أفلام جيدة عن الإنسان في أشكاله ومشاكله

تحتاج إلى مهرجانات تعرضها ليتعلم المشاهدون منها

من فيلم ترنس مالك «حياة خفية»
من فيلم ترنس مالك «حياة خفية»
TT

أفلام جيدة عن الإنسان في أشكاله ومشاكله

من فيلم ترنس مالك «حياة خفية»
من فيلم ترنس مالك «حياة خفية»

يفتح المخرج المصري شريف عرفة باب التأويلات والنقاش على مصراعيه، عندما يقول إن أفلامه تُصنع للجمهور أولاً وليس للمهرجانات.
المخرج الأكثر نجاحاً بين أترابه بالنسبة لعائدات أفلامه (وآخرها «الجزيرة 2») كان وقف على منصة المهرجان في يوم الافتتاح لكي يقبل جائزة تكريمية عن تاريخه السينمائي الذي يشمل، لجانب الإخراج، الكتابة والإنتاج.
هو بلا ريب مخرج يعرف أدواته جيداً، ولديه ثقافة الصورة، وعلى علم بكل العناصر التي تؤدي إلى نجاح فيلم ما بين الجمهور، على ذلك ليس هناك جديد بالنسبة لهذا القول؛ فقد سبقه إليه كثيرون ممن لم يؤمنوا بأن هناك أكثر من فئة جماهيرية بينها فئة الجمهور السائد، وأن المسألة - بالتالي - ليست وجهة الفيلم صوب الجمهور وليس صوب المهرجانات وجمهوره ونقاده وجوائزه، هي مسألة نسبية. كم من أفلام المهرجانات سقطت فناً وتجارة، وكم من الأفلام الجماهيرية سقطت على الرغم من أنها حفلت بكل ما يستفز المشاهد لحضورها.
شريف عرفة، في دراسة موجزة لما حققه من أفلام منذ عام 1987 انطلق جاداً بأول (وآخر) فيلم من بطولة أقزام («الأقزام قادمون»)، الذي أصاب هدفه بين النقاد ولم ينجز نجاحاً جماهيرياً. كذلك فعل فيلمه التالي «الدرجة الثالثة» (1988)، وأنجز إقبالاً أفضل في فيلميه المتواليين «يا مهلبية يا» و«سمع هس» كلاهما من إنتاج 1991، وهو العام ذاته الذي سجل فيه انقلاباً على ما سبق من طموحات فاستبدل الفيلم الذي يحمل طرحاً إنسانياً واجتماعياً ما (ضمن إطار درامي - عاطفي في أكثر من فيلم) في السينما، التي استمر عليها حتى اليوم، وهي تلك التي تلبّي رغبة القطاع الأعرض من الناس، وذلك بدءاً بفيلم ثالث في العام ذاته وهو «اللعب مع الكبار».
والنجاح سريعاً ما واكبه في «الإرهاب والكباب» سنة 1992. كلاهما («اللعب مع الكبار» و«الإرهاب والكباب») كانا من بطولة عادل إمام (نجم نجوم الفترة) وكذلك «المنسي» (1993)، و«طيور الظلام» (1995)، و«النوم في العسل» (1996).
ساند كل من المخرج عرفة والممثل إمام الآخر. عادل إمام كان يبحث عن مواضيع قريبة في أفلام منجزة جيداً، وشريف عرفة كان في سبيل تحقيق المزيد من النجاح، وعادل إمام كان بمثابة تذكرة إلى هذا النجاح.
واصل شريف عرفة أعماله بعيداً عن مدار النقاد والمهرجانات وأصبح ما هو عليه حالياً من مكانة جماهيرية عبر أفلام منحته هذه الشعبية، ومنها «مافيا» (2002)، و«الجزيرة» (2007)، و«ولاد العم» (2009)، و«إكس لارج» (2011)، و«الجزيرة 2» (2012)، الذي يعرضه مهرجان القاهرة في سياق احتفائه بالمخرج.
سيد حرفته
موقف شريف عرفة مفهوم، ولو اختلفنا عليه، لكن كمّ المهرجانات وقيمة الجوائز الممنوحة في المهرجانات الكبرى بينها لا يمكن الاستهانة بها أو بالجمهور الباحث عنها. والسائد حالياً، أن الفيلم الطارح لمسائل إنسانية (كما الحال فيما سيرد هنا) تحتاج إلى المهرجانات لكي تُعرض وتُدهش وتكشف عما لا تتطرق إليه الأفلام السائدة.
أحد أهم وأفضل ما هو معروض فيلم ترنس مالك «حياة مخفية» (A Hidden Life)، وجمالية هذا الفيلم تكاد تلغي - بقرار من المخرج أساساً - كل الحاجة للنظر إلى مسألة الجمهور السائد على أساس أنها عصب حياة المخرجين.
يحتوي «حياة مخفية» (المعروض خارج المسابقة في هذه الدورة من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي) على حكاية ذلك الفلاح النمساوي فرانز (أوغست ديل)، الذي رفض الإذعان للمؤسسة العسكرية خلال الاحتلال النازي لألمانيا كما رفض القتال والتأييد، وحصد في مقابل ذلك السجن والضرب والإهانة ثم الإعدام. كل هذا بسبب مبادئه الرافضة التي لم يشأ الحياد عنها.
هو فيلم مأخوذ عن أحداث واقعية في الأربعينات، ويختلف إلى حد لافت عن أعمال مالك السابقة. هنا لا يترك مالك الكاميرا (لجورج ويدمر) تمضي على هواها كما يفعل في أفلامه الأخرى. لا يدع الكاميرا تغادر ممثله وهو يؤدي حواره وحركته لتلتقطه لاحقاً في مكان آخر بعد أن تجوب مناظر أخرى كما يفعل عادة. في حين أن هذا الانكفاء عن أسلوبه في «شجرة الحياة» و«إلى العجب» وسواهما ضروري لأنه يعمد لسرد حكاية محددة، فإن التمازج الناتج ليس مريحاً على نحو دائم، بل يبقى معترضاً بعضه بعضاً في أحيان.
على ذلك؛ لا مجال للشك في أن مالك لا يزال سيد حرفته، وأن أفلامه لا تُصنع بقرارات سواه، وأنه يمنح الفيلم عنصري الحياة والفن بلا ضعف أو تنازل. «حياة خفية» عيد للعين وللروح وعند مالك كلاهما توأم الحياة. مالك يحتفي بكل شيء يصوّره، بالشجرة والنهر والثلج والصخر والعشب، وبكل ما يسمعه من تعليق فوق الصورة ومن حوار ومن موسيقى كلاسيكية وأخرى مكتوبة للفيلم (جيمس نيوتن هوارد). على ما ذكرته من سلبيات العمل، يبقى «حياة خفية»، إنجازاً فنياً بديعاً وجميلاً يخرج منه المرء وقد ربح سبباً آخر لكي يحيا.
قضية لقضايا
بعيداً جداً عن هذا الأسلوب الفني المبهر وغير المطروق كثيراً في السينما، يأتينا فيلم مسابقة «آفاق السينما العربية» المعنون «من أجل القضية» كسعي للجمع بين المادة الترفيه وتلك الجادة في مضمونها. إنه كوميديا من المخرج المغربي حسن بنجلون الذي له باع طويل في السينما اليوم، والذي سبق وتطرّق لمسائل تتعلّق بهوية يهود المغرب في فيلم نال الكثير من النقاش هو «أين تمضي يا موشي؟» (2007)؛ إذ اعتبره البعض نداءً لإعادة الاعتبار ليهود المغرب الذين رحلوا إلى فلسطين واستوطنوا إسرائيل بعد ذلك، واعتبره البعض الآخر استغلالاً للوضع يهدف إلى ترويج مضمون مسيء لمسلمي المغرب من حيث تصويرهم مستغلين لوضع اليهود الذين كانوا يمرّون في أزمة هوية وثقة.
الفيلم الجديد يختلف ولا يصح اعتباره لغزياً. هو عن تفاهم وحب بين فلسطيني لا يجد وطناً ويهودية تتعاطف معه في قضيته. الأول اسمه كريم (رمزي مقدسي) عازف في المقاهي الشعبية، فلسطيني الهوية يعيش في المغرب ويبدأ الفيلم به وهو يشارك، بعوده، فرقة من عازفيَن ومغنٍ حين يدخل شخصان أجنبيان هما منتج حفلات فرنسي (جيريمي بانستر) ومغنية (جولي دراي) ليتابعا عزفه.
ليس مقنعاً أنهما أعجبا جداً بإمكاناته؛ فعزفه (سواء أكان هو العازف فعلاً أم لا)، لم يأخذ من الوقت إلا بضع ثوانٍ قبل أن يتقدما منه ويطلبانه لحفل في مدينة وهران الجزائرية. هو سعيد بالعرض، لكنه يدق جرس الإنذار سريعاً: «عليّ أن أقول لكما إنني فلسطيني؛ وهذا قد تصاحبه مشاكل في اجتياز الحدود».
السفر في البر (من دون سبب إلا لأن الحكاية ستتطلّب ذلك كون وهران ليست بعيدة عن الحدود المغربية - الجزائرية)، والفلسطيني كريم والمغنية اليهودية سيرين ينطلقان بكل وسيلة ممكنة صوب الحدود. الشرطة المغربية تدقق وتبحث ثم تجيز عبور الحدود، والشرطة الجزائرية تدقق وتبحث ولا تجيز الدخول.
السبب هو أن شعر رمزي اليوم طويل وصورته على جواز سفره بشعر قصير. بينما تنتظره سيرين في المنطقة العازلة بين المغرب والجزائر ينطلق، وبكل وسيلة ممكنة أيضاً، للبحث عن حلاق في أقرب قرية جزائرية. وحين يفعل ذلك قبل نهاية النهار يجد بوليس الحدود الجزائري أن عليه العودة إلى القرية لأخذ صورة حديثة تطابق الصورة التي على الجواز. هذه المرة يصطحب سيرين ولديهما حتى السادسة صباحاً للعودة إلى الحدود لأخذ الختم على جواز السفر. خلال فترة وجودهما في القرية يحضران عرساً تقع فيه مشاكل عاطفية، لكنهما يعودان قبل لحظات من الوقت المطلوب ليكتشفا أن الفلسطيني لا يحتاج أصلاً إلى فيزا دخول للجزائر.
قصة خديجة
هي مهمة صعبة أن تكون فلسطينياً في العالم العربي (داخل فلسطين وخارجها)، لكن ما هو أصعب بالنسبة للفيلم، دوزنة أحداثه جيداً. هو كوميديا لديها أهداف تنساق بصورة آلية: وضع الفلسطيني. تأييد اليهودية له وتفهمها لمشكلته. مشروع حب بينهما. الزواج بالإكراه في الجزء المتعلق بالعرس القروي وتأمين العناصر الكوميدية لإنجاح هذه النظرة. كل ذلك جيد كمبدأ لتحقيق الفيلم، لكن الجهد المبذول فيه متناثر وغير متوازن التفعيل. الحكاية تشط عن أساسها في عرض ما يحدث في العرس ولمدة طويلة و، كبداية، لا تنطلق مقنعة في إيجاد الوضع الصحيح لما سيلي ولاحقاً لما هو معروض.
لكن الكوميديا رغم التقصير في وحدة السياق تنجح في إيصال أغراضها المختلفة وفي بعض ما يترامى من مشاهد ساخرة لبوليس الحدود الذي يتصرف أفراده كل حسب رؤيته. فأحد الضباط لا يتوقف عن الابتسام وهو يرفض دخول الفلسطيني إلا بشروط وآخر تلهمه الفتاة بجمالها ويكاد يعرض عليها أن تبقى في المركز للتمتع بجمالها. على الجانب المغربي نجد ضابطاً من الجدية في مسلكه بحيث لا يمكن أن يثيره شيء في كل ما يدور.
يكاد الفيلم يتوقف عند هذه النواحي ولو فعل لغاب عن المشاهدين جانب مهم يبرزه، وهو استعداد الناس العاديين للاحتفاء بكريم لمجرد أنه فلسطيني ويحاولون مساعدته «من أجل القضية»، كما يعني العنوان هنا. لكن في نهاية المطاف لا يعدو الفيلم سوى حالة ترفيهية بمضمون يحمل طرحاً لشأن جاد.
وضع قريب ومغاير في الوقت ذاته نطالعه في فيلم المسابقة الرسمية «مدار شبحي» (Ghost Tropic) للمخرج البلجيكي باس ديفوس. لأنه إذا كان «من أجل القضية» عن وضع مهزوز اجتماعياً ورسمياً للفلسطيني الذي يعاني من تبعات هويته، فإن «مدار شبحي» هو عن أرض غير مستقرة.
بطلة الفيلم اسمها خديجة (سعدية بن طيّب). امرأة مسلمة عربية من أصول مغربية وتبلغ من العمر 58 سنة. إنها، بعد سنوات مديدة من الهجرة، باتت من أهل الدار (مدينة بروكسل). تعمل خادمة تنظيف في المكاتب ليلاً، ولا بد أنها كانت منهكة؛ إذ يخطفها التعب فتنام حتى محطة المترو الأخيرة في عتمة تلك الليلة. عندما تستيقظ تجد نفسها في منطقة لا تعرفها ومن دون قدرة على العودة من حيث أتت أو إلى حيث تريد أن تذهب بسبب إغلاق المحطة بابها وتوقف القطارات منها أو إليها حتى صباح اليوم التالي.
وسيلتها الوحيدة للعودة إلى البيت هي أن تسحب بعض المال من حسابها عن طريق الآلة المصرفية لكي تأخذ سيارة أجرة، وهذه الآلة تقع داخل «المول»، الذي أغلق أبوابه أيضاً. يحتاج الأمر من هذه المرأة، التي تضع على رأسها وشاحاً ما يميزها سريعاً عن باقي المواطنين كمسلمة، إلى أن تقنع الحارس الليلي للمركز بأن يفتح لها الباب لتنفيذ ذلك. هناك، وقد سمح لها الحارس بذلك، تكتشف أنها لا تملك رصيداً.
البديل الوحيد هي أن تقطع المسافة الطويلة سيراً على قدميها.
عمق شفاف
هو ليل بارد وهي امرأة وحيدة في شوارع معتمة. لكنها ذات قلب شجاع وإيمان ثابت. لن يمضي وقت طويل حتى تبدأ خديجة بالتعرض لحوادث مختلفة. ليست كبيرة الحجم والفعل، لكن مضمونه وأهميته بالنسبة إليها وإلى المشاهدين، مهم للغاية.
على سبيل المثال، هناك تعاطفها مع عاملة محطة بنزين التي تكتشف أن ابنتها (وكلتاهما في الأصل مهاجرتان)، تخرج ليلاً وتستجيب لهوى سنواتها المراهقة في علاقاتها العاطفية. مسألة يكشف عبرها الكاتب والمخرج ديفوس عن ذلك الوضع الصعب الناتج من اختلاف القيم والمفاهيم الأخلاقية بين الأجيال الأولى والتالية المولودة في الغرب.
ويحتوي الفيلم على طرح آخر يكشف عن الجانب الآخر من المعادلة. خديجة التي لا يحتاج البلجيكي الغربي إلى أكثر من نظرة واحدة ليرتاب في شأنها، تتعرض لواقعة عندما تقترب من منزل كانت تخدم فيه وتنظر من خلال نافذة إلى شاب يعيش فيه من دون علم أحد. رجل بلجيكي يعيش في الجوار يتقدم منها مرتاباً بها. وحين تعلمه بأنها كانت تعاين منزلاً خدمت فيه قبل سنوات يخبرها أنه خال من السكان، ثم يعرض عليها عملاً كونه غير راضٍ عن الخادمة (البولندية) التي تنظف منزله.
كلا المشهدين يعرض تحت ضوء الليلة الواحدة جانبين من عملة واحدة: المشهد الأول يوفر جانباً لحياة المهاجرين والثاني يوفر جانباً آخر من تلك الحياة يبدأ بالريب قبل أن ينسحب الشك في محاولة من الشخص الغربي لتصحيح الوضع باقتراح مناوئ لمبادرته الأولى.
لا يريد الفيلم الدخول في نقاش مفتوح حول معطيات هذا المشهد. لكن على عكس، المشهد الأول الذي لا يطرح أسئلة، بل يوضح وضعاً، يعرّض المخرج بطلته لشأن يثير الاهتمام بالنسبة لها ولوضعها كما بالنسبة للمشاهد، عربياً كان أم أجنبياً. مفاد هذا الشأن هو النظرة الجاهزة الأولى، ثم غموض ما يليها من احتمالات.
«مدار شبحي» عمل جميل وجيد من مخرج جديد نسبياً (الفيلم الثالث)، يوفر نظرة فنية جميلة لحدث بسيط يقع في ليلة واحدة ويخلو من استغلال بطلته لتقديم قضية أكبر مما تفرضه الحكاية المنسابة التي تكشف عن عمق شفاف يؤازرها في ذلك تصوير ممتاز يحيط بالأجواء من دون دكانة مفتعلة أو تحريك كاميرا لأجل الإدهام أو الاستعراض. ومهم أن نعرف أن المخرج ابتعد تماماً عن تقديم فيلم تشويقي عن مخاطر الليل أو الحياة الاجتماعية، بل مال لإلقاء نظرة هادئة لوضع امرأة يمكن لها أن تكون نموذجاً لسواها. امرأة لا تريد أن تحتل من الحياة أكثر من الرقعة التي هي فيها.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».