في حديث جانبي مع ألبرتو باربيرا، مدير مهرجان فينيسيا، قال لي إنه حتى أنْ تم تجميع هذا العدد الجيد من الأفلام تطلب الأمر متابعة حثيثة من نهاية العام الماضي: «عملياً، أخذنا عطلة لشهر واحد بعد دورة السنة الماضية من قبل أن نشغل أنفسنا مرة أخرى بشؤون الدورة الحالية، وهذا يساعد كثيراً لأنك لا تريد أن تترك عبء العمل بأكمله على الأشهر القليلة السابقة».
لكنه يعترف: «لا أعني أن الأشهر الثلاثة السابقة لإقامة هذه الدورة كانت سهلة. كانت أصعب من الوصول إلى القمر. لكننا عملنا بجهد وأنا فخور بجهدنا».
حين هنأته على عدم انصياعه للإعلام الجائع للإثارة في قضايا مثل تغليب الأفلام النسائية (أو غيابها)، أو مثل حرمان فيلم رومان بولانسكي «ضابط وجاسوس» من العرض داخل مسابقة الدورة، أجاب: «أليس هذا غريباً؟ إن لم تكن هناك أفلام جيدة من إخراج نساء، هل أضحي بقيمة المهرجان، وأعرض أي فيلم يأتيني ممهوراً باسم سيدة».
بعد يومين من بداية هذا المهرجان، صرّح مهرجان لندن بأن 60 في المائة من أفلامه من إخراج نساء. أخبره ذلك فيضحك ويقول: «نعم. أعرف ذلك. لقد دهشت… لا يمكن أن تكون كل الأفلام النسائية أو كل الأفلام الرجالية جيدة أو من مستوى يصلح للعرض في مهرجان».
عثرات
بصرف النظر عن أي شيء قد وقد لا يرضي أصحاب المواقع الإلكترونية، وموجة «مي تو»، فإن أفلام هذه السنة أعلى مستوى من مجمل ما عرضه مهرجانا برلين وكان. فحتى الآن هناك انتقلنا - غالباً - بين فيلم رائع وآخر، خصوصاً أن الكثير من الأفلام ليست مجرد حكاية مسرودة، بل حكاية مسرودة بأهداف وطموحات، ومصنوعة جيداً كعمل فني.
النقاد الموجودون في هذه الدورة صفقوا طويلاً لأربعة أفلام عرضت في المسابقة الرسمية، هي - بحسب ترتيب الاستفتاء اليومي لإحدى الصحف الإيطالية - «ضابط وجاسوس» لرومان بولانسكي، و«جوكر» لتود فيليبس، و«المغسلة» لستيفن سودربيرغ، و«الحقيقة» لهيروكازو كوريدا. الأفلام الستة الباقية، بما فيها «المرشحة المثالية» لهيفاء المنصور جاءت في الصف الثاني من الإعجاب، وواحد فقط من بين الأفلام العشرة التي عرضت للآن تحطم عند شاطئ النقاد هو «Wasp Network» لأوليفييه أساياس.
هذا الفيلم الأخير يتعثر في أكثر من مرحلة، بل في كل مرحلة. إنه اقتباس عن كتاب لفرناندو مورايس عنوانه «آخر جنود الحرب الباردة» الذي صدر سنة 2012 حول الجواسيس الكوبيين الخمسة الذين تم زرعهم في ميامي للتجسس على الهيئات المعادية لكوبا، خصوصاً تلك المكوّنة من كوبيين. كانت الحكومة الكوبية أطلقتهم فرادى كلاجئين (يبدأ الفيلم بأحدهم ينطلق بطائرته الصغيرة إلى ميامي طالباً اللجوء). في عام 1998 تم اكتشافهم وتقديمهم للمحاكمة، حيث تم إصدار أحكام سجن طويلة قبل البدء بإطلاق سراحهم واحداً تلو الآخر (أولهم في فبراير/ شباط 2014) وإعادتهم إلى كوبا.
يعمد المخرج الفرنسي أوليفر أساياس، إلى صياغة فيلم تقريري يرفع من الحدث على حساب الشخصيات. كون الشخصيات كثيرة، ولكل منها حكايتها الخاصة، فإن صياغة مثل هذا الفيلم نقلاً عن كتاب غير روائي أمر صعب لم يستطع المخرج تجاوزه، كما كان فعل عندما أقدم على تحقيق فيلمه (القائم أيضاً على مصادر وثائقية) «كارلوس» قبل بضع سنوات واستحق عليه ثناءً كبيراً.
بطل ذلك الفيلم، إدغار راميريز، يقود بطولة هذا الفيلم، جانب بينيلوبي كروز والمكسيكي غايل غارسيا برنال. لكن لا يوجد بين الثلاثة من يترك بصمته المعتادة على الشريط. الحاصل هو أن الفيلم يركض ركضاً سعياً لتلخيص سنوات عدة من الأحداث ولاستيعاب شخصيات عديدة، وينتقل بين هافانا وميامي، ثم مدن أخرى طوال الوقت مستعيناً بعبارات مطبوعة على الشاشة لكي تساعد المشاهد على استيعاب مكان وتاريخ الحدوث. لكن كل هذا السعي لا يفيد كثيراً، لأن جوهر العمل يبقى مفككاً يتكل على استعداد المشاهد للتضحية بنوع الفيلم الذي كان يحب أن يراه حول هذا الموضوع مقابل استحواذه الفيلم الماثل بتعرجاته.
غسل أموال وتنظيف جيوب
قارن بين هذا الفيلم وفيلم ستيفن سودربيرغ «المغسلة» تجد أن هذا الفيلم لا يتفوق بسهولة على محاولات أوساياس سرد الأحداث المتشابكة بسلاسة فقط، بل يعلّمه دروساً في كيفية ذلك.
منذ البدايات الأولى لسودربيرغ، وهذا المخرج الأميركي معتن بكيفية سرد أكثر من حكاية في فترة زمنية معينة، والربط بين خيوط كل حكاية وشخصياتها. لكنه لم يفلح في صياغة الفيلم الكامل في هذا السياق، كما يفعل في فيلمه الجديد «المغسلة».
هو بدوره مقتبس عن كتاب غير روائي أيضاً. هذا وضعه جايك بيرستين سنة 2017 بعنوان «عالم السرية: داخل تحقيقات أوراق بنما عن شبكات المال غير المشروع والنخبة العالمية»، وقام المخرج المعروف بتحقيقه، بعدما، حسب ما قاله لي، فكّر طويلاً في كيف يصيغه روائياً.
اهتدى سودربيرغ إلى طريقة تشكل الفيلم - التحفة الذي نشاهده:
يجلب، منذ مطلع الفيلم، شخصيتين مبنيتين على الواقع: يورغن موساك (غاري أولدمن) ورامور فونيسكا (أنطونيو بانديراس) يخترقان الجدار الرابع (أي التوجه للكاميرا مباشرة) لتقديم الفيلم، وما يوفره من أحداث ومشاهد. يعلقان بتقديم فذّ على الواقع الاقتصادي للعالم، حيث يتولى أثرى أغنياء العالم إدارة الشبكات العديدة التي تشترك في احتضان وتوزيع الثروات لجعل الأغنياء أغنى. هذا ليس مجرد توجيه رأسمال للاستثمارات المتنوعة المفتوحة أمام القادرين، بل أيضاً - وأساساً - التلاعب بالوسائل المتاحة للتهرب من الضرائب الأميركية، ولغسل الأموال في طرق لا حصر لها.
الفيلم يمضي لتقديم حالة من تلك التي تجعل هذا المضمون متاحاً، لا للسرد الروائي وحده، بل لتوفير الحكاية بأسلوب من الكوميديا السوداء. فبعد التقديم الثنائي الذي نشاهده بين أولدمن وبانديراس تطالعنا ميريل ستريب في دور الزوجة التي قررت مع زوجها (جيمس كروموَل) القيام برحلة سياحية في بحيرة جورج (ولاية نيويورك) احتفاءً بمناسبة زواجهما منذ عدة سنوات. كل شيء يبدو طبيعياً والحبور يسودهما ثم… موجة هادرة مفاجئة تقترب من المركب السياحي وتقلبه رأساً على عقب (مشهد لا يستمر لأكثر من 30 ثانية لكن طريقة تفعيله على الشاشة وتوقيته متقنة).
الفيلم كوميديا سوداء بالغة الرهافة، وممتع في تمثيله، وفي تنفيذه مع نجاح مهمة المزج بين الجانب التسجيلي الممثّل والجانب القائم مطلقاً على التمثيل. شيء واحد يخرج من طور هذه التوليفة هو فصل من الأحداث التي تتمحور حول أحد هؤلاء الأساطير الثرية: رجل أفريقي يملك ما لا يحصى من المال والشركات يخون زوجته مع صديقتها، وابنته تكتشف ذلك، ولكي يشتري صمتها يهبها شركة سويسرية يمتلكها يبلغ رأسمالها عشرين مليون دولار. لكن القضية تنكشف على أي حال، والابنة تتجه مع والدتها إلى المحامي ماساك (غولدمن) لمراجعة وضع الشركة، لتكتشف أن رأسمالها الفعلي لا يزيد عن نصف دولار.
تخصيص حكاية بطلها رجل أسود ذو شخصية مخادعة وجشعة لن يندرج في خانة إيجابيات الفيلم، والمشكلة تتعداه إلى حقيقة أن لا أحد من الشخصيات الأفريقية أو لاتينية الأصول مُقدم لنا كضحية، بل دوما في شكل أحد المخادعين والصقور التي تنهش في لحوم الأحياء كيفما استطاعت. إحدى هذه الشخصيات يؤديها (الأفرو - أميركي) جفري رايت الذي يُلقى القبض عليه، لا بتهمة النصب، بل بتهمة تعدد الزوجات!
لكن الفيلم جيد على صعيد تنفيذه للحكايات المختلفة، وسلاسة دخول وخروج كل حكاية في سياق كامل، لا عيوب سردية أو تفاصيل فنية غائبة. يستخدم المخرج كاميرته (رد إيبيك) بقدرات رائعة. تنساب الكاميرا بلقطات بعيدة وتتحرك بلا تكلف وبسلاسة بارعة.
غاية المخرج في النهاية تتشكل من الرغبة في طرق موضوع في غاية الأهمية ينبئ بانفجار اقتصادي كبير في المستقبل المنظور (حسب كلام المخرج في حوار يُنشر لاحقاً معه)، ومن عرض هذا الموضوع الجاد بالوسيلة السهلة والممتعة كما لو كان يسرد فيلماً قائماً بأسره على الترفيه.

