رحلة «بيزنس الإخوان» من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا

ملفات قضائية ومصادر تكشف تفاصيل اقتصاد الجماعة وطرق تهريب الأموال

خيرت الشاطر وحسن مالك في طريقهما إلى إحدى جلسات محاكمة قادة «الإخوان» في 2007 (غيتي)
خيرت الشاطر وحسن مالك في طريقهما إلى إحدى جلسات محاكمة قادة «الإخوان» في 2007 (غيتي)
TT

رحلة «بيزنس الإخوان» من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا

خيرت الشاطر وحسن مالك في طريقهما إلى إحدى جلسات محاكمة قادة «الإخوان» في 2007 (غيتي)
خيرت الشاطر وحسن مالك في طريقهما إلى إحدى جلسات محاكمة قادة «الإخوان» في 2007 (غيتي)

مع نهاية خمسينات القرن الماضي، ولد حسن مالك لأب مسجون بتهمة الانضمام إلى جماعة «الإخوان المسلمين» وربة منزل تتولى مسؤولية سبعة أبناء آخرين، في حي المنيل القاهري.
ومع بلوغ حسن عامه الثاني عشر، اختار له والده الخارج من السجن لتوه مساراً مُشابها له، عبر إلزامه بقراءة قصص حياة قيادات الجماعة وكُتب مؤسسها حسن البنا، وحضور «اجتماعات الأشبال» في مسجد قريب من منزل العائلة، إلى أن صار عضواً منتسباً داخل التنظيم.
لكن على خلاف الوالد الذي كان «فرداً عاديا في التنظيم، مُتفقاً مع أفكارهم، ولا دور مُحدداً له»، كما قال مالك في تحقيقات النيابة، تحول الابن إلى لاعب أساسي في مسيرة الجماعة التي بنى ذراعها المالية مع شاب آخر التقاه في جامعة الإسكندرية وقدم نفسه له باعتباره «المسؤول عن المحاضرات التربوية والعمل الطلابي». كان اسم ذلك الشاب خيرت الشاطر الذي أصبح فيما بعد الرجل الأقوى في الجماعة.
بعد سنوات من هذا اللقاء، وتحديداً في العام 1985، تقاطعت رغبة الشاطر بدخول عالم المال مع قرار مالك ترك العمل في مصنع والده للغزل والنسيج في مدينة شبرا الخيمة العمالية وبدء نشاطه التجاري الخاص. أثمرت شراكة الرجلين سريعاً عن تأسيس أربع شركات، هي «الفجر» لتجارة الخيوط و«سلسبيل» لبيع البرمجيات وأجهزة الكومبيوتر، و«رواج» للتجارة العامة والاستيراد، و«المستقبل» لتجارة السلع المعمرة، كما تشير عقود عثرت عليها قوات الأمن خلال تفتيش منزل مالك.
هذه الشراكة شبه السرية اعتبرت الغطاء لتدوير أموال «الإخوان»، خلال عقدي الثمانينات والتسعينات، رغم تأكيد الرجلين أن أنشطتهما المالية لا تخص الجماعة. ويعزو عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة الأميركية بالقاهرة، غلبة «النشاط التجاري» على استثمارات قادة «الإخوان»، إلى «وعي التنظيم بخطورة الاستثمار في الأصول الثابتة، تحسباً لمصادرتها أو سهولة تتبعها». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الاستثمار في الأنشطة التجارية ذات رأس المال النقدي أو المتوزع على بضائع في أنشطة متنوعة «كان الخيار الآمن لهم».
كان الاستثناء الوحيد من هذا التوجه العام هو الاستثمار في قطاع التعليم عبر تأسيس مدارس خاصة مملوكة لقيادات من الجماعة، «كترجمة لأيديولوجية التنظيم المتصلة بالجانب التربوي والدعوي للنشء»، وفقاً لعادلي.
مع توسع أنشطة الرجلين الاستثمارية وبلوغ أرباحها «مستويات كبيرة»، اعتبر الشاطر نفسه «الأحق والأكفأ» بإدارة أموال التنظيم، بديلاً للقيادي نبيل مُقبل، المسؤول السابق عن أموال الجماعة، كما يقول عضو سابق في «الإخوان» عمل مع مقبل لسنوات قبل أن ينشق عن الجماعة.
اتفق الشاطر ومالك على فصل استثماراتهما الخاصة عن أموال التنظيم التي «أدخلاها في قطاعات استثمارية بنسبة أقل بكثير من استثماراتهما الخاصة»، وفقاً لموظف سابق عمل في مكتب الشاطر الخاص بعد الثورة في 2011.
وتتفق تقديرات الموظف السابق في مكتب الشاطر مع شهادات ثلاثة أعضاء في التنظيم، أحدهم لا يزال فاعلاً، في الذهاب إلى أن استثمارات الجماعة «ليست كبيرة» في المؤسسات التي شملتها إجراءات لجنة حصر وإدارة أموال «الإخوان» التي شكلتها الدولة المصرية في 2014.
وتخالف الرواية السابقة ما ذكره مالك الذي نفى أن تكون للتنظيم أي أنشطة تجارية «على حد علمي»، وفقاً لتعبيره. ويشير مالك إلى أن شراكته مع الرجل الذي أصبح الممسك بخيوط التنظيم خلال سنوات من علاقتهما، كانت دافعاً للكثيرين للتعامل معه كقيادي تنظيمي. وقال: «أنا لم أقرأ حتى لائحة الإخوان المسلمين أو اختصاصات مرشد الجماعة، وكل الناس تصورتني قائداً لمجرد أنني شريك الشاطر».
وبعد الثورة في 2011. توسعت صلاحيات الشاطر، نائب المرشد، عقب الإفراج عنه من محبسه، وأدار من خلال مكتبه في شرق القاهرة، الكثير من المهام التنظيمية ثم أصبح لاعباً أساسيا في حكم البلاد، عقب وصول الجماعة للحكم في 2012.
ويلقي موظف عمل في مكتب الشاطر عقب الثورة الضوء على بعض الإشارات لنفوذه الواسع، إذ تصفه بـ«الأخطبوط». وتوضح: «كان متداخلا في كل الأمور، سواء في البيزنس أو الأمور الداخلية للتنظيم. كان يحرك الجميع لأنهم يخافونه». ومبعث هذا الخوف «بطش» الشاطر المعهود عنه تجاه «أي شخص يغضبه أو ينازعه صلاحياته»، وفقاً للموظف السابق في مكتبه.
امتدت هذه السطوة خلال فترة حُكم الجماعة إلى مؤسسات الدولة، إذ يقول مساعد سابق في إحدى الوزارات الاستثمارية لـ«الشرق الأوسط» إن «الوفود الأجنبية كانت دائماً تلتقي الشاطر قبل لقاء الوزير المُختص، وهو ما كان يستدعي استغراب الوزير غير السياسي الذي كان يغيب عنه دور الرجل»، على حد قولها.
«حدة وتحكمات الرجل» أدت بمرور الوقت إلى تبدل العلاقة بينه وبين مالك إلى «خلاف دائم»، انعكس على العلاقات الأسرية وصلات أبناء الرجلين ببعضهما البعض، كما يقول مصدر آخر عمل مع مالك وعلى صلة مصاهرة بعائلته.
لكن عادلي يُفسر هذا الخلاف من منظور آخر له صلة بتباين الخلفية الاجتماعية للرجلين، والمسار الذي سلكه كل منهما للصعود. ويشرح قائلاً: «الشاطر رجل تنظيمي قطبي (نسبة إلى التيار المتشدد الذي يتبع أفكار سيد قطب) انتهى به التنظيم إلى لعب دور اقتصادي، خلافاً لمالك الذي كان تاجراً في الأساس هو وعائلته وانتهى به المطاف للانتماء إلى الإخوان من دون الانخراط في تفاصيلهم».
وأقر مالك بهذا الخلاف خلال تحقيقات النيابة العامة، مشيراً إلى أنه بدأ عقب صعود الشاطر إلى منصب نائب المرشد في 2006. ثم انفصال شراكة الرجلين عقب خلافات كان محورها الرئيسي تجاهل الشاطر رأي مالك بإبعاد الاجتماعات التنظيمية عن مقار الشركات المملوكة لهما، ما أدى إلى «انقطاع» علاقتهما، وإنهاء الشراكة بينهما بحلول 2011.
لاحقاً، عادت العلاقة بين الرجلين في تنسيق المهام بينهما، بعدما تنازل نائب المرشد عن «القليل» من سطوته النافذة. ويقول مصدر قريب من الرجلين مقيم خارج مصر إن «الشاطر كان مضطراً للتعامل مع مالك، لأن الأخير كان معروفاً وسط النخبة المالية في مصر التي تفضل التعامل معه كوجه مقبول ولديه حضور».
هذا التفضيل يظهر في مُراسلات رجال أعمال مصريين لمالك بهدف تسوية مشاكلهم مع النظام الحاكم آنذاك، كحال رجل الأعمال البارز هشام طلعت مصطفى الذي راسل مالك من محبسه على ذمة قضية جنائية، بخطاب منسوب إليه عثرت عليه قوات الأمن خلال القبض على مالك. وأبدى مصطفى في الخطاب استعداداً للتنازل عن جزء من أمواله نظير الخروج من محبسه. وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع مصطفى الذي أفرج عنه لاحقاً بعفو صحي، لكن لم يتسن الحصول على رد رسمي منه حول نسبة هذا الخطاب له.
وتعززت مهام مالك، عقب صعود «الإخوان المسلمين» إلى الحكم في يونيو (حزيران) 2012. بعدما أسس جمعية «تواصل» بهدف التنسيق بين رجال الأعمال ومؤسسة الرئاسة آنذاك، وجمعية «ابدأ» التي ضمت أكثر من ألف رجل أعمال وانطلقت في أغسطس (آب) 2011 بهدف «مساندة النظام وتحقيق المصالح الخاصة»، كما جاء في بيان تأسيسها.
مع صعود التنظيم إلى الحكم، بدأ مالك وعدد آخر من قادة التنظيم الاستثمار في قطاعات استراتيجية ذات أصول ثابتة كالحديد والإسمنت. ويقول عادلي: «كانت هناك محاولات لـ«الإخوان» للتحول من النشاط التجاري إلى القطاعات الاقتصادية الكبيرة، لكن قصر مُدة الحكم لم يسعفهم».
ظهرت جهود مالك سريعاً في تشكيل نخبة مالية جديدة ترافق الرئيس السابق محمد مرسي في زياراته الخارجية، ضمت بين أسمائها وجوهاً جديدة على عالم المال من المنتمين للتنظيم وآخرين محسوبين على نظام الرئيس السابق حسني مبارك.
اضطلاعه بهذه المهام يظهر في نوعية المضبوطات داخل منزله، أثناء القبض عليه. وبين الملفات المضبوطة التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط» ملف بعنوان «الرؤية الاستراتيجية للتنمية الشاملة في مصر حتى عام 2050»، وآخر بعنوان «بيع أعمال القطاع العام - رؤية إسلامية»، ومُذكرة بعنوان «قراءة في الموقف الاقتصادي: هل يستطيع الدعم الخليجي إنقاذ الاقتصاد المصري؟».
غير أن مهام مالك تلك لم تستمر طويلاً، بعدما أطيح حكم الجماعة في 3 يوليو (تموز) 2013. وأعلن تجميد أنشطة جمعية «ابدأ» بعد استقالة أعضائها كافة من رجال الأعمال.
تبعت إطاحة الجماعة سلسلة حملات أمنية طالت قادة الصف الأول في التنظيم، ومنهم شريكه الشاطر، بينما ظل مالك حراً في منزله بالقاهرة حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2015، ساعياً إلى التواصل مع المسؤولين لتجنب مسار السجن كحال المئات من قادة التنظيم.
كان واحد من هؤلاء المسؤولين هو اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية آنذاك، الذي ذهب مالك للقائه بمقر الوزارة، فاستقبله ممثل لإبراهيم أبلغه بانشغال الوزير «في اجتماع هام»، قائلاً إن الوزير سيطلبه إذا أراد، وفقاً لمالك.
بعد هذا اللقاء انقطعت صلات مالك بالمسؤولين، وانحصرت صلاته مع ثلاثة من قادة «الإخوان» خارج السجن آنذاك، هم الوزير السابق محمد علي بشر قبل القبض عليه، وحلمي الجزار عقب إخلاء سبيله، ورجل الأعمال الراحل أسامة خليل.
كان الجانب الأكبر من هذه اللقاءات يتطرق لتبادل وجهات النظر في الكثير من قضايا التنظيم وخيار العنف الذي انخرط فيه عدد كبير من شباب التنظيم، بشهادة مالك ونجله الذي راسله حول هذا الأمر من مقر محبسه، وأقر مالك بصحة المراسلات.
«ملاحظات على مشروع الخطة الجديدة للجماعة»، هي واحدة من هذه الأوراق التي تسلمها مالك من بشر الذي كان يلتقيه بشكل دائم، قبل القبض عليه في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 بتهمة «التخابر مع دولة أجنبية»، فيما عكست خلفية خليل الاقتصادية نوعية الأوراق التي أمد بها مالك، مثل «واجبات الأفراد في التصعيد الثوري الاقتصادي».
وخلال هذه الفترة، صدرت بحق مالك وقادة الجماعة قرارات التحفظ على أموال التنظيم وممتلكاته، بعدما أصدر مجلس الوزراء المصري في أكتوبر 2013، القرار رقم 1141 لسنة 2013، بتشكيل لجنة ﻹدارة أموال التنظيم وقادته.
تبع ذلك صدور العشرات من قرارات التحفظ، من جانب اللجنة، على ممتلكات قادة الجماعة بملايين الجنيهات، قبل أن تتوسع صلاحيات اللجنة في يونيو 2014. عبر قرار وزاري من رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب الذي حولها بموجب هذا القرار إلى لجنة دائمة.
وتضُم قائمة أملاك «الإخوان» التي شملتها قرارات التحفظ وضمتها السلطات لاحقاً إلى الخزانة العامة للدولة في 11 سبتمبر (أيلول) 2018. نحو أموال 1589 عنصراً من المنتمين والداعمين لتنظيم «الإخوان» و118 شركة متنوعة النشاط و1133 جمعية أهلية و104 مدارس و69 مستشفى و33 موقعاً إلكترونياً وقناة فضائية، حسب تقدير اللجنة.
كان تشكيل هذه اللجنة، وقبلها حملات القبض المستمرة على قادة الجماعة المعروفين من أصحاب رؤوس الأموال، دافعاً لبناء «شبكة جديدة من الاستثمارات في دول خارج مصر، على رأسها دول شرق أفريقيا وجنوبها»، حسبما يشير مستثمر مقرب من الجماعة. ويُضيف أن «حجم بيزنس الجماعة زاد داخل هذه الدول، لسهولة الحصول على جنسياتها وتمتع قادة التنظيم بعلاقات جيدة مع مسؤولين بارزين فيها».
وترسم أوراق قضية «الإضرار بالاقتصاد القومي» صورة أعم وأشمل للوسائل التي لجأ إليها رجال المال في التنظيم للتعامل مع قرارات مصادرة ممتلكاتهم، وتحديداً في طرق نقل الأموال إلى خارج البلاد خلال هذه الفترة.
فمع توسع قرارات المصادرة والقبض على قادة التنظيم، ظهرت أسماء أقل شهرة من مالك والشاطر في مجال المال، وتبلورت أدوارها في نقل الأموال للخارج، تجنباً للتعامل من خلال البنوك والبُعد عن الرصد الأمني.
على رأس هؤلاء رجل الأعمال الهارب محمد صلاح محمود الذي يملك شركة تعمل في استيراد وتصدير المفروشات، وهو لعب «دوراً كبيراً في استخدام شركته لنقل ملايين الجنيهات لحسابه أو لحساب شركات أخرى مملوكة لقادة في التنظيم»، بحسب شهادات وملفات قضائية.
لا تتوافر معلومات عن الرجل الصادر بحقه حُكم من محكمة جنايات القاهرة بإدراج اسمه ضمن قائمة الإرهابيين لثلاث سنوات، في 29 أغسطس 2017. عدا كون أنه رجل أعمال «مُحب» للتنظيم، قدم تبرعات من فترة لأخرى، وفقاً لمصدر في «الإخوان».
وبمساعدة ثلاثة من أمناء الشرطة (مساعدي الضباط) في ميناء القاهرة الجوي، مقابل 10 آلاف جنيه للمرة الواحدة لكل منهم، نجح صلاح في نقل نحو مليار جنيه تقريباً (أكثر من 130 مليون دولار بأسعار الصرف آنذاك)، عبر ثلاثة عاملين في شركته تناوبوا على السفر للخارج لنقل نحو 50 إلى 100 ألف دولار أسبوعياً.
«ما الطريقة التي كانت تتم من خلالها نقل الأموال؟»، يجيب مصطفى همام (31 عاماً)، أحد هؤلاء العاملين واسمه مدرج في قوائم الإرهابيين، خلال التحقيقات معه: «تم الاتفاق مع أفراد الميناء الثلاثة على تسلم واحد منهم المبالغ المالية المراد تمريرها داخل أظرف كبيرة الحجم وإدخالها عبر الدائرة الجمركية من دون تفتيش، وتسليمها لواحد منا بعد ذلك، عقب إنهاء إجراءات السفر».
وتمثلت الطريقة الأخرى في تسهيل السفر باستخدام صالة كبار الزوار، وقيام أحد عناصر الشرطة الثلاثة بتمرير حقائب الأموال على جهاز الكشف على الحقائب بالأشعة الخاصة، من دون الإشارة لمحتوياتها، وفقاً له.
بدأ نقل هذه الأموال في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، إلى الصين ودول عربية وتركيا، عبر عاملين في شركة الاستيراد والتصدير، ليصل إجمالي المبلغ الذي انتقل خلال تلك الفترة إلى نحو مليار جنيه، وفقاً لهمام.
ويُقر همام الذي ألقت السلطات المصرية القبض عليه في المطار في 8 يناير (كانون الثاني) 2016، حين كان في طريقه إلى الأردن، وبحوزته عملات أجنبية بما يعادل نحو مليون و650 ألف دولار، بنقل هذه الأموال مع عاملين في الشركة خلال استجوابه أمام جهات التحقيق، قائلاً: «تلخيصاً لموضوعي، أنا أعمل في تهريب العملة فقط لا غير في إطار الأعمال التجارية وأعمال الصرافة، ولا علاقة لي بأي جماعات».
ويؤكد المصدر «الإخواني» أن «القطاع الأكبر من رجال المال داخل التنظيم استخدم طرقاً تقليدية لتهريب الأموال، بينما رجال المال المنخرطون في استثمارات بمليارات نجحوا في ذلك بطرق أكثر تطوراً من فكرة نقل الأموال السائلة».
وكان تحقيق صحافي محلي نشر في أغسطس 2015. كشف أن رجل الأعمال صفوان ثابت، وهو أحد قادة الجماعة الماليين الصادر بحقهم قرار تحفظ وحفيد مرشد «الإخوان» السابق مأمون الهضيبي، نجح في نقل ملكية شركته إلى شركة أخرى تقع في جزر العذراء البريطانية، وهي ملاذ ضريبي شهير، كوسيلة لحماية ممتلكاته من خلال الامتيازات التي تتيحها هذه الجزر لأصحاب الشركات من «امتيازات ضريبية وسرية تامة، إضافة إلى سهولة التأسيس».
وسبقت هذه المحاولات مساعٍ بطرق أخرى من جانب قادة التنظيم المنخرطين في عالم الأعمال لنقل أموالهم إلى الخارج، وتحديداً قبل وقوع مظاهرات 30 يونيو (حزيران) 2013 ضد حكم الجماعة ببضعة شهور، بالتزامن مع انتشار دعوات حركة «تمرد» لسحب الثقة من مرسي.
ويقول مستشار قانوني لشركة مملوكة لرجل أعمال منتمٍ إلى «الإخوان»، إن «قادة التنظيم المنخرطين في النشاط التجاري لجأوا إلى التعاقد مع خبراء في القطاع البنكي لنقل أموالهم إلى الخارج، وتعيين ممثلين قانونين غير محسوبين على الجماعة لإدارة شركاتهم، وتمثيلهم في المنازعات القضائية».
هذا التفاوت في طرق نقل أموال قادة «الإخوان» إلى الخارج «مرتبط بتباين قدرات كل واحد منهم وصلاته، وحجم البيزنس»، كما يقول عادلي الذي يعزو تفضيل قادة التنظيم نقل أموالهم إلى دول أفريقية إلى ثلاثة أسباب، أولها أن «هذه الدول فيها مساحة أكبر للتهرب من القيود المرتبطة بتمويل الإرهاب، خصوصاً للمستثمرين المحسوبين على تنظيمات الإسلام السياسي حول العالم»، فضلاً عن أن أفريقيا «مساحة تقليدية لتوطين الأنشطة غير الرسمية وغير القانونية، والمراقبة فيها محدودة». والسبب الأخير هو «سهولة إقامة علاقات وثيقة مع مسؤولين في هذه الدول».
لكن هل تنجح مصادرة ممتلكات «الإخوان المسلمين» في كتابة نهاية التنظيم؟ يجيب عادلي قائلاً: «قياساً على تجارب سابقة، سيكون أثر هذه الإجراءات وقتياً وليس ممتداً على المدى البعيد».


مقالات ذات صلة

بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

تحليل إخباري حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)

بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

لاذت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان، بصمت مطبق إزاء قرار الولايات المتحدة تصنيفها «منظمة إرهابية»... فما الأسباب وما الحلول؟

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

اتساع دائرة الحظر الدولي يُزيد الضغوط على «إخوان مصر»

يتسع الحظر الدولي ضد «الإخوان» بعد قرار هولندا تصنيفها «إرهابية» مما يُزيد الضغوط على الجماعة في مصر بعد أكثر من 13 عاماً على حظرها بها.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» في مصر (أ.ف.ب)

مصر: حكم نهائي بإدراج قيادات إخوانية على «قوائم الإرهاب»

أدرجت النيابة العامة المصرية قيادات من تنظيم «الإخوان» على قوائم «الإرهاب» بصفة نهائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تحليل إخباري صورة متداولة للفريق ياسر العطا مساعد البرهان مع قائد ميليشيا «البراء بن مالك» الإسلاموية التي تقاتل مع الجيش p-circle

تحليل إخباري هل آن أوان المواجهة بين البرهان والإسلاميين؟

يضع تصنيف «الإسلاميين» في السودان «كياناً إرهابيّاً»، قيادة الجيش السوداني أمام خيارات ضيقة جداً، خاصة أنهم تغلغلوا بعمق في النظام الحاكم.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزير ماركو روبيو (الخارجية السعودية)

فيصل بن فرحان يبحث الاعتداءات الإيرانية مع روبيو وفاديفول

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيريه الأميركي ماركو روبيو، والألماني يوهان فاديفول، استمرار الاعتداءات الإيرانية على المملكة ودول المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».