ترقب لإعلان اتفاق جدة بين «الشرعية» و«الانتقالي»... وتوقع حكومة جديدة

وزير الإعلام اليمني: الاتفاقية ستكون شاملة وحافظة لكل اليمن

TT

ترقب لإعلان اتفاق جدة بين «الشرعية» و«الانتقالي»... وتوقع حكومة جديدة

أفادت مصادر يمنية سياسية لـ«الشرق الأوسط» بأنه من المرتقب أن يتم الإعلان غدا الخميس عن نتائج الاتفاق النهائي لحوار جدة الذي رعته السعودية بين الحكومة الشرعية وقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي.
وأوضحت المصادر أن توقيع الاتفاق في مسودته النهائية سيشهد حضور المبعوث الدولي إلى اليمن مارتن غريفيث إلى جانب سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن، وذلك بعد مضي أكثر من شهر على بدء النقاشات التي رعتها السعودية بين الطرفين.
وأكدت المصادر أن مسودة الاتفاق الذي من المقرر أن يطلق عليه «اتفاق جدة» تمكنت من استيعاب جميع الجوانب الخلافية بين «الشرعية» و«الانتقالي» على جميع الصعد السياسية والأمنية والعسكرية والإدارية مع وجود ضمانات للتنفيذ تشرف عليها لجنة مشتركة تقودها السعودية.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر مطلعة أن المسودة النهائية التي ناقشها الطرفان تمهيدا للتوقيع عليها تشتمل على عدد من النقاط وهي: تشكيل حكومة جديدة، وأيضاً تشكيل لجنة خاصة مناصفة بعضوية الانتقالي والتحالف لمراقبة أداء الحكومة والإشراف عليها، وإيقاف جميع الملحقين في السفارات وإعادة هيكلة الوظائف الدبلوماسية والوكلاء في الوزارات الحكومية، وأن تودع إيرادات الدولة في البنك المركزي بعدن.
وجاء أيضاً من بين النقاط التي تمت مناقشتها إعادة تشكيل الوضع الأمني والعسكري واعتبار المقاومة الجنوبية قوات شرعية جنوبية، وأن تتولى النخب والأحزمة الأمن في الجنوب والاعتراف بشرعيتها من قبل الحكومة، فيما تتولى النخبة الأمن في محافظة شبوة بإشراف وإدارة القوات السعودية، وأن يكون المجلس الانتقالي الجنوبي شريكا ممثلا للجنوب في مفاوضات السلام، على أن يتم تأجيل موضوع الأقاليم حتى إنهاء الانقلاب الحوثي. وشهدت الأيام الماضية تولي القوات السعودية الملف الأمني بشكل كامل في عدن وتسلمت القواعد العسكرية ومطار عدن الدولي، فيما سيتم في الساعات القادمة انتشارها على مستوى محافظة عدن بمعية الحزام الأمني التابع للانتقالي في النقاط الأساسية والمداخل الرئيسية وبقية المؤسسات السيادية، وذلك في إطار البند الأول من الاتفاق الذي يهدف إلى معالجة أزمة أحداث الجنوب وإعادة وحدة وسلامة وأمن واستقرار اليمن.
جاء ذلك بعد أن وجهت السعودية الدعوة للحكومة اليمنية ولجميع الأطراف التي نشب النزاع بينها في عدن، لعقد اجتماع عاجل في بلدهم الثاني المملكة العربية السعودية، لمناقشة الخلافات وتغليب الحكمة والحوار، ونبذ الفرقة ووقف الفتنة وتوحيد الصف، «وذلك للتصدي لميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران والتنظيمات الإرهابية الأخرى، واستعادة الدولة وعودة اليمن آمناً مستقراً».
ومن المرتقب أن يطوي الاتفاق تداعيات الأزمة التي تطورت في أغسطس (آب) الماضي على مواجهات عسكرية بين القوات الحكومية والقوات الموالية لـ«الانتقالي الجنوبي» وما أسفر عنها من سيطرة للأخير على مدينة عدن ولحج وأجزاء من محافظة أبين، وخسارته للمعركة في شبوة.
وفي حين يضمن الاتفاق المرتقب توقيعه عودة الحكومة للعمل من العاصمة المؤقتة عدن، كان عدد من وزرائها وصلوا أمس إلى مدينة سيئون في محافظة حضرموت لاستئناف مهامهم الحكومية في المناطق والمحافظات المحررة. وكان نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان وجه دعوة إلى الأطراف اليمنية كافة لتوحيد الصفوف في مواجهة إيران ومشاريعها التدميرية. وقال في تغريدة على «تويتر»: «آن الأوان ليقف اليمنيون، كل اليمنيين، ونحن معهم، صفاً واحداً أمام مشروع الفوضى والفتنة والدمار الإيراني، وأن يقدموا مصلحة وأمن اليمن وسلامة واستقرار وازدهار شعبه الكريم على أي مصالح أخرى».
من جهته، قال معمر الإرياني وزير الإعلام اليمني، إن كل الأمور تسير في الطريق الصحيح لاستعادة الدولة، ووحدة أراضيها، موضحا أن توقيع الاتفاقية مع المجلس الانتقالي أصبح قريباً، وسيسهم هذا الاتفاق في توحيد الجهود المبذولة لمواجهة الميليشيات الانقلابية واستمرار خطط الدولة في التنمية واستعادة السيطرة على المدن كافة. وكشف الإرياني في اتصال هاتفي بـ«الشرق الأوسط» أن الاتفاقية ستكون شاملة وحافظة لكل اليمن، وأن الرئيس عبد ربه مصور هادي، لن يفرط في أي من الثوابت الوطنية التي ستكون الركيزة لتحقيق أهداف الشعب اليمني في المحافظات كافة، مشددا على أنه لن يكون هناك أي تفريط في هذه الثوابت.
ورفض الوزير الإرياني، الإفصاح عن بنود الاتفاق المزمع توقيعه خلال الأيام القليلة المقبلة، بين الحكومة اليمنية، والمجلس الانتقالي، تحت ذريعة الحفاظ على السرية، وعدم عرقلة التحركات في هذا الصدد والتي تجري في أجواء إيجابية، إلا أنه أشار إلى أن بنود الاتفاق شاملة لكل الثوابت الرئيسية للوطن والتي من أبرز بنودها الحفاظ على الوحدة والسيادة الوطنية.
وأضاف الإرياني، أن «الأشقاء في السعودية يقومون بدور كبير وجهود جبارة للوصول إلى هذا الاتفاق الذي سيؤدي للمصلحة الوطنية العليا ويحافظ على كامل تراب اليمني والسيادة الوطنية»، وسيكون للمملكة دور كبير في عملية الدعم والمساندة في مختلف المجالات وبما يؤدي إلى تحقيق الأهداف التي أنشئ بموجبها التحالف، مشددا على أن الحكومة السعودية كانت وما زالت تقف مع الحكومة الشرعية وتدعمها في كل المسارات وتقف جنبا إلى جنب مع الشعب اليمني.
وعن توافد عدد من الوزراء إلى محافظة حضرموت، قال الإرياني، إن وزراء كل من «التربية والتعليم، والصحة، والكهرباء، والتعليم العالي، والثقافة، والثروة السمكية» وصلوا إلى المدينة بشكل طبيعي في إطار أداء مهامهم العملية للوقوف على متطلبات المدينة، وتلمس احتياج المدنيين، وهذه المحافظة محررة وتقع تحت سيطرة الحكومة الشرعية، ومن الطبيعي أن يوجد بها عدد من الوزراء، كباقي المحافظات التي يوجد بها وزراء الحكومة ومنها «سقطرى، وحضرموت، ومأرب» وغيرها من المحافظات في إطار فعاليات الوزراء لجميع المدن المحررة.


مقالات ذات صلة

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

اتساع تفشي الملاريا يُفاقم الأزمة الصحية في اليمن

ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)
ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)
TT

اتساع تفشي الملاريا يُفاقم الأزمة الصحية في اليمن

ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)
ثلثا سكان اليمن يعيشون في مناطق موبوءة بالملاريا (الأمم المتحدة)

اتّسع نطاق تفشي مرض «الملاريا» في مناطق يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، في تطور يُسلط الضوء على هشاشة الوضع الصحي والبيئي في البلاد، وسط تحذيرات أممية من أن استمرار تدهور الخدمات الأساسية قد يُحوّل المرض إلى تهديد وبائي واسع، في وقت يعيش فيه ملايين السكان ضمن بيئات مواتية لانتقال العدوى، مع ضعف شديد في قدرات الوقاية والعلاج والاستجابة الصحية.

وسجلت 4 محافظات يمنية، هي الحديدة وحجة وإب والمحويت، خلال الربع الأول من العام الحالي ارتفاعاً لافتاً في حالات الإصابة المشتبه بها بالملاريا، وفق مصادر طبية تحدّثت لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدة أن مرافق صحية عدة استقبلت أعداداً متزايدة من المصابين، خصوصاً في المناطق الزراعية والساحلية التي تُمثل بيئة خصبة لتكاثر البعوض الناقل للمرض، مع اتساع رقعة المياه الراكدة، وغياب أنظمة صرف صحي فعالة.

عاملون يمنيون يقومون بحملات رش لمكافحة البعوض الناقل للملاريا (إعلام محلي)

وتُعد محافظتا الحديدة وحجة من أكثر المناطق تعرضاً لهذا المرض بحكم طبيعتهما المناخية الرطبة وارتفاع درجات الحرارة فيهما، غير أن اللافت، وفق مختصين، هو انتقال العدوى بوتيرة متصاعدة إلى محافظات مرتفعة نسبياً، مثل إب والمحويت، وهو ما يعكس تغيراً في خريطة انتشار المرض، ويوحي بأن العوامل البيئية والصحية المساعدة على تفشيه باتت أكثر اتساعاً من السابق.

وتعزو مصادر صحية هذا التصاعد إلى زيادة هطول الأمطار خلال الأشهر الأخيرة، وما نتج عنه من تجمعات مائية راكدة، إلى جانب تراكم النفايات وتدهور خدمات النظافة العامة، في ظل غياب برامج مكافحة البعوض وانعدام حملات الرش الوقائي، وهي إجراءات كانت تُسهم في الحد من الانتشار خلال المواسم الممطرة.

نظام صحي منهار

ويتزامن هذا التفشي للملاريا مع استمرار انهيار القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين؛ حيث تعاني المستشفيات والمراكز الطبية نقصاً حاداً في الكوادر والأدوية والمستلزمات التشخيصية، في حين خرج عدد من المرافق عن الخدمة بسبب الحرب أو انعدام التمويل، ما يجعل القدرة على احتواء موجة الإصابات محدودة إلى حد بعيد.

ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن الاستجابة الحالية لا توازي حجم التحدي، خصوصاً مع تراجع توزيع الناموسيات الواقية، وضعف برامج التوعية المجتمعية، وغياب خطط استباقية لمواجهة موسم الأمطار الذي غالباً ما يشهد ارتفاعاً في معدلات الإصابة بالأمراض المنقولة عبر الحشرات.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

ويزيد من خطورة الوضع تزامن انتشار الملاريا مع أعباء صحية أخرى، بينها سوء التغذية والأمراض المعدية الموسمية، ما يضع شرائح واسعة من السكان، خصوصاً الأطفال والنساء الحوامل، أمام مخاطر مضاعفة، في ظل محدودية الوصول إلى الرعاية الطبية المناسبة.

وتتزايد التحذيرات الدولية من هذا الخطر في ظل اتساع رقعة المناطق الموبوءة؛ حيث أكدت منظمة الصحة العالمية، في بيان بمناسبة اليوم العالمي للملاريا، أن أكثر من ثلثي سكان اليمن يعيشون في مناطق معرضة لانتقال المرض، ما يجعل البلاد من أكثر البيئات هشاشة أمام هذا الوباء على مستوى الإقليم.

ووفق المنظمة، فإن نحو 64 في المائة من السكان يقيمون في مناطق تتوفر فيها ظروف انتقال الملاريا، فيما تُعد النساء الحوامل والأطفال دون الخامسة الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية الخطيرة، بسبب ضعف المناعة وسوء التغذية وتراجع خدمات الرعاية الأولية.

وأشارت المنظمة إلى أن المرض لم يعد محصوراً في المناطق التي عُرفت تاريخياً بارتفاع مستوى الخطورة، بل بدأ يمتد إلى مناطق كانت تُعد منخفضة الخطورة، نتيجة النزوح الداخلي، وتراجع الخدمات الصحية، والتغيرات المناخية التي أدت إلى ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات الأمطار، ما أوجد بيئات جديدة ملائمة لتكاثر البعوض الناقل للعدوى.

اتهامات للحوثيين

في المقابل، تتكرر الاتهامات للجماعة الحوثية بإهمال ملفات الصحة العامة والخدمات البيئية، وتحويل المدن الواقعة تحت سيطرتها إلى بيئات مفتوحة لتفشي الأوبئة نتيجة ضعف شبكات الصرف، وتراكم المخلفات، وغياب برامج المكافحة الوقائية، مقابل توجيه الموارد نحو أولويات أخرى لا تمس الاحتياجات المعيشية والصحية للسكان.

عاملة صحية تقوم بإعطاء طفل يمني لقاحاً (الأمم المتحدة)

ويرى خبراء أن احتواء موجة التفشي لا يتطلب فقط توفير الأدوية والعلاجات، بل يستدعي خطة تدخل واسعة تشمل إعادة تفعيل برامج مكافحة النواقل، وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتنفيذ حملات توعية مجتمعية، إلى جانب دعم عاجل للقطاع الصحي الذي يواجه خطر الانهيار الكامل.

وفي ظل تسجيل أكثر من مليون حالة اشتباه بالملاريا خلال العام الماضي، وفق تقديرات أممية، يبدو اليمن أمام تحدٍّ صحي متفاقم، قد يتحول إلى كارثة إنسانية أشد وطأة إذا استمر التدهور الحالي دون تدخل سريع ومنسق لاحتواء المرض والحد من انتشاره.


غضب «مؤتمري» علني من فساد الحوثيين في إب

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله اللبناني» (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله اللبناني» (أ.ف.ب)
TT

غضب «مؤتمري» علني من فساد الحوثيين في إب

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله اللبناني» (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله اللبناني» (أ.ف.ب)

في تطور يعكس اتساع الشروخ داخل التحالف الشكلي بين الجماعة الحوثية وجناح حزب «المؤتمر الشعبي» في مناطق سيطرتها، برزت إلى العلن موجة انتقادات غير مسبوقة من قيادات الحزب في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، اتهمت الجماعة بالفساد، وتفكيك مؤسسات العدالة، وتحويل واحدة من أكثر المحافظات كثافة سكانية إلى ساحة مفتوحة للنفوذ الأمني والجبايات والعبث الإداري.

هذه الانتقادات، التي جاءت بعد سنوات طويلة من الصمت أو الاكتفاء بالمواقف الرمادية، تكشف عن حجم الاحتقان المتراكم داخل معسكر الانقلاب الحوثي، كما تعكس مستوى التذمر الشعبي من تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية في محافظة تُعد من أهم المراكز السكانية والزراعية في البلاد، لكنها باتت، وفق توصيف مسؤولين محليين، نموذجاً صارخاً لسوء الإدارة وتغوّل سلطة المشرفين الحوثيين على مؤسسات الدولة.

في طليعة هذه المواقف، وجّه عقيل فاضل، وهو مسؤول فرع جناح حزب «المؤتمر الشعبي» في إب والمعين وكيلاً للمحافظة، انتقادات مباشرة لأداء الجماعة، محذراً من أن المحافظة تُدار بمنطق الفوضى لا بمنطق الدولة، وأن الأجهزة الأمنية والنيابة العامة خرجت عن أدوارها القانونية، لتتحول ـ بحسب تعبيره ـ من أدوات لحماية الحقوق إلى أطراف فاعلة في انتهاكها.

الحوثيون يواصلون الاستيلاء على الأراضي في إب (إعلام محلي)

واتهم فاضل جهات أمنية وقضائية بالتلاعب في الأدلة، وتلفيق التهم للأبرياء، والتغطية على متنفذين، معتبراً أن النيابة العامة فقدت استقلاليتها الرقابية، وأصبحت خاضعة لتوجيهات أمنية تمنح غطاءً قانونياً لممارسات وصفها بالإجرامية.

وفي لهجة تصعيدية لافتة، أكد فاضل أن السكوت على هذه الانتهاكات لم يعد ممكناً، متعهداً بكشف المتورطين بالأدلة، ومشدداً على أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى انهيار ما تبقى من ثقة الناس بمؤسسات العدالة.

ويُنظر إلى هذه التصريحات بوصفها خروجاً واضحاً عن الخطاب التقليدي الذي ظل يتجنّب الاصطدام العلني بالحليف الحوثي، الأمر الذي منحها دلالات سياسية تتجاوز بعدها المحلي، لتشير إلى تصاعد الامتعاض داخل المكونات المتحالفة شكلياً مع الجماعة، خصوصاً في المحافظات التي باتت تشهد تضييقاً متزايداً على الشركاء السابقين.

إقصاء ممنهج

في سياق هذه التصدعات، رفع القيادي المؤتمري جبران باشا، وهو وكيل محافظة مُبعد من منصبه، سقف المواجهة الكلامية مع الحوثيين، حين وصف ما يجري في إب بأنه عبث لا يمكن احتماله، مؤكداً أن كرامة أبناء المحافظة تمثل خطاً أحمر، وأن إب ليست مكباً للفشل الإداري والقضائي، ولا محطة لتدوير المسؤولين العاجزين.

وأشار باشا إلى أن ما يطرحه لا يمثل موقفاً شخصياً أو سجالاً سياسياً عابراً، بل يعكس المزاج العام في المجالس والدواوين والشارع المحلي، في إشارة إلى تنامي حالة الغضب الشعبي من السياسات الحوثية. كما وجّه رسالة تحذيرية بأن الخطاب القادم قد يكون أكثر حدة إذا استمرت الجماعة في إدارة المحافظة بالآليات نفسها.

تسخير عائدات إب لمصلحة المشرفين الحوثيين وتمويل أنشطتهم (إعلام محلي)

يأتي هذا التصعيد في وقت تتحدث فيه مصادر محلية عن عملية إحلال ممنهجة تنفذها الجماعة، تقوم على إقصاء كوادر «المؤتمر» والوجاهات الاجتماعية والقيادات الإدارية التقليدية، واستبدال شبكة من المشرفين الموالين لها بهم، كثير منهم قادمون من خارج المحافظة، ويتولون إدارة الملفات الأمنية والمالية والإدارية بصورة مباشرة، بما همّش السلطات المحلية وحوّلها إلى واجهات شكلية بلا صلاحيات حقيقية.

نهب الأراضي

بالتوازي مع هذا الصراع المكتوم، تزداد شكاوى السكان من اتساع عمليات الاستيلاء على أراضي الدولة والممتلكات الخاصة في مدينة إب ومحيطها، في ظل اتهامات للجماعة باستخدام نفوذها العسكري والأمني لفرض وقائع جديدة على الأرض، تشمل تغيير استخدامات الأراضي، ومنح مساحات واسعة لمتنفذين مرتبطين بها، فضلاً عن تحويل مرتفعات جبلية استراتيجية في أكثر من مديرية إلى مواقع عسكرية مغلقة.

ويقول سكان محليون إن هذه الإجراءات لم تتوقف عند حدود التوسع العسكري، بل امتدت لتشمل منع مزارعين من الوصول إلى أراضيهم في بعض المناطق المرتفعة، بعد فرض قيود أمنية مشددة حول مواقع جرى استحداثها لأغراض عسكرية، وهو ما ألحق أضراراً مباشرة بمصادر رزق مئات الأسر التي تعتمد على الزراعة.

وفي مديريات أخرى، تصاعدت الاحتجاجات الشعبية ضد مساعٍ لإقامة منشآت صناعية ذات طبيعة كيميائية في مناطق زراعية حساسة، وسط تحذيرات من انعكاسات بيئية خطيرة قد تهدد المياه الجوفية والمحاصيل، في محافظة تُعد من أبرز السلال الغذائية في اليمن.

عائدات ضخمة وخدمات منهارة

على الرغم من الإيرادات الكبيرة التي تجنيها الجماعة الحوثية من محافظة إب عبر الضرائب والجمارك وأموال الزكاة والرسوم المتعددة، لا يلمس السكان أي تحسن في مستوى الخدمات الأساسية.

فحسب تقديرات حقوقية ومحلية، تُعد إب من أبرز المحافظات رفداً للمالية الحوثية، لكن الجزء الأكبر من هذه الموارد يُنقل إلى صنعاء ويُسخّر لتمويل الأنشطة العسكرية وشبكات النفوذ المرتبطة بالجماعة.

عناصر حوثيون يحرسون حشداً في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة (أ.ف.ب)

في المقابل، تشهد المحافظة تدهوراً حاداً في بنيتها الخدمية؛ فشوارع مركز المحافظة تعاني من تهالك واسع، حيث تفاقمت الحفر والتشققات بعد الأمطار الموسمية، فيما تتكرر أزمات مياه الشرب، وتتراجع خدمات النظافة والصرف الصحي، في وقت يجري فيه تحميل المنظمات الإغاثية الدولية أعباء التدخل في قطاعات يفترض أن تموَّل من الموارد المحلية.

هذا الواقع دفع قيادات «مؤتمرية» أخرى إلى المطالبة علناً بوقف نقل عائدات المحافظة إلى صنعاء، والإبقاء عليها لتغطية احتياجات السكان وتحسين الخدمات، في موقف يعكس اتساع فجوة الخلاف بين الشريكين المفترضين في إدارة المحافظة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.