بيوت الأزياء الكبيرة والزبائن أكثر وعياً بأهمية الاستدامة

الأناقة الكلاسيكية تتصدى للموضة السريعة بالحرفية

من اقتراحات «إترو» ......«بيربري»
من اقتراحات «إترو» ......«بيربري»
TT

بيوت الأزياء الكبيرة والزبائن أكثر وعياً بأهمية الاستدامة

من اقتراحات «إترو» ......«بيربري»
من اقتراحات «إترو» ......«بيربري»

من وقت لآخر، وعند متابعة عروض الأزياء، نتفاجأ بصور تثير الانتباه والإعجاب على حد سواء، لأن المصمم يلتقط فيها روح عصره، أو على الأقل تلك الحالة المزاجية المرتبطة بفترة بعينها. وفي عروض الموسم الحالي، انطبقت هذه الحالة على ما قدمه المصمم هادي سليمان. كان ذلك عرضه الثاني لدار «سيلين» الفرنسية، دار الأزياء التي أسستها سيلين فيبيانا في عام 1945، وفاحت منها رائحة بورجوازية خفيفة تتحدى سنوات الحرب العجاف، وتوالت عليها العقود والمصممون الذين أمدها كل واحد منهم بروح عصره وثقافته، ثم جاء هادي سليمان ليعيد رسم هذه الصورة البورجوازية بلغة عصرية تحمل كثيراً من ألق الدار في حقبة السبعينات.
ما أكسبه رضا وسائل الإعلام التي شنت عليه حملة شنعاء في السابق أنه لم يكتفِ باحترام إرث المؤسسة فحسب، بل زاد عليه عدم تنكره لأسلوب البريطانية فيبي فيلو، المصممة التي تسلم المشعل منها، بعد محاولته أن يمحو أسلوبها تماماً في تشكيلته الأولى. وقتها، قامت الدنيا عليه ولم تقعد، واتهم بأنه تعدى خطاً أحمر، فهي تتمتع بزبونات مخلصات لأسلوبها الذي يجمع الحداثة بالرقي. وفي تشكيلته للخريف والشتاء الحاليين، صحح الوضع، وقدم تصميمات ظهرت فيها لمحات من بصمتها الهندسية المعاصرة، مع رشة روح بورجوازية واضحة، اعتمد فيها على أقمشة مترفة، مثل الـ«كريب دي شين» والكشمير، في سترات مفصلة وأكسسوارات جلدية نالت الرضا والإعجاب معاً، فضلاً عن قمصان تعقد حول العنق أو تنورات بطيات أو معاطف بأحجام كبيرة.
ورغم نجاح محاولته الثانية في دار «سيلين»، لا يمكن القول إن القطع التي ابتكرها هادي سليمان كانت ثورية أو مختلفة عما قدمه غيره من المصممين هذا الموسم. جديده، أو بالأحرى نجاحه، يكمن في قدرته على ضخ روح ديناميكية على هذه القطع، وفي جعلها تلمس وتراً حساساً بداخل زبونات من الجيل الصاعد، راقت له صورتها «البورجوازية» وحنينها إلى الزمن الجميل.
نظرة سريعة إلى باقي عروض أزياء هذا الموسم تؤكد أن هادي سليمان لم يكن الوحيد الذي انتهج هذا الأسلوب، وأن ترجمة أناقة أيام زمان بلغة العصر كان توجهاً عاماً، بل يمكن القول إنه كان منافساً قوياً للأسلوب «السبور» المستقى من ثقافة الشارع الذي اكتسح ساحة الموضة منذ سنوات. صحيح أن هذا الأخير لم يختفِ تماماً، ولن يختفي في المستقبل القريب، إلا أن الاستقبال الحار لمضاده «الكلاسيكي» كان إشارة إلى أن الأذواق لا تختلف فحسب، بل إن التخمة من ثقافة الشارع قد بدأت تصيب البعض.
وهذا ما أكدته فون دير غولتز، مدير شؤون المشتريات العالمية في موقع التسوق الإلكتروني «نيت أ بورتيه»، بقولها إن الحديث عن التصاميم الكلاسيكية بدأ يتعالى منذ موسمين تقريباً، وتجسد في ظهور سترات مفصلة وفساتين رومانسية تناسب كل زمان ومكان. وتُفسر ذلك بأن الرغبة في الاستثمار كانت دافعاً قوياً عزز هذا التوجه، إلى جانب الموضة المستدامة. فبينما تريد المرأة الناضجة أزياء راقية تعبر عنها، وعن مكانتها وسنها، بغض النظر عن أسعارها، تريد الزبونات صغيرات السن هن أيضاً أزياء تعبر عن رغبتهن في موضة مستدامة. وهذا يعني أنهن يتفقن مع أمهاتهن على أن جمال التصاميم المائلة إلى الكلاسيكية، وتُنفذ بحرفية عالية، يكمن في أنها لا تستدعي تغييرها في كل موسم، وهذا يعني أنها هي «الموضة» الحقيقية. كل هذا يجعل فكرة تقنين صناعة الأزياء لضمان المستقبل، ولو من خلال مقاومة الموضة السريعة، تُلح على صناع الموضة ومتابعيها على حد سواء في الوقت الحالي. من هذا المنظور، كان من البديهي أن تنتعش أعمال بعض المصممين المستقلين، مثل المصممة غابرييلا هيرست التي تتبنى مفهوم الاستدامة في كل قطعة تطرحها، وتشهد تصاميمها إقبالاً ملحوظاً، رغم خطوطها البسيطة جداً. ومثلها آخرون جسدوا هذا المفهوم في فساتين وتنورات تغطي الركبة، وتفاصيل مبتكرة تجعل من كل قطعة تحفة قائمة بذاتها، سواء بالتركيز على الأكمام أو الياقات.
الأختان ماري كيت وآشلي أولسن، مؤسستا علامة «ذي رو»، مثلاً قدمتا قطعاً منفصلة تعبر عن هذه الروح العصرية من خلال معاطف طويلة وبنطلونات واسعة ومستقيمة، ودور أزياء كبيرة مثل «بيربري» و«تودز» من خلال ألوان طبيعية وخامات مترفة، بينما أعادت «شانيل» السترات ذات الرقبة المستديرة إلى الواجهة مرة أخرى، وجاكيتات التويد بكل الأطوال. والمعطف الكلاسيكي، بلونه الجملي، عاود الظهور بدوره في عدد لا يحصى من عروض الأزياء، بما في ذلك «جيفنشي»، حيث ضخته مصممة الدار كلير وايت كيلر بجرعة درامية قوية، اعتمدت فيها على حزام يحدد الخصر وأكمام منتفخة. وعلامة «أغنونا» أطلقت على تشكيلتها عنوان «إتيرنال»، أي للأبد، وهي التي تكونت من سترات بصفين من الأزرار من الكشمير، وبألوان هادئة مثل الجملي. أما «شانيل» فقدمت ملابس أكثر فخامة، حيث نجد قطعة تشبه العباءة، لكن قصيرة ومن دون أكمام من الفرو، نسقتها مع بنطلون أسود يتسع بالتدريج من عند الركبة إلى الكاحل، مصنوع من الكشمير أو الصوف، وبلوزة مصنوعة من الصوف بلون الكريم، إلى جانب عدة جاكيتات طويلة وواسعة. ومن جهتها، قدمت علامة «ميو ميو» سترات مشابهة، بعضها من دون أكمام، باللون الأزرق الكحلي من الصوف، نسقتها مع قمصان برقبة عالية وربطات عنق بشكل الفراشة.
ومن بين العناصر الرئيسية في هذا التيار الجديد القمصان البيضاء التي تكمل أي إطلالة مهما كانت أهميتها ومناسبتها. والجديد فيها أن المصممين أولوها أهمية كبيرة، بإدخال تفاصيل خفيفة تحترم كلاسيكيتها، وفي الوقت ذاته مبتكرة حتى تناسب ذائقة جيل صاعد. قدمتها دار «لويس فويتون» مثلاً بياقة بكشاكش، ودار «فندي» من الجلد، بينما قدم المصمم نبيل نايال مجموعة درامية استقاها من التاريخ، بتفاصيل مبتكرة مثل قميص من قطن البوبلين، تتصدره مريلة. وتجدر الإشارة إلى أن نبيل كان قد باع أول قميص أبيض للمصمم الراحل كارل لاغرفيلد في عام 2015، عندما شارك في مسابقة جائزة «إل في إم إتش»، ووصل إلى النهائيات، ولم يتوقف منذ ذلك الحين على التفنن في هذه القطعة.
ولا يمكن الحديث عن هذا التوجه من دون التطرق إلى أسماء شابة تتبنى الحركة الكلاسيكية المعاصرة، وتعمل بكل قواها على بث الحياة فيها من جديد، مثل: المصمم البريطاني دانييل لي الذي أضاف لمسة مفعمة بالحيوية على دار «بوتيغا فينيتا»، من خلال فساتين أحادية الألوان، بعضها من صوف الموهير مع حزام جلدي مزود بحليات ذهبية وبعضها من الكشمير أو الحرير؛ أو المصممة إميليا ويكستيد التي رسخت أسلوبها هذا منذ عام 2008، ولم تحد عنه في أي فترة من الفترات، فمنذ بدايتها وهي تركز على إبداع تصاميم تستثمر فيها الزبونة. وفي هذا الصدد، تشرح أن مبدأها «كان دوماً التشجيع على شراء قطع يمكن الاحتفاظ بها إلى الأبد، عوض تغييرها في موسم»، وتستدل على هذا ببدلة من «شانيل»، وكيف أنها من الكلاسيكيات التي يمكن ارتداؤها لسنوات، ثم توريثها للحفيدات من دون أن تبدو «دقة قديمة» أو خارج الزمن.
والملاحظ أن أسلوب ويكستيد واضح لا تخطئه العين، بخطوطه الهندسية وأحجامه السخية. فالتنورات دائماً طويلة والألوان غنية، ومع ذلك تُقبل عليها المرأة من كل الأعمار والمقاسات لأنها متوازنة. وتقول المصممة إن الطلب على القطع عالية الجودة غير مقيد بحقبة أو بشريحة بعينها «ففي كل الفترات، هناك زبونات يرغبن في أزياء فريدة من نوعها ومميزة»، بيد أنها لا تُنكر أن تنامي الجدل حول الموضة المستدامة زاد من هذه الرغبة، وجعلها أكثر إلحاحاً على صناع الموضة ككل، وأضافت: «زبائن اليوم يريدون التأكد من أن القطعة تحمل مبادئهم الإنسانية نفسها، وهو ما يحتم على المصمم أن يدرس جودة الخامات والحياكة، ويبحث عن مصدر هذه الأقمشة والحرفيين الذين أشرفوا أو قاموا بنسجها، والطريقة التي يتعامل بها رؤساؤهم معهم، وما شابه من أمور. وبصفتي مصممة، فأنا أرى أن هذا الأمر مهم، لأنه يجبرنا على التوقف والتأني، وإعادة النظر في أشياء من شأنها أن تلحق الضرر بالإنسان وببيئته. لحسن الحظ أن الأسماء التجارية الكبيرة أصبحت تعي أهمية الاستدامة، لكن الأجمل أن هذا الوعي امتد إلى الزبائن أيضاً».
ولا يقتصر هذا الوعي على بيوت الأزياء الكبيرة، والأسماء التي رسخت سُمعتها في الأسواق العالمية، إذ امتدت إلى فئة المصممين الشباب بدرجة تؤكد أنهم أكثر من يقود هذه الحركة. ومن هؤلاء نذكر تومي تون، المدير الفني في دار «ديفو»، الذي استوحى إلهام تصميماته من شخصيات معروفة بأسلوبها الكلاسيكي، مثل كارولين بيسيت كينيدي والممثلة دايان كيتن. ومجموعته للخريف-الشتاء قوبلت بحفاوة كبيرة، ومن بين الاقتراحات التي نالت الإعجاب بلوزة من الكشمير، نسقها مع فستان من الساتان من دون أكمام، وكذلك بنطلون بطية مزدوجة فوقه سترة قصيرة دون أكمام. وأعرب تون عن اعتقاده بأن هذا التحرك نحو الكلاسيكية هو ردة فعل للتقليعات والصرعات الموسمية التي تبين أن لها عدة سلبيات على البيئة.
ومن ناحيتها، شرحت مارغريتا كارديلي، وهي واحدة من مؤسسي علامة «جوليفا هيريتدج كولكشن» الناشئة، أن اهتمامها منذ البداية كان مركزاً على إنتاج قطع قادرة على الاستمرار لفترات طويلة، دون التقيد بحقبة بعينها. وتعتمد الدار التي تأسست قريباً على فنانين إيطاليين ناشئين أيضاً.
وتوضح مارغريتا كارديلي أن الرغبة في إبداع قطع قادرة على الصمود لعصور وأجيال كان من الأولويات منذ البداية. فعندما يحصل الزبون، أياً كان أسلوبه، على أزياء لا تعترف بزمان أو مكان، فإنه يستمتع بها أكثر ولمدة أطول، وهذا بحد ذاته خطوة إيجابية نحو موضة مستدامة.



نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.


كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
TT

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

على ما يبدو فإن شهر سبتمبر (أيلول) المقبل سيكون حافلاً بالهدايا والمفاجآت الإبداعية؛ فحتى قبل أن يفيق عشاق الموضة من سكرة خبر تعاون جون غاليانو مع محلات «زارا» الشعبية لمدة عامين، وطرحه أول مجموعة في هذا الشهر، انتشر خبر عودة كريستوفر كاين مديراً إبداعياً لقسم الأزياء الجاهزة في دار «مالبوري» البريطانية، وتقديمه هو الآخر أول تشكيلة له، خلال أسبوع لندن المرتقب، في سبتمبر 2026.

كريستوفر كاين (غيتي)

غني عن القول إن الخبر استُقبل بحماسة كبيرة؛ إذ يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات. فآخر عرض لها كان في عام 2017.

ما يزيد من الحماس والترقب أن كريستوفر يتمتع بأسلوب جريء يميل إلى ألوان النيون الصارخة والتصاميم المتمردة، إضافة إلى اعتماده على مزج مواد وخامات متنوعة من الدانتيل إلى المطاط. في المقابل، تُعتبر «مالبوري» واحدة من دور الأزياء البريطانية العريقة التي تشتهر بتصميم الحقائب والمنتجات الجلدية أكثر. هذه المعادلة بين الفني المتمرِّد والكلاسيكي المعاصر من بين أكثر الأمور المثيرة في هذه العلاقة.

من هو كريستوفر كاين؟

وُلِد في عام 1982 باسكوتلندا، وتخرج في معهد «سانترال سانت مارتن» الشهير. نجح في شد الانتباه في حفل تخرجه؛ إذ قدَّم مجموعة مختلفة بتصاميمها الضيقة وألوانها المتضاربة. هذه المجموعة سلّطت الضوء عليه، وجعلت اسمه يتردد في أوساط الموضة بوصفه مصمماً واعداً.

كانت دوناتيلا فيرساتشي أكثر مَن انتبهت إلى موهبته، ودعمته بأن عبّدت له الطريق لصقل قدراته خلال أولى سنواته المهنية.

في عام 2006، أطلق علامته الخاصة بالتعاون مع شقيقته تامي، التي تولّت إدارة الجانب المالي والإبداعي معه. وسرعان ما رسَّخ مكانته، في وقت كانت فيه الموضة تحتفي بالاختلاف وبتنوع المدارس الإبداعية. في عام 2009، سلّمته دوناتيلا فيرساتي قيادة خط «فيرسيس»، الخط الأصغر والشبابي التابع لخط «فيرساتشي»، واستمر عمله معها إلى 2012.

من عرض كريستوفر كاين في عام 2009 (غيتي)

لكن رغم نجاحاته الفنية، لم يسلم من تبعات الأزمات الاقتصادية التي أودت بالعديد من المصممين المستقلين من أمثاله. في منتصف عام 2023، اضطر للإعلان عن إجراءات إغلاق علامته، وتعيين إداريين لتصفيتها. طوال هذه العملية، كان الأمل لا يزال يخامره بأن يجد مشترياً أو مستثمراً جديداً. لم يحصل هذا، ولم تعد العلامة إلى نشاطها الكامل، ما جعله يبقى بعيداً عن أضواء ساحة الموضة، باستثناء عودة مؤقتة في عام 2024، عبر تعاونه مع علامة «سيلف بورتريت». كان التعاون ناجحاً بكل المقاييس، حيث نفذت المجموعة بسرعة، إلا أنه لم يُترجم في تجربة ثانية.

«مالبوري»... فصل جديد

لهذا، فإن تعيينه في «مالبوري» مديراً إبداعياً، يمثل تحولاً استراتيجياً له وللدار على حد سواء. هو سيعود إلى منصات العرض العالمية وإلى دائرة الضوء مرة أخرى، بينما ستحصل «مالبوري» على فرصة لإحياء قسمها الخاص بالأزياء الجاهزة، بعد سبع سنوات تقريباً من الغياب.

من عرض دار «مالبوري» حين كانت في أوج قوتها في عام 2012 (غيتي)

تأسست الدار في منطقة سومرست، عام 1971، كشركة للمنتجات الجلدية، ولم تتحوَّل إلى مجال الأزياء إلا فيما بعد. لإنجاح هذه الخطوة، استعانت بمصممين، مثل ستيوارت فيفرز، وإيما هيل، وجون كوكا. رغم نجاحهم في ترسيخ هالة بريطانية عصرية على منتجاتها، فإن تأثيرات الأزمة الاقتصادية وجائحة «كورونا»، كانت أقوى من إمكاناتهم الإبداعية. فالمرأة لم تستعد رغبتها في اقتناء حقائب يد موسمية، كما لم تستعد الدار توازنها بالكامل. فـ«مالبوري» بنت سُمعتها ونجاحاتها التجارية على الإكسسوارات الجلدية أولاً والأزياء ثانياً. ففي التسعينات وبداية الألفية، طرحت حقائب يد ناجحة، مثل «روكسان» و«بايزووتر» و«أليكسا» وغيرها كان لها الفضل في إنعاشها وإبقائها في الصدارة، وهذا يعني أن على كريستوفر كاين أن يقدم حقائب لا تقل نجاحاً، من الناحية التجارية، حتى يسند قسم الأزياء الجاهزة ويرسّخ مكانته أكثر.