قلق متزايد مما قد تحمله تطورات الأزمة الانفصالية لإقليم كاتالونيا

قلق متزايد مما قد تحمله تطورات الأزمة الانفصالية لإقليم كاتالونيا

تخشى الأحزاب البرلمانية من استغلال المجموعات المتطرفة حماس الاستقلال
الأحد - 21 صفر 1441 هـ - 20 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [ 14936]
برشلونة: شوقي الريّس
لليوم السادس على التوالي، نامت برشلونة على رائحة الحرائق في الشوارع، ودوي صفّارات سيارات الشرطة والإسعاف، وعلى قلق متزايد مما قد تحمله تطورات الأزمة الانفصالية التي بدأت تتبدّى بوضوح علامات التصدّع حولها بين الأحزاب الإقليمية المنقسمة التي تتنافس للاستفادة من تداعياتها، فيما لا تزال الحكومة المركزية تتصرّف على أنها لم تخرج عن نطاق السيطرة، وسط شكوك متزايدة من دقّة هذا التشخيص أو صحّته.

ونشرت الشرطة في الإقليم شاحنات مياه لتفريق المتظاهرين في وقت متأخر من يوم الجمعة، في اليوم الخامس من الاحتجاجات. وأشارت تقديرات الشرطة إلى أن نحو نصف مليون شخص شاركوا في الاحتجاجات في عاصمة الإقليم. وظلت المظاهرة الرئيسية بطول شارع «باسيج دي جارسيا» سلمية، حيث طالب المحتجون بإطلاق سراح «السجناء السياسيين»، ورددوا النشيد الوطني الكتالوني. والأرقام التي وزّعتها وزارة الداخلية الإسبانية صباح أمس (السبت) تكفي لتكوين فكرة عن الأحداث التي تشهدها «زهرة المتوسط» منذ الاثنين الماضي، بعد صدور قرار المحكمة العليا بسجن القيادات الانفصالية التي كانت وراء تنظيم الاستفتاء حول تقرير المصير في خريف عام2017، بعد أن كانت المحكمة الدستورية قد أعلنت عدم شرعيته، ومنعت إجراءه.

207 جرحى في صفوف قوات الأمن والشرطة، وحرق 800 حاوية، وتدمير 100 سيّارة تابعة للأجهزة الأمنية، كانت حصيلة الاحتجاجات التي قامت بها مجموعات من الاستقلاليين الثوريين والفوضويين وبعض الطلّاب الجامعيين والنقابات المتطرّفة، التي استخدم فيها المتظاهرون قنابل حارقة وكرات فولاذية ضد قوات الأمن ومراكز الشرطة.

وأكدت الوزارة، في تغريدة على موقع «تويتر» أن «القانون الجنائي ينص على عقوبة السجن لمدة تصل إلى 6 أعوام لمن يعتدي على السلطات».

وأعلنت الشرطة الكاتالونية، أمس (السبت)، اعتقال 54 شخصاً على صلة بالاحتجاجات العنيفة التي وقعت في الإقليم الواقع بشمال شرقي إسبانيا. وقالت الشرطة المسماة «موسوس داسكوادرا»، في تغريدة، إن 18 شرطياً أصيبوا في اشتباكات مع المتظاهرين المؤيدين للاستقلال. وفي تغريدة منفصلة، قال جهاز الطوارئ الكاتالوني إن 182 شخصاً نقلوا للمستشفى عقب الاحتجاجات، من بينهم 152 في برشلونة.

وفيما كانت تتوافد حشود كثيفة، قدّرتها أجهزة الأمن بنصف مليون، باتجاه وسط المدينة، في مظاهرة سلمية ضد قرار المحكمة العليا، مطالبة بالعفو عن المعتقلين، كانت الجماعات المتطرفة تنشر الحرائق والتخريب في الشوارع، وتحاصر المقرّ الرئيسي للشرطة الوطنية التي يعدها الانفصاليون رمز الدولة «القمعية»، والمسؤولة عن العنف الذي تعرّض له المشاركون في الاستفتاء في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2017.

وكانت التحرّكات الاحتجاجية قد بدأت مساء الاثنين الماضي، بتوجيه من منصّة إلكترونية للتواصل، بقطع الطرق المؤدية إلى المطار، بهدف لفت أنظار العالم إلى الأزمة، ثم توالت بعد ذلك هجمات متكررة ضد مباني السلطة المركزية في الإقليم، وتبعتها سلسلة من أعمال العنف والتخريب قامت بها مجموعات متطرفة وحسنة التنظيم، ركّزت هجماتها منذ الخميس الفائت على أجهزة الأمن والشرطة الإقليمية التي نوهت السلطة المركزية بالتنسيق معها، خلافاً لما حصل في احتجاجات عام 2017.

وتوقّف المراقبون عند الصمت الذي لزمه كلٌّ من رئيس الحكومة الإقليمية جواكيم تورّا، ورئيسة بلدية برشلونة آنا كولاو، من أعمال العنف التي قام بها المتظاهرون في اليومين الماضيين، فيما أعلنت أحزاب انفصالية أخرى وازنة، مثل اليسار الجمهوري والحزب الاشتراكي الكاتالوني، إدانتها لهذه الأعمال، ودعت إلى شجبها.

ودعت أحزاب المعارضة الإقليمية إلى استقالة تورّا، الذي كان قد قرّر عدم المشاركة في المظاهرة السلمية الحاشدة المطالبة بالعفو عن المعتقلين، ومكث مجتمعاً مع معاونيه في مقرّ الحكومة. وقال وزير الداخلية الإقليمي، تعليقاً على أعمال العنف، إنها من صنع «جماعات خارجة عن الحركة الاستقلالية»، ودعا إلى عزلها. وتخشى الأحزاب الإقليمية الممثلة في البرلمان من صعود «الجمعية الوطنية الكاتالونية» التي يقف أنصارها وراء أعمال العنف، ويدعو قادتها إلى مواصلة الاحتجاجات، وعدم الانصياع لدعوات التهدئة التي يطلقها المسؤولون في الأحزاب والمؤسسات الإقليمية. ودعت رئيسة هذه الجمعية اليسندا بالوتزي إلى «الاستمرار في التحرك حتى نيل الحرّية، والاستعداد لإعلان الاستقلال، والدفاع عنه عندما يحين الموعد». وتجدر الإشارة إلى أن «الجمعية الوطنية الكاتالونية»، وهي حركة شعبية مستقلّة عن الأحزاب التقليدية ومتطرّفة في مطلبها الاستقلالي، كانت قد وضعت «خريطة طريق» لمسيرتها الانفصالية، نصّت على «إنزال العلم الإسباني من مبنى البرلمان الإقليمي، وإعلان الاستقلال منه أمام العالم قبل نهاية العام المقبل».

ومن بروكسل، أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز في نهاية القمة الأوروبية أن «الدولة لا يمكن أن تتراجع أمام التهديد وتمجيد العنف»، وأكّد أن الحكومة تتابع الوضع عن كثب، وليس هناك ما يستدعي في الوقت الحاضر اتخاذ أي إجراءات استثنائية. لكن مصادر قريبة من نقابة أفراد الشرطة أفادت بأن قيادات أمنية طالبت وزير الداخلية بالكشف عن الإجراءات التي تنوي الحكومة اتخاذها في حال التصعيد الانفصالي أو الاستقالة.

وكرّرت أحزاب المعارضة اليمينية انتقاداتها للحكومة بسبب «عدم تحرّكها بما يتناسب مع خطورة الوضع في كاتالونيا»، وطالبت هي أيضاً باستقالة وزير الداخلية الذي توجّه أمس (السبت) إلى برشلونة لتفقّد وحدات الشرطة الوطنية وقوات مكافحة الشغب الموجودة هناك، والاجتماع بقيادات الشرطة الإقليمية التي تقف وحدها حتى الآن في مواجهة الاحتجاجات العنيفة. وفي أول تصريح له من برشلونة، طالب وزير الداخلية رئيس الحكومة الإقليمية تورّا بإدانة أعمال العنف فوراً، وقال إن الحكومة المركزية ستتخذ الإجراءات المناسبة، في حال تمنّعه عن رفضها.
اسبانيا أخبار اسبانيا كتالونيا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة