صنعاء: قمع انقلابي يطال أصحاب مليون دراجة نارية

الجماعة الحوثية فرضت مشاركة سائقيها في الاحتفالات الطائفية بالقوة

TT

صنعاء: قمع انقلابي يطال أصحاب مليون دراجة نارية

وسّعت الميليشيات الحوثية، وفي تطور خطير، من حجم ممارساتها الابتزازية لتشمل هذه المرة سائقي الدراجات النارية وهم الأضعف فئة والأشد فقراً، من خلال انتهاكات عدة طالتهم في الآونة الأخيرة، ضمن حملة استهداف منظمة وشاملة اجتاحت معظم فئات وشرائح المجتمع اليمني.
مصادر محلية في العاصمة صنعاء أفادت لـ«الشرق الأوسط» بأن ميليشيات الحوثي شنت مؤخرا حملة ميدانية استهدفت من خلالها عددا كبيرا من سائقي الدراجات النارية بعدد من شوارع وأسواق العاصمة صنعاء وأجبرتهم على تعليق ملصقات وشعارات وأعلام فعاليتها الطائفية التي تقيمها بالتزامن مع ذكرى «المولد النبوي الشريف».
ونقلت المصادر عن شهود عيان في صنعاء قولهم إن «عناصر حوثية مسلحة أقدمت وفي بداية حملة الجماعة غير القانونية على اختطاف العشرات من سائقي الدراجات في أحياء باب اليمن، والسنينية، والجراف، والتحرير، وبيت بوس والقاع لرفضهم تعليمات الحوثيين بتعليق صور زعيم الميليشيات عبد الملك الحوثي، وشقيقه مؤسس الجماعة الصريع حسين بدر الدين، وشعار الصرخة الخمينية واللافتات التي تتعلق بمهرجاناتها الطائفية».
وأضاف الشهود أن الميليشيات وعقب اعتداءاتها بالضرب على بعض السائقين ومصادرة دراجاتهم، اقتادتهم وبطريقة همجية إلى أماكن مجهولة.
وأكدت عينة من سائقي الدراجات بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن الميليشيات كثفت خلال اليوميين الماضيين من حملاتها الميدانية لاستهدافهم وقطع سبل ومصادر عيشهم دون أي مبررات قانونية.
وشكا سائقو الدراجات، من جور وتعسفات وانتهاكات الجماعة التي تمارس بحقهم. وطالبوا الجهات الحقوقية والإنسانية المحلية والدولية بسرعة إنقاذهم والعمل على وقف الاستهداف الحوثي لهم ورفع الظلم عنهم.
وأوضح السائقون أن الجماعة الانقلابية تواصل حاليا الإعداد والتحضير لتنظيم عرض كبير خاص بالدراجات النارية وآخر للسيارات في احتفاليتها الطائفية التي تواكب ذكرى المولد النبوي.
وكشفوا عن أن عناصر الجماعة أبلغوا المئات من سائقي الدراجات عند نزولهم الميداني بضرورة المجيء بدراجاتهم قبيل يوم الاحتفال بـ24 ساعة، بهدف الاستعداد للمشاركة في العرض الكبير للدراجات النارية الذي سيبهر العالم بأسره، على حد وصفهم.
وأكد السائقون رفض المئات من أصحاب الدراجات النارية في صنعاء المشاركة في ذلك العرض الذي تسعى الميليشيات لتنظيمه في إطار فعاليتها، وقالوا إن معظم السائقين رفضوا طلب الجماعة الحوثية التي عرضت عليهم دفع مبلغ مالي نهاية الفعالية بما يعادل أربعة دولارات.
وعن أسباب رفض مالكي الدراجات لإغراءات الميليشيات المالية البسيطة أوضحوا أن ذلك يعود لأسباب ودواع كثيرة، منها انشغال كثير من مالكي الدراجات بالبحث عن لقمة العيش لهم ولأسرهم، خصوصا في ظل الوضع المعيشي المزري الذي خلفته الجماعة بانقلابها وحربها على اليمنيين.
وأضافوا أن كثيرا منهم غير مقتنعين بما تقوم به الميليشيات من أعمال نهب وابتزاز وتعسف بحق المواطنين وما تنظمه من فعاليات لتمجيد زعيمها وقادتها من جهة، وأخرى طائفية تدعو للشحن الطائفي والفوضى والتفرقة والعنف والقتل من جهة ثانية.
وعلى المنوال نفسه، كشف مصدر بنقابة سائقي الدراجات النارية بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» عن أن قيادة الجماعة في وزارتهم للنقل والتي يقودها المؤدلج طائفيا زكريا الشامي، أمروا جميع المكاتب الخاضعة لهم وبالاستعانة بعناصر من المرور المنتمين للميليشيات، بتنفيذ نزول ميداني عاجل للشوارع والطرقات وإجبار سائقي الدراجات والباصات وسيارات الأجرة ومركبات النقل، على تعليق لافتات وشعارات باللون الأخضر احتفاء بالفعاليات الطائفية.
وعبر المصدر عن استهجان واستنكار النقابة وكل منتسبيها لتلك التصرفات التي تقوم بها الميليشيات بحق سائقي الدراجات النارية، مشيرا إلى سلسلة من المعاناة يتكبدها سائقو الدراجات النارية في سبيل بحثهم الشاق عن لقمة العيش في زمن الانقلابيين.
وتطرق المصدر إلى فشل كل الاستهدافات الحوثية الأخيرة، التي مورست بحق سائقي الدراجات والتي تسعى من خلالها الميليشيات إلى تحقيق مكاسب مالية وسياسية على حساب معاناة وظروف تلك الشريحة المجتمعية.
وتحدث المصدر عن أن كثيرا من مالكي الدراجات رفضوا توجيهات وإغراءات عدة للميليشيات. الأمر الذي نتج عنه، بحسب قوله، تعرض العشرات منهم للمضايقة والاعتداء والاعتقال والزج بهم بسجون سرية تابعة للجماعة الحوثية.
وسبق للميليشيات الموالية لإيران أن أجبرت منتصف الأسبوع الماضي سائقي الحافلات والمركبات بصنعاء على تعليق شعارات ورشاتها باللون الأخضر لاستقبال احتفاليتها الخاصة بالمولد النبوي.
وأفاد سكان محليون في صنعاء بأن عناصر الميليشيات نفذوا مؤخرا حملات ميدانية استهدفت مواقف السيارات والحافلات وطالبت بإلزام جميع السائقين بتعليق لافتات وشعارات تمجد زعيم الجماعة الانقلابية.
وبحسب السكان، فإن تلك الخطوات الحوثية، جاءت بالتزامن مع استمرار ضغط الميليشيات الانقلابية وإلزامها تحت قوة السلاح لملاك المطاعم والمستشفيات الخاصة والفنادق والمراكز التجارية وغيرها بالعاصمة صنعاء بشراء الإنارة والقصاصات الخضراء والبيضاء وتعليقها أمام المباني والشوارع الرئيسة احتفاء بالمولد النبوي، الذي حولت الجماعة ذكراه السنوية من مناسبة روحية إلى مهرجانات طائفية وسياسية.
ومنذ انقلاب الميليشيات على الشرعية في 2014، تزايد إقبال اليمنيين، ونتيجة الصعوبات الاقتصادية والمعيشية وانقطاع المرتبات، على اقتناء الدراجات النارية التي تعد أسعارها معقولة قياساً بالسيارات والمركبات الأخرى، وتحولت بالنسبة لهم إلى وسيلة مهمة لكسب الرزق.
وأكد مراقبون ومهتمون يمنيون بهذا الأمر أن الدراجات النارية باتت في زمن الميليشيات وفي مناطق سيطرتها توفر فرص عمل للآلاف من اليمنيين العاطلين عن العمل.
واعتبروا أن فوائد الدراجات النارية حاليا لا تقتصر على توفير فرص العمل للعاطلين بمناطق الميليشيات فقط، بل أصبحت أرخص وسيلة في ظل غلاء الوقود والأسرع في أوقات الزحام، ويفضلها كثيرون في حال لديهم أكثر من وجهة.
وأشارت مصادر إحصائية يمنية إلى دخول أعداد كبيرة من الدراجات إلى البلاد مؤخرا عن طريق التهريب، وكشفت المصادر عن معلومات خاصة تؤكد تورط قيادات حوثية بارزة ووقوفها وراء إغراق العاصمة صنعاء ومناطق أخرى خاضعة لسيطرتها بالدراجات النارية المهربة.
وقدرت المصادر وجود ما يقرب من مليون دراجة نارية تستخدم بوصفها وسائل مواصلات أجرة أو خاصة في مختلف المدن والمديريات اليمنية، وهو ما يشكل تسعة أضعاف ما كانت عليه الحال في عام 2010.
وأكدت الإحصائيات التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط» في مناطق سيطرة الانقلابيين أن أعداد الدراجات النارية كانت لا تتجاوز 100 ألف دراجة بنهاية عام 2010، لكن الرقم قفز إلى أكثر من 250 ألفا في عام 2012، ثم إلى نصف مليون دراجة بنهاية 2014، قبل أن تتجاوز أعدادها حاجز المليون في الوقت الحالي.


مقالات ذات صلة

بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

خاص الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت (الشرق الأوسط) play-circle

بن حبريش لـ«الشرق الأوسط»: حضرموت أمام عهد جديد... ولن نسمح بعودة الإرهاب

بعد نحو 500 يوم أمضاها في الجبال والمرتفعات، عاد الشيخ عمرو بن حبريش، وكيل أول محافظة حضرموت قائد قوات حماية حضرموت.

عبد الهادي حبتور (المكلا - اليمن)
العالم العربي أطفال اليمن أُجبروا على مغادرة مقاعد الدراسة ويفتقرون لمساحات الترفيه (غيتي)

دوريات بأسماء القتلى... تعبئة حوثية من بوابة الرياضة

حوَّل الحوثيون الرياضة من ترفيه إلى أداة تعبئة ونظموا دوريات وفعاليات بأسماء قتلاهم بغرض استهداف الأطفال والشباب، في مقابل التضييق والسيطرة على الأندية المستقلة

وضاح الجليل (عدن)
خاص حشود من أبناء المكلا في وقفة شكر للمملكة العربية السعودية على دعمهم في الأحداث الأخيرة (الشرق الأوسط) play-circle 02:09

خاص شخصيات حضرمية: الموقف السعودي تاريخي ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار

أكد عدد من وجهاء وأعيان حضرموت أن الوقفة السعودية تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية في المحافظة الواقعة شرق اليمن.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
خاص أركان قطاع بلفقيه في لواء النخبة الحضرمي رائد الجابري (الشرق الأوسط) play-circle 02:22

خاص الجابري يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن أحداث المكلا التي أعقبت «الهروب الكبير»

مع تفاقم الأوضاع الأمنية في حضرموت، على خلفية المواجهات بين قوات «درع الوطن» التابعة للحكومة اليمنية، مع قوات المجلس الانتقالي، وتراجع الأخيرة ميدانياً.

عبد الهادي حبتور (المكلا)
خاص محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط) play-circle 00:56

خاص الخنبشي لـ«الشرق الأوسط»: الموقف السعودي كان حاسماً... وتشغيل المطارات قريباً

أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، أن الأوضاع في المحافظة، وادياً وساحلاً، بدأت تعود إلى طبيعتها، في أعقاب التطورات الأخيرة.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، دعم القاهرة للمؤسسات الوطنية اللبنانية للاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في الحفاظ على أمن واستقرار بلادها.

وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، الجمعة، إن عبد العاطي عبّر عن ترحيبه بإعلان لبنان عن إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة جنوب نهر الليطاني، معتبراً إياها خطوة «تعكس التزاماً واضحاً بتعزيز سيادة الدولة وترسيخ دور مؤسساتها الشرعية».

وكان الجيش اللبناني قال في وقت سابق هذا الشهر، إن خطته لحصر السلاح دخلت مرحلة متقدمة «بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى بشكل فعال وملموس على الأرض»، لكنه أشار إلى أن ما وصفها بالاعتداءات والخروقات الإسرائيلية تنعكس سلباً على إنجاز المهام المطلوبة.

وبحسب «الخارجية» المصرية، شدد عبد العاطي على رفض القاهرة الكامل للمساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامه أراضيه، مؤكداً ضرورة «التنفيذ الكامل غير الانتقائي لقرار مجلس الأمن 1701 بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية الفوري وغير المنقوص، ووقف جميع الانتهاكات للسيادة اللبنانية».

كما أعرب وزير الخارجية المصري خلال اتصاله مع سلام، الخميس، عن الرفض الكامل لأي محاولات للتصعيد العسكري تمس وحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه.


سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
TT

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)

يُعدّ الدكتور سالم الخنبشي واحداً من أبرز الوجوه السياسية المخضرمة في اليمن، وشخصية محورية في معادلة التوازنات الوطنية، خصوصاً في شرق البلاد.

وعلى امتداد مسيرته الطويلة، مثّل الخنبشي حلقة وصل بين الدولة المركزية والمطالب المحلية لمحافظة حضرموت، مكتسباً سمعة رجل التوافق القادر على إدارة الملفات الشائكة في أكثر المراحل تعقيداً.

وبرز اسمه بقوة مع مطلع عام 2026، بوصفه رقماً صعباً في معادلة الاستقرار السياسي والأمني، في ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة، أعادت ترتيب موازين القوى داخل المحافظات المحررة.

وُلد الخنبشي عام 1952 في مديرية دوعن بمحافظة حضرموت، إحدى أبرز المناطق ذات الثقل الاجتماعي والاقتصادي في شرق اليمن.

وتلقى تعليمه العالي في الخارج، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جمهورية المجر، وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على خطابه السياسي ونهجه العملي، القائم على قراءة البنى الاجتماعية وفهم تداخلاتها القبلية والمناطقية.

وقبل انخراطه المباشر في العمل السياسي، بدأ الخنبشي مسيرته المهنية في القطاع التربوي والأكاديمي، حيث عمل في التدريس والإشراف التربوي، ثم في جامعة حضرموت، وتولى مناصب أكاديمية، من بينها رئاسة أقسام علمية وعمادة كلية التربية بالمكلا، ما أسهم في تشكيل شخصيته كمسؤول يميل إلى الحلول الهادئة والمعالجة المؤسسية للأزمات.

لم يكن صعود الخنبشي إلى الصفوف الأولى في الدولة نتاج لحظة سياسية عابرة، بل جاء عبر تدرج طويل في المناصب التشريعية والتنفيذية.

ففي السلطة التشريعية، شغل عضوية مجلس النواب خلال الفترة (1993 - 1997)، ما أتاح له خبرة مبكرة في العمل البرلماني وصناعة القرار، ثم عُيّن لاحقاً عضواً في اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء، قبل أن ينضم إلى مجلس الشورى في أكثر من دورة.

وفي الإدارة المحلية، تولى منصب محافظ حضرموت بين عامي (2008 - 2011)، في مرحلة اتسمت بتحديات أمنية وتنموية، قبل أن يُعاد تعيينه في المنصب ذاته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، في ظل تصاعد التعقيدات السياسية والأمنية في المحافظة الأكبر مساحة والأكثر حساسية في البلاد.

أما في الحكومة المركزية، فقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة الدكتور معين عبد الملك (2018 - 2020)، وكان الشخصية الحكومية الأبرز في ملف «اتفاق الرياض»، حيث ترأس اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة تنفيذ بنوده، ولعب دوراً محورياً في إدارة العلاقة المعقدة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي.

2026... عام التحول المفصلي

مع بداية عام 2026، انتقل الخنبشي إلى موقع أكثر تأثيراً في معادلة السلطة، حيث صدر في 15 يناير (كانون الثاني) قرار بتعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، ليصبح الممثل الأبرز لحضرموت في أعلى سلطة سياسية في البلاد.

وبالتوازي، كُلف بقيادة قوات «درع الوطن» في حضرموت، وهي قوة تُقدَّم بوصفها أداة توازن تابعة لشرعية الدولة، في مواجهة التفلتات الأمنية والتشكيلات غير النظامية.

ويقود الخنبشي جهوداً لإعادة بسط السيطرة على المواقع الحيوية والعسكرية، مؤكداً أن «أمن حضرموت جزء لا يتجزأ من أمن اليمن والمنطقة».

وفي هذا السياق، تبنّى خطاباً يقوم على الاحتواء، لا الإقصاء، داعياً أبناء حضرموت المنخرطين في تشكيلات أخرى إلى العودة للعمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، في محاولة لتجنيب المحافظة سيناريوهات الصدام المفتوح.

سمات سياسية

يُعرف عن الخنبشي هدوؤه وميله إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، غير أن مواقفه خلال عامي 2025 و2026 أظهرت قدراً أعلى من الحزم، خصوصاً ما يتعلق بمركزية الدولة ورفض أي قوى مسلحة خارج إطار الشرعية. ويحظى بدعم إقليمي، خصوصاً من السعودية، ضمن مساعي تثبيت الاستقرار في المحافظات المحررة وتأمين شرق اليمن.

ولم يعد سالم الخنبشي اليوم مجرد محافظ أو مسؤول حكومي تقليدي، بل بات يُنظر إليه كـ«مهندس استقرار» يسعى إلى عبور حضرموت مرحلة بالغة الحساسية، مستنداً إلى 3 شرعيات متداخلة: سياسية بصفته عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، وأمنية من خلال قيادته قوات «درع الوطن»، وإدارية بحكم موقعه محافظاً لحضرموت، في محاولة لإعادة ترميم حضور الدولة في أكبر محافظة يمنية.


الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
TT

الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)

يُعدّ الفريق الركن محمود أحمد سالم الصُبيحي أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين الذين تداخل مسارهم المهني مع أكثر المراحل السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث، من دولة الجنوب قبل الوحدة اليمنية، مروراً بحرب صيف 1994، وصولاً إلى انقلاب الحوثيين والحرب الشاملة التي أعقبتها.

برز اسم الصُبيحي على الساحة الوطنية مع سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وتوقيع ما عُرف بـ«اتفاق السلم والشراكة» في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وهو الاتفاق الذي أفضى إلى تشكيل حكومة جديدة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، برئاسة خالد محفوظ بحاح، وبمشاركة الحوثيين والحراك الجنوبي.

وفي تلك الحكومة، عُيّن الصُبيحي وزيراً للدفاع خلفاً للواء محمد ناصر أحمد. كان الصُبيحي سابع وزير دفاع في تاريخ الجمهورية اليمنية، وخامس ضابط من المحافظات الجنوبية يتولى هذه الحقيبة السيادية، التي ظلت ضمن حصة الرئيس عبد ربه منصور هادي والمناطق الجنوبية.

وُلد الصُبيحي عام 1948 في منطقة المضاربة بمحافظة لحج. تخرّج في الكلية العسكرية بعدن عام 1976 حاصلاً على بكالوريوس علوم عسكرية، ثم واصل تأهيله العسكري في الاتحاد السوفياتي، حيث نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية من أكاديمية فرونزي عام 1982، وأتبعها بدورة القيادة والأركان من الأكاديمية نفسها عام 1988.

جيل القادة المؤثرين

ينتمي الصُبيحي إلى جيل القيادات العسكرية التي لعبت أدواراً مؤثرة في دولة الجنوب، وكان من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى المؤتمر الشعبي العام. وتولى عدداً من المناصب العسكرية قبل تحقيق الوحدة، أبرزها قائد الكلية العسكرية في عدن بين عامي 1988 و1990.

بعد الوحدة اليمنية عام 1990، عُيّن نائباً لمدير الكلية الحربية بين عامي 1990 و1993، وهي المؤسسة التي نتجت عن دمج الكليتين العسكريتين في عدن وصنعاء. وفي عام 1994، كان من بين القيادات التي انضمت إلى علي سالم البيض، عقب إعلان الانفصال، وشارك في القتال، قبل أن يغادر البلاد مع قيادات أخرى إلى المنفى.

عاد الصُبيحي إلى اليمن بعد نحو 15 عاماً في الخارج، عام 2009، ليُرقّى إلى رتبة لواء في 2010. وفي عام 2011، عُيّن قائداً لمحور العند - لحج، ثم أصدر الرئيس هادي في أبريل (نيسان) 2013 قراراً بتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة ومقرها عدن، ضمن أوسع قرارات إعادة هيكلة القوات المسلحة اليمنية.

مع تصاعد نفوذ الحوثيين، ظهر الصُبيحي في 6 فبراير (شباط) 2015 خلال فعالية إعلان ما سمّي بـ«الإعلان الدستوري»، الذي قضى بتعطيل الدستور وحل البرلمان.

ورغم أن وسائل إعلام نقلت عنه لاحقاً قوله إنه أُحضر إلى الفعالية قسراً، فإن الحوثيين أعادوا في اليوم التالي تشكيل «اللجنة الأمنية العليا»، وعيّنوه رئيساً لها بقرار صادر عن محمد علي الحوثي، رئيس ما كان يُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا».

منعطف الأسر

تمكّن الصُبيحي في 5 مارس (آذار) 2015 من مغادرة صنعاء إلى عدن، حيث كان الرئيس هادي قد أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد.

وأعاد هادي تكليفه بمهام وزير الدفاع، وأسند إليه قيادة القوات في عدن ولحج لمواجهة زحف الحوثيين. غير أن مسيرته توقفت مجدداً في 25 مارس 2015، عندما وقع أسيراً بيد الحوثيين إثر كمين خلال مواجهات في مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج، ونُقل إلى صنعاء مع اللواء ناصر منصور هادي واللواء فيصل رجب.

ورغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لعام 2015، الذي نصّ صراحة على الإفراج عنه، رفض الحوثيون تنفيذ القرار، وبقي الصُبيحي محتجزاً 8 سنوات.

خلال تلك الفترة، ظل منصب وزير الدفاع شاغراً في حكومتي خالد بحاح وأحمد عبيد بن دغر، إلى أن كُلّف الفريق محمد المقدشي قائماً بالأعمال في فبراير (شباط) 2018، ثم عُيّن وزيراً لاحقاً.

في 14 أبريل (نيسان) 2023، أُفرج عن الصُبيحي ضمن صفقة تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية والحوثيين برعاية دولية، ووصل إلى عدن وسط استقبال رسمي وشعبي.

وفي 9 مايو (أيار) 2024، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بترقيته إلى رتبة «فريق»، ومنحه وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ثم عيّنه بعد 3 أيام مستشاراً لمجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن.

واليوم، يُعاد إدراج اسم الصُبيحي في صدارة المشهد السياسي والعسكري اليمني، بعد صدور قرار مجلس القيادة الرئاسي بتعيينه عضواً في المجلس، في خطوة تعكس رمزية حضوره وخبرته، وتعيد أحد أقدم القادة العسكريين إلى قلب معادلة القرار في اليمن.