ميركل تؤكد مسؤولية إيران عن هجمات «أرامكو» وفرنسا تحذّر من تصعيد «يخرج عن السيطرة»

طهران تنتقد الموقف الأوروبي بشدة وتتوعد بـ«الدمار والأسر» لمن يهاجمها

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الإيراني حسن روحاني على هامش أعمال الجمعية العامة بنيويورك أمس (إ.ب.أ)
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الإيراني حسن روحاني على هامش أعمال الجمعية العامة بنيويورك أمس (إ.ب.أ)
TT

ميركل تؤكد مسؤولية إيران عن هجمات «أرامكو» وفرنسا تحذّر من تصعيد «يخرج عن السيطرة»

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الإيراني حسن روحاني على هامش أعمال الجمعية العامة بنيويورك أمس (إ.ب.أ)
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الإيراني حسن روحاني على هامش أعمال الجمعية العامة بنيويورك أمس (إ.ب.أ)

أبلغت المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل الرئيس الإيراني حسن روحاني أمس، قناعة أوروبية بمسؤولية إيران عن هجمات «أرامكو»، فيما رفضت مطلب طهران بإنهاء العقوبات عليها كشرط مسبق لإجراء محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة والغرب. وحذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من «خطر حصول تصعيد يخرج عن السيطرة» في المنطقة بعد الهجمات التي استهدفت منشآت أرامكو، وأعرب عن أمله «في حصول تقدم» بشأن المفاوضات مع إيران، وذلك بعد اجتماع مطول بالرئيس الإيراني حسن روحاني أول من أمس.
وتزامناً مع ذلك، احتجت الخارجية الإيرانية أمس، على بيان أصدرته بريطانيا وفرنسا وألمانيا، واتهمت فيه طهران بالمسؤولية عن الهجوم على منشآت أرامكو، وذلك بعد ساعات من انتقادات لاذعة وجهها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، متهماً الدول الثلاث بـ«التكرار الببغاوي» للاتهامات الأميركية.
وقالت المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل، عقب لقاءات مع كل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الإيراني حسن روحاني، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، أمس: «أرحب بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، لكن لن يتسنى رفع جميع العقوبات أولاً، ثم تنعقد المحادثات. أعتقد أن هذا ليس واقعياً».
وناقشت ميركل مع روحاني الوضع في الإقليم بعد هجمات «أرامكو» ومستقبل الاتفاق النووي، وأشادت المستشارة بالبيان المشترك الصادر عن ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، بخصوص مسؤولية إيران عن الهجمات.
وأضافت ميركل أنه تم توضيح «أننا على قناعة بأن إيران تتحمل المسؤولية»، ولفتت إلى أن كلمتي «تتحمل المسؤولية» تم انتقاؤهما بشكل مقصود للغاية، طبقاً لوكالة الأنباء الألمانية.
وذكرت ميركل أن المحادثات تضمنت أيضاً حرب اليمن وكيف يمكن «إحلال مزيد من السلام في هذه المنطقة».
وقال ماكرون أمس في أول تصريح للصحافيين: «لا بد من الجلوس مجدداً إلى الطاولة لإجراء محادثات صريحة وحازمة حول النشاط النووي، وحول ما تقوم به إيران في المنطقة، ونشاطاتها الباليستية، لكن أيضاً مع التسلح بمقاربة أوسع لماهية العقوبات. آمل بأن نتمكن من التقدم خلال الساعات القليلة المقبلة». وقال أيضاً: «أجريت نقاشاً مطولاً لساعة ونصف الساعة مع الرئيس روحاني، أتاح كما أعتقد فتح ثغرات، وهي دقيقة جداً». وتابع: «كان الاجتماع مباشراً جداً ودقيقاً. والوضع متوتر بعد الضربات. تصارحنا بشأن الأشياء المهمة وبحثنا خصوصاً في سبل ومقترحات حلول».
وأصر ماكرون على التمسك بالوساطة التي تتولاها فرنسا بين إيران والولايات المتحدة، محذراً من أنه «إذا لم نجد شروط التفاوض، فإننا نجازف بتصعيد وأقل استفزاز يمكن أن يؤدي إلى ردود فعل مفرطة». وأضاف: «رأيتم كيف أن الأيام التي تلت (هجمات 14 سبتمبر/ أيلول) لم تؤدِ إلى تصعيد، نجحنا بالحفاظ على نوع من الاستقرار. لكن أي حدث جديد يمكن أن يؤدي إلى تصعيد، هذا ما يتعين قطعاً تفاديه».
ويسعى الرئيس الفرنسي الذي يقوم بوساطة لجمع ترمب وروحاني في إطار العمل على تخفيف حدّة التوتر بين البلدين وفي منطقة الخليج بشكل خاص. وتحمس ترمب الشهر الماضي لمشروع ماكرون بشأن إمكانية اجتماعه بالرئيس الإيراني حسن روحاني في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن فرص اللقاء تضاءلت بعد الهجوم على منشآت أرامكو، التي تزامنت مع سجال داخلي إيراني حول لقاء روحاني وترمب.
وقبل لقاء روحاني بساعات، قال ماكرون: «الإيرانيون على طريق نحو تصعيد التوتر، وهذا خطأ استراتيجي بالنسبة لهم وللمنطقة ولأمنها الجماعي». وأضاف: «لكنّ شيئاً ما يمكن أن يحدث في نيويورك». وتابع: «إذا كان ترمب مقتنعاً فهو قادر على تغيير الأمور بسرعة. يقرّر بسرعة ووحده ويتمتّع بمنطق عملاني». وأوضح أن «الإيرانيين مرنون حول المعايير، وغير مرنين حول اللقاء الذي في نظرهم يجب أن يأتي في نهاية العملية في حين أن هدف الأميركيين هو أن يتمّ على الأجل القصير».
من الجانب الإيراني، أبدى الرئيس حسن روحاني استعداده لمناقشة إدخال تغييرات أو إضافات أو تعديلات محدودة على الاتفاق النووي. ونقلت رويترز عن روحاني قوله لوسائل الإعلام في نيويورك: «سأكون مستعداً لبحث إدخال تغييرات أو إضافات أو تعديلات محدودة على الاتفاق النووي حال رفع العقوبات».
ونقلت وكالة «فارس» الإيرانية لاحقاً عن برويز إسماعيلي مسؤول العلاقات العامة في مكتب الرئيس الإيراني، نفيه صحة ما أوردته وكالة «رويترز» عن روحاني.
وكانت الإدارة الأميركية رهنت في يوليو (تموز) أي مقترح من هذا النوع «يجب أن يأتي من المرشد الإيراني علي خامنئي»، وذلك رداً على إعلان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف استعداد إيران القبول مقابل تفتيش دائم للمنشآت النووية مقابل أن ترفع الإدارة الأميركية العقوبات عن إيران «بشكل دائم».
وجدد ظريف أول من أمس هذا المقترح ونقلت عنه مذيعة «سي إن إن» كريستيان أمانبور قوله إن روحاني مستعد للقاء نظيره الأميركي مقابل «قيام ترمب بما يجب القيام به». وأوضح أن «إيران ستوافق على تفتيش دائم مقابل رفع العقوبات».
وقال ظريف أمس رداً على سؤال حول إمكانية لقاء الرئيسين الإيراني والأميركي: «لم نتلقَ حتى الآن أي طلبات هذه المرة لعقد اجتماع، وأوضحنا أن مجرد تقديم طلب لن يفي بالغرض».
وفي المقابل، انتقد إيران بشدة البيان الأوروبي الذي حملها مسؤولية الهجوم على منشآت أرامكو. ونقلت «رويترز» عن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، عباس موسوي قوله: «أظهر البيان أن الأطراف الأوروبية ليست لديها قوة أو قوة إرادة للتصدي للتنمر الأميركي». وأعربت الخارجية أيضاً عن «إدانتها الشديدة ورفضها الاتهام غير المسؤول لقادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا». وأضافت أنه «يشكل عملاً استفزازياً ومؤذياً». وشدد البيان على أن ميليشيا الحوثي المتحالفة مع إيران «أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم».
وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية نقلاً عن البيان الإيراني بأن ما ورد في بيان القادة الأوروبيين الثلاثة «بعيد عن الحقيقة». وحذر البيان من أن «على الدول الموقعة على هذا الإعلان أن تتحمل تداعيات هذه السياسة وتتحسب لنتائجها المضرة على السلام والاستقرار في المنطقة». وحملت بريطانيا وفرنسا وألمانيا إيران مسؤولية هجوم 14 سبتمبر (أيلول) على منشآت أرامكو، وطالبت طهران بالموافقة على محادثات جديدة مع القوى العالمية بشأن برامجها النووية والصاروخية وقضايا الأمن الإقليمي.
وفي مقابلة مع شبكة «إن بي سي» الأميركية أول من أمس، قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، إن ترمب «هو الشخص الوحيد الذي يستطيع إبرام اتفاق أفضل... أتمنى أن يتم التوصل إلى اتفاق ترمب».
ونقلت «رويترز» عن مسؤول خليجي رفيع المستوى طالباً عدم نشر اسمه، أنه ينبغي أن تشترك دول الخليج والولايات المتحدة والأوروبيون ودول أخرى في «دبلوماسية جماعية» لنزع فتيل التوتر. وأضاف: «ينبغي ألا يقتصر الحديث بعد الآن على الاتفاق النووي، وإنما أيضاً برنامج إيران الصاروخي وسلوكها في المنطقة، وهي أمور على القدر نفسه من الأهمية، إن لم تكن أكثر أهمية».
وجاء موقف الدول الأوروبية الثلاث في بيان مشترك عقب اجتماع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على هامش لقاءات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك أول من أمس. وذكر البيان المشترك أن «من الواضح لنا أن إيران تتحمل مسؤولية هذا الهجوم. لا يوجد أي تفسير معقول آخر. نحن نؤيد التحقيقات الجارية لتأكيد مزيد من التفاصيل».
لكن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في أول رد على البيان الأوروبي، رفض «اتفاقاً نووياً جديداً دون الالتزام بالاتفاق الراهن». وغرد على موقع «تويتر» للتواصل، رداً على البيان الثلاثي: «منذ مايو (أيار) عام 2018 (عندما انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق)، فشلت الدول الثلاث في تنفيذ التزاماتها تجاه الاتفاق النووي». وقال إن «السبيل لمعالجة هذا العجز (الأوروبي) هي توفر الإرادة الشاملة لإيجاد طريق مستقلة وعدم التكرار الببغائي لمزاعم الولايات المتحدة الفارغة».
في الأثناء، رفض قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي مسؤولية إيران عن هجوم أرامكو. وقال رداً على بيان الدول الأوروبية إنها «أظهرت حقيقتها ويتهمون إيران من دون وثائق ومستندات»، بحسب ما نقلت وكالة «إرنا». واعتبر سلامي البيان الأوروبي دليلاً على ما يقوله المرشد الإيراني حول «تشابه الأوروبيين والأميركيين» في مواقفهم من إيران قبل أن يقول إن «الأميركيين يعرفون أن الحوثيين من قام بذلك».
وتوعد رئيس هيئة الأركان الإيرانية، محمد باقري بـ«الدمار والأسر» لكل من يهاجم بلاده، وذلك في كلمة ألقاها أمام البرلمان الإيراني أمس. وقال إنّ «نتيجة كل عدوان ستكون بالتأكيد الدمار والأسر».
في موسكو، أكد نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، أن «الاتصالات موجودة مع شركائنا وأصدقائنا السعوديين، وأعتقد أننا سنعتمد على نتائج تحقيق موضوعي».
وفي حديث لوكالة «إنترفاكس» أوضح بوغدانوف: «لقد أكدت قيادتنا ضرورة إجراء تحقيق موضوعي ومحايد وجدي في هذه القضية».
من جانبه، وجه وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، الشكر للبلدان الأوروبية على بيانها الذي وجه اللوم لإيران، قائلاً: «هذا سيعزز الدبلوماسية وقضية السلام».



إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
TT

جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)

أنهى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، زيارته لإسلام آباد، فيما كان العالم يترقب وصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، في إطار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية في حرب إيران.

ونسف جواب عراقجي ومغادرته إسلام آباد «المواعيد» التي كان يعد لها الوسيط الباكستاني لجلسة ثانية من المفاوضات، مساء أمس، رغم أن الوفد الإيراني كان قد أعلن أن زيارته ليست للتباحث مع أميركا بل تأتي في إطار جولة تشمل سلطنة عُمان وروسيا. وكان لافتاً أن وكالة «إيرنا» الرسمية ذكرت ليلاً أن عراقجي يعتزم زيارة باكستان مجدداً بعد انتهاء زيارته إلى مسقط، وقبل توجهه إلى موسكو.

والتقى عراقجي نظيره الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة. وقال إنه سلَّمهم رد إيران على المقترح الأميركي للتوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «علينا أن نرى ما إذا كانت واشنطن جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

من جانبه، أعلن ترمب أنه ألغى الزيارة المرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، مؤكداً أن ذلك لا يعني حكماً باستئناف الحرب مع إيران.

وقال ترمب إن أحداً لا يعرف من يتولى زمام القيادة حالياً في طهران، مضيفاً على منصته «تروث سوشيال» أن «هناك اقتتالاً داخلياً هائلاً وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم».