فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

اختبار مبكر للتوازنات بين القوى المتنافسة قبل الاقتراع الرئاسي

الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)
الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)
TT

فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)
الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)

شهدت فرنسا يومَي 15 و22 مارس (آذار) الحالي جولتَي اقتراع في الانتخابات البلدية، اللتين أدلى فيهما نحو 28 مليون فرنسي بأصواتهم لتجدِيد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي. وجاءت هذه الانتخابات في سياق استثنائي بامتياز؛ إذ إنها تسبق بسنة واحدة الانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2027، وهو ما يجعلها في نظر كثرة من المحللين، اختباراً سياسياً مبكراً لصحة التوازنات بين القوى المتنافسة. نسبة الاقتراع النهائية في الدورة الثانية بلغت نحو 57 في المائة، وفق تقديرات مؤسسات الرصد، في حين لم تتجاوز 41.6 في المائة، في اقتراع 2020. وإذا كانت جائحة «كوفيد - 19» قد أثرت سلباً على نتائج 2020، فالمقارنة الأعمق تبقى مع عام 2014 حين ناهزت المشاركة نسبة 62 في المائة. ويرى الباحث مارسيال فوكو، أستاذ العلوم السياسية في معهد العلوم السياسية بباريس (سيانس بو) والمدير المشارك لمركز الدراسات السياسية (سيفيبوف) أن هذا الارتداد لا يعني تجاوز الأزمة الديمقراطية، بل يكشف عن توظيف مكثف للمشاركة حين يستشعر الناخبون وجود رهانات حقيقية.

خرج الحزب الاشتراكي الفرنسي، إجمالاً من هذا الاستحقاق معززاً بقوة أكبر بعد نجاحه في الحفاظ على أهم مراكزه الحضرية الكبرى. ففي العاصمة باريس – التي هي التتويج الأكثر رمزية - حقق إيمانويل غريغوار، المرشح الاشتراكي فوزاً مؤثراً بنسبة 50.52 متغلباً على المرشحة المحافظة وزيرة الثقافة السابقة رشيدة داتي التي لم تُحصّل إلا 41.52 في المائة، وعلى مرشحة حزب «فرنسا الأبية» اليساري صوفيا شيكيرو. ولم تكن هذه النتيجة حاسمة فحسب، بل لافتة في دلالتها. إذ أعدت داتي حملتها الانتخابية على امتداد سنتين ونالت دعم رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون شخصياً، فضلاً عن الوسط السياسي بمجمله. وعلّق على ذلك الباحث السياسي بول باكو، الأستاذ الفخري في معهد العلوم السياسية في ليون قائلاً: «إن الهزيمة الأشد مفاجأة في هذه الانتخابات هي هزيمة داتي في باريس؛ إذ كانت كل الأسباب الموضوعية تصبّ في مصلحتها، غير أن المشكلة كانت شخصية بامتياز».

إلى جانب باريس، أحكم الاشتراكيون قبضتهم على مدن ليل، ورين، ونانت، وتولوز وستراسبورغ، في حين حافظ عمدة مرسيليا الاشتراكي بونوا بايان على مقعده بنسبة مريحة، بيد أن الاستراتيجيات التحالفية مع حزب «فرنسا الأبية»، تسببت في هزائم مؤلمة للحزب الاشتراكي. ولقد كتبت صحيفة «ليبيراسيون» معلّقة: «الإنجاز الثلاثي في أكبر مدن فرنسا يمثل خبراً بالغ الأهمية للاشتراكيين والخضر، غير أن الميزان الإجمالي لليسار بالغ التشتت؛ إذ خسر كثيرون من الاشتراكيين مدنهم بسبب تحالفهم مع فرنسا الأبية».

وفعلاً، تجلت هذه المعضلة بأجلى صورها في مدينة كليرمون فيران، التي ظلت معقلاً للاشتراكيين لأكثر من ثمانين سنة متواصلة، قبل أن تنتقل إلى حزب الجمهوريين المحافظ. كذلك سقطت مدن بيزانسون، وليموج، وتول وشيربور في أيدي اليمين.

عودة معزّزة للاشتراكيين في المدن الكبرى وتوسيع اليمين المتطرف قاعدته المحلية جنوباً

هزائم القوائم المشتركة بين الحزب الاشتراكي و«فرنسا الأبية» أثارت في الواقع جدلاً داخلياً حاداً، لا سيما أن عمدتَي باريس ومرسيليا، اللذين رفضا تلك التحالفات أحرزا انتصارين مريحين، في حين أخفقت القوائم المدمجة.

من جانبه، انتقد رئيس الوزراء السابق فرنسوا هولاند هذه الاتحادات علناً، معتبراً إياها من بين العوامل الرئيسة التي أسهمت في الهزائم المتكررة.

الجمهوريون: انتعاش في الأقاليم وإخفاق في المدن الكبرى

في هذه الأثناء، رسم حزب الجمهوريين، ذو التوجه المحافظ الليبرالي، معادلة تبدو للوهلة الأولى متناقضة. إذ قدّم أداءً متميزاً في المدن المتوسطة والعواصم الإقليمية مقابل خيبات مؤلمة في المدن الثلاث الكبرى. فقد استعاد الحزب مدناً متوسطة، مثل كليرمون فيران بعد الهيمنة اليسارية الطويلة عليها، وكذا مدن بيزانسون، وليموج وشيربورغ، فضلاً عن مدينة بوردو التي فاز فيها المرشح تومَا كازناف المنتمي إلى اليسار الوسطي. وبالنسبة للوسط، أُعيد انتخاب رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب عمدةً لمدينة لوهافر. وبالتالي، بدا رئيس الحزب الجمهوري برونو ريتاييو راضياً عن النتائج؛ إذ أعلن من مقر الحزب بباريس أننا الأولون، والأوفر عدداً في مجالس البلديات في كل فرنسا، هذه هي فرنسا التي لم تعد تُرى، فرنسا ذات المدن المتوسطة والأرياف». لكنه أضاف في اليوم التالي على قناة «فرنس 2» العمومية: «الفائزون الحقيقيون عام 2027 هم اليمين وحلفاؤه عندما نتوحد خلف مرشح واحد».

اليمين المتطرف:اختراق جديد مع سقف راسخ...

أما فيما يخص اليمين المتطرف، فقد تمسّك رئيس «التجمع الوطني» جوردان بارديلا بوصفه ليلة الإعلان عن النتائج بأنها «أكبر اختراق في تاريخ الحزب». وبالفعل، أكدت الأرقام التي نُشرت بعد ظهور النتائج اتساع الدائرة، فقد بات الحزب يتمثل بـ3121 عضواً بلدياً مقابل 827 عضواً فقط في 2020، كما أصبح يُدير نحو 63 بلدية مقارنةً بـ17 سابقاً، ويضاف إلى ذلك أُعيد انتخاب عمدة مدينة بيربينيان (جنوب فرنسا) لويس أليو بنسبة 51.4 في المائة من الدور الأول. كذلك، حافظ الحزب على معاقله التاريخية في أنان بومون، وفريجوس وبوكير. وكانت السمة الأبرز لهذا التمدد تتجلى في انتزاع الحزب مدناً جديدة خارج قلاعه التقليدية في الجنوب وشمال فرنسا. منها مدينة مونتارجي في منطقة لوارييه، التي كانت بيد اليمين المعتدل منذ عام 2001. كذلك في ليفان، وسان أفولد، وأمنيفيل، وكاستر، وبرنتارسون، وكارباَنترا وميَنتون والعديد من البلديات المتوسطة الأخرى. غير أن النتيجة الأكثر دلالة بالنسبة لليمين المتطرف، جاءت من مدينة نيس، خامس كبرى مدن فرنسا بـ355 ألف نسمة، حيث انتزع إيريك سيوتي، رئيس حزب «اتحاد اليمين للجمهورية» المتحالف مع «التجمع الوطني» الفوز بنسبة 48.54 في المائة، منهياً حكم كريستيان إيستروسي الذي امتد 18 سنة متواصلة.

مع هذا، فإن هذه الانتصارات لا تُخفي عن الناظر المدقّق سقفاً زجاجياً صلباً في المدن الكبرى. ففي تولون، خسر اليمين المتطرف بفارق لافت، وكذلك في مرسيليا، بل وأخفق في مدينة نيم أمام مرشح شيوعي!

الباحث الأكاديمي إيمانويل نيغرييه، من معهد سيانس بو- غرونوبل لخّص هذه المعادلة بقوله: «إن الأحياء الشعبية في المدن الكبرى لا تصوّت للتجمع الوطني إلا في حالات استثنائية قليلة؛ فسكان هذه الأحياء المهمّشون اجتماعياً واقتصادياً يلجأون إما إلى الامتناع أو إلى التصويت لصالح اليسار، وهذا يُفسّر الفجوة البنيوية بين أداء الحزب في الانتخابات الوطنية وأدائه في الحواضر الكبرى. ومع ذلك، يبقى الأثر الأبعد لهذه الانتخابات في تمكين الحزب من شبكة انتخابية واسعة تُؤهله للحصول على آلاف الموقّعين الضروريين للترشح في انتخابات الرئاسية 2027، وهي عقبة إجرائية لطالما أثقلت كاهله، فضلاً عن تقوية وجوده في مجلس الشيوخ الذي ستجدد عضويته في سبتمبر (أيلول) 2027».

«فرنسا الأبية»: اختراق الضواحي

في المقابل، سجلت كتلة اليسار الراديكالي «فرنسا الأبية» اختراقاً لافتاً في هذه الانتخابات، حيث انتزع الحزب بلدية سان-دوني (بضواحي باريس) في الدور الأول بنسبة 50.77 في المائة، متخطياً العمدة الاشتراكي الحالي ماتيو هانوتان الذي حصل على 33 في المائة، لتصبح أكبر بلدية تديرها «فرنسا الأبية» في منطقة الإيل-دو-فرانس بـ150 ألف نسمة.

الحزب اليساري انتزع أيضاً مدينة روبيه، الشمالية قرب الحدود مع بلجيكا، في الدور الثاني على يد دافيد غيرار، فضلاً عن مدن مثل فينيسيو وكريي وبلديات عدة، وتأهّل للدور الثاني في 96 بلدية على امتداد فرنسا. بيد أن هذا الأداء يستوجب قراءةً نقدية. فكما أشار الباحثان نوي فريدمان وفرنسوا كروس في تقرير مؤسسة «جان جوريس»، فإن الخطاب الإعلامي حول «صعود فرنسا الأبية» يحتاج إلى تنسيب دقيق. ذلك أن الحزب الذي حصد أكثر من سبعة ملايين صوت في رئاسيات 2022 لم يُحصّل في هذه البلديات إلا نحو 650 ألف صوت. ثم أن تمدده كان مركّزاًً جغرافياً في الضواحي الشعبية لمدن باريس الكبرى وضواحيها ولا يعكس بالضرورة الجغرافيا الفرنسية الشاملة، لكن السياسي رومي ليفيفر يرى أن زعيم الحزب ميلانشون يبقى أفضل مرشح يساري في الدور الأول للرئاسية المقبلة بفضل استراتيجية القاعدة الاجتماعية المتجانسة.

أجيال الهجرة: قوة انتخابية في طور البناء

انتخابات 2026 المحلية أيضاً كشفت عن تحوّل ناعم، لكنه عميق في بنية الناخبين الفرنسيين المنحدرين من الهجرة. ولعل السمّة الأبرز لهذا التقدم هي الإطار البشري، حيث تقدمت الأحزاب وبالأخص «فرنسا الأبية» بلوائح تزخر بوجوه من أصول مهاجرة، مُجسِّدة ما يسمّيه جان-لوك ميلانشون بـ«فرنسا الجديدة».

ففي بلدية سان-دوني، قاد بالي باغاياكو، المنحدر من عائلة أفريقية مسلمة، قائمة الفوز الأولى. وفي ضاحية لا كورنوف، الواقعة شمال باريس، انتزع علي ديواره الجزائري الأصل مقعد الفوز، وفي اللائحة الإجمالية حققت أجيال الهجرة الفوز في تسع بلديات.

هذه الوجوه لم تعد مجرد استثناء رمزي، بل صارت بمثابة قناة تمثيل سياسي لشرائح كانت محصورة طويلاً بين دور «الناخب» الغاضب أو الممتنع عن التصويت، ودور «المستهدف» بخطاب أمني أو ثقافوي.

وإذا كان الحضور الميداني اللافت لأسماء ذات أصول مغاربية وأفريقية يمثّل خطوة رمزية في اتجاه الانتماء المدني، فإن التحدي الأعمق يبقى في تحوّل هذا التمثيل إلى مشاركة انتخابية موسّعة تتجاوز الأسماء، علماً أن هذا المسار لا يزال محفوفاً بالمفارقات؛ إذ إن إدماج هذه الأجيال في الاستحقاقات البلدية يجري في سياق وطني مطبوع بخطابات قوية ضد الهجرة وضد الأحياء الشعبية؛ ما يجعل المكاسب المحققة هشّة وقابلة للارتداد.

تراجع «الخضر»...

ولكن، إذا كانت انتخابات 2020 قد شكّلت لحظة انتشار «خضراء» استثنائية في التاريخ السياسي الفرنسي، حين استعاد البيئيون مدناً كبرى مثل ليون وبوردو وستراسبورغ وبواتييه وأنيسي، فإن موجة 2026 جاءت لتكسر هذا الزخم بشكل صريح.

إذ خسر «الخضر» مدينة بوردو المهمة، وتراجعوا في ستراسبورغ وبواتييه وأنيسي، ولم يُبقوا من انتصارات 2020 الكبرى إلا مدينة ليون. وتفسير هذه النكسة قد يعود للبرامج البيئية التي باتت تُدرَج في خطابات كل الأحزاب الرئيسة، سواء من اليمين أو الوسط أو اليسار التقليدي؛ ما أفقد «الخضر» ميزتهم الخاصة. وفضلاً عن ذلك، أبدت شرائح واسعة من الناخبين قلقاً متصاعداً من تكاليف التحولات البيئية، التي غالباً ما تترجم بارتفاع في نسبة الضرائب. إذ جاء في تحليل لصحيفة «لوبينيون» قبل أيام ما يليك «الخلاصة التي يجب استيعابها قبل 2027 هي أن الوعود بمجتمع يحترم البيئة لم تعد تثير أحلام الفرنسيين...».

الوسط والماكرونيون... أداء متباينوأخيراً، فيما يتعلق بالحزبين حاملي المشروع الرئاسي، «رينيسانس» (البعث) و«أوريزون» (الأفق) فإنهما حققا أداءً متبايناً يصعب تصنيفه بدقة. فمن جهة، احتفظت الكتلة الوسطية بست مدن كبرى مقارنةً بخمس في 2020، بما فيها انتزاع بوردو من «الخضر»... ومن جهة أخرى، خسرت في نيس، حيث هزم العمدة كريستيان إيستروسي المنتمي إلى «أوريزون» في صّد تحالف اليمين المتطرف. وطبعاً، ارتدت رياح باريس، حيث لم تُفضِِ المراهنة الرئاسية الكبيرة على رشيدة داتي إلى نتيجة إيجابية. وهكذا، في خطابه المُوجَّه إلى العمداء الجدد، قال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو: «صناديق الاقتراع لم تُتوج أحداً»، في دلالة سياسية واضحة مفادها أن الانتخابات لم تسفر عن فائز واضح ومهيمن على الساحة السياسية. ومن جانبها، عبّرت الوزيرة والناطقة باسم الحكومة مود بريجون عن قلقٍ مُضمَر، مشيرةً إلى أن «ثمة مساراً من الإعادة اليومية» يُخيّم على السياسة الفرنسية.

دروس وعِبر من الانتخابات المحلية الفرنسية

> على صعيد الدروس والعبر المستقاة من الانتخابات المحلية الفرنسية الأخيرة، يتمثل الدرس الأول والأبرز في تعمّق الشق بين فرنسا الحضرية الكبرى وفرنسا الإقليمية والمدن المتوسطة. إذ إن المدن الكبرى بقيت في معظمها تحت سيطرة اليسار و«الخضر» في حين دبّت الروح من جديد في عروق اليمين الجمهوري وتوطّد الحضور الشعبوي في فرنسا الداخلية. وحقاً، رصد الباحثان يوسف سويدي وتومَا فوندرشير في الكتاب الصادر حديثاً «جغرافيا انتخابية جديدة لفرنسا» (دار تيكستيل) هذه الانقسامات الدقيقة في نحو سبعين ألف مكتب اقتراع، مستنتجَين أن المعادلة التي تُقابل بين المدن الحضرية والأرياف الشعبوية أصبحت هي نفسها في حاجة إلى مراجعة. أما الدرس الثاني فيتمحور حول وجود شكّ حقيقي في فاعلية الائتلافات اليسارية. ذلك أنه في عدد من المدن، خسرت القوائم اليسارية الموحّدة التي ضمّت الاشتراكيين وراديكاليي «فرنسا الأبية»، بينما انتصرت في باريس ومرسيليا القوى الاشتراكية التي رفضت الاندماج مع الراديكاليين. وهذا التناقض يُغذّي نقاشاً شائكاً حول جدوى «التحالف الأقصى» في مواجهة يمين وسطي وشعبوي متنامٍ، ويضع الحزب الاشتراكي أمام خيار استراتيجي حادّ خلال الأشهر المقبلة. وأمّا الدرس الثالث، فهو ما يمكن تسميته «التطبيع المحلي لليمين المتطرف». إذ بفضل أكثر من ثلاثة آلاف عضو مجلس بلدي، بات لليمين المتطرف، ممثلاً بـ«التجمع الوطني»، بنية تحتية انتخابية حقيقية، تتيح له ممارسة ضغط على مسار انتخابات الشيوخ، وتسهل الحصول على التزكيات الضرورية للرئاسيات. ويرى الباحث جيل إيفالدي، المتخصص في اليمين الأوروبي، أن «التجمع الوطني» يمتلك الآن من القوى الحية ما يُتيح له تشكيل مجموعة برلمانية في مجلس الشيوخ. ومقابل ذلك، عكس تراجع «الخضر» تحولاً في سُلّم أولويات الناخبين الفرنسيين. فبعد سنوات الوباء والتضخم وأزمات الطاقة والإحساس بالتراجع في معايير المعيشة، يبدو أن خطاب التحوّل البيئي الطويل الأمد بات أقل إلحاحاً لدى شرائح واسعة من الناخبين، أو على الأقل لم يعد حكراً على حزب بعينه.


مقالات ذات صلة

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

حصاد الأسبوع وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع كوشنر (آ ب)

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا،

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع العلم الأميركي يخفق بجانب أعلام الاتحاد الأوروبي في بروكسل (رويترز)

ترميم «ناتو» بين ضغوط ترمب وحرص أوروبا على تجنّب القطيعة

لم يعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب مشاركته في قمة «مجموعة السبع» في منتجع إيفيان الجبلي الفرنسي، بين 15 و17 يونيو (حزيران)، خبراً بروتوكولياً عادياً.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين (المفوضية الأوروبية)

الولايات المتحدة والكتلة الأوروبية... ضفتان أطلسيّتان برؤيتين متباعدتين

> أبرز ما كشفت عنه «حرب إيران» أن التصدع الأطلسي لم يعد محصوراً في ملف واحد، بل صار حصيلة تراكمات متداخلة بين الأمن والتجارة والطاقة والصين وروسيا وإيران


هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.