«أوفسايد الخرطوم»... يكشف تناقضات المجتمع السوداني خارج الملعب

«أوفسايد الخرطوم»... يكشف تناقضات المجتمع السوداني خارج الملعب

مروى زين لـ«الشرق الأوسط»: سعيدة بالصحوة السينمائية في بلادي
الأحد - 10 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 08 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14985]
المخرجة السودانية مروى زين
القاهرة: انتصار دردير

يتجاوز الفيلم الوثائقي الطويل «أوفسايد الخرطوم»، فكرة تأسيس فريق كرة قدم نسائي وسط حظر ديني ومجتمعي إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، فهو فيلم عن الحرية والحق في الحياة، وعن الواقع الاجتماعي الصعب وسيطرة «الإسلام السياسي» على المجتمع السوداني قبل الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير، هنا تصبح كرة القدم رمزا للثورة، وضرورة لإحداث تغيير ما يجعل الفيلم حاملا إرهاصات الثورة التي قامت في مجتمع يتطلع إلى حريته ولم يعد قادرا على تحمل المزيد من القيود، وفقا لمخرجة الفيلم السودانية مروى زين.

يعد «أوفسايد الخرطوم» ثالث الأفلام السودانية التي حقّقت صحوة سينمائية كبيرة هذا العام، وأعادت السينما إلى صدارة المشهد في السودان بعدما توارت سنوات طويلة، ليكمل الضلع الثالث في مثلث التفوق الذي بدأه أمجد أبو العلا بفيلمه الروائي الطويل «ستموت في العشرين»، وصهيب قسم الباري بفيلمه الوثائقي الطويل «حديث عن الأشجار»، قبل عرض «أوفسايد الخرطوم» أخيراً ضمن مسابقة آفاق عربية بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي خلال دورته الـ41.

تدور أحداث الفيلم من خلال مجموعة من النساء الشابات اللاتي يقررن تحدي الحظر المفروض من قبل الحكم العسكري الإسلامي للبلاد، ويؤسسن فريق كرة قدم احترافيا، ويواجهن رفض السلطات والمجتمع، لكنهن يفشلن في الحصول على تصريح رسمي بتكوينه لكن الإصرار يدفعهن إلى المقاومة وتنظيم مباراة يشهدها محبو كرة القدم ويعجبن بأدائهن وتقود سارة إدوارد الفريق لإثبات حقهن في ممارسة الرياضة التي يحببنها، تتصاعد الأزمة باعتراضات إعلامية تستنكر تكوين فريق نسائي لكنهن يواصلن المسيرة حتى يثبتن وجودهن. تستعين المخرجة بوقائع سابقة كانت الحرية متاحة للنساء حيث تم تكوين أول فريق لكرة القدم في سبعينات القرن الماضي.

مروى زين هي كاتبة ومخرجة ومنتجة الفيلم ومصورته أيضاً، وعبرت بالدموع عن فرحتها بردود الأفعال التي تلقتها عقب عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي بعد تتويجه بجوائز عديدة في مهرجانات دولية.

قالت زين في حوارها مع «الشرق الأوسط»: «أنا مزيج من عدة مجتمعات عربية فأهلي من السودان، وولدت في السعودية وقضيت بها سنوات طفولتي حتى 12 عاما ثم جئت إلى مصر وقضيت بها سنوات عمري حتى الآن، ودرست في معهد السينما بالقاهرة وأحببت السينما من خلال أساتذتي بالمعهد ومنهم المخرج الكبير علي بدرخان، ود. يحيى عزمي، ود. نجوى محروس وغيرهم، كما أنّني تعلمت من كبار المخرجين التسجيليين ومنهم الراحلة عطيات الأبنودي ونادية كامل وتهاني راشد».

«أوفسايد» التي اختارتها المخرجة عنوانا لفيلمها تعني في قوانين كرة القدم التسلل، وتوضح مروى ذلك قائلة: «عنوان الفيلم مستمد من طبيعته لأنّ التصوير جرى على هامش الخرطوم فالتسلل هو الطريقة التي صُوّر بها الفيلم، والكاميرا المهزوزة التي كنت أحاول بها تخطي الصراعات حتى ولو بالتسلل، والعنوان يعكس أنّنا نظل على الهامش، فالعالم يشاهد صورة نمطية للمجتمع السوداني وأفريقيا وقد أردت أن أغير هذه الصورة وأعكس صورة حقيقية من خلال الفيلم».

يركز الفيلم بشكل كبير على سارة إدوارد اللاعبة التي تقود الفريق وينقل كثيرا من المشاهد الكاشفة للمجتمع السوداني، تقول مروى عن بطلتها: «سارة بالنسبة لي هي رمز النضال ورمز لوحدة السودان فهي من الشمال والجنوب وتتمتع بصلابة وذات شخصية ملهمة، تذكرني بالملكات في التاريخ وأنا ممتنة جدا لها، وقد شاهدت الفيلم معي عند عرضه في الدنمارك وسعدت كثيرا به».

استغرق تصوير الفيلم 4 سنوات من 2014 إلى 2018 وشهد فترات توقف عديدة، انتظارا للدعم أو الحصول على تصريح. وتوضح زين رحلة الفيلم قائلة: «بدأت بفكرة تقديم فيلم قصير مدته 10 دقائق عن فريق كرة القدم النسائي بالسودان من خلال (مؤسسة رؤية)، وكانت المرة الأولى التي أزور فيها السودان في حياتي، فإذا بي أعيد اكتشاف بلادي وبقيت بها طويلا وعرفتها أكثر، وقابلت صعوبات عديدة ولم أشأ أن أستعين بمدير تصوير لخصوصية تصوير فتيات، فحملت الكاميرا وصورتهم بنفسي، مثلما وضعت إطاراً للفيلم وليس سيناريو مكتوبا، لكنّي أيضا لم أترك التصوير للصدفة ومشاعر اللحظة ووضعت إطاراً مبنيا على رؤيتي الشخصية. وتشير إلى أنّ «الفيلم لا يحكي فقط عن فريق الكرة بل عن السودان وعن تناقضات المجتمع بشكل عام».

تخرجت مروى في معهد السينما عام 2009 وعملت كمساعد مخرج مع كبار المخرجين أمثال داود عبد السيد وخيري بشارة وهالة خليل.

وعرض «أوفسايد الخرطوم» لأول مرة عالميا في الدورة الأخيرة من مهرجان برلين السينمائي في ألمانيا، وشارك في كافة المهرجانات الدولية المختصة بالأفلام الوثائقية في سويسرا وكندا والدنمارك، كما حصل على جائزة الأوسكار الأفريقي لأفضل فيلم، وجائزة العمل الأول في مهرجان قرطاج، وجائزة لجنة التحكيم من مهرجان مالمو في السويد.

وعبرت مروى عن سعادتها الكبيرة بالصحوة السينمائية السودانية خلال الآونة الأخيرة التي تعدّ نفسها جزءا منها، خصوصاً بعدما نال فيلمها جوائز متنوعة وإشادات لافتة من الجمهور. وتستعد حاليا لعرض فيلمها في السودان بعد عرضه في أكثر من مدينة حول العالم: «أتمنى أن يشاهده الرجال والنساء هناك وأن يكون ملهما لهم».


السودان سينما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة