سياسات البنوك المركزية... فعل أم رد فعل لتباطؤ الاقتصاد العالمي؟

مقر مجلس الاحتياطي الاتحادي «البنك المركزي الأميركي» في واشنطن (رويترز)
مقر مجلس الاحتياطي الاتحادي «البنك المركزي الأميركي» في واشنطن (رويترز)
TT

سياسات البنوك المركزية... فعل أم رد فعل لتباطؤ الاقتصاد العالمي؟

مقر مجلس الاحتياطي الاتحادي «البنك المركزي الأميركي» في واشنطن (رويترز)
مقر مجلس الاحتياطي الاتحادي «البنك المركزي الأميركي» في واشنطن (رويترز)

خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 1.75 - 2 في المائة. وكان ذلك التخفيض الثاني من نوعه خلال العام 2019 متوقعاً بصفة عامة من قبل الأسواق، إلا أنه لم ينجح في دفع الدولار الأميركي نحو الانخفاض.
وتأتي تلك الخطوة بعد أسبوع واحد فقط من قرار البنك المركزي الأوروبي بتخفيض أسعار الفائدة على الودائع وإطلاق برنامج التيسير الكمي. وسيطر على بيان الاحتياطي الفيدرالي نفس النبرة التي تبناها في بيان السياسة النقدية الصادر عنه يوليو (تموز) الماضي، والذي أشار إلى تراجع الصادرات والاستثمارات التجارية في ظل تبرير البنك بأن خفض أسعار الفائدة يستهدف تعزيز نمو الاقتصاد الأميركي، نظراً لحالة «عدم اليقين» المتعلقة بالنمو الاقتصادي في المستقبل.
انتقد الرئيس دونالد ترمب كالمعتاد جيروم باول محافظ الفيدرالي الأميركي نظراً لافتقاده «الشجاعة»، حيث اعتاد الرئيس الأميركي على انتقاد الاحتياطي الفيدرالي مراراً وتكراراً لتباطؤه الشديد في خفض أسعار الفائدة. وقال تقرير صادر عن وحدة الدراسات الاقتصادية العالمية في بنك الكويت الوطني إن الأسواق تسعر حالياً قيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة مرة واحدة على الأقل هذا العام. إلا أنه على الرغم من ذلك، سيطر انقسام في الآراء بين المسؤولين بشأن اتخاذ القرار والحاجة إلى خفض أسعار الفائدة في المستقبل. حيث قام سبعة أعضاء بالتصويت لصالح خفض أسعار الفائدة في اجتماع الأربعاء الماضي، في حين أراد عضوان الإبقاء عليها دون تغير، وسعى عضو آخر إلى المزيد من التخفيض.
وعلى الرغم من معاناة الاقتصاد من بعض نقاط الضعف وتراجع معدلات التضخم عن المستويات المستهدفة، فإن نمو الإنفاق الاستهلاكي ما زال مستمراً بما أدى إلى ارتفاع مبيعات التجزئة واستقرار سوق العمل. وعلى الرغم من خفض أسعار الفائدة مرتين هذا العام، فإن أسعار الفائدة في الولايات المتحدة لا تزال أعلى بكثير مقارنة بدول أخرى، حيث تصل إلى معدلات سلبية في أوروبا واليابان. ما يدل على تفاوت في الإجراءات، وفقا لتقديرات كل بنك مركزي للظروف المحلية ومدى تأثرها بالمناخ الاقتصادي العالمي.
أضاف التقرير: «اضطربت الأسواق على مدار عدة أيام بعد اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي حيث ارتفعت معدلات اتفاقيات إعادة الشراء (الريبو) يوم الثلاثاء الماضي، الأمر الذي أجبر البنك المركزي على التدخل. وبلغت تكاليف الاقتراض في سوق إعادة الشراء ما يقارب 10 في المائة مقابل 2 في المائة قبل أسبوع فقط... بما دفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى ضخ مليارات الدولارات في النظام المالي».
حيث بدأ البنك المركزي الأميركي في البداية بضخ 53 مليار دولار نقداً في النظام المالي، ثم أعلن لاحقاً عن عمليتين مماثلتين. وتكشف تلك الخطوة عن نقص السيولة، وإن كان ذلك مبرراً، حيث أرجع باول ذلك النقص في السيولة إلى حاجة الشركات إلى المزيد من النقد لتسديد الضرائب والمستثمرين لشراء السندات الحكومية. وأضاف في وقت لاحق أن تلك القضايا ليس من شأنها ترك أثر واسع النطاق على الاقتصاد، مؤكداً قيام البنك بدوره بشكل مناسب.
الأسهم وسندات الخزانة
سجلت الأسهم في البورصات العالمية مكاسب طفيفة يوم الجمعة الماضي، وذلك بعد أن أشارت قرارات البنوك المركزية إلى تدابير تيسير كمي جديدة، حيث ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 3.34 في المائة منذ بداية شهر سبتمبر (أيلول) وبلغ مستوى 2.992 نقطة، مقترباً من أعلى مستوياته على الإطلاق عند مستوى 3.027 نقطة التي بلغها منذ بضعة أشهر. واتبع مؤشر «داو جونز» الصناعي مساراً مشابهاً، حيث سجل نمواً بنسبة 3.4 في المائة خلال الفترة ذاتها، ويتداول حالياً عند مستوى 27.094 نقطة. من جهة أخرى، تراجعت عائدات سندات الخزانة الأميركية بعد الإعلان عن خفض أسعار الفائدة، حيث انخفض عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى 1.768 في المائة لكن عاودت الارتفاع في وقت لاحق. واقترب منحنى عائد السندات لأجل عامين ونظيرتها لأجل عشر سنوات من الانعكاس في ظل ارتفاع عائدات السندات قصيرة الأجل وتراجع عائدات السندات ذات الآجال الأطول.
بنك إنجلترا المركزي
صوت بنك إنجلترا بالإجماع على إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير عند مستوى 0.75 في المائة على خلفية انتظاره للمزيد من الوضوح فيما يتعلق بمعضلة انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي. وفي بيان صادر عن البنك صرح بأن معدل التضخم ربما يصبح أضعف من المتوقع في حال استمرار الغموض المحيط بانفصال المملكة عن الاتحاد الأوروبي، في حين كشفت البيانات الصادرة قبل أيام قليلة عن تراجع معدل التضخم السنوي إلى أدنى مستوياته في ثلاثة أعوام بانخفاضه من 2.1 في المائة إلى 1.7 في المائة. وأظهر محضر اجتماع لجنة السياسات النقدية أن التأخير في التوصل إلى اتفاق بالنسبة لعلاقة المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يضر بمعدلات ثقة المستهلكين والشركات، وهو الأمر الذي تفاقم نتيجة للحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين والتي أدت إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي في الدولتين هذا العام. وانكمش اقتصاد المملكة المتحدة في الربع الثاني من العام بنسبة 0.2 في المائة. أما على صعيد الآفاق الاقتصادية، يتوقع البنك أن يسجل الاقتصاد نمواً بنسبة 0.2 في المائة في الربع الثالث على أمل تجنب الركود بمفهومه الفني الذي يعرف بأنه حصول انكماش على مدى ربعين متتاليين.
ومن أهم ما تضمنه محضر الاجتماع استعراضه للمرة الأولى للنتائج المتوقعة لانفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، موضحاً أن ذلك سيؤدي إلى ضعف معدلات النمو وارتفاع التضخم وانخفاض الجنيه الإسترليني مجدداً. وأشار صناع السياسة النقدية إلى أنه من المرجح أن ترتفع معدلات الفائدة تدريجياً مقارنة بأدنى مستوياتها المسجلة بعد العام 2008 إلا إذا كان هناك «انفصال سلس عن الاتحاد الأوروبي». وفي ظل عدم وجود اتفاق فسوف تتراجع قيمة الجنيه الإسترليني، ويرتفع التضخم ويتباطأ نمو الاقتصاد بما يؤدي إلى خفض أسعار الفائدة أو زيادتها وفقاً لبنك إنجلترا.
البنك الوطني السويسري
أبقى البنك الوطني السويسري (المركزي) أسعار الفائدة ثابتة متجاهلاً الضغوط العالمية المتزايدة وخفض توقعات النمو للعام الحالي، حيث أبقى على سعر الفائدة الرئيسي عند مستوى - 0.75 في المائة، مستشهداً بضعف آفاق النمو في الخارج. علاوة على ذلك، قام البنك الوطني بتعديل أساس حساب الفائدة السلبية على الودائع تحت الطلب لدى البنك الوطني السويسري، حيث أصبح بإمكان البنوك بدءاً من الآن إيداع المزيد من الأموال لدى البنك المركزي السويسري قبل تطبيق معدلات سلبية على ودائع البنوك التي تتخطى 25 ضعف الحد الأدنى من الاحتياطي المودع لدى البنك المركزي مقابل معدل 20 ضعف المطبق حالياً. وفي العام 2018 دفعت البنوك ما يقارب نحو ملياري فرنك سويسري من معدلات الفائدة السلبية والتي ظلت مطبقة منذ نحو خمسة أعوام حتى الآن. وبالنسبة للعام الحالي، خفض البنك الوطني السويسري توقعات التضخم إلى 0.4 في المائة مقابل توقعاته السابقة البالغة 0.6 في المائة، كما يتوقع أن يصل التضخم إلى 0.2 في المائة في العام 2020 مقابل 0.7 في المائة المتوقعة في الربع السابق.
آخر البنوك المتشددة
واصل البنك المركزي النرويجي السباحة عكس التيار السائد على صعيد السياسة النقدية العالمية واتجه نحو رفع أسعار الفائدة للمرة الرابعة منذ العام الماضي، حيث رفع البنك أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لتصل إلى 1.5 في المائة. وأشار إلى أن احتمالات رفع أسعار الفائدة خلال العام المقبل أكثر من احتمالات خفضها. واتجهت معظم البنوك المركزية الرئيسية في العالم لتطبيق سياسة تيسيرية تتمثل في خفض أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها دون تغير، إلا أن رئيس البنك المركزي النرويجي أويستين أولسن يصر على أن قوى مثل البترول والصناعات ذات الصلة هي التي تقود النمو الحالي الذي تفتقر إليه البلدان الأخرى. وأضاف أن البنك «كان عليه أن يتخذ الخطوات المناسبة للاقتصاد النرويجي في الوقت الحاضر» والتي تتمثل في زيادة سعر الفائدة. وعلى الرغم من ذلك، فقد أضاف في وقت لاحق أن حالة عدم اليقين بشأن النمو العالمي كانت السبب الرئيسي للإشارة إلى أن تلك الزيادة في أسعار الفائدة قد تكون الأخيرة خلال الدورة الحالية، وبالنظر إلى التضخم، فقد انخفض المعدل السنوي إلى 1.6 في المائة في أغسطس (آب) مقابل 1.9 في المائة في الشهر السابق - فيما يعد أبطأ وتيرة يسجلها منذ يناير (كانون الثاني) 2018.
التضخم العنيد في اليابان
بالانتقال إلى آسيا، فقد أبقى البنك المركزي الياباني على سعر الفائدة قصيرة المدى عند مستوى - 0.1 في المائة في ظل مساعيه الرامية إلى إدارة تأثير خفض أسعار الفائدة الأميركية وتباطؤ الاقتصاد العالمي. ولا يزال البنك متردداً بشأن إضافة المزيد من سياسة التحفيز النقدي ووعد بمراجعة الأوضاع في اجتماعه المقبل، كما قدم تحذيراً صريحاً أكد فيه قلقه بشأن مخاطر التعافي الاقتصادي. وساهم خفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة في تقليص فجوة العائد بين السندات اليابانية والأميركية بما قد يؤدي إلى ارتفاع قيمة الين الياباني، وهو الأمر الذي قد يتسبب في إحداث المزيد من الضرر للصادرات اليابانية الواقعة تحت ضغط هائل بالفعل نتيجة لتباطؤ نمو الاقتصاد الصيني.
وواصل بنك اليابان جهوده الحثيثة على مدار الأعوام الستة الماضية ليقترب معدل التضخم المستهدف من مستوى 2 في المائة، ويعتقد عدد كبير من المسؤولين الحاليين أن تطبيق المزيد من إجراءات خفض الفائدة قد يشكل خطراً على الاستقرار المالي وقد يؤدي إلى نتائج عكسية بما يؤثر سلباً على التضخم بدلاً من دفعه إلى الاقتراب من مستوى 2 في المائة. إلا أن المحافظ كورودا قد وعد مراراً باتخاذ ما يلزم إذا تطلب الأمر للحفاظ على الزخم من أجل الوصول إلى مستوى التضخم المستهدف.
وعلى صعيد سوق العملات فقد ارتفع الدولار الأميركي أمام الين الياباني نحو 1.62 في المائة هذا الشهر، ويتداول حالياً حول مستوى 107.58، والين الياباني يعتبر ملاذا آمنا في سوق العملات.



أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
TT

أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)

«هي صدمة متعددة الأبعاد»... هكذا اختصر مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، المشهد القاتم الذي يعصف بالمنطقة، واصفاً الحرب الحالية بأنها زلزال لم تشهده الجغرافيا السياسية والاقتصادية منذ خمسة عقود، وأنها أصابت أحد أكثر الممرات الاقتصادية حيوية في العالم، حيث لم تكتفِ بزعزعة أسواق الطاقة، بل امتدت لتعطل طرق التجارة وتضرب ثقة قطاع الأعمال، مما خلق حالة من الغموض تتطلب استجابات غير تقليدية. وأكد في المقابل أن السعودية نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء مؤسسات مالية صلبة وتنويع مصادر دخلها، مما يمنحها مساحة للمناورة رغم الضغوط.

وكان صندوق النقد الدولي خفَّض في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» توقعات نمو دول الخليج لعام 2026؛ بسبب تداعيات حرب إيران، مع تفاوت لافت في حجم التأثير بين البلدان بحسب درجة انكشافها على أسواق الطاقة والتجارة، وتوفر بدائل لضمان صادراتها النفطية. ففي البلدان المصدّرة للنفط المتضررة من الصراع، يُتوقع حالياً انكماش خمسة من ثمانية اقتصادات في عام 2026. وتواجه قطر الانخفاض الأكثر حدة في التوقعات نتيجة ما لحق ببنيتها التحتية من أضرار هائلة. وفي المقابل، تواجه سلطنة عُمان تراجعاً طفيفاً في التوقعات بسبب وقوع منفذها البحري بالكامل خارج مضيق هرمز، كما يُتوقع أن تستفيد من تحسن أرصدة ماليتها العامة وحسابها الجاري بفضل ارتفاع أسعار النفط. فيما برزت السعودية في مقدِّمة الدول التي ستُحقِّق نمواً هذا العام بنحو 3.1 في المائة، بفضل أنابيب النفط البديلة.

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

من جهته، أوضح أزعور خلال حلقة نقاش افتراضية حول آخر مستجدات صندوق النقد الدولي بشأن تأثير حرب الشرق الأوسط على اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن هذه الصدمة الاستثنائية التي ضربت قلب الممرات التجارية والطاقة العالمية، تقابلها صلابة مؤسسية في السعودية؛ حيث أكد أن المملكة نجحت في بناء «مصدات» مالية قوية من خلال تنويع الدخل وتقوية مؤسساتها، مما يمنحها الحيز المالي الكافي للمضي قدماً في طموحات «رؤية 2030» وحماية مشاريعها العملاقة من شظايا الاضطرابات الإقليمية.

مؤسسات مالية قوية

وشرح أزعور في إجابته على سؤال «الشرق الأوسط» أن السعودية عملت بذكاء لربط سياستها المالية بـ«مرساة» متوسطة المدى. وأوضح أن عملية «إعادة ترتيب أولويات المشاريع» التي تقوم بها المملكة هي ممارسة اقتصادية صحية وطبيعية تفرضها تغيرات الظروف الدولية، والهدف منها هو ضمان استمرار الغرض الجوهري لـ«رؤية 2030» في تنويع الاقتصاد وخلق الوظائف، مؤكداً أن المملكة تمتلك القدرة على التكيف مع اضطرابات طرق التجارة بفضل المؤسسات المالية القوية التي تم بناؤها.

تصدع البنية التحتية للطاقة

وأوضح أزعور أن الصدمة الحالية اتخذت من قطاع الهيدروكربونات مركزاً لها، حيث تشير البيانات والرسوم البيانية إلى توقف مفاجئ لتدفق أكثر من 12 مليون برميل يومياً من النفط والغاز. وشرح أن هذا التعطل لم يقف عند حدود الطاقة، بل تمدد ليصيب «القطاع الحقيقي»؛ حيث سجلت السياحة في معظم دول مجلس التعاون تراجعاً ملحوظاً، كما تضررت ثقة قطاع الأعمال، وظهرت تداعيات ذلك بوضوح في اتساع هوامش الائتمان وتذبذب العملات، وكان الجنيه المصري الشاهد الأكبر على وطأة هذه الهزات الارتدادية العنيفة.

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

سيناريوهات «يوم الحساب»

وعند الانتقال للحديث عن المستقبل، رسم أزعور ملامح «السيناريو المرجعي» الذي يفترض انتهاء الأعمال القتالية بحلول منتصف العام، ومع ذلك، أوضح أن الأسواق يجب أن تتأهب لأسعار نفط أعلى بـ10 دولارات للبرميل. وحذر بشدة من سيناريو «أكثر تعقيداً» قد يقفز فيه النفط إلى متوسط 130 دولاراً لفترة طويلة، مبيناً أن هذا التحول سيحول الأزمة من صدمة عرض إلى عبء ثقيل على موازين الدول المستوردة للنفط مثل الأردن وتونس، حيث سيؤدي لانكماش حاد في الحساب الجاري.

ترابط مصالح المنطقة

وشرح أزعور بعمق مدى ترابط مصالح المنطقة، موضحاً أن دولاً مثل باكستان ومصر والأردن تعتمد بشكل بنيوي على دول الخليج، ليس فقط في تأمين الطاقة، بل في «شرايين الحياة» المالية. وأكد أن أي اضطراب في الخليج يترجم فوراً إلى تراجع في تحويلات المغتربين (التي تمثل 5 في المائة من الناتج المحلي لبعض الدول) وتوقف في التدفقات الرأسمالية، محذراً من أن استمرار الحرب قد يحول أزمة الطاقة إلى «كارثة أمن غذائي» للدول الهشة بسبب ارتفاع تكلفة الأسمدة والسلع الأساسية.

«ابقوا البارود جافاً»

وفي الجزء الأكثر حزماً من عرضه، أوضح أزعور أن «مساحة المناورة» أمام الحكومات باتت تضيق بسبب المديونية العالية التي خلفتها الجائحة. واستشهد بنصيحة «وزير مالية خليجي» بضرورة «إبقاء البارود جافاً»، شارحاً أن الدول مطالبة اليوم بالرشاقة في استخدام هوامش الأمان المتاحة لها. وشدد على ضرورة «المعايرة» الدقيقة للسياسات؛ بحيث يتم إلغاء الدعم الشامل وتوجيهه نقدياً للفئات الضعيفة، مع ضرورة الحفاظ على «تشديد نقدي» لمحاربة التضخم، والاعتراف بأن مرونة سعر الصرف هي الدرع الحقيقية لحماية الاقتصاد من الهزات العنيفة.

ورأى أزعور أن هذه الأزمة، رغم قسوتها، يجب أن تكون نقطة تحول تفرض إعادة تفكير جذرية في الاستراتيجيات الاقتصادية طويلة الأمد للمنطقة. وأوضح أن الاعتماد المفرط على مسارات تجارية وطاقية أحادية بات يشكل خطراً وجودياً في عالم يتسم بالتقلبات الجيوسياسية المتسارعة، مشدداً على أن «اليوم التالي» للحرب لا ينبغي أن يكون عودة للنماذج القديمة، بل انطلاقة نحو بناء «اقتصاد المرونة».

وشرح أن هذا التحول الجذري يتطلب مسارات عمل متوازية؛ تبدأ بتسريع وتيرة تنويع القواعد الإنتاجية لتقليل الحساسية تجاه صدمات أسعار الطاقة، وصولاً إلى تعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي أثبتت الأزمة أنه ليس مجرد خيار سياسي، بل هو «درع أمان» اقتصادية مشتركة. كما أشار إلى ضرورة تعزيز الأمن الغذائي والمائي عبر الابتكار، لضمان ألا تظل لقمة عيش شعوب المنطقة رهينة لتعطل سلاسل الإمداد العالمية.

وفي رسالة لصنّاع القرار، أكد أزعور أن الاستقرار المالي المستدام لا يتحقق فقط بإدارة الأزمات عند وقوعها، بل ببناء «مخففات صدمات» هيكلية في صلب الأنظمة الاقتصادية، تجعل من دول المنطقة فاعلاً قادراً على امتصاص الهزات الكبرى والتحول نحو نمو أكثر استدامة وشمولاً، بعيداً عن تقلبات الجغرافيا السياسية وحروبها الممتدة.


بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)

قال البنك المركزي الياباني، يوم الثلاثاء، إنه يجب على اليابان توخي الحذر من المخاطر التي تهدد النظام المالي للبلاد، والناجمة عن التطورات في الشرق الأوسط، محذراً من أن استمرار التوترات قد يُبقي أسعار الطاقة مرتفعة، ويزيد من حالات تعثر الشركات. وقال بنك اليابان في تقرير نصف سنوي: «يحافظ النظام المالي الياباني على استقراره بشكل عام».

ولكن التقرير أشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى زيادة تكاليف شراء السلع الأساسية للشركات، والتأثير على سلاسل التوريد، مما قد يزيد من مخاطر التعثر، على الرغم من أن إقراض أكبر 3 بنوك يابانية للشرق الأوسط لا يزال محدوداً.

وأضاف التقرير: «لا يزال من الضروري إيلاء اهتمام دقيق لاحتمالية تأثير ذلك على الأوضاع المالية للشركات، وإدارة تدفقاتها النقدية».

وأشار التقرير أيضاً إلى المخاطر المرتبطة بازدياد نشاط المؤسسات غير المصرفية، مثل صناديق التحوط، وشركات الأسهم الخاصة، ومقرضي الائتمان الخاص.

ووفقاً للتقرير، لم تُقدِّم البنوك اليابانية الكبرى حتى الآن سوى نحو 9 في المائة من إجمالي قروضها الخارجية للصناديق الأجنبية، بما في ذلك الأسهم الخاصة والائتمان، مما يدل على أن انكشافها لا يزال محدوداً في الوقت الراهن. ومع ذلك، ذكر بنك اليابان أن القطاع المصرفي المحلي يزداد ترابطاً مع المؤسسات غير المصرفية الأجنبية، محذراً من أن الضغوط التي تُؤثر على هذه المؤسسات من حيث الائتمان أو السيولة «قد تنتقل بسهولة أكبر إلى القطاعات المصرفية في مختلف الدول».

وقد واجهت بعض صناديق الائتمان الخاصة في الولايات المتحدة طلبات استرداد مرتفعة؛ حيث سارع المستثمرون الأفراد القلقون إلى سحب استثماراتهم، وسط مخاوف بشأن الشفافية والتقييمات والاضطرابات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي.

ولا يزال سوق الائتمان الخاص في اليابان صغيراً نسبياً، نظراً لسهولة حصول الشركات على قروض مصرفية تقليدية، لكن البنوك اليابانية زادت من تمويلها لصناديق الائتمان الخاصة العالمية في السنوات الأخيرة سعياً وراء عوائد أعلى.


اليابان تلغي قيود تصدير الأسلحة وتفتح أبوابها للسوق الدولية

سفينة حربية يابانية بميناء «داروين» في أستراليا (أ.ب)
سفينة حربية يابانية بميناء «داروين» في أستراليا (أ.ب)
TT

اليابان تلغي قيود تصدير الأسلحة وتفتح أبوابها للسوق الدولية

سفينة حربية يابانية بميناء «داروين» في أستراليا (أ.ب)
سفينة حربية يابانية بميناء «داروين» في أستراليا (أ.ب)

كشفت اليابان، الثلاثاء، عن أكبر تعديل شامل لقواعد تصدير الأسلحة منذ عقود، حيث ألغت القيود المفروضة على مبيعات الأسلحة الخارجية وفتحت الطريق أمام تصدير السفن الحربية والصواريخ... وغيرهما من الأسلحة.

وتُعدّ هذه الخطوة، التي تهدف إلى تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية اليابانية، خطوة أخرى نحو الابتعاد عن القيود السلمية التي شكلت سياسة طوكيو الأمنية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كما تُشكل الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط ضغطاً على إنتاج الأسلحة الأميركي؛ مما يُوسع الفرص المتاحة لليابان. في الوقت نفسه، يسعى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا إلى تنويع مصادر التوريد؛ إذ تبدو التزامات واشنطن الأمنية الراسخة أقل يقيناً في ظل رئاسة دونالد ترمب. وقالت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، في منشور على موقع «إكس»: «لا يمكن لأي دولة بمفردها حماية سلامها وأمنها، ومن الضروري وجود دول شريكة يدعم بعضها بعضاً في مجال المعدات الدفاعية».

ويلغي التعديل الذي أقرته حكومة تاكايتشي 5 فئات تصدير كانت تقصر معظم الصادرات العسكرية على معدات الإنقاذ والنقل والإنذار والمراقبة وإزالة الألغام. وبدلاً من ذلك، فسيقوم الوزراء والمسؤولون بتقييم مزايا كل صفقة بيع مقترحة. وستُبقي اليابان على 3 مبادئ تصديرية تُلزمها: إجراء فحص دقيق، وفرض ضوابط على عمليات النقل إلى دول ثالثة، وحظر البيع للدول المتورطة في نزاعات. لكن الحكومة، في عرض توضيحي للتغييرات، ذكرت أنه يمكن استثناء بعض الحالات عند الضرورة لحماية الأمن القومي.

* دول تستكشف الفرص

وأفاد مسؤولون ودبلوماسيون يابانيون وكالة «رويترز» بأن دولاً؛ من بولندا إلى الفلبين، تستكشف فرص التوريد في إطار تحديث قواتها. وذكر مصدران أن إحدى أولى الصفقات قد تكون تصدير سفن حربية مستعملة إلى مانيلا. ورحب وزير الدفاع الفلبيني، غيلبرتو تيودورو، بتغيير اليابان قواعدها، مصرحاً، في بيان منه، بأن ذلك سيوفر إمكانية الوصول إلى «معدات دفاعية عالية الجودة» من شأنها «تعزيز القدرة على الصمود المحلي» و«الإسهام في الاستقرار الإقليمي من خلال الردع». وتُشكل الفلبين، إلى جانب سلسلة الجزر الجنوبية الغربية لليابان، جزءاً مما يطلق عليه المخططون العسكريون «سلسلة الجزر الأولى»، وهي سلسلة من الجزر تُقيد وصول الصين من مياهها الساحلية إلى غرب المحيط الهادئ. ومع ازدياد النفوذ الإقليمي لبكين، عززت مانيلا وطوكيو علاقاتهما الأمنية؛ ففي سبتمبر (أيلول) الماضي، وقعتا اتفاقية تُسهل على قوات كل من الدولتين العمل في أراضي الدولة الأخرى، وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، خففتا قواعد تبادل الإمدادات العسكرية.

وقال جورج غلاس، سفير الولايات المتحدة لدى اليابان، في 10 أبريل (نيسان) الحالي: «لن تُعزز هذه الخطوة التاريخية القدرات الدفاعية للدول المتعاونة مع التحالف الياباني - الأميركي فقط، بل ستُقوي أيضاً قدرتنا الجماعية على صون السلام في جميع أنحاء المنطقة وحماية الحرية بشكل أكبر».

وتأمل طوكيو أن تُسهم صادرات الدفاع في دعم قاعدتها الصناعية عبر زيادة حجم الإنتاج، وخفض تكلفة الوحدة، وإضافة طاقة تصنيعية يُمكن الاعتماد عليها في حال وقوع أزمة عسكرية. وتستطيع شركات مثل «ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة» بناء أنظمة متطورة تشمل الغواصات والطائرات المقاتلة والصواريخ، لكنها اعتمدت لعقود على طلبات صغيرة من عميل واحد؛ هو «قوات الدفاع الذاتي اليابانية».

وقال جيفري هورنونغ، الخبير بالسياسة الأمنية اليابانية في مؤسسة «راند»: «لقد أدى ذلك إلى ارتفاع التكاليف وزيادة أوجه القصور. وعبر توسيع الأسواق، يأملون الاستفادة من وفورات الحجم وضخّ حيوية جديدة في القاعدة الصناعية اليابانية، لا سيما لدى كثير من الشركات الصغيرة». وتواصل اليابان جهودها غير المسبوقة لتعزيز جيشها، حيث تشتري صواريخ وطائرات نفاثة شبحية وطائرات مسيّرة، تقول إنها ضرورية لردع أي تهديد من الصين، بما في ذلك حول جزرها القريبة من تايوان... وقد صرّحت بكين بأن نياتها في شرق آسيا وغيره سلمية.

كما تعمل طوكيو على تطوير طائرة مقاتلة من الجيل التالي بالتعاون مع بريطانيا وإيطاليا لنشرها في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، وذلك في إطار استراتيجية لتقاسم تكاليف التطوير والحصول على تكنولوجيا جديدة. وقد زادت اليابان إنفاقها الدفاعي بشكل مطرد في السنوات الأخيرة ليصل إلى اثنين في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن تعلن حكومة تاكايتشي عن زيادات أخرى هذا العام عند إصدارها استراتيجية أمنية جديدة.