بوادر تصدع في معسكر نتنياهو مع بدء مشاورات تشكيل الحكومة

سيف القضاء مسلط على رئيس الوزراء المنتهية ولايته لتورطه في الفساد

نتنياهو يخاطب مؤيديه في أعقاب اعلان نتيجة الانتخابات الأخيرة (رويترز)
نتنياهو يخاطب مؤيديه في أعقاب اعلان نتيجة الانتخابات الأخيرة (رويترز)
TT

بوادر تصدع في معسكر نتنياهو مع بدء مشاورات تشكيل الحكومة

نتنياهو يخاطب مؤيديه في أعقاب اعلان نتيجة الانتخابات الأخيرة (رويترز)
نتنياهو يخاطب مؤيديه في أعقاب اعلان نتيجة الانتخابات الأخيرة (رويترز)

مع نشر النتائج شبه النهائية للانتخابات الإسرائيلية، الليلة الفائتة، وتثبيتها كهزيمة لرئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، باشر رئيس حزب الجنرالات، بيني غانتس، الاتصالات مع حلفائه لتجنيد 61 نائبا يوصون رئيس الدولة، رؤوبين رفلين، أن يكلفه بتشكيل الحكومة. ومع أن نتنياهو يواصل تنكره للهزيمة ويصر على محاولة تجنيد توصيات لتكليفه هو بتشكيل الحكومة، إلا أن تصدعات بدأت تظهر في معسكره وتذمرات من حلفائه.
وقالت مصادر سياسية في الليكود إن نتنياهو يجر معسكر اليمين إلى هزيمة جديدة، كما يبدو. فحتى لو نجح في الحصول على تكليف من رئيس الدولة، وهو أمر مستبعد حاليا، فإنه سيفشل في تشكيل حكومة. وعندها سيتفكك حزبه ومعسكره ويستطيع غانتس تشكيل حكومة جديدة تقضي لسنوات طويلة على الحزب، كما حصل في سنة 2006 عندما هبط تمثيل الليكود إلى 12 مقعدا تحت قيادة نتنياهو.
وقد حذرت مصادر قضائية، أمس الجمعة، من أن تكليف نتنياهو بتشكيل حكومة جديدة يصطدم بمشكلة قضائية جديدة. فرئيس الدولة لا يستطيع أن يكلف شخصا بتشكيل حكومة وهو يواجه اتهامات خطيرة بالفساد. فإذا أنهى رفلين مشاوراته مع قادة الأحزاب خلال الأسبوع القادم، سيقترب كثيرا من موعد إعداد لائحة اتهام ضده. ففي الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) القادم، ستعقد جلسة الاستماع مع محاميه وسيبت المستشار القضائي للحكومة بشأنه وسيقرر على الغالب قبول توصيات الشرطة والنيابة بتوجيه ثلاث لوائح اتهام ضد نتنياهو بتهم تلقي رشوة وخيانة الأمانة والاحتيال.
وقال خبير الشؤون الحزبية، يوسي فيرتر، إن «ساعة نتنياهو تدق مع اقتراب جلسة الاستجواب في مكتب المستشار القضائي للحكومة، والتي بعدها ستكون بانتظاره، بالتأكيد، لوائح اتهام. واضح أن نتنياهو يستل الآن الأرنب الأخير والوحيد الذي تبقى في جعبته، وهي لعبة الاتهامات القديمة والجيدة، من أجل الوصول، ربما، إلى جولة انتخابات ثالثة مدعومة بتأييد شعبي ما. ولكن هذا وهم مطلق. فهو رئيس حكومة مشتبه بمخالفات جنائية ويرفض إخلاء كرسيه والتفرغ لشؤونه، كما أنه ليس مرشحا شرعيا».
ووصف فيرتر أقوال نتنياهو بأنه فوجئ من رفض غانتس لدعوته إقامة حكومة وحدة، بأنها «فرفرة الموت». وقال: «إنه – أي نتنياهو - يحاول خلق مشهد كاذب بأنه يسيطر على الوضع، لكن خدعته مفضوحة. فليس هناك مخرج لهذا المأزق غير المسبوق، اللهم إلا إذا بادر إلى إبرام صفقة ادعاء مع النيابة تؤدي إلى إلغاء لوائح الاتهام ضده، مقابل أن يعتزل السياسة بشكل محترم، قياسا بوضعه، من دون عقوبة السجن. والخيار الآخر أمامه هو أن يقدم حزب الليكود على الإطاحة به وتغييره بقائد آخر ذي مصداقية جماهيرية. وهذه عملية صعبة ومعقدة ومليئة بالعقبات. وثمة شك إذا كان المدى الزمني يسمح بذلك».
وقالت محررة الشؤون الحزبية في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، سيما كدمون، إن «نتائج الانتخابات أوضحت لنتنياهو بأنه ليس قادرا على كل شيء، وأنه ليس بحوزته تفويض عام لإخضاع سلطة القانون لمصلحته». واستبعدت كدمون أن توافق النيابة على إبرام صفقة مع نتنياهو. وقالت إن الأجواء السائدة في وزارة القضاء تشير إلى أن نتنياهو متورط في الفساد بشكل لا يحتمل مسامحته. وسيكون عليه أن يتوجه إلى محاكمة طويلة، يخوضها في الصباح ويدير شؤون الدولة في المساء». وقد نفى نتنياهو أمس أنه يحاول التوصل إلى صفقة ادعاء مع النيابة.
وأما المحلل السياسي لصحيفة «معريب»، بن كسبيت، فقد كتب ببالغ الثقة: «لقد انتهى عهد نتنياهو. فالرجل قضى على نفسه بيديه. كان لديه كل شيء، وسيكتشف قريبا أن لا شيء لديه. الفائز تحول إلى خاسر. وناشطو الليكود أداروا ظهرهم له. فقد بقيت أعداد كبيرة منهم في البيت أو ذهبوا إلى شاطئ البحر ولم يصوتوا. وقال الجمهور له «حتى هنا». فمن كان يعتبر كمن يجلب الحكم إلى اليمين، تحول إلى من يبعد الحكم. فهو لن يتمكن من تشكيل حكومة ولن يتمكن من الفوز في معركة انتخابية أخرى، بعد خمسة شهور أخرى. حتى في حزبه الليكود، لا توجد أغلبية تؤيد ذلك. لكن إذا نجح في حل الكنيست، فإن الدولة التي تجمدت لسنة ونصف السنة بسببه سوف تفرغ غضبها فيه. وهو سيفكك الليكود إلى أشلاء، تماما مثلما فعل في العام 2006. وسيدرك الليكود ذلك قريبا. الآن هم يسكتون، ويمنحونه حبلا». ويذكر كسبيت أن «أريئيل شارون اعتاد على قول الجملة التالية عن نتنياهو: أعطوه حبلا، وسوف يشنق نفسه. وبعد أن نضج مع مرور السنين، عاد نتنياهو إلى حالته السابقة. ويرتكب جميع الأخطاء الممكنة ويسقط في جميع الحفر الفارغة».
الجدير ذكره أن نتائج الانتخابات شبه النهائية، التي نشرت أمس، تثبت النتائج المعلنة سابقا وتدل على هزيمة نتنياهو. فبعد فرز 99.8 في المائة من مجموع الأصوات، بقي الحزب الأكبر هو «كحول لفان» بقيادة غانتس، الذي وصل إلى 33 مقعدا، يليه «الليكود» 31 مقعدا. وتثبت وضع القائمة المشتركة كقوة ثالثة في الكنيست حيث حصلت على 13 مقعدا، يليها حزب اليهود الشرقيين المتدينين «شاس» 9 مقاعد، و8 مقاعد لكل من «يسرائيل بيتينو» (ليبرمان) و«يهدوت هتوراه» (اليهود الغربيين)، و7 مقاعد لـ«يمينا»، و6 مقاعد لـ«العمل – غيشر» و5 مقاعد لـ«المعسكر الديمقراطي».
وتشير معطيات لجنة الانتخابات المركزية إلى أنه شارك في التصويت 4458167 مصوتا من بين 6394030 من أصحاب حق الاقتراع، ما يعني أن نسبة التصويت بلغت 69.72 في المائة. أما عدد الأصوات الصحيحة فقد وصل إلى 4430566 صوتا، في حين وصل عدد الأصوات اللاغية إلى 27601 صوت. أما عدد الأصوات التي كانت مطلوبة لتجاوز نسبة الحسم (3.25) فقد كانت 143993 صوتا.
وتشير المعطيات إلى أن كحول لفان حصل على 1148700 صوت، أي ما نسبته 25.93 في المائة، في حين حصل «الليكود» على 1111535 صوتا، أي ما نسبته 25.09 في المائة. أما القائمة المشتركة فقد حصلت على 470611 صوتا، أي ما نسبته 10.62 في المائة. يليها «شاس» التي حصلت على 309688 صوتا، أي ما نسبته 7.44 في المائة. وحصل ليبرمان على 309688 صوتا (6.99 في المائة)، و«يهدوت هتوراه 268688 صوتا (6.06 في المائة)، و«يمينا» على 260339 صوتا (5.88 في المائة)، و«العمل – غيشر» 212529 صوتا (4.80 في المائة)، «المعسكر الديمقراطي» 192261 صوتا (4.34 في المائة). وقد سقطت بقية الأحزاب (21 حزبا)، بينها حزب «عوتسما يهوديت» الكهاني، إيتمار بن غفير، الذي ينادي بترحيل الفلسطينيين، لكنه حصل على 83266 صوتا (1.88 في المائة).
وقد طلب رئيس الدولة رفلين من رئيس لجنة الانتخابات أن يبدأ، غدا الأحد، مشاوراته مع رؤساء الأحزاب حتى يختار الشخصية الأوفر حظا، التي سيسند إليها مهمة تشكيل الحكومة المقبلة.
ومن جهة ثانية نفى ليبرمان أن يكون قد توصل إلى اتفاق مع غانتس لتأييده في رئاسة الحكومة وقال بأنه سيلتقيه فقط بعد جلسة كتلته البرلمانية.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.