أفلام الخطف تتبنى الحلول العنيفة رغم انتقادها للمبدأ

انتشرت بشكل كبير بسبب الأوضاع العالمية

لقطة من «نزهة بين شواهد القبور»
لقطة من «نزهة بين شواهد القبور»
TT

أفلام الخطف تتبنى الحلول العنيفة رغم انتقادها للمبدأ

لقطة من «نزهة بين شواهد القبور»
لقطة من «نزهة بين شواهد القبور»

في عام 1908 عندما كانت السينما في بداياتها قام مخرج وممثل شاب مغمور بإقناع شركة «بيوغراف» بصلاحيته لأن يخرج الأفلام عوض التمثيل فيها، كانت النتيجة فيلما عنوانه «مغامرات دولي».
هذا المخرج كان ديفيد وورك غريفيث الذي ارتفع شأنه بعد ذلك وأصبح من أعلام مخرجي السينما الصامتة وبعض الناطقة. والفيلم الذي أقنع به شركة «بيوغراف» كان هذا الفيلم تحديدا الذي تطرّق لموضوع خطف الأطفال. لم يكن هذا الفيلم هو أول فيلم عن موضوع خطف أفراد من العائلة. قبله بـ4 سنوات، وحسب ما كشفت عنه سجلات «معهد الفيلم البريطاني» في لندن، هناك فيلم سبق تجربة غريفيث هذه بـ4 سنوات بعنوان «خاطفو الطفل» أخرجه ألْف كولينز، الذي كان من أكثر مخرجي السينما البريطانية نشاطا؛ إذ قدم 229 فيلما ما بين 1902 و1912 (معظمها قصير). كذلك فإن أحد الأفلام التي مثّلها غريفيث قبل تحوّله إلى الإخراج كان «مغامرتها الأولى» Her First Adventure الذي أخرجه الأميركي والاس ماكتوشيون لحساب «بيوغراف» أيضا وتناول الموضوع ذاته.
بعد ذلك شاع استخدام فكرة الخطف موضوعا في الأفلام. سنجده في أكثر من ألف فيلم أميركي من ذلك التاريخ، وربما أكثر من ذلك في أفلام دول أخرى (إذا عددنا أن عدد الأفلام الهندية المنتجة 1000 فيلم في السنة منذ 80 سنة، وأن 100 فيلم منها في كل عام يحتوي على حكاية خطف، فإن المجموع الهندي وحده 800 فيلم).
ما لن نجده كثيرا، وعلى النحو الذي نجده اليوم، هو ربط الخطف أكثر وأكثر بالشأن العائلي. في الأفلام التي تناولت هذه الفكرة نجد أن المخطوف ينتمي إلى أسرة ما، قد تكون عسكرية (في أفلام الحروب) أو قد ينتمي إلى أحد ثنائي علاقة حب (زوجة أو صديقة... إلخ) أو عائلية. هذه الأخيرة كثيرا ما شهدت تصوير الأب أو الأم أو الزوج أو أي اثنين من هذه الشخصيات في حالة هلع، وعلى البوليس التدخل لاكتشاف الخاطف وفك أسر الفتاة.
الجديد في الأعوام القليلة الماضية هو التأكيد على الروابط العائلية أكثر مما فعلته غالبية أفلام الأمس. لا يعني ذلك أن هذا النوع من الأفلام لم يكن موجودا من قبل، لكنه لم يكن موجودا كثيرا لصالح غالبية من الأفلام تبحث في الشأن الجنائي والبوليسي والمغامراتي أكثر مما تبحث في الشأن الاجتماعي والأسري للمخطوفين ومن يتولّى مهام البحث عنهم ومحاولة إنقاذهم.

* نصف المسافة

* الفيلم الحالي «نزهة بين شواهد القبور» (إخراج سكوت فرانك) حريص على إبراز هذه المسألة، لكن اللافت فيه هو أن العائلات التي تعاني من خطف أفراد منها هي عائلات اغتنت بفعل تجارة المخدّرات. هذا لافت لأنه من المفترض أن تكون العائلة الضحية على قدر من المثالية ولا مشكلات لها مع القانون كما في فيلم دنيس فينيوف «سجناء» (2013) مع هيو جاكمان وجايك جيلنهول. لكن الحكاية في «نزهة بين شواهد القبور»، كما كتبها الروائي البوليسي لورنس بلوك، تنص على أن المخطوفين هم زوجات وبنات تجار مخدّرات.
اللافت أكثر أن الفيلم لا يتّخذ موقفا أخلاقيا ما من هذه الحالة. لن تجد بطله (ليام نيسون) يلقي خطابا من نوع: «لقد جلبتم هذا على أنفسكم». ما تجده بالفعل هو وجوه متوترة للأزواج - الآباء تعكس القلق والتفاني العائلي مثل أي رب عائلة شريف كسب ثروته من وراء الزراعة مثلا أو افتتاح سلسلة من المطاعم.
«سجناء» حاول قلب الطاولة رأسا على عقب: الخاطف (وقبل أن يتأكد لأحد أنه الخاطف فعلا) يتحوّل إلى مخطوف. لقد بلغ اندفاع الأب جاكمان بحثا عن ابنته الصغيرة حد خطف المتّهم وتعذيبه. بذلك ينتقل من صنف الأبرياء إلى صنف الأشقياء كونه واجه الجريمة بالجريمة والعنف بالعنف، بل زاد في ذلك لأن أحدا لم يتعرّض للفتاة المخطوفة (فتاتان في الواقع بالنظر إلى أن ابنة الجيران أيضا خطفت في الوقت ذاته) بالتعذيب على عكس ما قام به الأب الهلع جاكمان؛ إذ قام بتعذيب المتهم بالخطف من دون رحمة.
في مطلع هذا العام شاهدنا أيضا «توكاريف» والضحية هو نصف المسافة بين الإنسان السليم والمجرم الطليق. إنه متمثل برجل اسمه «بول» (نيكولاس كايج) الذي يعيش الآن حياة مستقرّة وهادئة بعدما أقلع عن أسباب الجريمة بعد خروجه من السجن. لكن حين يجري اختطاف ابنته، فإن الوضع يختلف وينطلق بول ليكتشف الجناة ويحقق العدالة المفقودة بقتلهم أو دفع فريقين منهم لقتال بعضهم البعض كنوع من تبرير أفعاله ودفعها الملامة بعيدا عنه.

* بلا سبب ظاهر

* ولا ريب أن حال الدنيا هو واحد من تلك الأسباب التي تجعل أفلام الخطف منتشرة (أكثر من 10 أفلام في العامين الأخيرين). إنه حال غير مستقر وفيه نوعان من المجرمين: أولئك الفرديون الذين يتحرّكون على مساحات داخلية صغيرة لدوافع جنسية ونفسية أو مالية - مادية، وأولئك المنتمون إلى عصابات ومجموعات مسلّحة يعملون على نطاق واسع ويخطفون لأسباب متعددة من بينها التجارة بالبشر.
«مخطوفة» (لبيير موريل) سنة 2008 كان الأول في هذا النوع من الأفلام: البطل هنا هو عميل «سي آي إيه» سابق (ليام نيسون) لكن هذه الوظيفة لا علاقة لها بالسبب الذي يخطف له رجال عصابة تعيش في باريس ابنته وصديقتها. المسألة ليست سياسية أو انتقام من الوكالة الأميركية لسوء فعلها في بلد ما. أهميّتها هو التدليل على قوّة بطل الفيلم في المجابهة وخبرته القتالية. هذا الفيلم فتح الطريق واسعا أمام عملين آخرين من هذه السلسلة الأول عرض سنة 2011 وفيه قام المجرمون باختطاف الزوجة في تركيا، أما الثاني فتصويره انتهى وسيعرض في العام المقبل، وهناك عدد آخر من الأفلام ذات الشرارة المشابهة بينها «3 أيام للقتل» (إخراج McG) و«رجل نوفمبر» (روجر دونالدسون) و«المستشار» (ريدلي سكوت) والثلاثة من أعمال هذه السنة.
في فيلم سبايك لي «أولدبوي» (المأخوذ عن فيلم كوري لتشان - ووك بارك، 2003) نجد جوش برولين مخطوفا من دون سبب ظاهر. مودع داخل غرفة كبيرة (تشبه شقّة فندقية) فيها جهاز تلفزيون وباب موصد، إلا من فتحة صغيرة يجري دفع الطعام والشراب منها. حين يشق طريقه ويخرج بعد سنوات باحثا عمن سجنه، يلتقي فتاة شابّة يكتشف لاحقا إنها ابنته وأن «أجندة» الخاطف ما زالت متوالية.
ما يثير الاهتمام في «نزهة بين شواهد القبور» أن الرجل الذي يستعيد حريّة إحدى المخطوفات يعيش بلا عائلة.

* «لا تنطق بكلمة»

* بعض الأفلام تتمادى بتصوير المبرر العائلي إذا ما استخدمت هويّة الخاطفين لتسجيل أهداف سياسية. أحد هذه الأفلام «لا تنطق بكلمة» Don‪›‬t Say A Word حول الطبيب (مايكل دوغلاس) الذي قام أشرار سود وآخرون غير أميركيين بخطف ابنته. الفيلم حط مباشرة بعد كارثة نيويورك سنة 2001 مع حمولة كبيرة من الدعوة لحماية العنصر الأبيض من العناصر الأخرى.



«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.