الحقيقة الخفية لمفهوم الذكاء

يضم مهارات محددة تشمل قدرات العقل والتعلم والخطط لحل المشاكل

الحقيقة الخفية لمفهوم الذكاء
TT

الحقيقة الخفية لمفهوم الذكاء

الحقيقة الخفية لمفهوم الذكاء

هل الذكاء شيء ما، أنت ولدت وتمتلكه؟ أم أنه مهارة يمكنك صقلها وتطويرها طوال الحياة؟ هل أن الشخص الذي يكون دماغه مليئاً بالحقائق أكثر ذكاءً من فنان يناشد الناس لرؤية العالم بشكل مختلف، أو من عالم رياضيات يصمم تصاميم خوارزمية تمكن الكومبيوتر من التغلب على الإنسان في لعبة الشطرنج؟ هل الكومبيوتر أذكى من الإنسان؟
- جوانب غامضة
الذكاء هو مفهوم غامض حتى أن كتب علم النفس حول موضوع الذكاء مليئة بالأساطير والأخطاء. مع ذلك، فإن البحوث الحديثة تشير إلى أننا توصلنا أخيراً إلى السيطرة على بعض الأسئلة الرئيسية حول الذكاء.
الذكاء هو سرعة في الفهم والبديهة، ونشاط فكري ومعرفي يقوم به العقل، وليس شرطاً أن يكون الذكاء مرتبطاً مع التحصيل الأكاديمي أو المنهجي كما هو معروف عند البعض، فقد يتعدّاه إلى جوانب أخرى كالذكاء الاجتماعي، واللغوي، والرياضي، فيتميز كل شخص بنوعٍ أو أكثر من أنواع الذكاء. ويقول يون في كتابه الموسوم «معجم الحقيقة» Truth lexicon المنشور عام 2017، إن الحقيقة حول الذكاء هي أن الذكاء لا يتحرك أبداً... بل إنه ترقب لكل حركة، وبالتالي فهو خالٍ من أي حركة. لا يمكن أبداً أن يتحرك ولا يحتاج إلى التحرك. الأفكار والمشاعر والعواطف تتحرك دائماً، وبالتالي هي ليست ذكية.
ويعرف جاستن باريسو، مؤلف «الحاصل العاطفي» emotional quotien EQ في مجلة «نيويورك تايمز» الأميركية في يوليو (تموز) 2019، الذكاء العاطفي على أنه قدرة الإنسان على التعرف على العواطف وإدارتها، سواءً كانت عواطفه الخاصة، أو عواطف الأشخاص المُحيطين به،، أما الذكاء الصناعي فهو قدرة الآلة على محاكاة العقل البشري وطريقة عمله، مثل قدرته على التفكير، والاكتشاف والاستفادة من التجارب السابقة.
- مفهوم الذكاء
عندما يتحدث الباحثون عن الذكاء فإنهم يشيرون إلى مجموعة محددة من المهارات التي تشمل قدرات العقل والتعلم والخطط لحل المشاكل. الشيء المثير للاهتمام هو أن الناس الذين يجيدون واحدة من تلك المهارات يجيدون بقية المهارات. يبدو أن هذه المهارات تعكس قدرة عقلية واسعة لُقّبت بالذكاء العام.
يقول ستيوارت ريتشي، باحث في الذكاء من جامعة إدنبرة في المملكة المتحدة في بحثه المنشور في سبتمبر (أيلول) 2019 في مجلة Intelligence، إن هذا لا يعني أن الناس لا يمكن أن يتخصصوا في مجالات مختلفة؛ فبعضهم جيدون بشكل خاص في حل المشاكل الحسابية، والبعض الآخر لديهم قدرات لفظية أو قدرات فضائية، أي التعرف على الفضاء المحيط بهم، وهكذا.
جادل عالم النفس هاورد غاردنر من جامعة هارفارد في الولايات المتحدة في كتابه الموسوم «نظرية غاردنر في الذكاء المتعدد» Gardner›s Theory of Multiple Intelligence المنشور في يوليو 2019 حول الذكاء المتعدد بما في ذلك القدرة الحركية والقدرة على حل المسائل الحسابية أو حتى القدرة الموسيقية. ومع ذلك، فإن معظم الباحثين يعتقدون أن هذه الفئات من الناس تعكس مزيجاً مختلفاً من القدرات والمهارات والسمات الشخصية ولا ترتبط جميعها بالقدرة المعرفية. وبطريقة مماثلة تشير الأبحاث الحديثة إلى أن ما يسمى الذكاء العاطفي هي القدرة على تنظيم عواطف شخص ما وربطها بأشخاص آخرين هو مجرد مزيج من الذكاء العام والشخصية.
أما ريكس جونغ، من جامعة نيومكسيكو، في بحثه المنشور عام 2018 في مجلة «الذكاء» أيضاً فيقول إن فكرة أنك تكون خلاقاً دون أن تكون ذكياً هي أسطورة، فهناك حاجة إلى مستوى معين من الذكاء لاكتساب البيانات الخام لكي تكون خلاقاً. إن ارتفاع معدل الذكاء لدى بعض الناس يبدو أنه يستخدم طاقة أقل عند أداء المهام العقلية، وأن خلاياهم العصبية تنقل الإشارات العصبية أسرع ربما لأن الأدمغة الذكية هي أكثر كفاءة. فكرة أخرى، هي أن الناس الأذكياء لديهم ذكريات أكثر في العمل؛ لذلك يمكن أن يتعاملوا مع المزيد من المعلومات في وقت واحد.
- شحذ الذكاء
هل يمكن أن أكون أكثر ذكاءً؟ البحوث التي نشرت في التسعينات من القرن الماضي في مجلة «نيتشر» أشارت إلى أن أداء الطلاب كان أفضل في اختبارات الذكاء عند استماعهم للموسيقى الكلاسيكية، لكن ذلك لم يقنع الباحثين الآخرين، بل إن دراسات ألعاب الكومبيوتر التي تهدف إلى تحسين العقلية أنتجت نتائج مختلطة جداً، كما يقول ستيورت ريتشي.
في دراسة أخرى، يضيف ريتشي وجماعته، أن استحداث سنة دراسية إضافية من التعليم قد عزز معدل الذكاء من 1 - 5 نقاط، ولا يعني ذلك أننا إذا تركنا الطلاب في المدرسة إلى الأبد سوف يصبحون جميعاً عباقرة في مرحلة ما. لكن بالنظر إلى التباين في التعليم في الوقت الحاضر فإنه يوفر درجه من الدعم؛ إذ إن دراسة الرياضيات وتراكم المعرفة العامة هو تدريب جيد لهذا النوع من التفكير يحتاج إليه الطالب لأداء جيد في اختبارات الذكاء.
التعليم قد يساعد الأطفال أيضاً في الحفاظ على تركيزهم. لكن تأثير ذلك غير واضح تماماً في الكبار؛ إذ ليس بالضرورة أن يكون التعليم في قاعة الدراسة، ففي إحدى الدراسات التي قارنت درجات ذكاء الناس في الأعمار بين سن 11 و70 وجدت أن وجود الشخص في وظيفة أكثر تعقيداً سوف يكون أكثر ذكاء في وقت لاحق حتى لو لم يكن الشخص ذكياً في بداية عمله.
- قياسات واختبارات الذكاء
> هل يمكن قياس مستوى الذكاء؟ أمضى رسل ويم في بحثه المنشور في 2018 في مجلة «أرشيفات علم وظائف الأعضاء العلمية» Archives of Scientific Physiology وقتاً طويلاً في التدقيق في الكتب الجامعية لعلم النفس بصفته أستاذاً لعلم النفس في جامعة يوتا فالي في الولايات المتحدة، وهو لم يكن يبحث عن البصيرة، بل عن الأخطاء. ووجد الكثير منها ثم توصل إلى قناعة بأن من الصعب قياس مستوى الذكاء لدى أي شخص.
• هل تصلح اختبارات الذكاء في الحصول على وظيفة؟ واجهت التطبيقات الخاصة لاختبارات الذكاء أيضاً تفحصاً دقيقاً من الباحثين، وانتقدت كثيراً عند استخدامها لفحص المتقدمين للعمل، حيث يتم اختبار مجموعة فرعية من المهارات المعرفية، فمثلاً لأنها لا تقيس الإبداع ولا السمات البارزة في الشخصية، مثل الاجتهاد أو الضمير أو القدرة على المضي قدماً مع الأشخاص الآخرين. وبناءً على ما تقدم، يفضل إعطاء المتقدمين للعمل فحص اختبار الشخصية وتمريناً عملياً لتقييم مهاراتهم المتعلقة بالوظيفة.
• ما الذي يجعل شخصاً أكثر ذكاءً من الآخر؟ من أسباب عدم مناقشة الكثير من الناس للذكاء هو الاعتقاد بأنه شيء أنت ولدت هكذا معه، ولا تستطيع فعل شيء للتأثير عليه، وهو ما يضعف المساواة الاجتماعية. ومع ذلك، لا يمكن الهرب من حقيقة أن الذكاء موروث إلى حد ما، فقد وجد الباحثون أن معدل ذكاء الأطفال المتبنين عند الولادة قليلي الارتباط مع والديهم بالتبني، لكنهم يرتبطون بعلاقة قوية بوالديهم الحقيقيين، وما هو أكثر من ذلك تصبح هذه العلاقة أقوى كلما كبر الأطفال. وهذا غير بديهي بالنسبة لمعظم الناس.
يقول روبرت بولمن من كينغز كوليدج - لندن في بحثه المنشور في عام 2019 في مجلة «بحوث التوائم والوراثة» Twin Research and Human genetics، إن الناس يعتقدون مع تقدم العمر بمفهوم فظيع، وهو أن الاختلافات البيئية تصبح أكثر أهمية لاعتقادهم أن الجينات تؤثر فقط على ما يحدث أثناء الحمل، وهذا غير صحيح بالطبع. وفي الحقيقة، تشير مئات الدراسات إلى الاتجاه نفسه، وهو أن 50 في المائة من الفرق في الذكاء بين الناس هو بسبب الوراثة.
• هل أصبحت الإنسانية أكثر غباءً؟ على العكس، يبدو أن البشر أصبحوا أكثر ذكاءً، وهي ظاهرة معروفة باسم «تأثير فلين» Flynn effect بعد الدراسة التي أنجزت عام 2015 والتي تم فيها فحص نتائج الاختبار من 48 دولة، وجد أن معدل الذكاء زاد بمعدل 20 نقطة منذ عام 1950، وأكبر المكاسب كانت في البلدان النامية بما فيها الهند والصين. هذا يشير إلى أن تأثير فلين يرتبط بتحسن في الظروف الاجتماعية بما في ذلك التغذية والتعليم.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل تصبح السعودية مركزاً عالمياً لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟

الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
TT

هل تصبح السعودية مركزاً عالمياً لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي؟

الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
الرياض تستعد لمنتدى عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

لسنوات، كان سباق الذكاء الاصطناعي العالمي يُقاس بحجم النماذج وقوة الحوسبة وكميات البيانات والقدرة على تطوير أنظمة أكثر كفاءة. لكن مع انتقال هذه التقنيات من المختبرات إلى المستشفيات والمدارس والمؤسسات الحكومية، ظهر سؤال أكثر تعقيداً: كيف نضمن أن تعمل هذه القوة بصورة آمنة ومسؤولة؟

من هنا، تكتسب موافقة مجلس الوزراء السعودي على النظام الأساس لـ«المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» في الرياض أهمية تتجاوز إنشاء مؤسسة بحثية جديدة. ويعمل المركز تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، بصفته مركزاً من الفئة الثانية، مع دور يمتد إلى البحث وبناء القدرات وتعزيز التعاون، ولا سيما في المنطقة العربية.

لكن أهمية الخطوة تكمن أيضاً في توقيتها؛ فالعالم ينتقل تدريجياً من السؤال عما تستطيع الخوارزميات فعله إلى السؤال عن الحدود التي ينبغي أن تحكم استخدامها.

حين تصبح أخلاقيات الذكاء الاصطناعي قابلة للقياس

من المبادئ إلى التطبيق

> أخلاقيات قابلة للقياس. في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، تبنت الدول الأعضاء في «يونيسكو» أول إطار معياري عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، واضعةً حقوق الإنسان والكرامة البشرية في قلب العلاقة بين الإنسان والخوارزمية.

لكن التحدي العلمي بدأ بعد ذلك: كيف يمكن تحويل مبدأ أخلاقي إلى شيء يمكن قياسه واختباره؟

فالقول إن نظاماً ما منصف لا يكفي علمياً؛ إذ تجب مقارنة أدائه بين مجموعات مختلفة، وقياس معدلات الخطأ والنتائج الإيجابية والسلبية الكاذبة، والتحقق من تأثير العمر أو الجنس أو الخلفية السكانية في نتائجه. ولهذا؛ طورت «يونيسكو» عام 2023 «منهجية تقييم الجاهزية» (RAM)، التي تضم 195 سؤالاً تغطي خمسة أبعاد: القانون والتنظيم، والمجتمع والثقافة، والعلوم والتعليم، والاقتصاد، والبنية التقنية، والتحتية. وطُبقت المنهجية في أكثر من 75 دولة.

وتكشف النتائج عن حجم الفجوة بين المبدأ والتطبيق. فقد بلغت تغطية الأسئلة المتعلقة بترتيبات الحوكمة نحو 71 في المائة، لكنها انخفضت إلى 48 في المائة في البعد التقني والبنية التحتية، و41 في المائة في الجانب القانوني والتنظيمي. وفي المقابل، حددت 96 في المائة من الدول المشمولة وزارات أو جهات مسؤولة. وهكذا لم يعد السؤال: ما القيم التي نريدها؟ بل كيف نعرف أن الأنظمة تلتزم بها فعلاً؟

منصة عالمية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي

> الاختبار الأصعب... في المستشفى. وتصبح الإجابة أكثر إلحاحاً داخل المستشفى، حيث يمكن أن تتحول النتيجة الخاطئة من رقم في دراسة إلى قرار يمس حياة مريض. فقد يحقق نموذج لقراءة الأشعة أداءً مرتفعاً إجمالاً، لكنه يفشل بصورة أكبر لدى فئة سكانية لم تكن ممثلة بما يكفي في بيانات التدريب. كما أن تغيير عتبة الإنذار في نظام للتنبؤ السريري قد يزيد قدرته على اكتشاف الحالات، لكنه قد يرفع أيضاً عدد الإنذارات الكاذبة وما يتبعها من فحوص أو تدخلات غير ضرورية.

وتزداد الحساسية مع النماذج التوليدية؛ فالجواب قد يبدو مقنعاً لغوياً حتى عندما تكون المعلومة الطبية غير دقيقة.

وتظهر المعضلة عندما يختلف الطبيب والنظام. فإذا صنّف برنامج للأشعة آفةً بأنها منخفضة الخطورة، في حين يرى الاختصاصي ما يستدعي مزيداً من الفحص، فلا ينبغي أن يتحول التفوق الحسابي سلطةً تلغي الحكم السريري.

لهذا؛ يجب ألا ينتهي تقييم التقنيات الطبية عند إدخالها إلى المستشفى؛ فقد يتغير أداؤها باختلاف السكان والأجهزة وأنماط المرض. وهنا يصبح السؤال: متى نثق بالنتيجة، ومتى نراجعها، ومتى نتوقف عن استخدام النظام؟

من مواكبة الثورة إلى المشاركة في صياغة مستقبلها

سبتمبر... اختبار للدور الجديد

> لماذا الرياض؟ يأتي اختيار الرياض في بيئة تشهد توسعاً سريعاً في البنية الوطنية للبيانات والتقنيات الذكية ضمن التحول الرقمي الذي تقوده «رؤية السعودية 2030».

فالمملكة طورت استراتيجيتها الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، واستثمرت في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والبنية التحتية الرقمية، بالتوازي مع تطوير نماذج عربية مثل «علّام» (ALLaM).

ويمنح تركيز المركز على منطقة الدول العربية مهمته بعداً إضافياً؛ فالأنظمة الذكية لا تعمل في فراغ. واللغة والبيانات والتركيبة السكانية والبيئة الصحية والتعليمية كلها متغيرات يمكن أن تؤثر في النتائج.

فنموذج دُرّب أساساً على بيانات من مجتمعات أخرى قد لا يلتقط الخصائص العربية اللغوية أو السكانية أو السريرية بالدقة نفسها. ولذلك؛ فإن نقل التقنية من بيئة إلى أخرى لا يعني انتقال صلاحيتها تلقائياً معها.

> منتدى عالمي. وسيأتي اختبار مبكر لهذا الدور عندما تستضيف الرياض، من 14 إلى 17 سبتمبر (أيلول) 2026، النسخة الرابعة من «منتدى يونيسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، بالشراكة بين «يونيسكو» والمملكة ممثلة في الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) والمركز الدولي. وبعد خمس سنوات من اعتماد توصية 2021، يمكن للنقاش أن ينتقل من صياغة المبادئ إلى مقارنة ما حدث عند تطبيقها في عشرات الدول: ما الذي نجح؟ وأين ظهرت الفجوات؟ وما الذي يمكن نقله بين المجتمعات؟

«المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» يفتح مرحلة جديدة

وبالنسبة إلى المنطقة، تبرز أسئلة أكثر تحديداً: كيف تُختبر النماذج التي تتعامل مع العربية ولهجاتها؟ وهل تمثل مجموعات البيانات سكان المنطقة بما يكفي؟ وكيف تُقيّم الأنظمة الطبية أو التعليمية المطورة في الخارج قبل استخدامها محلياً؟

هنا، قد تكمن القيمة الأبعد للمركز: أن تصبح الرياض منصة لإنتاج بيانات مقارنة وأدوات للاختبار وبناء شبكات بحثية تربط الخبرة العربية بالمعرفة الدولية.

فالاختبار الحقيقي لن يكون في عدد المؤتمرات أو الوثائق التي تصدر، بل في المعرفة التي يمكن تحويلها ممارسةً.

وعندها قد يتغير السؤال من: هل يستطيع العالم العربي مواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي؟

إلى سؤال أكثر طموحاً: هل يستطيع أن يشارك في كتابة قواعدها؟


«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان
TT

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

«مفاتيح وراثية رئيسية» تقود نمو السرطان

لطالما ركزت أبحاث السرطان على الجينات نفسها بصفتها المحرك الرئيس لنشوء الأورام، إلا أن العلماء يدركون اليوم أن تشغيل هذه الجينات أو إيقافها لا يقل أهمية عن الجينات ذاتها. ويقود هذا الدور في التشغيل أجزاء صغيرة من الحمض النووي تُعرف باسم «المعززات الوراثية»، وهي بمثابة «مفاتيح تشغيل» تتحكم في توقيت نشاط الجينات وشدة تعبيرها.

وقد كشفت دراسة جديدة عن أن هذه المفاتيح لا تعمل بصورة منفردة كما كان يُعتقد، بل تتعاون ضمن شبكات ثلاثية الأبعاد معقدة تتصدرها مجموعة محدودة من «المفاتيح الرئيسية» master switches التي تنسق عمل عشرات المفاتيح الأخرى. ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Genome Biology في 23 يوليو (تموز) 2026. وهي توفر فهماً أعمق للكيفية التي ينشأ بها سرطان البروستاتا، كما قد تمهد الطريق لتطوير جيل جديد من العلاجات الجينية الموجهة.

وقال الدكتور سوهن كيونغ ري، أستاذ بيولوجيا السرطان المساعد في كلية كيك للطب بجامعة جنوب كاليفورنيا والباحث الرئيس في الدراسة: أظهرنا للمرة الأولى أن المعززات الوراثية Enhancers تعمل وفق نظام هرمي، فبعضها يؤدي دور المفاتيح الرئيسية التي تنظم نشاط كثير من المعززات والجينات الأخرى، في حين يقتصر دور بعضها الآخر على دعم هذا النشاط.

معززات وراثية

• ما وراء الحمض النووي المهمل. وتعزز هذه النتائج أيضاً الفهم المتزايد لأهمية الحمض النووي غير المشفر الذي يشكل نحو 99 في المائة من الجينوم البشري. فبعد أن كان يُوصف لعقود بأنه «حمض نووي مهمل» أصبح من الواضح أنه يؤدي دوراً محورياً في تنظيم نشاط الجينات.

وتقع المعززات الوراثية ضمن هذه المناطق غير المشفرة؛ فهي لا تنتج بروتينات بنفسها وإنما تعمل كمفاتيح تتحكم في تشغيل الجينات المجاورة أو إيقافها تماماً، كما يتحكم مفتاح كهربائي في تشغيل دائرة كاملة.

ويرى الباحثون أن أي خلل في عمل هذه المفاتيح قد يؤدي إلى تنشيط الجينات المحفزة للسرطان، وبالتالي دفع الخلايا إلى النمو والانقسام بصورة غير طبيعية.

• رسم خريطة ثلاثية الأبعاد لشبكات السرطان. ولفهم كيفية عمل هذه المعززات حلل الباحثون 201 مجموعة من البيانات الجينية المستخلصة من أنسجة بروستاتا سليمة وأخرى مصابة بالسرطان. وتمكنوا من تحديد 3216 معززاً وراثياً ينشط بصورة خاصة في خلايا سرطان البروستاتا.

وباستخدام تقنية متطورة لرسم البنية ثلاثية الأبعاد للحمض النووي بدقة عالية؛ اكتشف الفريق أن هذه المعززات لا تعمل بشكل منفصل، بل ترتبط ببعضها في شبكة ثلاثية الأبعاد معقدة لا توجد في الخلايا الطبيعية.

وتتيح هذه الشبكة للمعززات التعاون فيما بينها؛ ما يعزز نشاطها الجماعي ويؤدي إلى تشغيل عدد كبير من الجينات المسؤولة عن نمو الورم.

• مفاتيح تتحكم بالشبكة بأكملها. ولمعرفة أهمية كل معزز؛ استخدم الباحثون تقنية التحرير الجيني كريسبر CRISPR لحذف المعززات واحداً تلو الآخر ثم راقبوا تأثير ذلك في نشاط الجينات ونمو الخلايا السرطانية.

وأظهرت النتائج أن المعززات ليست جميعها متساوية في الأهمية. فحذف بعض المعززات لم يترك أثراً يُذكر، في حين أدى حذف عدد محدود من «المعززات المركزية» central enhancers إلى انهيار الشبكة بأكملها وانخفاض نشاط معززات أخرى وإيقاف تشغيل كثير من الجينات المحفزة للسرطان، فضلاً عن إبطاء نمو الخلايا السرطانية بشكل ملحوظ.

وتشير هذه النتائج إلى أن تلك المعززات تعمل كمراكز تحكم رئيسية تنسق نشاط شبكة واسعة من المفاتيح الوراثية.

«المعززات الوراثية» تعمل كمفاتيح تشغيل تتحكم في توقيت نشاط الجينات وشدته

هدف جديد لعلاج السرطان

ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يغير طريقة تطوير علاجات السرطان مستقبلاً. فبدلاً من استهداف جين واحد في كل مرة قد يصبح بالإمكان تعديل هذه «المفاتيح الرئيسية» للتحكم في نشاط عشرات الجينات المرتبطة بالسرطان في آن واحد.

ومع ذلك، يؤكد العلماء أن الطريق لا يزال طويلاً قبل تحويل هذه الفكرة علاجاً سريرياً؛ إذ ينبغي أولاً التأكد من أن استهداف المعززات الصحيحة لن يؤدي إلى تأثيرات جانبية غير مرغوبة؛ نظراً إلى دورها الواسع في تنظيم وظائف الخلية.

ويعتقد الباحثون أن المبادئ التي كشفت عنها الدراسة لا تقتصر على سرطان البروستاتا، بل قد تنطبق على أنواع عدّة من السرطان وأمراض أخرى.

ويعمل الفريق حالياً على دراسة دور شبكات المعززات الوراثية في سرطان الثدي، إضافة إلى بحث علاقتها بمقاومة الأورام للعلاجات الحالية.

وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية في ظل النجاح الذي حققه أول علاج معتمد يعتمد على تحرير الجينات وهو دواء Casgevy الذي يستهدف أحد المعززات الوراثية لعلاج فقر الدم المنجلي والثلاسيميا المعتمدة على نقل الدم؛ ما يؤكد أن استهداف هذه المفاتيح الجينية يمكن أن يتحول استراتيجيةً علاجية فعالة.

ورغم أن الدراسة لا تزال في إطار الأبحاث الأساسية، فإنها تقدم واحدة من أوضح الصور حتى الآن عن الكيفية التي تُدار بها شبكة التحكم الوراثية داخل الخلايا. كما تفتح الباب أمام جيل جديد من العلاجات الدقيقة التي قد تستهدف البنية التنظيمية للجينوم بدلاً من التركيز على الجينات منفردة في خطوة قد تغير مستقبل علاج السرطان.


ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة
TT

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

ليزرات لإعادة شحن الطائرات المسيَّرة

قد تشكل محدودية عمر البطارية عائقاً أمام الاستفادة الكاملة من الطائرات المسيّرة في حالات الاستجابة للكوارث، وفحص البنية التحتية، أو توصيل الإمدادات. وفي هذا السياق، نجح باحثون في الصين في تطوير نظام جديد يتيح نقل الطاقة إلى الطائرة المسيَّرة أثناء تحليقها باستخدام أشعة الليزر. وأكد الباحثون أن هذا الابتكار قد يُسهم في إطالة زمن الطيران بشكل كبير.

مستقبِلات أشعة الليزر

ومن المعلوم أن الكثير من الطائرات المسيَّرة تعتمد حالياً على بطاريات، لا تسمح لها بالبقاء محلقة لأكثر من ساعة في كثير من الحالات، قبل أن تضطر إلى الهبوط لإعادة التزود بالوقود أو الاستعانة ببطارية جديدة. ويفرض ذلك قيوداً صارمة على تنفيذ مهام طويلة، مثل توصيل الطرود لمسافات بعيدة، أو مسح مناطق واسعة، أو تنفيذ عمليات البحث والإنقاذ.

وفي محاولة لتجاوز هذه العقبة، قدّم فريق بحثي من جامعة الطيران المدني الصينية، بمدينة تيانجين، وجامعة تسينغهوا في بكين، مقترحاً لبناء نظام ينقل الطاقة إلى الطائرة في أثناء تحليقها عبر أشعة الليزر. وصمّم الفريق مستقبلاً مبتكراً يعتمد على «البيروفسكايت»، وهي فئة من المواد تُستخدم عادة في الألواح الشمسية. ويتميّز جهاز الاستقبال هذا، البالغة مساحته سنتيمترين مربعين، بخفة وزنه بما يسمح بتركيبه أسفل جناح الطائرة، فضلاً عن كفاءته التي تمكّنه من تشغيل مروحة.

وكتب المؤلف الرئيس للدراسة جيان هوا هان، الأستاذ المشارك في جامعة الطيران المدني الصينية، في رسالة بريد إلكتروني مع مجلة «سبيكتروم» الأميركية: «يشكل نقص سعة البطارية عائقاً عملياً بالغ الخطورة أمام عمليات الطائرات المسيّرة طويلة المدى. وفي ظل هذا النظام الجديد، تُصدر أجهزة الإرسال الأرضية أو المحمولة جواً، أشعة ليزر لتزويد الطائرات المسيَّرة بالطاقة بشكل مستمر في أثناء تحليقها».

إن فكرة نقل الطاقة عبر أشعة الليزر ليست بالأمر الجديد. ويكمن التحدي الأكبر هنا في أنّ تعريض جهاز الاستقبال لكثافة عالية من الضوء، يؤدي إلى ارتفاع سريع في حرارته، مما يقلل من كفاءة التحويل بشدة، وقد يتسبب في تلفه نهاية الأمر. وعليه، سعى الباحثون إلى صياغة مستقبل قادر على تحمّل التشغيل لفترات طويلة، دون فقدان الكفاءة.

واعتمد الفريق البحثي على مركّب «بروميد الرصاص السيزيومي» من عائلة البيروفسكايت، لما يتمتع به من استقرار عالٍ، يجعله مناسباً للعمل في درجات حرارة مرتفعة، وفي ظل تعرّض مستمر للإشعاع. كما أنّ مواد البيروفسكايت عموماً أقل تكلفة وأسهل تصنيعاً، مقارنة بمواد كهروضوئية أخرى، إضافة إلى قدرتها العالية على امتصاص الضوء.

ويتكوّن التصميم من طبقة البيروفسكايت فوق قطب كربوني، يعمل على جمع التيار الكهربائي الناتج، بينما توضع أسفلها طبقة حرارية كهربائية تستفيد من الحرارة المهدرة، الناتجة عن تسليط الليزر لتوليد طاقة إضافية. وقد نُشرت تفاصيل هذا الابتكار في دراسة علمية أواخر يوليو (تموز) بدورية Matter & Light («المادة والضوء»).

غير أنّ القطب الكربوني يمتاز كذلك بقدرته العالية على تحويل الفوتونات الواردة إلى حرارة، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المستقبل بسرعة، لتصل إلى نحو 85 درجة مئوية. وهذا الأمر ينعكس سلباً على كفاءته. ولمعالجة هذه المشكلة، أضاف الباحثون قضباناً نانوية دقيقة من «سيلينيد الأنتيمون» إلى القطب الكربوني، يتراوح قطرها بين 50 و80 نانومتراً تقريباً، لحماية طبقة البيروفسكايت. وتمتاز هذه الجسيمات بانخفاض قدرتها على توصيل الحرارية، مما يجعلها تعمل بمثابة حاجز يقلل انتقال الحرارة، وفي الوقت نفسه تُحسّن من تدفّق التيار الكهربائي من طبقة البيروفسكايت إلى القطب.

اختبار «أرضي» ناجح

ولاختبار جهاز الاستقبال، أطلق الفريق شعاع ليزر أخضر بقدرة 5 واط على المنطقة النشطة في المستقبل، البالغ مساحتها 12 مليمتراً مربعاً، مع نفخ الهواء فوق سطحه لمحاكاة تدفق الهواء في أثناء التحليق، الأمر الذي يعزز كفاءة الطبقة الكهروحرارية. وأفاد الباحثون بكفاءة تحويل طاقة تقارب 39 في المائة، ما يكفي لتشغيل مروحة قطرها 6.7 سنتيمتر بسرعة 7820 دورة في الدقيقة.

وسعياً نحو مزيد من التطوير، حاول الفريق دمج جهاز الاستقبال في نموذج ثابت لطائرة مسيَّرة ذات جناح ثابت. ولتعزيز كفاءته، أنشأوا قنوات هوائية في جناح الطائرة لتوجيه الهواء فوق الطبقة الكهروحرارية، مما يُسهم في تبريدها. وعندما سلطوا شعاع الليزر الأخضر على جهاز الاستقبال، ولّد طاقة كافية لتشغيل مروحة مثبتة على الجناح بسرعة تتراوح بين 1200 و1450 دورة في الدقيقة لمدة نحو دقيقة.

ولم يختبر الباحثون الجهاز على طائرة مسيَّرة. وأقر هان بأنّ الاعتماد فقط على نتائج المحاكاة الأرضية يُعدّ أحد قيود الدراسة. وقال: «قد يتساءل الباحثون عمّا إذا كان بالإمكان الحفاظ على الأداء المختبري المتميز في الظروف الخارجية، بما في ذلك هبوب الرياح الطبيعية، وتغيّر درجات الحرارة، وتداخل ضوء الشمس، والاهتزازات والتذبذبات الطبيعية للطائرات المسيّرة».

وأقر هان كذلك بأنّ استهداف مركبة متحركة بشعاع ليزر عالي الطاقة بشكل آمن وفعَّال سينطوي على تحدٍ هندسي معقد، موضحاً أنه: «تُمثّل سلامة الليزر الشاغل الأبرز، ويقصد به كيفية منع أشعة الليزر من التداخل مع الطائرات الأخرى وتعريض حياة الكائنات الحية الأرضية للخطر».

ويركّز فريقه في الوقت الحاضر بشكل أساسي على تطوير جهاز الاستقبال. إلا أنه أشار إلى أن مجموعات أخرى تعمل على تقنيات استهداف الشعاع، بالإضافة إلى طرق لتفعيل إيقاف الليزر في غضون أجزاء من الثانية في حال عبور أي شيء مسار شعاع الليزر، عن غير قصد. كما يواصل فريقه العمل على المرحلة التالية من المشروع التي ستتضمن اختبارات طيران على طائرة مسيَّرة خفيفة الوزن. وقال: «هدفنا الواضح تحقيق طيران المسيرة باستخدام الليزر، إذ إنه حتى التحليق لفترة قصيرة يمثل نقلة نوعية من مرحلة اختبارات إثبات المفهوم إلى التحقق الفعلي من الطيران».