«الممر الضيق»... كيف تُكتسب الحريات؟

عن العلاقة بين المجتمع والدولة

دارون آسميغلو  -  جيمس روبنسون
دارون آسميغلو - جيمس روبنسون
TT

«الممر الضيق»... كيف تُكتسب الحريات؟

دارون آسميغلو  -  جيمس روبنسون
دارون آسميغلو - جيمس روبنسون

فرض الحدث اللبناني نفسه على الإعلام العربي، بوصفه تطوراً نوعياً في طبيعة الصراع بين الدولة الرسميّة والمجتمع المحليّ؛ تطايرت خطوط حمراء كثيرة، طائفيّة ومناطقيّة وسياسيّة بقيت لعقود طويلة لا تُكسر. وهو أمر تكرر قبلها في غير ما بلد عربي، وما زال مستمراً حتى اليوم في الجزائر والعراق. ولا يبدو أحد من الأطراف المعنيّة - أقلّه لبنان - متفائلاً بالوصول إلى خواتيم سحريّة لتلك الحراكات التي يريد أحد الأطراف أخذها إلى حدودها القصوى، وإسقاط النظام السياسي بالكامل، بينما يريد الطرف الآخر إبقاء الهيكليّة كما هي، وتنفيذ إصلاحات محدودة، ربما لتمرير الأزمة وشراء الوقت. وهذا ربما يدفع للتساؤل حول طرائق اكتساب المجتمعات لحريّاتها من تغوّل السلطة، وهل ثمّة عائق ثقافي ما يحول بين سكان الشرق الأوسط والوصول يوماً ما إلى الحالة «الإسكندنافية»، حيث الدولة متمكنة مزدهرة نظيفة اليد، والمجتمع يتمتع بحريّات واسعة وفضاء ديمقراطي وقوانين شفافة في آن واحد؟
دارون آسميغلو (البروفسور في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا) وجيمس روبنسون (البروفسور في جامعة شيكاغو)، صاحبا الكتاب ذائع الصيت «لماذا تفشل الأمم؟»، يعالجان تحديداً هذه الجدليّة في كتابهما الجديد «الممر الضيّق: الدول والمجتمعات ومصائر الحريّات»، عبر استعراض مستويات متنوعة من التوازنات التي تقوم في المجتمعات السياسيّة المعاصرة، ليخلصا إلى القول إن الحالة الإسكندنافيّة - إذا اتفقنا على تلك التسمية - تتحقق في إطار توازن دقيق للقوة بين الدولة والمجتمع. فالحريّات المجتمعيّة لا تمنح من الدولة، ولا تُؤخذ بإسقاطها، بل هي تزهر حصراً في ممر ضيّق من التنازع والتفاوض المستمرين بين طرفي المعادلة. وهما لذلك يحرصان على أن الدولة كانت منذ تطورها في المجتمعات الإنسانيّة بديلاً للفوضى، ونقيضاً للحريّات المنفلتة التي تنتهي دائماً، إن لم تنظمها قوانين رادعة، إلى تغوّل القوي على الضعيف، والذكور على الإناث، والأغنياء على الفقراء.
يعتمد آسميغلو وروبنسون في تمثيل التوازنات الممكنة بين الدولة والمجتمع على الليفياثان (تسمية الرمز الأسطوري للوحش الهائل) الذي أطلقه المنظر السياسي الإنجليزي توماس هوبس (القرن السابع عشر) على الدولة بمفهومها المعاصر. عند هوبس، كان الخطر الأساسي على الاجتماع البشري يكمن في الصراعات المفتوحة التي لا يمكن حسمها، وحفظ الأرواح والممتلكات، في غياب دولة مركزيّة قويّة. ويسمى المؤلفان هذا الليفياثان الهوبسي بالديستوبيّ، فيما نقيضه هو «الليفياثان الغائب»، حيث الفوضى والحرب الأهليّة المفتوحة والثارات التي قد تتوارث عبر الأجيال، بينما قد تجد بلاداً (مثل الهند المعاصرة مثلاً) تحقق سلامها الداخلي عبر إسناد دولة مركزيّة ضعيفة بأقفاص اجتماعيّة خانقة تقوم مقام «الليفياثان الديستوبيّ»، فتفرض على الأفراد اتّباع سلوكيّات معينة تحت طائلة العزل المجتمعيّ، لتكون في النهاية شكلاً آخر من طغيان الدولة على المجتمع، لا سيما أن تلك الأقفاص لا يمكن إزالتها بالفعل إلا من قبل الدولة.
آسميغلو وروبنسون يريان في الممر الضيّق بين «الليفياثان» النقيضين: «الديستوبي» (دولة قوية ومجتمع ضعيف) و«الغائب» (دولة ضعيفة ومجتمع قوي) فضاءً محدوداً لتوازن مؤقت سائل بين دولة قويّة ومجتمع قوي، كما في الدنمارك المعاصرة مثلاً، حيث تتوازى كفاءة تحصيل الضرائب العالية مع نظام رفاه متماسك، على نحو أنجز ازدهاراً اقتصادياً واستقراراً اجتماعياً، وحريّات فرديّة في إطار قانون شفاف. ويطلق المؤلفان على هذا الفضاء تسميّة «الليفياثان المقيّد»، حيث العلاقة بين الدولة ومواطنيها تقوم على أساس الثقة بدل الخوف، وعلى المصارحة بدل المواجهة العمياء.
يوظّف المؤلفان نموذجهما هذا لوصف طبيعة التوازن بين الدولة والمجتمع بهدف تقديم قراءة تحليلية للتحولات السياسيّة عبر العالم. في روسيا المعاصرة، لحظة سقوط الاتحاد السوفياتي، ضعفت الدولة، وتفلت المجتمع من عقاله إلى حد كبير. ولذا، فإن بوتين يحظى بتأييد قطاع واسع من الروس، لأنه قاد عمليّة استعادة الدولة القويّة المركزيّة، على النسق الديستوبي. والصين بالطبع، بنظامها الحديث، مثال «ديستوبيّ» آخر، بينما تبدو دول مثل الصومال وليبيا نماذج عن «الليفياثان الغائب».
كما تُطرح نقطة مهمة حول دور تاريخي لبعض النخب المهيمنة في منع قيام حالة دولة «الليفياثان المقيّد» داخل بلادها، حماية لمصالحها الذاتيّة الضيقة التي لا يناسبها أيضاً ليفياثان دستوبي ولا غائب. ولذلك، فإن هذي النخب تُنشئ ما سماه المؤلفان «الليفياثان الورقيّ»، حيث الدولة قوية بما فيه الكفاية لحفظ مصالح النخبة حصراً، ولكنها ضعيفة في الوقت ذاته عن فرض الضرائب على الأثرياء، أو تطبيق التشريعات الرادعة بحقهم. ولعلّ النظام اللبناني يكون أفضل مثالٍ على هذا النموذج الذي يتسبب دائماً بغياب الازدهار الاقتصادي، وتعاسة الأغلبيّة، وعدم الاستقرار السياسي والأمني، ناهيك من استعارته لشيء من نظام الأقفاص الاجتماعية لردع الأفراد المتمردين على طوائفهم، من خلال عزلهم اجتماعياً، وهو ما قد يفسّر إلى حد بعيد تعقيد الحالة اللبنانية، وصعوبة تحقيق تغيير حقيقي فيها.
ويُشير المؤلفان إلى أن حالة «الليفياثان المقيد»، وإن كانت صعبة، فإنها ممكنة، لكنها تحتاج بعد تحققها إلى انخراط المجتمع في سباق يومي دائم للإبقاء على حالة اتزان القوّة الدقيق مع الدّولة. لكنهما يحذران في الوقت ذاته من أن أغلب الأمثلة التاريخيّة تشير إلى كون سقوط حالة «الليفياثان الديستوبيّ»، أو حتى شقيقه «الليفياثان الورقيّ»، تعني دائماً انتقالاً إلى حالة «الليفياثان الغائب»، بدلاً من «الليفياثان المقيّد». وهنا، يورد المؤلفان نموذج العراق المعاصر بعد سقوط دولته المركزيّة القويّة في عهد النظام السابق، ومن ثم الانتقال إلى حالة دولة غائبة، ما لبثت النخب المتنفذة أن نقلتها إلى حالة «الليفياثان الورقيّ»، حيث الزبائنيّة والفساد هما سادة الموقف.
ويسجّل المؤلفان عبر «الممر الضيّق» توقعاتهما بشأن مستقبل عدد من الأنظمة السياسيّة القائمة في العالم. فهما يريان مثلاً أن الهند لن تبني يوماً مجتمعاً على النسق الإسكندنافي، ولن تحظى بازدهار اقتصادي مستدام، بسبب اعتماد الدولة هناك على نظام الأقفاص الاجتماعية لمدّ سيطرتها على المجتمع، كما يعتقدان أن الصينيين سيتوقفون عن القبول بحالة «الليفياثان الديستوبيّ» القائمة عند توقف النمو الاقتصادي للبلاد. وبينما اختارت النخبة في كوستاريكا مثلاً التوجه نحو شكل من «الليفياثان المقيّد»، فإن نخباً أخرى في أميركا الجنوبيّة - كما غواتيمالا والبرازيل وتشيلي مثلاً - اختارت مصالحها الذاتيّة على حساب مجتمعاتها، وشيّدت حالات من «الليفياثان الورقيّ» التي أنتجت أوضاعاً اقتصاديّة صعبة، وتفاوتات مجتمعيّة، واضطرابات متكررة.
ولا يربط «الممر الضيق» بين سعي المجتمعات للوصول إلى صيغة (إسكندنافيّة) من العلاقة مع الدّولة وأي عوامل ثقافيّة أو عرقيّة محددة، لكنه من الواضح، في سياق تحليلهما، أن بعض الأنظمة العقائديّة قد تثبط معتنقيها عن الانخراط الإيجابي في بناء علاقة توازن قوة بين الدّولة والمجتمع، وتسهم بدفعهم للرضوخ لحكم الأقليّة، سواء في حالة «الليفياثان الديستوبيّ» أو حالة «الليفياثان الورقيّ». وهما يقدمان الكونفوشيوسيّة التي طالما كانت عوناً لتقبل المواطنين الصينيين هيمنة الإمبراطور والدولة، وثبطتهم عن النضال المجتمعي الإيجابي للوصول إلى حالة «الليفياثان المقيّد». ويذكران بأن السلطة الشيوعيّة في الصين الحديثة حاولت بداية استئصال الكونفوشيوسيّة، على أساس الفلسفة الماديّة المعادية للأديان التي تبناها ماو تسي تونغ، لكنها ما لبثت أن شرعت بخطوات مدروسة متتابعة لاستعادتها مجدداً، بوصفها سلاحاً عظيماً لتمديد حالة «الليفياثان الديستوبيّ»، وسيطرة الحزب على الدولة.
«الممر الضيّق» لا شكّ واحد من أفضل الكتب الحديثة التي تشرح ديناميّات العلاقة بين الدولة والمجتمع، عبر أدوات نظريّة متماسكة، من أجل فهم أعمق للصراعات السياسية وتحولات الأزمنة، وهو أيضاً على نحو ما قفزة نوعيّة للمفكرين آسميغلو وروبنسون، عن كتابهما الشهير السابق «لماذا تفشل الأمم؟» الذي اتهمه كثيرون بالتركيز على عمل المؤسسات، بدلاً من تقديم صيغة جامعة لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

«الممر الضيّق: الدول والمجتمعات ومصائر الحريّات»
المؤلفان: دارون آسميغلو
وجيمس روبنسون
الناشر: بنغوين راندوم هاوس، 2019، الولايات المتحدة.
- The Narrow Corridor: States, Societies, and the Fate of Liberty, by Daron Acemoglu and James A. Robinson, Penguin Random House, USA (2019).


مقالات ذات صلة

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

«القاهرة للكتاب» يستقبل جمهوره بـ«حقيبة نجيب محفوظ»

يستقبل معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، المقرر افتتاحها الأربعاء، 21 يناير (كانون الثاني) الحالي، زواره بـ«حقيبة نجيب محفوظ».

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون «حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام بالنمو التكنولوجي للعملاق الصيني، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي.

جهاد مجيد

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.