«الممر الضيق»... كيف تُكتسب الحريات؟

عن العلاقة بين المجتمع والدولة

دارون آسميغلو  -  جيمس روبنسون
دارون آسميغلو - جيمس روبنسون
TT

«الممر الضيق»... كيف تُكتسب الحريات؟

دارون آسميغلو  -  جيمس روبنسون
دارون آسميغلو - جيمس روبنسون

فرض الحدث اللبناني نفسه على الإعلام العربي، بوصفه تطوراً نوعياً في طبيعة الصراع بين الدولة الرسميّة والمجتمع المحليّ؛ تطايرت خطوط حمراء كثيرة، طائفيّة ومناطقيّة وسياسيّة بقيت لعقود طويلة لا تُكسر. وهو أمر تكرر قبلها في غير ما بلد عربي، وما زال مستمراً حتى اليوم في الجزائر والعراق. ولا يبدو أحد من الأطراف المعنيّة - أقلّه لبنان - متفائلاً بالوصول إلى خواتيم سحريّة لتلك الحراكات التي يريد أحد الأطراف أخذها إلى حدودها القصوى، وإسقاط النظام السياسي بالكامل، بينما يريد الطرف الآخر إبقاء الهيكليّة كما هي، وتنفيذ إصلاحات محدودة، ربما لتمرير الأزمة وشراء الوقت. وهذا ربما يدفع للتساؤل حول طرائق اكتساب المجتمعات لحريّاتها من تغوّل السلطة، وهل ثمّة عائق ثقافي ما يحول بين سكان الشرق الأوسط والوصول يوماً ما إلى الحالة «الإسكندنافية»، حيث الدولة متمكنة مزدهرة نظيفة اليد، والمجتمع يتمتع بحريّات واسعة وفضاء ديمقراطي وقوانين شفافة في آن واحد؟
دارون آسميغلو (البروفسور في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا) وجيمس روبنسون (البروفسور في جامعة شيكاغو)، صاحبا الكتاب ذائع الصيت «لماذا تفشل الأمم؟»، يعالجان تحديداً هذه الجدليّة في كتابهما الجديد «الممر الضيّق: الدول والمجتمعات ومصائر الحريّات»، عبر استعراض مستويات متنوعة من التوازنات التي تقوم في المجتمعات السياسيّة المعاصرة، ليخلصا إلى القول إن الحالة الإسكندنافيّة - إذا اتفقنا على تلك التسمية - تتحقق في إطار توازن دقيق للقوة بين الدولة والمجتمع. فالحريّات المجتمعيّة لا تمنح من الدولة، ولا تُؤخذ بإسقاطها، بل هي تزهر حصراً في ممر ضيّق من التنازع والتفاوض المستمرين بين طرفي المعادلة. وهما لذلك يحرصان على أن الدولة كانت منذ تطورها في المجتمعات الإنسانيّة بديلاً للفوضى، ونقيضاً للحريّات المنفلتة التي تنتهي دائماً، إن لم تنظمها قوانين رادعة، إلى تغوّل القوي على الضعيف، والذكور على الإناث، والأغنياء على الفقراء.
يعتمد آسميغلو وروبنسون في تمثيل التوازنات الممكنة بين الدولة والمجتمع على الليفياثان (تسمية الرمز الأسطوري للوحش الهائل) الذي أطلقه المنظر السياسي الإنجليزي توماس هوبس (القرن السابع عشر) على الدولة بمفهومها المعاصر. عند هوبس، كان الخطر الأساسي على الاجتماع البشري يكمن في الصراعات المفتوحة التي لا يمكن حسمها، وحفظ الأرواح والممتلكات، في غياب دولة مركزيّة قويّة. ويسمى المؤلفان هذا الليفياثان الهوبسي بالديستوبيّ، فيما نقيضه هو «الليفياثان الغائب»، حيث الفوضى والحرب الأهليّة المفتوحة والثارات التي قد تتوارث عبر الأجيال، بينما قد تجد بلاداً (مثل الهند المعاصرة مثلاً) تحقق سلامها الداخلي عبر إسناد دولة مركزيّة ضعيفة بأقفاص اجتماعيّة خانقة تقوم مقام «الليفياثان الديستوبيّ»، فتفرض على الأفراد اتّباع سلوكيّات معينة تحت طائلة العزل المجتمعيّ، لتكون في النهاية شكلاً آخر من طغيان الدولة على المجتمع، لا سيما أن تلك الأقفاص لا يمكن إزالتها بالفعل إلا من قبل الدولة.
آسميغلو وروبنسون يريان في الممر الضيّق بين «الليفياثان» النقيضين: «الديستوبي» (دولة قوية ومجتمع ضعيف) و«الغائب» (دولة ضعيفة ومجتمع قوي) فضاءً محدوداً لتوازن مؤقت سائل بين دولة قويّة ومجتمع قوي، كما في الدنمارك المعاصرة مثلاً، حيث تتوازى كفاءة تحصيل الضرائب العالية مع نظام رفاه متماسك، على نحو أنجز ازدهاراً اقتصادياً واستقراراً اجتماعياً، وحريّات فرديّة في إطار قانون شفاف. ويطلق المؤلفان على هذا الفضاء تسميّة «الليفياثان المقيّد»، حيث العلاقة بين الدولة ومواطنيها تقوم على أساس الثقة بدل الخوف، وعلى المصارحة بدل المواجهة العمياء.
يوظّف المؤلفان نموذجهما هذا لوصف طبيعة التوازن بين الدولة والمجتمع بهدف تقديم قراءة تحليلية للتحولات السياسيّة عبر العالم. في روسيا المعاصرة، لحظة سقوط الاتحاد السوفياتي، ضعفت الدولة، وتفلت المجتمع من عقاله إلى حد كبير. ولذا، فإن بوتين يحظى بتأييد قطاع واسع من الروس، لأنه قاد عمليّة استعادة الدولة القويّة المركزيّة، على النسق الديستوبي. والصين بالطبع، بنظامها الحديث، مثال «ديستوبيّ» آخر، بينما تبدو دول مثل الصومال وليبيا نماذج عن «الليفياثان الغائب».
كما تُطرح نقطة مهمة حول دور تاريخي لبعض النخب المهيمنة في منع قيام حالة دولة «الليفياثان المقيّد» داخل بلادها، حماية لمصالحها الذاتيّة الضيقة التي لا يناسبها أيضاً ليفياثان دستوبي ولا غائب. ولذلك، فإن هذي النخب تُنشئ ما سماه المؤلفان «الليفياثان الورقيّ»، حيث الدولة قوية بما فيه الكفاية لحفظ مصالح النخبة حصراً، ولكنها ضعيفة في الوقت ذاته عن فرض الضرائب على الأثرياء، أو تطبيق التشريعات الرادعة بحقهم. ولعلّ النظام اللبناني يكون أفضل مثالٍ على هذا النموذج الذي يتسبب دائماً بغياب الازدهار الاقتصادي، وتعاسة الأغلبيّة، وعدم الاستقرار السياسي والأمني، ناهيك من استعارته لشيء من نظام الأقفاص الاجتماعية لردع الأفراد المتمردين على طوائفهم، من خلال عزلهم اجتماعياً، وهو ما قد يفسّر إلى حد بعيد تعقيد الحالة اللبنانية، وصعوبة تحقيق تغيير حقيقي فيها.
ويُشير المؤلفان إلى أن حالة «الليفياثان المقيد»، وإن كانت صعبة، فإنها ممكنة، لكنها تحتاج بعد تحققها إلى انخراط المجتمع في سباق يومي دائم للإبقاء على حالة اتزان القوّة الدقيق مع الدّولة. لكنهما يحذران في الوقت ذاته من أن أغلب الأمثلة التاريخيّة تشير إلى كون سقوط حالة «الليفياثان الديستوبيّ»، أو حتى شقيقه «الليفياثان الورقيّ»، تعني دائماً انتقالاً إلى حالة «الليفياثان الغائب»، بدلاً من «الليفياثان المقيّد». وهنا، يورد المؤلفان نموذج العراق المعاصر بعد سقوط دولته المركزيّة القويّة في عهد النظام السابق، ومن ثم الانتقال إلى حالة دولة غائبة، ما لبثت النخب المتنفذة أن نقلتها إلى حالة «الليفياثان الورقيّ»، حيث الزبائنيّة والفساد هما سادة الموقف.
ويسجّل المؤلفان عبر «الممر الضيّق» توقعاتهما بشأن مستقبل عدد من الأنظمة السياسيّة القائمة في العالم. فهما يريان مثلاً أن الهند لن تبني يوماً مجتمعاً على النسق الإسكندنافي، ولن تحظى بازدهار اقتصادي مستدام، بسبب اعتماد الدولة هناك على نظام الأقفاص الاجتماعية لمدّ سيطرتها على المجتمع، كما يعتقدان أن الصينيين سيتوقفون عن القبول بحالة «الليفياثان الديستوبيّ» القائمة عند توقف النمو الاقتصادي للبلاد. وبينما اختارت النخبة في كوستاريكا مثلاً التوجه نحو شكل من «الليفياثان المقيّد»، فإن نخباً أخرى في أميركا الجنوبيّة - كما غواتيمالا والبرازيل وتشيلي مثلاً - اختارت مصالحها الذاتيّة على حساب مجتمعاتها، وشيّدت حالات من «الليفياثان الورقيّ» التي أنتجت أوضاعاً اقتصاديّة صعبة، وتفاوتات مجتمعيّة، واضطرابات متكررة.
ولا يربط «الممر الضيق» بين سعي المجتمعات للوصول إلى صيغة (إسكندنافيّة) من العلاقة مع الدّولة وأي عوامل ثقافيّة أو عرقيّة محددة، لكنه من الواضح، في سياق تحليلهما، أن بعض الأنظمة العقائديّة قد تثبط معتنقيها عن الانخراط الإيجابي في بناء علاقة توازن قوة بين الدّولة والمجتمع، وتسهم بدفعهم للرضوخ لحكم الأقليّة، سواء في حالة «الليفياثان الديستوبيّ» أو حالة «الليفياثان الورقيّ». وهما يقدمان الكونفوشيوسيّة التي طالما كانت عوناً لتقبل المواطنين الصينيين هيمنة الإمبراطور والدولة، وثبطتهم عن النضال المجتمعي الإيجابي للوصول إلى حالة «الليفياثان المقيّد». ويذكران بأن السلطة الشيوعيّة في الصين الحديثة حاولت بداية استئصال الكونفوشيوسيّة، على أساس الفلسفة الماديّة المعادية للأديان التي تبناها ماو تسي تونغ، لكنها ما لبثت أن شرعت بخطوات مدروسة متتابعة لاستعادتها مجدداً، بوصفها سلاحاً عظيماً لتمديد حالة «الليفياثان الديستوبيّ»، وسيطرة الحزب على الدولة.
«الممر الضيّق» لا شكّ واحد من أفضل الكتب الحديثة التي تشرح ديناميّات العلاقة بين الدولة والمجتمع، عبر أدوات نظريّة متماسكة، من أجل فهم أعمق للصراعات السياسية وتحولات الأزمنة، وهو أيضاً على نحو ما قفزة نوعيّة للمفكرين آسميغلو وروبنسون، عن كتابهما الشهير السابق «لماذا تفشل الأمم؟» الذي اتهمه كثيرون بالتركيز على عمل المؤسسات، بدلاً من تقديم صيغة جامعة لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

«الممر الضيّق: الدول والمجتمعات ومصائر الحريّات»
المؤلفان: دارون آسميغلو
وجيمس روبنسون
الناشر: بنغوين راندوم هاوس، 2019، الولايات المتحدة.
- The Narrow Corridor: States, Societies, and the Fate of Liberty, by Daron Acemoglu and James A. Robinson, Penguin Random House, USA (2019).


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً