بيدرسن: اجتماع «الدستورية» لحظة تاريخية... والشعب السوري هو مصدر الشرعية

أكد في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الحل في إدلب وشرق الفرات سياسي وليس عسكرياً

غير يبدرسن (رويترز)
غير يبدرسن (رويترز)
TT

بيدرسن: اجتماع «الدستورية» لحظة تاريخية... والشعب السوري هو مصدر الشرعية

غير يبدرسن (رويترز)
غير يبدرسن (رويترز)

قال المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسن، في حوار لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، الأربعاء المقبل، تشكّل «لحظة تاريخية» وتفتح الباب للوصول إلى حل شامل للأزمة السورية يتضمن إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بإشراف الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن «2254».
وأشار إلى أن تشكيل اللجنة «يشكّل بارقة أمل للشعب السوري الذي عانى طويلاً. ويأتي عقب اتفاق حكومة الجمهورية العربية السورية وهيئة المفاوضات السورية على حزمة متكاملة حول عضوية اللجنة والعناصر الأساسية للائحة الداخلية التي ستحكم عملها»، لافتاً إلى أن التشكيل هو «الاتفاق الحقيقي الأول من نوعه بين الحكومة والمعارضة من أجل البدء في تطبيق أحد العناصر الأساسية من قرار مجلس الأمن 2254»، ألا وهو تحديد جدول زمني وعملية لصياغة دستور جديد. واعتبر أن ما جرى يشكل «قبولاً ضمنياً من كل طرف بالطرف الآخر كمحاور، ويُلزم المرشحين من الطرفين بالجلوس معاً، في حوار مباشر وتفاوض، مع السماح في الوقت ذاته بإشراك ممثلي المجتمع المدني». ورأى في الاتفاق على تشكيل اللجنة «تعهُّداً مشتركاً أمام الشعب السوري بمحاولة الاتفاق تحت رعاية الأمم المتحدة على ترتيبات دستورية جديدة لسوريا، وعلى عقد اجتماعي جديد. ويمكن لهذا الاتفاق أيضاً أن يكون خطوة أولى على طريق مسار سياسي أشمل يلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري».
واقترح بيدرسن أن يركز وفدا الحكومة و«هيئة التفاوض» المعارضة على القضية الأساسية، وهي الدستور المطلوب لسوريا، على أن تقوم اللجنة الدستورية بتحديد كيفية تحقيق ذلك.
وسُئل عما إذا كانت المناقشات بين ممثلي الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني ستركز على صلاحيات الرئيس واللامركزية والجيش، فأجاب: «في كل الدساتير هناك عناوين معروفة. وهي ستناقَش في جنيف. وأتناقش حالياً مع رئيسي الوفدين؛ الحكومة (أحمد كزبري) وهيئة التفاوض (هادي البحرة) حول هذه الأمور»، لافتاً إلى أن دوره {كميسّر منصوص عليه بشكل واضح في القواعد الإجرائية، وهو المساعدة والتسهيل في حال كانت هناك عقبات ومآزق».
وأشار بيدرسن إلى أهمية التوصل إلى حلول سياسية في شمال غربي البلاد وشمالها الشرقي. قائلاً: «الوضع (في إدلب) معقد، ويجب الوصول إلى حل يضمن الأمن للمدنيين ويتناول في الوقت نفسه مسألة وجود مجموعات مصنَّفة إرهابية من قِبل مجلس الأمن». وأكد «أهمية تجنب عملية عسكرية شاملة لن تسهم في حل المشكلة وستكون لها تبعات إنسانية بالغة على المدنيين».
وتطرق المبعوث الأممي إلى البيان الروسي- التركي الأخير حول شرق الفرات ووجود خمسة جيوش في سوريا، إضافة إلى مساعيه لتشكيل مجموعة دولية وإقليمية لدعم جهود الأمم المتحدة لحل الأزمة. وفي ما يلي نص الحوار الذي جرى في مكتبه بمقر الأمم المتحدة في جنيف أمس:

> البيان الروسي- التركي بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان، أول من أمس (الثلاثاء)، أشار إلى دعم العملية الدستورية و«مسار سوتشي»، لكنه لم يشر إلى مسار جنيف والقرار «2254»... ما تفسيرك؟
- لم أكن في الاجتماع.
> لكن قرأت البيان...
- نعم قرأت البيان. عندما يتعلق الأمر بالعملية السياسية، فإنني مقتنع بأن روسيا وتركيا مؤمنتان بأن إطار العملية السياسية هو القرار 2254. هناك عناصر عدة لهذا القرار الدولي، أحدها تم التركيز عليه بشكل أكبر، وهو ما يتعلق بالمسار الدستوري. لا شك في أن عملية سوتشي وضعت أساساً لذلك. ولكن في النهاية، فإن تشكيل اللجنة الدستورية جاء نتيجة مفاوضات مكثفة. ناقشنا الأسماء والقواعد الإجرائية. وأجريت مفاوضات بنّاءة مع الحكومة في دمشق و«هيئة التفاوض السورية» المعارضة. خلال هذه العملية حصلتُ على دعم المجتمع الدولي، لذلك وصلنا إلى حل. هذا الحل كان مبنياً على القرار 2254. بصراحة ليس هناك أي خلاف حول هذا الأمر.
> حتى من روسيا وتركيا؟
- حتى من الروس والأتراك. هم يؤكدون كلما التقيناهم أن القرار 2254 هو أساس للعملية.
> لماذا لم يُذكر القرار في مفاوضاتهما؟
- في مفاوضات كهذه، هناك اعتبارات كثيرة. لكنّ الرئيسين بوتين وإردوغان ركّزا على القرار الدولي.
> إذن، اجتماع اللجنة الدستورية في جنيف الأسبوع المقبل، ما مرجعيته؟
- كما تعرف، حتى بالنسبة إلى «الضامنين» الثلاثة في عملية آستانة، أساس العملية السياسية هو القرار 2254. ونحن سنطلق العملية الدستورية الأربعاء المقبل لإعادة العملية السياسية إلى جنيف.
> ماذا سيحصل الأسبوع المقبل؟ من هم المدعوون؟
- أجريت محادثات مع الوزير وليد المعلم، ورئيس «هيئة التفاوض» نصر الحريري، وممثلين عن المجتمع المدني والدول الضامنة لـ«آستانة» و«المجموعة الصغيرة». توصلت إلى نتيجة أن الافتتاح سيكون فقط للسوريين والأمم المتحدة، لتأكيد طبيعة المسار، كونه بقيادة السوريين وملكاً لهم، بتيسير من الأمم المتحدة. وسيكون هناك وجود دبلوماسي بشكل موازٍ من مجموعة «آستانة» و«المجموعة الصغيرة»، لكن لن تشاركا في اجتماعات اللجنة الدستورية.
> يبدو أن اهتمام الدول بالحضور أقل من المفاوضات السابقة. هل هذا مؤشر إلى عدم الاهتمام بالعملية الدستورية؟
- لن توجه أي دعوة إلى ممثلي الدول لحضور الافتتاح. كما تعرف، فإنني وضعت خمس أولويات إحداها دعم المجتمع الدولي. هذا لا يزال طموحي وهدفي. رغم عدم دعوة هذه الدول، فإنني سأواصل جهودي لضمان دعم المجتمع الدولي للعملية السياسية في جنيف حسب القرار 2254. يجب التأكيد أن المجتمع الدولي قدّم الدعم للعملية الدستورية، والآن الأمر يعود إلى السوريين للمضي قدماً في هذه العملية.
> ما توقعاتك للاجتماعات في الأسبوع المقبل؟
- تحقيق تقدم بما يتناسب مع اللحظة التاريخية المتمثلة لأن 150 سورياً يمثلون طيفاً واسعاً من المجتمع السوري سيجتمعون لمناقشة الإصلاح الدستوري في جنيف. هذه فرصة تاريخية. سيكون هناك مرشحون من الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني. وستقع على عاتقهم المسؤولية للمضي قدماً. إنني مقتنع بأنهم يفهمون مسؤولياتهم وواجباتهم... لن يكون من السهل استثمار هذه الفرصة. فسوريا لا تزال تواجه أزمة خطيرة مع استمرار العنف والإرهاب، ووجود جيوش خمس دول تعمل على أراضيها، واستمرار المعاناة والانتهاكات المروعة، وانقسام عميق في المجتمع، وشعور باليأس بين السوريين في الداخل والخارج، كما تكاد الثقة أن تكون معدومة. وستكون للجنة الدستورية قيمة حقيقية فقط إذا أصبحت خطوة على الطريق العسير للخروج من الأزمة وصولاً إلى سوريا جديدة.
> للوصول إلى ماذا؟
- هذا الأمر يعود إليهم. عندما يجلسون ويقومون بعملهم، فإن العملية ستمضي قدماً. هم سيحددون بأنفسهم القضايا التي سيناقشونها والمسائل التي يجب أن تتغير للمضي قدماً بالعملية.
> إحدى القضايا الخلافية بين الطرفين الوصول إلى دستور جديد أم تعديل الدستور الحالي للعام 2012... ما تصورك؟
- للجنة الدستورية ولاية واضحة وهي القيام في سياق مسار جنيف الميسّر من قِبل الأمم المتحدة بإعداد وصياغة إصلاح دستوري يُطرح للموافقة العمومية، كإسهام في التسوية السياسية في سوريا وفي تطبيق قرار مجلس الأمن 2254، ويقوم الإصلاح الدستوري من بين أمور أخرى بتجسيد المبادئ الأساسية الـ12 السورية - السورية الأساسية، التي انبثقت عن مسار جنيف وتم تأكيدها في مؤتمر سوتشي، نصاً وروحاً في الدستور السوري والممارسات الدستورية السورية.
وللجنة الدستورية أن تراجع دستور 2012، بما في ذلك في سياق التجارب الدستورية السورية الأخرى، وأن تقوم بتعديل الدستور الحالي أو صياغة دستور جديد. ويجب أن يُقر الإصلاح الدستوري الذي ستعتمده اللجنة شعبياً وأن يتم نقله إلى النظام القانوني الوطني السوري من خلال الوسائل التي يتم الاتفاق عليها.
يجب عدم التركيز على التساؤل عن كونه دستوراً جديداً أم تعديلاً للحالي؟ المطلوب هو التركيز على الجوهر: ما الدستور المطلوب لسوريا؟ هذا أساس النقاش، ثم يعود أمر تحقيق ذلك للجنة الدستورية.
> ما القضايا المفتاحية التي سيركز عليها النقاش؟ نسمع أن المعارضة تريد مناقشة صلاحيات الرئيس، والحكومة ترفض، وهناك أيضاً شكل اللامركزية...
- كما تعرف، في كل الدساتير هناك عناوين معروفة، وهي ستناقَش في جنيف.
> ما هي؟
- إنني أتناقش حالياً مع رئيسَي الوفدين؛ الحكومة (أحمد كزبري) وهيئة التفاوض (هادي البحرة) حول هذا الأمر. الرئيسان المشتركان اللذان سيأخذان آراء الوفدين والمجتمع المدني، سيقومان بذلك.
> تقصد صلاحيات الرئيس، طبيعة النظام السياسي، اللامركزية...؟
- كل هذه الأمور ستناقَش من دون أي شك.
> لنفترض أن وفد الحكومة سيقول: لن نقبل ببحث صلاحيات الرئيس وصوغ دستور جديد. في المقابل، سيقول وفد «الهيئة»: نحن هناك لبحث ذلك وصوغ دستور جديد. ماذا ستفعل؟
- هذا يعني أنك متشائم. دوري واضح في القواعد الإجرائية، وهو أن أساعد وأسهّل في حال كانت هناك عقبات ومآزق. ونحن هنا كي نسهّل العملية. إنني متأكد من أنه ستكون هناك تحديات وصعوبات بعد أكثر من ثماني سنوات من الصراع. لن تكون العملية سهلة. هناك خلافات حقيقية، يجب أن نقرّ بذلك. دورنا البحث عن طرق لتضييق الخلافات. طموحي هو جسرها. من المبكر القول حالياً إن هذا الأمر صعب. فالعملية لا تزال في بدايتها.
> هل كان اجتماعك الأخير مع الوزير المعلم إيجابياً؟
- صحيح.
> لماذا باعتقادك؟ ما تفسيرك لدعم الحكومة للعملية؟
- يجب أن تسـأله.
> ما تفسيرك؟
- كانت مناقشاتي في دمشق بنّاءة وإيجابية. شعرت من اليوم الأول أننا نبني الثقة بشكل متدرج حول كثير من الأمور. بالنسبة إلى اللجنة الدستورية، كان هناك التزام من الوزير المعلم بالانخراط والوصول إلى حلول للتحديات الكثيرة. آمل أن ترى الحكومة في ذلك فرصة للتواصل والوصول إلى مناقشات جيدة مع المعارضة. قناعتي أن هذا الأمر يمكن أن يفتح نافذة للحوار. من خلال مفاوضاتي لتشكيل اللجنة الدستورية تحقق أمر مهم، هو الذهاب من دمشق إلى الرياض للجلوس مع الحريري ثم العودة إلى دمشق وإجراء مناقشات. هذا يعني أن هناك أموراً مشتركة بين الطرفين.
> ما الأمور المشتركة مثلاً؟
- الأرضية المشتركة. دعْنا نَعُدْ إلى الوراء. قلت قبل تسعة أشهر: أولويتي هي بناء ثقة مع الأطراف السورية بحثاً عن قواسم مشتركة بين الأطراف. المهمة الأولى كانت تشكيل اللجنة الدستورية وإقرار القواعد الإجرائية. هذا تحقق، وهو أمر مهم وسيكون له أثر على الأمور الأخرى.
> هناك من يقول: ليس مهماً أيّ دستور يكتب السوريون. المهم هي الممارسات...
- نريد خلق حالة جديدة تشير إلى أن التغيير في سوريا ممكن. حالة تتضمن تعافي المجتمع السوري وإعادة الثقة بين مكوناته بما يسهل عودة اللاجئين والنازحين. نريد أن نرى تغييرات في سوريا يمكن أن يطبَّق الدستور فيها. أي أن تكون عملية الإصلاح الدستوري جزءاً من تغيير أشمل. لهذه الأسباب، ونحن نتطلع إلى عقد الاجتماع الأول للجنة الدستورية، فإنني أحثّ كل المعنيين؛ الأطراف السورية وداعميها، على التفكير بشكل أشمل، مع وضع الهدف النهائي لبلد يسوده السلام نصب أعينهم. وأدعوهم إلى استثمار الفرصة التي توفرها اللجنة الدستورية لاتخاذ خطوات ملموسة وبناء الثقة. آمل أن نستطيع بناء تفاعلات إيجابية، خطوة بخطوة بين الأطراف السورية، وأيضاً مع المجتمع الدولي، من أجل الوصول إلى بيئة آمنة وهادئة ومحايدة تُشعر السوريين بأن المسار السياسي قادر على إعادة بناء وطنهم وتلبية طموحاتهم.
> كتب السفير الأميركي السابق روبرت فورد أن الدستور الحالي يتضمن الكثير من المواد المهمة. المهم هي الممارسات في دمشق.
- دعْني أقلْ شيئاً. درستُ التاريخ جيداً، وأنا مؤرخ. هذا كلام ساذج. الدستور والممارسة يختلفان من دولة إلى أخرى. في سوريا، هناك صراع عميق استمر أكثر من 8 سنوات. ليس التحدي الوحيد هو الدستور. هذا المجتمع مر بأزمة عميقة. إذا نظرت إلى الدستور بشكل منعزل عن باقي الأمور، صحيح. لكن عملية الإصلاح الدستوري ما هي إلا بداية للتغيير. لذلك، فإن الإصلاح الدستوري مهم. نريد رؤية وضع يعالج الانقسامات في المجتمع السوري. عملية سياسية تُشعر جميع السوريين بأن سوريا وطن لهم وأن لهم مستقبلاً ومكاناً في هذا الوطن.
> معارضون يقولون إن هدف العملية الدستورية هو «شرعنة النظام»؟
- بالنسبة إليّ، ليس الأمر إضفاء شرعية على الحكومة الحالية أو على المعارضة. هذه عملية هدفها جمع السوريين معاً لفتح صفحة جديدة لسوريا. بعد 8 سنوات تغيرت الأمور. الحكومة تسيطر على مساحة أكبر من الأرض. سنرى تطورات الأحداث في شمال شرقي البلاد. كما قلت، هناك تحديات كثيرة. الأمر لا يتعلق بإعطاء شرعية لطرف أو غيره، بل جمع السوريين معاً.
> هناك من يعتقد أن إيجابية الحكومة ترمي إلى إطلاق عملية للوصول إلى دستور يشرعن الانتخابات الرئاسية في 2021؟
- الاتفاق الذي توصلنا إليه محكوم بعدد من المبادئ الأساسية التي يجب أن تحكم أي مسار أو أي تسوية سياسية. وتشمل هذه المبادئ احترام ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، وسيادة سوريا ووحدتها واستقلالها وسلامة أراضيها، بالإضافة إلى طبيعة المسار كونه بقيادة السوريين وملكاً لهم. وتتضمن هذه المبادئ أيضاً إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة وفقاً لما نص عليه قرار مجلس الأمن 2254 تُجرى وفقاً للدستور الجديد. كما أن هذه المبادئ تقِرّ بضرورة وجود مسار سياسي أشمل لتطبيق القرار الأممي.
إن الدستور المقبل لسوريا هو ملك للسوريين وحدهم. وستكون الأمم المتحدة الحارس الأمين لطبيعة المسار. السوريون، وليس أي طرف آخر، سيقومون بصياغة الدستور، والشعب السوري يجب أن يصادق عليه. سنكون حاضرين لتيسير المسار بطريقة تضمن استمراره في التمتع بالمصداقية والتوازن والشمول، ولتقديم المساعدة كلما اقتضت الحاجة. إنني على دراية تامة بأن اللجنة الدستورية وحدها لا يمكنها حل الأزمة. يجب أن ننظر إلى الحقائق، وأن نتعامل مع الأزمة بشكل أكثر شمولاً، وفقاً لما نص عليه قرار مجلس الأمن 2254.
بصراحة، الشعب السوري هو من يعطي الشرعية، ويحدد مستقبل سوريا وأي علاقة طبيعية مع العالم والدول المجاورة والأوروبيين والأميركيين. ما يحصل في الجانب السياسي، عنصر واحد من العملية. الأوروبيون والأميركيون يريدون عملية سياسية ذات مصداقية تحقق تغييراً على الأرض.
> «الشرعية تأتي من الشعب» ينطبق على الرئيس؟
- نعم. ينطبق على الرئيس.
> هذا موقف واضح منك؟
- نعم. هذا موقفي. الشرعية تأتي من الشعب.
> البعض يقول إن دمشق ستمضي بالإصلاح الدستوري إلى عام 2021 خصوصاً أنه ليس هناك جدول زمني للجنة الدستورية؟
- لقد اتفقت الأطراف والتزمت بالعمل بشكل سريع ومستمر بهدف التوصل إلى نتائج وتحقيق تقدم مستمر، من دون تدخل خارجي أو أطر زمنية مفروضة من الخارج، وكذلك من دون شروط مسبقة أو الإصرار على التوصل إلى اتفاق حول مسألة ما قبل البدء في مناقشة مسألة أخرى.
لا يمكنني التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور. لكنّ هناك اتفاقاً على ضرورة العمل بشكل جدي ومستمر لتحقيق الإصلاح الدستوري. أنت محقّ، الأمر يعود للسوريين في ما يخص المضيّ قدماً. يجب أن نتذكر أنه بعد نحو تسع سنوات من الصراع وفقدان الثقة، فإن الأمر يتطلب وقتاً لكسر الجليد. هذه هي البداية. لا ننظر إلى الدستور بمعزل عن باقي القضايا. هذا مفتاح، وسنناقش القضايا الأخرى وسيكون هناك تأثير متبادل للقضايا بعضها على بعض. الأمر ليس سهلاً ويشكل تحدياً ولكن هذا هو الطريق الوحيد للحل.
> قلت إن الشرعية تأتي من الشعب. والأكراد جزء من الشعب. لماذا لم يُمثّلوا في اللجنة؟
- «قوات سوريا الديمقراطية» ليست جزءاً من اللجنة، لكنّ الأكراد ممثَّلون في اللجنة. جميع المكونات ممثَّلة.
> بعد الاتفاق الروسي- التركي، هل يمكن تمثيل أكراد آخرين؟
- لا يزال الاتفاق في بداياته. من المبكر البت في هذا الأمر.
> كيف ترى المشهد العسكري في إدلب وشرق الفرات؟
- أقول دائماً إنه لا حل عسكرياً للأزمة في سوريا. الحل سياسي.
> بما فيها في إدلب؟
- نعم.
> كيف؟ ما الحل في إدلب؟
- منذ البداية، شجعنا روسيا وتركيا على الالتزام بمذكرة التفاهم الموقَّعة بينهما في سوتشي والتعاطي مع مشكلة العناصر المصنّفة إرهابية من مجلس الأمن الدولي. الوضع معقّد، ويجب الوصول إلى حل يضمن الأمن للمدنيين مع معالجة مسألة وجود مجموعات مصنفة إرهابية من مجلس الأمن. يجب تفادي عملية عسكرية شاملة لن تسهم في حل المشكلة وستكون لها تبعات إنسانية بالغة على المدنيين، فهناك أكثر من 500 ألف نازح. إن محاربة الإرهاب يجب أن تتم وفقاً للقانون الدولي. تناقشنا في ذلك مع روسيا والحكومة.
> ما نصيحتك لدمشق وموسكو حول إدلب؟
- نصيحتي كانت تجميد الوضع في شمال غربي سوريا والوقف الشامل لإطلاق النار وفقاً لما ينص عليه قرار مجلس الأمن 2254. إن التوصل إلى خطوات لتخفيض العنف، وصولاً إلى وقف إطلاق نار على المستوى الوطني، أمر ضروري. يجب أن يتوقف العنف والقتل لأنه لا يوجد حل عسكري للأزمة ولأن قرار مجلس الأمن 2254 ينص على ذلك. فالتوصل إلى وقف إطلاق نار وتفاهمات دولية حول كيفية محاربة الإرهاب بطريقة تضمن حماية المدنيين واحترام أحكام القانون الدولي هو أمر أساسي وسيساعد في دفع المسار السياسي قدماً.
> وما هو الإطار الزمني لذلك؟
- لا يمكن وضع إطار زمني لمحاربة الإرهاب.
> ماذا عن شمال شرقي البلاد؟
- الشيء نفسه. (بسط) سلطة الدولة السورية، وأخذ مصالح جميع المكونات بالاعتبار، وضمان عدم عودة «داعش». يجب أخذ الشواغل الأمنية لتركيا بعين الاعتبار. لكن لا بد من الإشارة إلى الجانب الإنساني. أكثر من 200 ألف شخص نزحوا بسبب العمليات العسكرية.
> هل سألت الأميركيين حول قرارهم الانسحاب؟
- نعم.
> ماذا قالوا؟
- الولايات المتحدة لم تؤيد العملية العسكرية التركية، وتوصل الجانبان التركي والأميركي إلى اتفاق لوقف النار وانسحاب «الوحدات» الكردية. القوات الأميركية ستنسحب من سوريا ولكن لا يوجد إطار زمني محدد للانسحاب.
> تقول دائماً إنه في سوريا خمسة جيوش: أميركا، وروسيا، وإيران، وتركيا، وإسرائيل... هل تنظر إليها بنفس المستوى؟ هل كلها شرعية أم غير شرعية؟
- لن أنظر إلى الموضوع بهذه الطريقة. موقفي هو أن انخراط هذه الجيوش تعبير عن التحديات الموجودة في آخر ثماني سنوات. موقفي أن ننظر إلى ذلك في سياق الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، لتأكيد أن الاستقرار في سوريا لا يتعلق بسوريا فحسب بل له بعد إقليمي ودولي ويجب أخذ ذلك بالاعتبار.
> هل لا تزال قلقاً من خروج الأمور عن السيطرة؟
- طبعاً. وجود هذه الجيوش على الأراضي السورية يشكل تحدياً للأمن والسلم الدوليين.
> روسيا تقول إن وجودها شرعي؟
- لا أريد الدخول في التفاصيل. روسيا وإيران تقولان إنهما جاءتا بناءً على دعوة الحكومة السورية. طبعاً، ولكن هناك عوامل أخرى يجب أخذها في الاعتبار.
> هل أمر طبيعي أن تطلَق اللجنة الدستورية في وقت يزداد المشهد العسكري تعقيداً؟
- القليل مما حصل في سوريا كان طبيعياً. كل شيء غير طبيعي. الأمر المهم، عندما تجد فرصة لإطلاق شيء إيجابي، فيجب ألا تتوقف عن ذلك بسبب المشهد المعقد على الأرض. يجب عدم البحث عن ذرائع لعدم المضي قدماً.
> هناك تخوف من أن تكون العملية الدستورية غطاءً للعمليات العسكرية؟
- بالعكس، العملية السياسية يمكن أن تُنهي العمليات العسكرية.
> عندما تسلمت المنصب تحدثت عن خمس أولويات. ماذا تحقق وماذا لم يتحقق في كل منها؟
- الأولوية الأولى كانت بناء الثقة مع الحكومة و«هيئة التفاوض» بموجب صلاحياتي في القرار 2254. هذه عملية مستمرة. هناك تطور إيجابي ومُرضٍ، لكن عملية بناء الثقة عملية مستمرة وتتطلب وقتاً. الثانية، تطوير علاقات مع طيف واسع من المجتمع المدني والمجلس الاستشاري النسائي. أريد أن أقوم بجهد أكبر في هذا السياق مع أنني راضٍ عما حققناه. الثالثة، تشكيل اللجنة الدستورية والقواعد الإجرائية. وقد توصلنا إلى اتفاق، وستُطلق اللجنة عملها الأربعاء المقبل.
> وموضوع المعتقلين والمخطوفين؟
- هو الأولوية الرابعة. ولست راضياً عما تحقق.
> لماذا؟
- عملنا على مسارين: مجموعة العمل الرباعية مع روسيا وإيران وتركيا والصليب الأحمر، والتفاوض مع الحكومة والمعارضة، وطلبنا من الطرفين إطلاق معتقلين ومخطوفين بشكل أحادي... هذه المسألة تخص الكثير من العائلات ونريد أن نرى عمليات إطلاق أوسع. يمكن أن تبني ثقة بين السوريين إذا تم التعامل مع هذه القضية بشكل أكثر فاعلية. فلا يزال مصير عشرات الآلاف من المعتقلين والمخطوفين والمفقودين مجهولاً. وتعاني عائلاتهم بشكل كبير وتواجه تحديات يومية. إنني أدعو إلى العمل على ملف المعتقلين والمخطوفين والمفقودين، وبشكل خاص الإفراج عن النساء والأطفال.
> وماذا عن الأولوية الخامسة؟
- الأزمة السورية معقدة. أردت أن أرى جهداً أكبر من المجتمع الدولي لدعم عملية جنيف.
> مَن يعرقل ذلك: روسيا أم أميركا؟
- ليس هناك طرف واحد. هذه مسألة معقدة. هناك الكثير من العناصر. حققنا بعض النجاح، لكن أريد تحقيق المزيد. سأبذل جهدي للقيام بجهد أكبر في التقريب بين الأطراف الدولية.
> في العام المقبل هناك انتخابات برلمانية، وفي 2021 انتخابات رئاسية. كيف تريد أن تراها؟
- السيناريو المثالي هو أن تُنهي اللجنة الدستورية عملها بموجب القرار 2254، بحيث تكون هناك انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة ووفقاً لأعلى المعايير الدولية.
> هل هذا ممكن؟
- أكيد.
> هل بدأت التحضير لذلك؟ انتخابات بإشراف الأمم المتحدة؟
- لقد قمت بتعيين شخص معنيٍّ بملف الانتخابات، ونقوم الآن بدراسة كيفية وإمكانية إجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة وفقاً للدستور الجديد بموجب قرار مجلس الأمن 2254. يجب أن تُتاح للشعب السوري المشاركة في انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة وفقاً لقرار مجلس الأمن، وأن تشمل جميع السوريين الذين تحق لهم المشاركة، بما في ذلك أولئك الذين يعيشون في المهجر. يستغرق عقد الانتخابات وفقاً لأعلى المعايير الدولية وقتاً طويلاً. ولهذا فإنني بدأت التفكير في كيفية قيام الأمم المتحدة بالإعداد لهذه المهمة من خلال الحوار مع الأطراف السورية.



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.