فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

اختبار مبكر للتوازنات بين القوى المتنافسة قبل الاقتراع الرئاسي

الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)
الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)
TT

فرنسا: خريطة جديدة بعد الانتخابات المحلية

الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)
الرئيس الفرنسي ماكرون يدلي بصوته (آ ب)

شهدت فرنسا يومَي 15 و22 مارس (آذار) الحالي جولتَي اقتراع في الانتخابات البلدية، اللتين أدلى فيهما نحو 28 مليون فرنسي بأصواتهم لتجدِيد أكثر من 34 ألف مجلس بلدي. وجاءت هذه الانتخابات في سياق استثنائي بامتياز؛ إذ إنها تسبق بسنة واحدة الانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 2027، وهو ما يجعلها في نظر كثرة من المحللين، اختباراً سياسياً مبكراً لصحة التوازنات بين القوى المتنافسة. نسبة الاقتراع النهائية في الدورة الثانية بلغت نحو 57 في المائة، وفق تقديرات مؤسسات الرصد، في حين لم تتجاوز 41.6 في المائة، في اقتراع 2020. وإذا كانت جائحة «كوفيد - 19» قد أثرت سلباً على نتائج 2020، فالمقارنة الأعمق تبقى مع عام 2014 حين ناهزت المشاركة نسبة 62 في المائة. ويرى الباحث مارسيال فوكو، أستاذ العلوم السياسية في معهد العلوم السياسية بباريس (سيانس بو) والمدير المشارك لمركز الدراسات السياسية (سيفيبوف) أن هذا الارتداد لا يعني تجاوز الأزمة الديمقراطية، بل يكشف عن توظيف مكثف للمشاركة حين يستشعر الناخبون وجود رهانات حقيقية.

خرج الحزب الاشتراكي الفرنسي، إجمالاً من هذا الاستحقاق معززاً بقوة أكبر بعد نجاحه في الحفاظ على أهم مراكزه الحضرية الكبرى. ففي العاصمة باريس – التي هي التتويج الأكثر رمزية - حقق إيمانويل غريغوار، المرشح الاشتراكي فوزاً مؤثراً بنسبة 50.52 متغلباً على المرشحة المحافظة وزيرة الثقافة السابقة رشيدة داتي التي لم تُحصّل إلا 41.52 في المائة، وعلى مرشحة حزب «فرنسا الأبية» اليساري صوفيا شيكيرو. ولم تكن هذه النتيجة حاسمة فحسب، بل لافتة في دلالتها. إذ أعدت داتي حملتها الانتخابية على امتداد سنتين ونالت دعم رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون شخصياً، فضلاً عن الوسط السياسي بمجمله. وعلّق على ذلك الباحث السياسي بول باكو، الأستاذ الفخري في معهد العلوم السياسية في ليون قائلاً: «إن الهزيمة الأشد مفاجأة في هذه الانتخابات هي هزيمة داتي في باريس؛ إذ كانت كل الأسباب الموضوعية تصبّ في مصلحتها، غير أن المشكلة كانت شخصية بامتياز».

إلى جانب باريس، أحكم الاشتراكيون قبضتهم على مدن ليل، ورين، ونانت، وتولوز وستراسبورغ، في حين حافظ عمدة مرسيليا الاشتراكي بونوا بايان على مقعده بنسبة مريحة، بيد أن الاستراتيجيات التحالفية مع حزب «فرنسا الأبية»، تسببت في هزائم مؤلمة للحزب الاشتراكي. ولقد كتبت صحيفة «ليبيراسيون» معلّقة: «الإنجاز الثلاثي في أكبر مدن فرنسا يمثل خبراً بالغ الأهمية للاشتراكيين والخضر، غير أن الميزان الإجمالي لليسار بالغ التشتت؛ إذ خسر كثيرون من الاشتراكيين مدنهم بسبب تحالفهم مع فرنسا الأبية».

وفعلاً، تجلت هذه المعضلة بأجلى صورها في مدينة كليرمون فيران، التي ظلت معقلاً للاشتراكيين لأكثر من ثمانين سنة متواصلة، قبل أن تنتقل إلى حزب الجمهوريين المحافظ. كذلك سقطت مدن بيزانسون، وليموج، وتول وشيربور في أيدي اليمين.

عودة معزّزة للاشتراكيين في المدن الكبرى وتوسيع اليمين المتطرف قاعدته المحلية جنوباً

هزائم القوائم المشتركة بين الحزب الاشتراكي و«فرنسا الأبية» أثارت في الواقع جدلاً داخلياً حاداً، لا سيما أن عمدتَي باريس ومرسيليا، اللذين رفضا تلك التحالفات أحرزا انتصارين مريحين، في حين أخفقت القوائم المدمجة.

من جانبه، انتقد رئيس الوزراء السابق فرنسوا هولاند هذه الاتحادات علناً، معتبراً إياها من بين العوامل الرئيسة التي أسهمت في الهزائم المتكررة.

الجمهوريون: انتعاش في الأقاليم وإخفاق في المدن الكبرى

في هذه الأثناء، رسم حزب الجمهوريين، ذو التوجه المحافظ الليبرالي، معادلة تبدو للوهلة الأولى متناقضة. إذ قدّم أداءً متميزاً في المدن المتوسطة والعواصم الإقليمية مقابل خيبات مؤلمة في المدن الثلاث الكبرى. فقد استعاد الحزب مدناً متوسطة، مثل كليرمون فيران بعد الهيمنة اليسارية الطويلة عليها، وكذا مدن بيزانسون، وليموج وشيربورغ، فضلاً عن مدينة بوردو التي فاز فيها المرشح تومَا كازناف المنتمي إلى اليسار الوسطي. وبالنسبة للوسط، أُعيد انتخاب رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب عمدةً لمدينة لوهافر. وبالتالي، بدا رئيس الحزب الجمهوري برونو ريتاييو راضياً عن النتائج؛ إذ أعلن من مقر الحزب بباريس أننا الأولون، والأوفر عدداً في مجالس البلديات في كل فرنسا، هذه هي فرنسا التي لم تعد تُرى، فرنسا ذات المدن المتوسطة والأرياف». لكنه أضاف في اليوم التالي على قناة «فرنس 2» العمومية: «الفائزون الحقيقيون عام 2027 هم اليمين وحلفاؤه عندما نتوحد خلف مرشح واحد».

اليمين المتطرف:اختراق جديد مع سقف راسخ...

أما فيما يخص اليمين المتطرف، فقد تمسّك رئيس «التجمع الوطني» جوردان بارديلا بوصفه ليلة الإعلان عن النتائج بأنها «أكبر اختراق في تاريخ الحزب». وبالفعل، أكدت الأرقام التي نُشرت بعد ظهور النتائج اتساع الدائرة، فقد بات الحزب يتمثل بـ3121 عضواً بلدياً مقابل 827 عضواً فقط في 2020، كما أصبح يُدير نحو 63 بلدية مقارنةً بـ17 سابقاً، ويضاف إلى ذلك أُعيد انتخاب عمدة مدينة بيربينيان (جنوب فرنسا) لويس أليو بنسبة 51.4 في المائة من الدور الأول. كذلك، حافظ الحزب على معاقله التاريخية في أنان بومون، وفريجوس وبوكير. وكانت السمة الأبرز لهذا التمدد تتجلى في انتزاع الحزب مدناً جديدة خارج قلاعه التقليدية في الجنوب وشمال فرنسا. منها مدينة مونتارجي في منطقة لوارييه، التي كانت بيد اليمين المعتدل منذ عام 2001. كذلك في ليفان، وسان أفولد، وأمنيفيل، وكاستر، وبرنتارسون، وكارباَنترا وميَنتون والعديد من البلديات المتوسطة الأخرى. غير أن النتيجة الأكثر دلالة بالنسبة لليمين المتطرف، جاءت من مدينة نيس، خامس كبرى مدن فرنسا بـ355 ألف نسمة، حيث انتزع إيريك سيوتي، رئيس حزب «اتحاد اليمين للجمهورية» المتحالف مع «التجمع الوطني» الفوز بنسبة 48.54 في المائة، منهياً حكم كريستيان إيستروسي الذي امتد 18 سنة متواصلة.

مع هذا، فإن هذه الانتصارات لا تُخفي عن الناظر المدقّق سقفاً زجاجياً صلباً في المدن الكبرى. ففي تولون، خسر اليمين المتطرف بفارق لافت، وكذلك في مرسيليا، بل وأخفق في مدينة نيم أمام مرشح شيوعي!

الباحث الأكاديمي إيمانويل نيغرييه، من معهد سيانس بو- غرونوبل لخّص هذه المعادلة بقوله: «إن الأحياء الشعبية في المدن الكبرى لا تصوّت للتجمع الوطني إلا في حالات استثنائية قليلة؛ فسكان هذه الأحياء المهمّشون اجتماعياً واقتصادياً يلجأون إما إلى الامتناع أو إلى التصويت لصالح اليسار، وهذا يُفسّر الفجوة البنيوية بين أداء الحزب في الانتخابات الوطنية وأدائه في الحواضر الكبرى. ومع ذلك، يبقى الأثر الأبعد لهذه الانتخابات في تمكين الحزب من شبكة انتخابية واسعة تُؤهله للحصول على آلاف الموقّعين الضروريين للترشح في انتخابات الرئاسية 2027، وهي عقبة إجرائية لطالما أثقلت كاهله، فضلاً عن تقوية وجوده في مجلس الشيوخ الذي ستجدد عضويته في سبتمبر (أيلول) 2027».

«فرنسا الأبية»: اختراق الضواحي

في المقابل، سجلت كتلة اليسار الراديكالي «فرنسا الأبية» اختراقاً لافتاً في هذه الانتخابات، حيث انتزع الحزب بلدية سان-دوني (بضواحي باريس) في الدور الأول بنسبة 50.77 في المائة، متخطياً العمدة الاشتراكي الحالي ماتيو هانوتان الذي حصل على 33 في المائة، لتصبح أكبر بلدية تديرها «فرنسا الأبية» في منطقة الإيل-دو-فرانس بـ150 ألف نسمة.

الحزب اليساري انتزع أيضاً مدينة روبيه، الشمالية قرب الحدود مع بلجيكا، في الدور الثاني على يد دافيد غيرار، فضلاً عن مدن مثل فينيسيو وكريي وبلديات عدة، وتأهّل للدور الثاني في 96 بلدية على امتداد فرنسا. بيد أن هذا الأداء يستوجب قراءةً نقدية. فكما أشار الباحثان نوي فريدمان وفرنسوا كروس في تقرير مؤسسة «جان جوريس»، فإن الخطاب الإعلامي حول «صعود فرنسا الأبية» يحتاج إلى تنسيب دقيق. ذلك أن الحزب الذي حصد أكثر من سبعة ملايين صوت في رئاسيات 2022 لم يُحصّل في هذه البلديات إلا نحو 650 ألف صوت. ثم أن تمدده كان مركّزاًً جغرافياً في الضواحي الشعبية لمدن باريس الكبرى وضواحيها ولا يعكس بالضرورة الجغرافيا الفرنسية الشاملة، لكن السياسي رومي ليفيفر يرى أن زعيم الحزب ميلانشون يبقى أفضل مرشح يساري في الدور الأول للرئاسية المقبلة بفضل استراتيجية القاعدة الاجتماعية المتجانسة.

أجيال الهجرة: قوة انتخابية في طور البناء

انتخابات 2026 المحلية أيضاً كشفت عن تحوّل ناعم، لكنه عميق في بنية الناخبين الفرنسيين المنحدرين من الهجرة. ولعل السمّة الأبرز لهذا التقدم هي الإطار البشري، حيث تقدمت الأحزاب وبالأخص «فرنسا الأبية» بلوائح تزخر بوجوه من أصول مهاجرة، مُجسِّدة ما يسمّيه جان-لوك ميلانشون بـ«فرنسا الجديدة».

ففي بلدية سان-دوني، قاد بالي باغاياكو، المنحدر من عائلة أفريقية مسلمة، قائمة الفوز الأولى. وفي ضاحية لا كورنوف، الواقعة شمال باريس، انتزع علي ديواره الجزائري الأصل مقعد الفوز، وفي اللائحة الإجمالية حققت أجيال الهجرة الفوز في تسع بلديات.

هذه الوجوه لم تعد مجرد استثناء رمزي، بل صارت بمثابة قناة تمثيل سياسي لشرائح كانت محصورة طويلاً بين دور «الناخب» الغاضب أو الممتنع عن التصويت، ودور «المستهدف» بخطاب أمني أو ثقافوي.

وإذا كان الحضور الميداني اللافت لأسماء ذات أصول مغاربية وأفريقية يمثّل خطوة رمزية في اتجاه الانتماء المدني، فإن التحدي الأعمق يبقى في تحوّل هذا التمثيل إلى مشاركة انتخابية موسّعة تتجاوز الأسماء، علماً أن هذا المسار لا يزال محفوفاً بالمفارقات؛ إذ إن إدماج هذه الأجيال في الاستحقاقات البلدية يجري في سياق وطني مطبوع بخطابات قوية ضد الهجرة وضد الأحياء الشعبية؛ ما يجعل المكاسب المحققة هشّة وقابلة للارتداد.

تراجع «الخضر»...

ولكن، إذا كانت انتخابات 2020 قد شكّلت لحظة انتشار «خضراء» استثنائية في التاريخ السياسي الفرنسي، حين استعاد البيئيون مدناً كبرى مثل ليون وبوردو وستراسبورغ وبواتييه وأنيسي، فإن موجة 2026 جاءت لتكسر هذا الزخم بشكل صريح.

إذ خسر «الخضر» مدينة بوردو المهمة، وتراجعوا في ستراسبورغ وبواتييه وأنيسي، ولم يُبقوا من انتصارات 2020 الكبرى إلا مدينة ليون. وتفسير هذه النكسة قد يعود للبرامج البيئية التي باتت تُدرَج في خطابات كل الأحزاب الرئيسة، سواء من اليمين أو الوسط أو اليسار التقليدي؛ ما أفقد «الخضر» ميزتهم الخاصة. وفضلاً عن ذلك، أبدت شرائح واسعة من الناخبين قلقاً متصاعداً من تكاليف التحولات البيئية، التي غالباً ما تترجم بارتفاع في نسبة الضرائب. إذ جاء في تحليل لصحيفة «لوبينيون» قبل أيام ما يليك «الخلاصة التي يجب استيعابها قبل 2027 هي أن الوعود بمجتمع يحترم البيئة لم تعد تثير أحلام الفرنسيين...».

الوسط والماكرونيون... أداء متباينوأخيراً، فيما يتعلق بالحزبين حاملي المشروع الرئاسي، «رينيسانس» (البعث) و«أوريزون» (الأفق) فإنهما حققا أداءً متبايناً يصعب تصنيفه بدقة. فمن جهة، احتفظت الكتلة الوسطية بست مدن كبرى مقارنةً بخمس في 2020، بما فيها انتزاع بوردو من «الخضر»... ومن جهة أخرى، خسرت في نيس، حيث هزم العمدة كريستيان إيستروسي المنتمي إلى «أوريزون» في صّد تحالف اليمين المتطرف. وطبعاً، ارتدت رياح باريس، حيث لم تُفضِِ المراهنة الرئاسية الكبيرة على رشيدة داتي إلى نتيجة إيجابية. وهكذا، في خطابه المُوجَّه إلى العمداء الجدد، قال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو: «صناديق الاقتراع لم تُتوج أحداً»، في دلالة سياسية واضحة مفادها أن الانتخابات لم تسفر عن فائز واضح ومهيمن على الساحة السياسية. ومن جانبها، عبّرت الوزيرة والناطقة باسم الحكومة مود بريجون عن قلقٍ مُضمَر، مشيرةً إلى أن «ثمة مساراً من الإعادة اليومية» يُخيّم على السياسة الفرنسية.

دروس وعِبر من الانتخابات المحلية الفرنسية

> على صعيد الدروس والعبر المستقاة من الانتخابات المحلية الفرنسية الأخيرة، يتمثل الدرس الأول والأبرز في تعمّق الشق بين فرنسا الحضرية الكبرى وفرنسا الإقليمية والمدن المتوسطة. إذ إن المدن الكبرى بقيت في معظمها تحت سيطرة اليسار و«الخضر» في حين دبّت الروح من جديد في عروق اليمين الجمهوري وتوطّد الحضور الشعبوي في فرنسا الداخلية. وحقاً، رصد الباحثان يوسف سويدي وتومَا فوندرشير في الكتاب الصادر حديثاً «جغرافيا انتخابية جديدة لفرنسا» (دار تيكستيل) هذه الانقسامات الدقيقة في نحو سبعين ألف مكتب اقتراع، مستنتجَين أن المعادلة التي تُقابل بين المدن الحضرية والأرياف الشعبوية أصبحت هي نفسها في حاجة إلى مراجعة. أما الدرس الثاني فيتمحور حول وجود شكّ حقيقي في فاعلية الائتلافات اليسارية. ذلك أنه في عدد من المدن، خسرت القوائم اليسارية الموحّدة التي ضمّت الاشتراكيين وراديكاليي «فرنسا الأبية»، بينما انتصرت في باريس ومرسيليا القوى الاشتراكية التي رفضت الاندماج مع الراديكاليين. وهذا التناقض يُغذّي نقاشاً شائكاً حول جدوى «التحالف الأقصى» في مواجهة يمين وسطي وشعبوي متنامٍ، ويضع الحزب الاشتراكي أمام خيار استراتيجي حادّ خلال الأشهر المقبلة. وأمّا الدرس الثالث، فهو ما يمكن تسميته «التطبيع المحلي لليمين المتطرف». إذ بفضل أكثر من ثلاثة آلاف عضو مجلس بلدي، بات لليمين المتطرف، ممثلاً بـ«التجمع الوطني»، بنية تحتية انتخابية حقيقية، تتيح له ممارسة ضغط على مسار انتخابات الشيوخ، وتسهل الحصول على التزكيات الضرورية للرئاسيات. ويرى الباحث جيل إيفالدي، المتخصص في اليمين الأوروبي، أن «التجمع الوطني» يمتلك الآن من القوى الحية ما يُتيح له تشكيل مجموعة برلمانية في مجلس الشيوخ. ومقابل ذلك، عكس تراجع «الخضر» تحولاً في سُلّم أولويات الناخبين الفرنسيين. فبعد سنوات الوباء والتضخم وأزمات الطاقة والإحساس بالتراجع في معايير المعيشة، يبدو أن خطاب التحوّل البيئي الطويل الأمد بات أقل إلحاحاً لدى شرائح واسعة من الناخبين، أو على الأقل لم يعد حكراً على حزب بعينه.


مقالات ذات صلة

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

حصاد الأسبوع مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني

حصاد الأسبوع في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم.

محمد الريس (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرب العراق... في صميم أخبار الحرب الإقليمية الحالية (آ ف ب)

هل تكون صحراء العراق الغربية قنبلة مؤجلة بين إيران وإسرائيل؟

على الرغم من الإجراءات التي بدأتها الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي لجهة «حصر السلاح بيد الدولة»، يظل باب المفاجآت مفتوحاً. للعلم بند «حصر السلاح»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع اللواء مقداد ميري (واع)

قصة «القواعد الإسرائيلية» تقابل بنفي وارتباك عراقيين

نفت كل من وزارتي الداخلية والدفاع العراقيتين التقارير الصحافية الأميركية عن وجود قواعد إسرائيلية داخل الأراضي العراقية، لكن الأمر يبقى لغزاً من الألغاز.


واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.