ما بين سويسرا والإسكندرية يعيش اليوناني المصري ميشال ماركو، الذي يعكس اسمه هويته الكوزموبوليتانية، فهذا الاسم يدل على أن صاحبه إما فرنسي أو إيطالي، ورغم أن عمره 86 عاما فإنه لا يزال يتذكر كل الأحداث والأشخاص المهمة المؤثرة في تاريخ مصر أكثر من المصريين أنفسهم! حياة ماركو في حد ذاتها تمثل انعكاسا لحال مصر طوال 8 عقود. فهو اليوناني الأصل، فرنسي المولد، يحمل الجنسية اليونانية والمصرية، مع تدهور الأوضاع في مصر أصبح يقيم معظم الوقت في سويسرا.
كان صديقا للعاهل الأردني الراحل الملك حسين فقد درس معه في فيكتوريا كوليدج الإسكندرية وكان رئيسا عليه «هيد بوي» كان يأمره والملك الصغير ينفذ ودائما ما يتذكره ماركو ضاحكا «بيحبني عشان أنا قصير زيه». كما كان زميل الفنان الراحل أحمد رمزي في نفس التخت الدراسي طوال أكثر من 10 سنوات، وتربطه صلة نسب مع الراحل يوسف شاهين زميل فيكتوريا أيضا.
هاجر مع والده لفرنسا وعمره 15 سنة، ودرس في المدارس الحكومية الفرنسية وعاد إلى مصر بعد تخرجه. يقول «كانوا يطلقون على أنا وأخي (المصريان) رغم أننا يونانيان!!»، ويضحك قائلا «كنت دايما أتفشخر عليهم أنا إسكندراني لأن إسكندرية كانت مدينة عالمية، وكانت دراستي في فيكتوريا كوليدج قد جعلتني متفوقا عنهم بمراحل، كانت معلمتي تقول لي إنني في مصر عايش مع الجمال وفي الصحرا، ولما حكيت لها عن بيتي ومدرستي ماكنتش بتصدق، لكن بعد فترة سألتني هو الناس في إسكندرية كلهم مثقفين كده زيك، قلتها أحسن مني طبعا».
ولما سألته عن الجنسية المصرية قال «ياااه، أخدت الجنسية المصرية سنة 1987، وأنا مولود في باريس.. والدي ووالدتي مولودين في إسكندرية جاء أجدادهم من اليونان لمصر 1730. وأنا في أي مكان في العالم أقول إنا إسكندراني.. يستغربوا أوي إيه اللي مخليك مبسوط أوي بإسكندرية ديه كان ليها روح مش موجود في أي بلد، الروح ديه انقرض للأسف».
بأسى شديد يقول «إحنا نتراجع لأسف، كنت أشهد خروج المحمل من الإسكندرية وكان احتفالا رائعا مش ممكن أبدا أنساه من دماغي.. حاجات أتأثر كتير لما أفتكرها».
يتمتع مسيو ماركو بروح شبابية جدا، لكن السر في ممارسة الرياضة فهو لاعب كرة قدم ويمارس السباحة ويلعب الكريكيت لكنه يقول ضاحكا «عمري ما فهمت فلسفة الكريكيت أبدا».
يطرق عليه الباب أحد العاملين معه فيقول له «أنا قلت لك مش عايز أندوش». يتعامل ماركو بطريقة عفوية رغم أصوله الأرستقراطية وتربيته الإنجليزية.
يتحدث ماركو بلهجة مصرية عامية صحيحة مختلطة بلكنة إنجليزية صارمة وبعض الكلمات الفرنسية «كنت أذهب مع والدي لبورصة إسكندرية وكان أرشيفها كله بالفرنسية، وترتيبها قبل تأميم عبد الناصر في يوليو (تموز) 1961 الرابع على العالم. كان فيها طلاينة ويونانين ويهود كتير جدا، عايز أقولك عيلة (زيلخا) يهود من العراق عاشوا هنا في إسكندرية وهاجروا بعد كده لإنجلترا وأسسوا محلات (مذر كير) كله كان يبدأ في إسكندرية.. كل الشركات الكبرى في العالم التي يديرها اليهود كانوا الأول عايشين هنا في إسكندرية».
وبفخر كبير قال لي «أنا عارف جميع قوانين الإصلاح الزراعي من الجلدة للجلدة (BY HEART)، لأننا اتأممنا... كل أملاك والدي، لكن قبل عبد الناصر، الملك فاروق أعجب بقصر البستان الذي كان ملكا لوالدي وهو قصر فاخر على يطل على البحر في جليمونوبلو بالإسكندرية على مساحة 26 ألف متر مربع، كان أشبه بقصر المنتزة، ويطل على 4 شوارع. ويقال إن الملك فؤاد لما كان أمير سكن في البيت ده، والدي في الحرب العالمية التانية اتحبس في فرنسا معرفش يرجع مصر. بعد الحرب حسين فهمي باشا سفير مصر في فرنسا، ساعد والدي أنه يرجع وقاله له بيع البيت بتاعك، والدي رفض. ولما راح يطلب فيزا يوناني ساوموه إما تبيع البيت أو مترجعش مصر تاني. حسونه باشا كان محافظ إسكندرية وكان وقتها في أحكام عرفية إما نأخذه أمر استيلاء أو تأخذ مقابل مادي، وكان محامي الخاصة الملكية يهودي وكتب عقد بيع البيت عند وصوله لمصر. ولما رجع مصر كتبوا في الصحف أن والدي ميلونير يوناني شيوعي، بعدين فقدنا البيت، لكن بعد ثورة يوليو تم تعويضنا بمبلغ 500 جنيه وطبعا أقل من قيمته بكتير».
وبحنين للماضي يقول «كان عند والدي عزبة في الفشن التي كانت تابعة للمنيا وقتها لكنها انضمت إلى بني سويف كنا نقول بني سويف ديه متغيرتش من أيام سيدنا محمد». كنت أعيش نحو 200 يوم في العزبة كل عام، ولا تزال عزبتنا التي تم تأميمها تحمل اسم (عزبة ماركو) وكان فيها مسلمون ومسيحيون وكنا نحن مسيحيون ولم تحدث أي مشكلة بيننا على الإطلاق». تلك العزبة التي كان يدريها والده اليوناني ويعاونه فلاحون مصريون أصبحت منطقة تشهد صراعات طائفية!!
«لكن أنا درست تاريخ فرنسا كويس، وعارف أن الثورة في فرنسا أيضا استولوا فيها على أراضي وأملاك الأغنياء، التاريخ بيعيد نفسه في كل مكان في العالم، عشان كده أعذر مصر.. وأنا أرى أن العائلة المالكة دية خدمت مصر مش خونه زي ما بيقولوا عنهم في التلفزيون».
لا يمكن أن تنتهي جلستك مع ماركو قبل ساعتين بالتمام والكمال أو أكثر في بعض الأحيان، يروي لك حكايات عن الأمراء والملوك والشحاذين والجاليات إسكندرية والبوريفاج وسان سيتفانو وستانلي وشواطئ الإسكندرية التي كانت أروع من شواطئ بيروت وفرنسا.
يرفض ماركو أن يترك مصر رغم أن لديه منزله في سويسرا ولديه أعمال يديرها، لكنه يرفض أن يترك مصر التي تربى في ربوعها ويفضل متابع أعماله بنفسه في الإسكندرية، ويمارس نشاطه في الروتاري، لأنه يعتبر نفسه مصريا أكثر من المصريين، أبدى اعتراضه مؤخرا أمام موظفة في إحدى شركات التليفون المحمول، حينما قالت له حضرتك أجنبي، طيب مولود فين، فأخرج لها بطاقة الرقم القومي متحديا إياها: «مصري بقى ولا مش مصري».
مسيو ماركو يتابع الأخبار من مصدره المفضل قناة «BBC»، ويتابع بشغف المسلسلات المصرية التاريخية وأقربها إلى الدقة التاريخية وفقا له مسلسل «بوابة الحلواني» الذي يتحدث عن عهد الخديو إسماعيل، «أنا بدور على سي دي بتاع المسلسل ده عشان ده بيقول كلام مظبوط. وأنا بحب فيلم ألمظ وعبده الحامولي والأفلام اللي كتبها نجيب محفوظ».
ميشال ماركو.. ذاكرة الإسكندرية الحية
يوناني مصري فرنسي يعشق المسلسلات التاريخية المصرية
قلعة قايتباي ({الشرق الأوسط}) - في الاطار ميشال ماركو
ميشال ماركو.. ذاكرة الإسكندرية الحية
قلعة قايتباي ({الشرق الأوسط}) - في الاطار ميشال ماركو
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

