزء من الحمض النووي ظل مهمشاً لعقود طويلة. فبينما ركز معظم الأبحاث السابقة على الجينات المسؤولة عن إنتاج البروتينات كشفت الدراسة الجديدة أن بعض الجينات غير المشفرة قد تلعب دوراً حاسماً في تشكيل السلوك البشري.

الدراسة التي قادها باحثون كنديون بقيادة ستيفن شيرر بمركز علم الجينوم التطبيقي برنامج علم الوراثة وبيولوجيا الجينوم في مستشفى الأطفال المرضى في تورونتو بأونتاريو، ونُشرت في مجلة «Nature» العلمية بتاريخ 13 مايو (أيار) 2026، ركزت على جين يُعرف باسم PTCHD1 – AS يقع على الكروموسوم إكس X (الأنثوي). ورغم أنه لا ينتج بروتينات فإنه يعمل باعتباره منظماً لنشاط جينات أخرى داخل الخلايا العصبية.

* لماذا يعد الاكتشاف مهماً؟ يُعد اضطراب طيف التوحد من أكثر الاضطرابات النمائية انتشاراً ويتميز بدرجات متفاوتة من صعوبات التواصل الاجتماعي وأنماط السلوك المتكررة. ورغم التقدم العلمي الكبير لا تزال الآليات البيولوجية الدقيقة التي تقف وراء هذه السمات غير مفهومة بالكامل. وحتى الآن ربط العلماء نحو مائة جين بالتوحد إلا أن معظمها يؤثر في مجموعة واسعة من الوظائف الدماغية بما في ذلك التعلم والقدرات الإدراكية. أما الجين الجديد فيبدو مختلفاً؛ إذ تشير النتائج إلى أنه يرتبط تحديداً بالسلوك الاجتماعي والتكراري وهما السمتان الأكثر تميزاً في التوحد. ويقول الباحثون إن هذا التحديد الدقيق قد يساعد مستقبلاً على تطوير علاجات تستهدف الأعراض الأساسية للاضطراب بدلاً من التأثير على وظائف دماغية أخرى.

* أدلة من آلاف الأشخاص. اعتمد الفريق العلمي على تحليل بيانات وراثية لأكثر من 9300 شخص من قواعد بيانات عالمية. وكشفت النتائج أن حذف أجزاء من الجين PTCHD1 - AS كان مرتبطاً بزيادة احتمالية الإصابة بالتوحد لدى الذكور.

ويعتقد العلماء أن ظهور التأثير بشكل أوضح لدى الذكور يعود إلى وجود نسخة واحدة فقط من الكروموسوم «إكس» لديهم بينما تمتلك الإناث نسختين، ما يوفر نوعاً من الحماية الجينية في بعض الحالات.

وللتأكد من النتائج أجرى الباحثون تجارب على نماذج حيوانية جرى فيها تعطيل الجين نفسه.

وكانت النتيجة لافتة، إذ أظهرت الحيوانات تغيرات واضحة في التفاعل الاجتماعي وزيادة في السلوكيات التكرارية، بينما بقيت قدراتها على التعلم والانتباه والذاكرة طبيعية.

فهم أعمق للدماغ

* ماذا يحدث داخل الدماغ؟ عند دراسة أدمغة هذه النماذج اكتشف العلماء أن غياب الجين يؤثر في منطقة تُعرف باسم «المخطط الدماغي» وهي منطقة تلعب دوراً مهماً في تنظيم السلوك والعادات الحركية.

كما رصد الباحثون تغيرات في عملية «اللدونة المشبكية» synaptic plasticity وهي قدرة الدماغ على تعديل الروابط بين الخلايا العصبية استجابة للتجارب المختلفة. وتُعد هذه العملية أساسية للتعلم والتكيف مع البيئة.

إضافة إلى ذلك ظهرت تغيرات في الجينات والبروتينات المرتبطة بتكوين غمد الميالين وهو الغلاف الذي يسرّع انتقال الإشارات العصبية بين الخلايا. وتشير هذه النتائج إلى أن الجين يؤثر في دوائر عصبية محددة ترتبط مباشرة بالسلوك الاجتماعي والسلوكيات النمطية.

ويرى الباحثون أن أهمية الدراسة تتجاوز اكتشاف جين جديد مرتبط بالتوحد. فهي تقدم نموذجاً لفهم كيفية ارتباط جينات محددة بسمات سلوكية معينة وهو ما قد يساهم في تطوير علاجات أكثر دقة وشخصية في المستقبل.

* فهم أعمق للسلوك البشري. ويأمل الفريق العلمي في مواصلة دراسة المسارات الجزيئية والخلوية التي يتحكم بها هذا الجين بهدف تحديد أهداف علاجية محتملة تساعد في تخفيف الأعراض الأساسية للتوحد لدى الأشخاص الذين يرغبون في الاستفادة من هذه التدخلات.

تكشف هذه الدراسة جانباً مدهشاً من علم الوراثة الحديث وهو أن أجزاء من الحمض النووي كانت تُعتبر في الماضي عديمة الوظيفة قد تكون مسؤولة عن جوانب أساسية من شخصياتنا وسلوكياتنا.

ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات عملية فإن الاكتشاف يضيف قطعة مهمة إلى لغز التوحد المعقد ويقرب العلماء خطوة أخرى من فهم الكيفية التي تشكل بها الجينات طريقة تفاعلنا مع العالم من حولنا.