(4) راهن أبو عمار على الوعود السورية والعراقية بدعم عسكري لإسقاط النظام الأردني

مذكرات الأمير زيد بن شاكر كما ترويها أرملته - دفع وصفي التل ثمن وطنيته عندما قررت «أيلول الأسود» اغتياله وفاخر أبو إياد بذلك

الملك حسين يترأس اجتماعاً بحضور وصفي التل وزيد بن شاكر وكبار المستشارين
الملك حسين يترأس اجتماعاً بحضور وصفي التل وزيد بن شاكر وكبار المستشارين
TT

(4) راهن أبو عمار على الوعود السورية والعراقية بدعم عسكري لإسقاط النظام الأردني

الملك حسين يترأس اجتماعاً بحضور وصفي التل وزيد بن شاكر وكبار المستشارين
الملك حسين يترأس اجتماعاً بحضور وصفي التل وزيد بن شاكر وكبار المستشارين

تنقل «الشرق الأوسط» في هذه الحلقة من مذكرات الأمير زيد بن شاكر كما ترويها أرملته السيدة نوزاد الساطي والتي ستصدر الشهر المقبل عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت - عمان، بعض الروايات حول أحداث أيلول الشهيرة، تاركة التفاصيل في سردها الزماني والمكاني، وتسلسل الأحداث للكتاب الذي جاء على نحو صريح في سعيه إلى الدقة في توثيق رواية تلك الحقبة.
ويشمل الكتاب كثيراً من التفاصيل، التي لا تتضمنها سطور الحلقات المنشورة. وتكشف رواية السيدة نوزاد نقلاً عن زوجها الذي كان قائداً عسكرياً خلال تلك الأحداث، تفاصيل عن تنامي الصراع بين الجيش والمنظمات الفلسطينية، مما تطلب الحسم قبل تفاعل الأحداث وصولاً لانشقاق الجيش، وتحول البلاد لساحة صراع مسلح. في حلقة اليوم تقديم مقتضب لقرار الحسم الميداني الذي اتخذه الحسين بناء على تقارير مخابراتية قدمها مدير المخابرات الأردني نذير رشيد، والتي بلغت مستوى «التحذير» من استمرار حالة الانفلات الأمني، واستفزاز الدولة ومؤسساتها العسكرية. وفيما يلي نص الحلقة الرابعة:

في 10 أغسطس (آب) قرر الحسين إعادة زيد إلى القوات المسلحة، بموقع مساعد رئيس هيئة الأركان مدير العمليات. ‬عندما عاد زيد إلى الجيش، تفاجأ بأنه لا توجد أي خطة مدروسة للدفاع عن عمان، كما ذكر لي حينها؛ فقام على الفور بإعدادها. لكن جزءاً كبيراً من جهوده خلاله تلك الفترة كانت بمرافقة الحسين لتهدئة الفرق والجنود والضباط الغاضبين، فكانا يقومان مع قادة الفرق، بزيارات دورية للوحدات المختلفة، من أجل التهدئة وامتصاص الغضب، ومحاولة منع الانفلات داخل القوات المسلحة ومع تكرر الاستفزازات خلال تلك الفترة، انفتحت شهية المنظمات للسيطرة على السلطة، ولم يستقبلوا ما قام به الحسين من خطوات لتجنب إراقة الدماء والمواجهات المسلحة إلا في الاتجاه الخاطئ.
ويكفي القول إن عدد حوادث الاعتداء على العسكريين والأمن ومؤسسات الدولة والاستعراض العسكري في الشوارع، بلغ وفق إحصاءات رسمية، في الفترة بين 26 أغسطس إلى 8 سبتمبر (أيلول) (أي في أقل من أسبوعين)، 547 حادثاً‪‪‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

أحداث وتطورات
‬اندلعت الاشتباكات في أحياء عمان يومي 1 و2 سبتمبر، في الوقت الذي كانت تجري اللجنة المشتركة الأردنية - الفلسطينية اجتماعات لاحتواء النزاع. وفي الأثناء، وجه الحسين خطاباً شديد اللهجة عبر إذاعة عمان، مؤكداً فيه أنه لن يقبل المس بسيادة الأردن، ولن يتحمل بعد اليوم الشتائم والافتراءات‪. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
مع عودة زيد إلى موقع قيادي جديد في القوات المسلحة، رجعت الآلة السياسية والإعلامية نفسها إلى مهاجمته واتهامه، وتحميله مسؤولية الأحداث. في الأثناء، وقعت المخابرات على وثيقة خطرة تخص «الجبهة الديمقراطية»، هي بمثابة خطة واسعة لإثارة الاضطرابات في العاصمة على نطاق واسع خلال الفترة المقبلة.
التسارع في خط الانهيار بدأ يسير بخطى واضحة وخاطفة، ليضع الحسين أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما الحسم وإنقاذ الأردن من العصابات المسلحة والدولة الموازية والانفلات والتمرد على القانون، أو تمرد القوات المسلحة وانفراط قدرة الدولة على ضبط الأمور، يضاف إلى هذا وذاك ما خلقه موضوع خطف الطائرات وإنزالها في الأردن، وتغيير اسم المطار إلى مطار الثورة، وبدء التفاوض بين «الجبهة الشعبية» والدول الأخرى، من انطباعات وصورة عن الأردن بوصفه دولة بلا سيادة ولا قانون، أي دولة فاشلة بامتياز وبكل ما تحمله الكلمة من‪ !معنى
في 9 سبتمبر، قام الحسين بمنح صلاحيات مطلقة للفريق مشهور حديثة، رئيس أركان القوات المسلحة، لتأمين النظام والهدوء وتنفيذ التزامات الحكومة، لكن الغريب كان أن الفريق مشهور حديثة قام بتوجيه نداء للقوات (بعد أن أعطي هذه الصلاحيات) يتضمن أمراً بأن «تتوقف جميع القوات المسلحة وحدات وأفراداً عن إطلاق النار فوراً، وكل من يخالف هذا الأمر سأتخذ بحقه أشد الإجراءات العسكرية».
في تلك الأيام، أصبحت المدن الرئيسية في قبضة المنظمات، فيما رجال الأمن محصورون داخل المخافر وقوات الجيش في مواقعها البعيدة، والحكومة بأجهزتها في حالة ركود وشلل تأمين، والمبادأة في أيدي رجال المنظمات الذين رفعوا في 10 سبتمبر شعاراً جديداً «لن نقبل إلا بسلطة وطنية»، مما يعني تخويناً كاملاً للنظام والحكم في الأردن‪‪.‬‬‬‬‬‬‬
ووصلت الأمور - كما ذكرنا مراراً - إلى نذر أزمة بين الحسين نفسه وضباط الجيش وأفراده. إذ يذكر فاضل فهيد، وكان مديراً لمكتب زيد، أنه تلقى اتصالاً هاتفياً من قائد الفرقة الأولى، قاسم المعايطة، يسأل فيها عن زيد، ليخبره فيها بخروج أفراد الفرقة بآلياتهم، وصعودهم من الأغوار إلى عمان من أجل حمايتها، ووصولهم إلى مرج الحمام، لكن زيد كان في الوقت نفسه مشغولاً مع كتيبة أخرى من الحرس الملكي، بلغت مرحلة التمرد، ووصلت إلى مقربة من منزلنا، فكان يعمل على احتواء أفرادها وإعادتها إلى الانضباط. فما كان من فاضل فهيد إلا الاتصال مباشرة بالملك، الذي ذهب إلى مرج الحمام، وهو المكان الذي وصل إليه أفراد الفرقة المتمردون، ومعه حابس باشا المجالي، ثم لحق بهم زيد بعد أن أنهى موضوع الكتيبة الأخرى‪‪. ‬يتذكر حاكم طافور، الذي حضر اجتماع الملك بالفرقة الأولى، النقاش العاصف، فقد اتهموا الحسين وزيد بعدم اتخاذ موقف في مواجهة الفصائل الفلسطينية، ووصل غضبهم إلى القول بأنهم ما عادوا يأمنون على عائلاتهم، إضافة إلى عدم وصول الإمدادات إليهم، والتوتر من حوادث قتل الجنود في طريقهم إلى بيوتهم أثناء إجازاتهم. لكن أخطر ما قاله أفراد الكتيبة هو: لم نعد نحتمل هذا الوضع، وسندافع عن أنفسنا إن لم يتم اتخاذ قرار من الملك بالدفاع عن الجيش.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وعندما بدأ الحسين بالحديث عن المصالحة، خرج أحد الجنود الصغار، بدرجة عريف، وقال كلاماً قاسياً يمس كرامة زوجات ونساء الجيش العربي. فطلب الحسين من المشير حابس المجالي، الذي كان برفقته رغم عدم عودته رسمياً بعد إلى الجيش العربي، أن يخطب بالحضور، فقال حابس: «أيها الجنود لقد كتب الله علينا أن نخوضها، وسنخوضها بإذن لله». فنزل وهم يهتفون باسمه: «أبو سطام بدنا نطلع على عمان». حينها أدرك الحسين تماماً أن التأخير أكثر يعني انهيار انضباط القوات المسلحة ومؤسسات الدولة الوطنية، فاجتمع مع الضباط وأبلغهم بأن هناك أمراً إيجابياً سيسمعونه قريباً‪. ‬بدت الدولة على مرمى حجر من أن تسمى بصورة كاملة «دولة فاشلة»، وإن كانت قد دخلت عملياً في هذا الطور بجدارة، بخاصة مع عملية اختطاف الطائرات، وهي القشة التي أفاضت الكأس، كما وصفها زيد. ‪‪‬ثم جاء ما يرش الملح على الجرح الملتهب، بالدعوة إلى إضراب عام في البلاد، الأمر الذي اعتبره مدير المخابرات العامة، نذير رشيد، دعوة صريحة واضحة إلى إسقاط الحكم الأردني وتعطيل البلد. ‬
قدم مدير المخابرات العامة تقدير الموقف هذا إلى الحسين في قصره بالحمر، ودعاه بإلحاح - بحضور زيد - إلى ضرورة الحسم. مما دعا الحسين إلى استدعاء زيد الرفاعي ووصفي التل ومضر بدران، وكانوا من المستشارين المقربين الموجودين إلى جانبه خلال الأزمة. وتم في ‪الاجتماع اتخاذ قرار بتشكيل حكومة عسكرية وإعلان الأحكام العرفية، واختير الزعيم محمد داود رئيساً لها، بتزكية من وصفي التل؛ وهو من أصول فلسطينية، لبعث رسالة واضحة ضد «بروباغاندا» التنظيمات المسلحة التي تريد الترويج لموضوع الحرب الأهلية. واتفق على أن يكون الحاكم العسكري هو حابس المجالي، لما يملكه من كاريزما وسمعة عسكرية وسياسية كبيرة لدى القوات المسلحة والشعب الأردني. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

مهمة إنقاذ الدولة
‬كانت المباحثات تجري في رئاسة الوزراء بين الرئيس عبد المنعم الرفاعي ووزير الدفاع عاكف الفايز من جهة، وياسر عرفات وقيادات المنظمة من جهة أخرى، لإيجاد طريق للخروج من الأزمة. ومن الواضح أن الخلافات كانت كبيرة، واستفزازات الميليشيات متزايدة.
‪‬وصلت الأخبار لعبد المنعم الرفاعي عن نية الحسين تشكيل حكومة عسكرية وحسم الأمور عسكرياً. فما كان منه إلا أن اتصل مع صلاح خلف (أبو إياد) قائلاً له: «وقعوا الاتفاق بالغاً ما بلغت التكلفة». وفهم أبو إياد الرسالة؛ إن الملك اتخذ قرار المواجهة التي كان يتجنبها، وتبشر بها الميليشيات، بوصفها حتمية، مع قوى الرجعية. وهي أيضاً محسومة لأسباب إقليمية ودولية وداخلية، كما سنشرح لاحقاً.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
في وقت لاحق، انضم وزير الدفاع السوري حينها، حافظ الأسد، إلى العراق في تحذير الأردن من أي عمل يمس التنظيمات المسلحة، متعهداً بحمايتها! فيما وافق عبد الناصر على طلب عرفات عقد اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية. وهي معطيات اعتبرها قادة فصائل المنظمة انتصاراً أخيراً، وانعكست على خطاب عرفات الذي وقف في افتتاح المؤتمر الدولي لدعم المقاومة الفلسطينية، في عمان، ليقول: «إن الثورة أقوى من جميع المؤامرات».‪‪‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

جوهر كلمة السر
فور تشكل الحكومة العسكرية، تم رفضها من قبل منظمة التحرير‪‪.‬ واجتمعت القيادات الفلسطينية وجرى الإعلان عن أن ياسر عرفات هو القائد العام لقوات المقاومة الفلسطينية، ومنح الصلاحيات كافة. فيما‪ ‬عين عبد الرزاق اليحيى قائداً عاماً لجيش التحرير الفلسطيني، رئيساً لهيئة أركان قوات الثورة الفلسطينية المكونة من جيش التحرير وقوات‪ ‬الميليشيات. واعتبرت اللجنة العسكرية العليا بمثابة هيئة أركان عامة لقوات الثورة. كما أعيدت عضوية «الجبهة الشعبية» بعدما كانت قد جمدت منذ اختطاف الطائرات.
وجه عرفات نداء إلى الحكام العرب يدعوهم إلى التدخل لحماية الفصائل. وأصدرت اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية ولجنة متابعة المؤتمر الوطني، بياناً أكدتا فيه على المضي في الدعوة إلى إضراب عام في البلاد.


(1) زيد بن شاكر: معلومات مصرية وضغوط دفعت بالملك حسين إلى حرب 1967

(2) التحمت المدرعات الأردنية بالإسرائيلية فغاب سلاح الطيران عن معركة الكرامة

(3) سلطة موازية ومحاولات اغتيال صعّدت الصراع بين الأردن والتنظيمات الفلسطينية


وبالفعل، بدت عمان في صباح يوم الخميس 17 سبتمبر، ساحة مواجهة، كأنها في حرب داخلية حقيقية بين الجيش والميليشيات، وتمكن الجيش من السيطرة على العديد من المواقع الاستراتيجية، وانطلقت عملية استعادة الأمن والاستقرار في عمان وإزالة القواعد والحواجز والمناطق العسكرية غير القانونية التي أقامتها الميليشيات. كانت عملية عمان معقدة تماماً، وواجهت معضلات كبيرة.
‬في مساء الخميس 17 سبتمبر أعلنت القيادة الموحدة للفصائل الفلسطينية منطقة «اللواء الشمالي» منطقة محررة، من البقعة حتى الحدود السورية، بما يشمل محافظات عجلون وجرش وإربد ومدينة الرمثا، وعينت الحكام الإداريين الموجودين أنفسهم ليكونوا تابعين لها، فرفضوا ذلك، وأصروا على التزامهم الولاء للدولة. وبدأت عملية تصفية للدولة ومؤسساتها في مدينة إربد من قبل الميليشيات. في المقابل، وكما روى لي زيد، بادر المدنيون من أهالي قرى الشمال إلى إعداد الطعام للجيش العربي ومساندته.
‬الوضع كان يتحسن، بالتزامن والتوازي مع ذلك، في عمان وباقي المناطق، منذ يوم الأحد 20 سبتمبر. إذ بدأت قيادات المنظمة تتهاوى وتسقط بيد الجيش؛ فاعتقل كل من أبو إياد وبهجت أبو غربية وأبو اللطف (فاروق القدومي) وإبراهيم بكر، وسيطر الجيش على‪ ‬العديد من المناطق في عمان، وفي الزرقاء والسلط وباقي المحافظات، وبدأت عملية معاكسة في محافظات الشمال في منتصف الأسبوع، أي منذ يوم الثلاثاء 22 سبتمبر، وكان هذا الأسبوع 20 - 27 سبتمبر ‪‪.حاسماً في مسار الصراع العسكري.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‬انقلبت الظروف، واستفاد الجيش من تحطم معنويات الميليشيات في عمان وباقي المناطق. لكننا تفاجأنا باستقالة رئيس الحكومة محمد داود، بينما كان يقود - ممثلاً للملك - الوفد الحكومي الأردني الموجود في القاهرة لحضور مؤتمر قمة هناك. وهو ما حدث فعلا يوم الخميس 24 سبتمبر، وبعث برسالة الاستقالة من هناك. فقام الحسين بتشكيل حكومة جديدة برئاسة أحمد طوقان بعد يومين من ذلك.
بدا يوم الأربعاء 23 سبتمبر حاسماً على الصعيد الميداني؛ إذ تمكنت قوات الجيش من إكمال استعادة السيطرة وإعادة الأمن والاستقرار للجزء الأكبر من عمان، ولم يبقَ إلا بعض أحياء في عمان، يتحصن فيها قادة المنظمة، بعدما خسروا مواقعهم ومكاتبهم في جبل الحسين. كذلك، بدأت الدولة تعود إلى إربد مع انسحاب المسلحين، وأتمت القوات السورية تقهقرها إلى الحدود، وعادت الأمور إلى نصابها في أغلب محافظات المملكة تقريباً.
غادر الحسين يوم الأحد إلى القاهرة لحضور اجتماع القمة العربية الذي حضره أيضاً ياسر عرفات، وتم التوافق بين الرؤساء والملوك العرب على بنود اتفاق يتضمن خروج الجيش من المدن ووقف الأعمال العسكرية للميليشيات، وتطبيق الأمن والنظام، وعودة إربد إلى ما كانت عليه قبل الاحتلال السوري لها. وكلفت لجان عربية بمتابعة تنفيذ بنود الاتفاق في المرحلة التالية. وفيما كان قد تم في الأثناء إطلاق سراح عدد من الرهائن المتبقين في صفقة أدت إلى إطلاق سراح ليلى خالد المعتقلة في بريطانيا، و3 من أعضاء الجبهة الشعبية المعتقلين في سويسرا، تمكن الجيش العربي من تحرير آخر الرهائن.

‬‬زيد ووصفي... ثمن الولاء للوطن
تشكلت حكومة جديدة في 28 أكتوبر (تشرين الأول) 1970، برئاسة وصفي التل وضمت منيب المصري ومصطفى دودين وتشكلت البارزة من الشخصيات الأردنية من أصول فلسطينية، للتأكيد على مفهوم وصفي التل للوحدة الوطنية وصونه من أي مس بعد الأحداث الأخيرة. كما كان ضمن الوزارة إسحاق الفرحان؛ أحد أبرز قادة جماعة الإخوان المسلمين‪.‬‬‬‬‬
حاول وصفي ترتيب الأوضاع مع قادة المنظمة، للخروج من «شبح» الأيام السابقة، عبر تنظيم الوجود الفدائي، بما يضعه تحت مظلة القانون والدولة والسيادة. مما جعل وصفي مصراً على تطبيق إلزام المسلحين احترام هيبة الدولة وسلطتها، وعلى تطبيق الاتفاقات بصورة جدية.
وصل الطرفان إلى تفاهمات على انتقال المسلحين إلى جبال جرش وعجلون، مع إخراج أسلحتهم من المدن، والتخلي عن الأسلحة الثقيلة. لكن الجيش كان يعلم تماماً أنهم لم يلتزموا بهذا الاتفاق، فتم تفتيش البيوت والأحياء وكشف المخازن التي تم إخفاء السلاح فيها، مما كان مؤشراً على أن هناك من ما يزال يفكر بالفعل في السعي إلى فتح معارك جديدة في عمان والمدن الأخرى.
في تلك الفترة، كان أنور السادات الرئيس المصري الذي خلف عبد الناصر، مسكوناً بفكرة إقامة تسوية مع إسرائيل، لذلك لجأ إلى تحسين علاقته مع المنظمة على حساب الأردن. والحال كذلك كانت بشأن حافظ الأسد بعد أن أتم السيطرة على مقاليد الأمور في سوريا، ويريد أن يحظى بشرعية ثورية على مختلف المستويات. ومن ثم، أعلنت كل من مصر وسوريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع الأردن، رداً على محاولة إنشاء «المملكة العربية المتحدة» التي كانت تعارضها مصر وسوريا بشدة، إضافة إلى طلب المنظمات الفلسطينية من الدولتين مساعدتها في إجهاض المقترح الأردني‪‪. ‬ففي 21 أغسطس 1971، قرر الأسد قطع العلاقات الدبلوماسية مع الأردن وإغلاق الحدود بين البلدين. تلا القرار السوري قرار مماثل لأنور السادات في 6 يونيو (حزيران) 1972، بعد إلقائه خطاباً معادياً للأردن لم يبالِ زيد ووصفي ورجال الدولة في تلك الفترة بما كانوا يلاقونه من اتهامات وشتائم من الإذاعات العربية ولا من الخطابات «الثورجية»؛ إذ كانت المهمة أولاً وأخيراً حماية الدولة وسيادتها وتطبيق القانون وصيانة السلم الأهلي من التلاعب الذي حدث مسبقاً.‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أما‬ وصفي، فقد دفع ثمن وطنيته وشجاعته، عندما قررت اغتياله منظمة «أيلول الأسود»، التي أسسها أبو إياد فور خروج الميليشيات من الأردن. فقد علم أبو إياد بنية وصفي الذهاب إلى مؤتمر لوزراء الدفاع العرب، في جامعة الدول العربية في القاهرة، لتمثيل الأردن، وبدأ يعد خطة الاغتيال عبر مجندين في منظمته السرية. غادر وصفي إلى القاهرة لحضور اجتماع وزراء الدفاع العرب (يوم الأحد 28 نوفمبر (تشرين الثاني)، وبعد أن عرض المشروع الأردني في الجلسة الصباحية، تم اغتياله - على عتبة الفندق - من قبل شباب فلسطينيين تابعين لمنظمة «أيلول الأسود»، وافتخر أبو إياد لاحقاً بأن منظمته هي التي خططت لقتل وصفي ونفذت ذلك.
‪‬في يوم السبت 19 سبتمبر، تدخلت القوات السورية مباشرة، تحت يافطة جيش التحرير الفلسطيني، وهي في الحقيقة مدرعات ودبابات الجيش السوري، كما اعترف قادة المنظمة لاحقاً. فاشتبكت مع القوات الأردنية وسيطرت على جزء كبير من المناطق الشمالية، من بينها مدينتا إربد والرمثا، وقاربت على احتلال محافظات الشمال بالكامل، لانشغال القوات المسلحة الأردنية بالقتال في عمان والزرقاء والمدن الأخرى، مع وجود وحدات منها مرابطة لحماية الحدود مع إسرائيل.
في الوقت نفسه ظهرت بوادر لوضع القوات العراقية الموجودة في الأردن تحت تصرف منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت تقدر بآلاف الجنود ومئات المدرعات‪‪.‬ فبدت علامات حقيقية على انهيار شديد في معنويات القوات المسلحة. وكان الحسين قد خاطب جامعة الدول العربية والزعماء العرب بسبب ‪ الاحتلال السوري لمناطق في الشمال
‪‪‬في الحقيقة، ومنذ البداية، كان رهان ياسر عرفات ومنظمة التحرير الحقيقي هو على الوعود السورية والعراقية بدعم عسكري حقيقي لإسقاط النظام السياسي الأردني. وهو ما انكشف مع التدخل البري الكبير للقوات السورية، كما اعترف صلاح خلف (أبو إياد) بحدوث اجتماع حضره مع ياسر عرفات بقيادات بارزة في حزب البعث والنظام العراقيين، هم عبد الخالق السامرائي، وزيد حيدر، ومهدي عماش وكان حينها وزيراً للداخلية العراقية، وذلك في مايو (أيار)، أي قبل قرابة أربعة أشهر من أحداث «أيلول»، في قاعدة الحبانية. في ذلك الاجتماع، قال لهم الوفد العراقي: نظموا محاولة انقلاب عسكري في الأردن، وستدعمكم الوحدات العراقية لقلب النظام وإقامة سلطة شعبية. وهو العرض الذي لم يرفضه عرفات، لكنه طلب منهم منحه وقتاً لطرحه على السوريين، لإيجاد قدر من التنسيق الكامل بين الأطراف الإقليمية الراعية للفدائيين‪.‬
‪ الرهان على العراقيين فشل. وقد تمثلت الخطوة الأهم في إحباط أي تدخل عراقي في الدور الكبير الذي قام به الحسين على الصعيد الدبلوماسي من خلال مراسلاته مع الأميركيين والبريطانيين والدول العربية. كما نفذ الجيش العربي، عقب بدء العمليات العسكرية، خديعة محكمة حيدت القوات العراقية الموجودة في الأردن. ولم يمضِ سوى وقت قصير حتى طلب الجانب العراقي السماح بإخلاء قواته الموجودة في جرش، حرصاً على تجنيبها القتال.
وكان القادة العسكريون العراقيون في الأردن قد انقسموا بشأن مساندة الميليشيات خلال اجتماع عقدوه في سينما المفرق؛ ‬وعندما أخذ الحسين ضمانات أميركية بعدم وجود نوايا إسرائيلية لاستثمار انسحاب الجيش العربي من الحدود لمواجهة السوريين والتحديات الخطيرة في الداخل، قام بالضربة الحاسمة باستخدام سلاح الجو، مراهناً على أن السوريين لن يستطيعوا استخدام سلاحهم الجوي كي لا يظهر أن القوات هي سورية، وليست تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية. في الوقت نفسه، كانت لدى الحسين معلومات عن وجود خلافات بين وزير الدفاع، حينها، حافظ الأسد، والجناح السياسي القائد في حزب البعث، فامتنع عن استخدام سلاح الجو في المعركة خشية الإدانة السياسية عالمياً، على الأغلب، نتيجة الاعتداء على دولة أخرى، وكسب الحسين الرهان. فأخذت القوات الأردنية زمام المبادرة، وانقلبت المعادلة فأصبحت تلاحق القوات السورية التي عبرت الحدود الأردنية - بالعكس، مما انعكس بصورة سلبية تماماً على معنويات الميليشيات.



السعودية ومصر تطالبان بمنح الدبلوماسية وقتاً لتجنب تداعيات التصعيد بالمنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
TT

السعودية ومصر تطالبان بمنح الدبلوماسية وقتاً لتجنب تداعيات التصعيد بالمنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق بالقاهرة (وزارة الخارجية المصرية)

طالبت المملكة العربية السعودية ومصر بمنح مزيد من الوقت للمسارات السياسية والدبلوماسية لتجنب تجدد المواجهات العسكرية وخفض التصعيد بالمنطقة، جاء ذلك خلال اتصال هاتفي، الخميس، بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي.

وبحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية فإن الاتصال «يأتي في مواصلة التنسيق القائم بين البلدين الشقيقين بشأن التطورات المتلاحقة بالمنطقة».

وصرح السفير نادر زكي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، بأن الوزيرين «تناولا خلال الاتصال الجهود المشتركة المبذولة لاستعادة التهدئة ومنع التصعيد بالمنطقة بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، ومن بينهم الولايات المتحدة الأميركية ودولة قطر الشقيقة».

وأكد الوزيران على ضرورة «إعلاء الحكمة ولغة الحوار وإتاحة مزيد من الوقت للدبلوماسية والمسارات السياسية، وتشجيع مختلف الأطراف المعنية على التفاوض وإبداء المرونة اللازمة لتجنيب المنطقة تداعيات ومخاطر تجدد المواجهات العسكرية، التي لا تزال المنطقة تعاني من انعكاساتها السلبية»، بحسب بيان الخارجية المصرية.

اتفق الوزيران على استمرار التنسيق والتشاور وتكثيف التحركات والاتصالات خلال الفترة الراهنة مع مختلف الأطراف المعنية، لمحاولة التوصل إلى توافق حول تغليب مسار المفاوضات والتعهد بعدم اتخاذ أي خطوات تصعيدية للحيلولة دون تدهور الأوضاع الأمنية أو زيادة التوترات في المنطقة.

ويوم الثلاثاء الماضي، أكدت السعودية وقطر ومصر، دعم المساعي الدبلوماسية الرامية إلى التوصل لحلول شاملة تعزز الأمن والاستقرار في المنطقة، مشددة على أهمية مواصلة التنسيق والتشاور المشترك.

جاء الموقف المشترك في محادثات هاتفية جمعت الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي بنظيرَيه القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن، والمصري الدكتور بدر عبد العاطي؛

وتناول البحث المستجدات الإقليمية، والجهود الدبلوماسية المبذولة لخفض التصعيد، واحتواء التوترات، والحد من اتساع النزاعات في المنطقة.

وفي اليوم نفسه وجَّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، نداءً إلى الولايات المتحدة وإيران للتحلي بـ«المرونة» في هذه المرحلة، مشدداً على أهمية التفاهم والحوار «قبل فوات الأوان»، ومحذراً من أن البديل سيجلب نتائج «كارثية» على المنطقة.

وخلال مؤتمر صحافي في القاهرة مع نظيرته السلوفينية ناتاشا پيرتس موسار، حذر السيسي من المساس بأمن المملكة العربية السعودية، مجدداً «رفض بلاده القاطع لأي تهديد قد ينال من أمن واستقرار المملكة وسائر الدول الخليجية».


إسرائيل تستعرض «فريق القتال الروبوتي» في جنوب لبنان

مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تستعرض «فريق القتال الروبوتي» في جنوب لبنان

مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)

يتجه الجيش الإسرائيلي إلى توسيع استخدام «الروبوتات» والوسائل غير المأهولة في عملياته البرية بجنوب لبنان، في موازاة شهادات للأهالي عن دخول مسيّرات صغيرة إلى منازلهم وانفجار بعضها في محيطهم.

وبينما ترى قراءات عسكرية أن هذه التقنيات تمنح القوات الإسرائيلية قدرة أكبر على الاستطلاع والتقدم وتقليل الخسائر البشرية، تبرز مخاوف من تأثيرها على السكان ومن قدرة الأنظمة الذاتية على التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين.

زامير: تسريع الدمج

وخلال جولة في منطقة الخيام، الأربعاء، اطّلع رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير على نموذج «فريق القتال الروبوتي» الذي عرضه اللواء 769 وكتيبة جمع المعلومات 869، وفق بيان للجيش الإسرائيلي.

وقال زامير إن «الوسائل الروبوتية والتكنولوجية تعمل أمام القوات وإلى جانبها لتعزيز فاعليتها وحمايتها»، وأمر بتسريع دمج هذه القدرات في الوحدات المقاتلة.

طائرة مسيّرة إسرائيلية تحلّق في أجواء زوطر الغربية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

تطور تكنولوجي

وفي تحليل لبناني لما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، قال العميد الركن المتقاعد الدكتور خليل الحلو إن «توسّع الجيش الإسرائيلي في استخدام الأنظمة غير المأهولة والتقنيات الروبوتية في عملياته البرية بجنوب لبنان يعكس تطوراً في طبيعة الوسائل العسكرية المعتمدة، سواء على مستوى الاستطلاع والمراقبة أو تنفيذ العمليات الميدانية».

وأشار إلى أن «الإعلان الإسرائيلي عن هذه القدرات لا يقتصر على البعد العسكري والتقني، بل يحمل أيضاً رسائل نفسية ومعنوية موجّهة إلى (حزب الله) والدولة اللبنانية، فضلاً عن الداخل الإسرائيلي».

حرب روبوتية

وأوضح الحلو، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحديث عن حرب روبوتية يعني الانتقال إلى استخدام أنظمة وتقنيات تتمتع بقدرة على العمل واتخاذ القرارات بصورة ذاتية، سواء كانت مسيّرات جوية أو منصات وآليات أرضية تعمل بواسطة تقنيات الروبوتيك».

وأضاف أن «هذه الأنظمة تتلقى المعلومات والمعطيات من محيطها، وتحللها، ثم تتخذ القرارات المتعلقة بحركتها وطريقة تنفيذ مهامها بسرعة كبيرة، من دون الحاجة إلى تدخل مباشر من المشغّلين البشريين في كل مرحلة من مراحل عملها»، لافتاً إلى أن «هذا التطور يرفع مستوى الفاعلية العملياتية، ويحدّ من تأثير عامل التعب والإرهاق البشري على الأداء العسكري».

وأشار إلى أن «أحد أبرز الفوارق بين الأنظمة الروبوتية والعنصر البشري يتمثل في القدرة على العمل لفترات طويلة ومتواصلة؛ إذ إن الإنسان يحتاج إلى الراحة والطعام وتلبية احتياجاته الجسدية، في حين تستطيع الأنظمة غير المأهولة مواصلة تنفيذ مهامها لفترات أطول، وفق قدراتها التقنية والتشغيلية».

وضرب مثالاً على ذلك بأن «طائرة غير مأهولة قد تتمكن من البقاء في الجو لمدة تصل إلى ثلاثين ساعة، في حين أن الطيار البشري لا يستطيع مواصلة التحليق طوال هذه المدة من دون راحة»، عادَّاً أن «هذا الفارق يمنح الأنظمة الروبوتية ميزة عملياتية مهمة، خصوصاً في المهام التي تتطلب مراقبة واستطلاعاً مستمرين».

عناصر من الصليب الأحمر اللبناني يتفقدون حطام سيارة استهدفتها طائرة مسيّرة إسرائيلية ببلدة شبعا نوفمبر 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

مسيَّرات داخل البيوت

ونُقل، الخميس، عن سكان في ميفدون بقضاء النبطية روايات عن مسيّرات صغيرة دخلت منازلهم. وتحدثت طفلة من عائلة ملي عن مسيّرة انفجرت بعدما اقتربت منها ومن شقيقها، في حين روى أحد أفراد العائلة دخول مسيّرة أخرى منزلَه وتحليقها بين الغرف والنوافذ.

وفي هذا السياق، رأى العميد المتقاعد سعيد قزح أن «إعلان رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير دمج أنظمة غير مأهولة في العمليات البرية بجنوب لبنان يؤكد التفوق التكنولوجي الكبير الذي تتمتع به إسرائيل، إلى جانب الولايات المتحدة، ويعكس التحول المتسارع نحو استخدام الروبوتات والمسيّرات والذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية؛ بهدف تقليل المخاطر على الجنود والحد من الخسائر البشرية»، محذراً في المقابل من أن «الاعتماد على الأنظمة القتالية المبرمجة مسبقاً يطرح مخاطر جدية على حياة المدنيين، ويثير إشكاليات مرتبطة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني».

وأوضح قزح، لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذه التطورات تؤكد حجم التفوق التكنولوجي الإسرائيلي والأميركي، لكنها ليست مفاجئة؛ إذ سبق أن استُخدمت المسيّرات للدخول إلى المنازل، وهناك روايات عديدة عن تجهيز بعضها بميكروفونات تتيح التواصل مع الموجودين في الداخل».

مسيّرة إسرائيلية تحلّق فوق العاصمة اللبنانية بيروت صباح الأربعاء (أ.ف.ب)

ولفت إلى أن «إسرائيل تمتلك أنواعاً متعددة من الروبوتات والآليات العسكرية غير المأهولة، التي يمكن تشغيلها والتحكم بها عن بُعد، وبعضها مزود بمدافع صغيرة أو رشاشات، وتستطيع تنفيذ مهمات الاستطلاع والمراقبة والاشتباك والقتال، فضلاً عن التعامل مع الألغام والعبوات المفخخة»، موضحاً أن «الهدف الأساسي من استخدام هذه الوسائل هو الحد من تعريض العسكريين للخطر؛ إذ بات بإمكان الجيوش إرسال آليات غير مأهولة إلى مناطق خطرة، بدلاً من الدفع بالجنود مباشرة إلى داخلها».

مخاطر كبيرة

ورأى أنّ «ما يحصل اليوم ليس مستغرباً، بل يشكل امتداداً لتطورات تكنولوجية كان متوقعاً أن تدخل إلى الميدان العسكري». لكنه حذَّر من أن «هذا التطور ينطوي على مخاطر كبيرة، خصوصاً عندما تكون الروبوتات أو المسيّرات مبرمجة مسبقاً للتعامل مع أهداف محددة، بحيث تطلق النار تلقائياً بمجرد رصد هدف يتطابق مع المعايير الموضوعة لها، من دون العودة إلى قرار بشري مباشر».

وأوضح أن «المشكلة تكمن في احتمال إصابة أشخاص أبرياء أو مدنيين غير مشاركين في القتال، أو سقوط ضحايا آخرين موجودين بالقرب من الشخص المستهدف»، مشيراً إلى أن «هناك نقاشاً واسعاً بين المختصين في حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني بشأن استخدام هذه الأنظمة، ولا سيما عندما تكون مبرمجة مسبقاً لاتخاذ قرار إطلاق النار، بدلاً من أن تكون خاضعة لمشغّل في غرفة عمليات يستطيع مشاهدة الهدف وتقييمه قبل اتخاذ القرار».

وفيما يتعلق بإمكان توظيف هذه التقنيات في أي عملية تقدم بري إسرائيلية جديدة داخل الأراضي اللبنانية، أكد قزح أن «الجيش الإسرائيلي يستطيع استخدام الروبوتات والآليات المسيّرة عن بُعد في مراحل التقدم المختلفة، خصوصاً للتعامل مع الألغام والعبوات المفخخة وتفجيرها، وفتح مسارات آمنة نسبياً أمام القوات البرية، بما يسمح بتقليل المخاطر على الوحدات العسكرية المتقدمة».


فوز «عبدول» في انتخابات الكونغرس يثير جدلاً مصرياً

عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)
عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)
TT

فوز «عبدول» في انتخابات الكونغرس يثير جدلاً مصرياً

عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)
عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)

جدل تشكَّل سريعاً عقب فوز الديمقراطي الأميركي من أصل مصري، عبد الرحمن السيد، المعروف باسم «عبدول»، في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، خصوصاً وسط اتهامات ينفيها بانتمائه إلى تنظيم «الإخوان» الذي حظرته السلطات المصرية منذ 2013، وأحاديثه الأخيرة التي تطالب بتقليل المساعدات الأميركية العسكرية للقاهرة.

فوز مثير للجدل

وفاز السيد بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، الأربعاء، ليصبح بذلك أول مسلم ينتخب في ذلك المجلس، متغلباً على منافسه الجمهوري مايك روجرز (63 عاماً).

وسبق أن أثار السيد جدلاً في مصر خلال خطاب في مدينة ديترويت الأميركية بعد فوزه في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية بميشيغان في أغسطس (آب) الماضي، عقب قوله: «لولا هجرة والدي لجامعة وين ستيت لكنت سائق تاكسي في مصر كأبناء عمومتي»، وهو ما أثار عاصفة انتقادات ضده.

وتجدد الجدل في مصر عقب فوز السيد، بعد أيام من حديثه عن ركيزة أساسية في علاقة واشنطن بالقاهرة، ألا وهي المساعدات العسكرية الأميركية، إذ دعا إلى خفض هذا التمويل، إلى جانب المساعدات المقدمة لإسرائيل، حسبما ذكرت شبكة «سي إن إن» الأميركية، الأربعاء.

يُذكر أن السيد وُلد عام 1984 في ولاية ميشيغان لعائلة مصرية مهاجرة من مدينة الإسكندرية الساحلية، ودرس الطب في جامعتَي ميشيغان وكولومبيا، وتخصص في علم الأوبئة. وفي عام 2015، عاد السيد إلى ميشيغان لتولي إدارة الصحة العامة في مدينة ديترويت.

عبد الرحمن السيد السيد خلال حفل أُقيم ليلة الانتخابات في «ذا ديبارتمنت آت هادسونز» بمدينة ديترويت بميشيغان خلال وقت مبكر من يوم 4 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

تباينات

وتعليقاً على فوز السيد، كتب الصحافي المصري أحمد الطاهري، الرئيس السابق لقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية المملوكة للدولة: «عبدول في خطاب عام 2012 ضمن مجموعة من الجالية وعدد من أعضاء التجمعات المرتبطة بتنظيم الإخوان أعلن دعمه (للرئيس المصري الراحل المنتمي للإخوان محمد مرسي) في الإعلان الدستوري وحصار المحكمة الدستورية». وأضاف: «هذه مرجعيته بغض النظر عن الأداء الملحمي في الانتخابات الذي يُحسب له، ولا نتجنى عليه، لكن إخوانيته جزء من تكوينه وصناعته».

في المقابل، احتفى مدونون مصريون على مواقع التواصل الاجتماعي بفوز السيد، معتبرين أن وصول شخصية من أصول مصرية إلى موقع سياسي أميركي يستحق الاهتمام، فيما ركز آخرون على حضور ملامح من الشخصية المصرية في طريقة حديثه ومواجهاته السياسية.

وعبَّر عضو مجلس نقابة الصحافيين محمد سعد عبد الحفيظ، عبر «فيسبوك» عن أنه «سعيد جداً بفوز عبدول»، وعدّه «هزيمة لترمب ولكل ما يمثله، وهزيمة لإسرائيل»، مضيفاً: «من يقول لي أصل عبدول إخوان، ووقَّع على مذكرة لمرسي، سأقول: إعلاميون وصحافيون كبار من المتصدرين للشاشات والمشهد العام حالياً غازلوا الإخوان ي أثناء حكمهم، ثم أصبحوا اليوم يهاجمونهم ويهاجمون كل من يعارض النظام الحالي أو يختلف معه».

وعلى شاكلة هذه التباينات جاءت آراء نائب مصري وخبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إذ يرى أحمد علاء فايد، عضو لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب المصري، أن فوز السيد «شأن أميركي بحت».

وشبَّه فايد الاهتمام الجماهيري العابر بالدعم التشجيعي للأندية الرياضية العالمية الذي لا يغير من الواقع المعيشي للمشجع شيئاً، مشدداً على ضرورة قراءة المشهد السياسي الخارجي بموضوعية بعيداً عن المبالغة في التوقعات أو ردود الفعل.

وأوضح فايد أن أي مواطن يتم انتخابه في الكونغرس، بغض النظر عن خلفيته أو أصوله، يعبِّر في المقام الأول والأخير عن اهتمامات ورغبات وأولويات الناخب الأميركي الذي قام بانتخابه لضمان استمراريته السياسية.

ويرى الخبير السياسي المصري عمرو الشوبكي أن حسابات مثل هذه الشخصيات وتوجهاتها تلتزم في المقام الأول بالبيئة السياسية والاجتماعية لدولها، وليست بالضرورة انعكاساً للواقع المحلي المصري.

وعن جدل الانتماء السياسي للسيد، أضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»، أن جزءاً كبيراً من هذه النقاشات يُعد محط تجاذبات إعلامية وسياسية داخلية وخارجية، مبيناً أهمية تفكيك هذه القضايا بعيداً عن المزايدات، والنظر بموضوعية إلى طبيعة الدور الذي تلعبه هذه الشخصيات ضمن سياقها الحزبي.

وعن تقديره للموقف المحتمل من عبد السيد تجاه مصر، نبّه الشوبكي إلى أن الأجندة السياسية للديمقراطيين لا سيما في ملفات بينها حقوق الإنسان ستكون بوصلته.

موقفه من القاهرة

بدوره، قال الباحث في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية عاطف سعداواي، لـ«الشرق الأوسط»، إن التقييم يجب أن يخضع لمعايير النظام السياسي الأميركي الذي يعمل السيد في إطاره، بعيداً عن الانتماءات، مشيراً إلى أن حديثه خلال حملته الانتخابية عن مصر ومستقبله فيها حال لم يهاجر، «لا يشي بأي تفاؤل أو دعم للقاهرة، وسيكون مرتبطاً بسياسات الحزب الديمقراطي المعروفة بتشددها ضد مصر».

وأشار إلى أن التاريخ يثبت عدم صواب الرهانات على جذور المسؤولين الأميركيين، مستشهداً بحالة الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي حظي باحتفاء عربي غير مسبوق عند وصوله للسلطة، بينما جاءت سياساته العملية خلال فترتي حكمه متناقضة مع تلك التوقعات ومسَّت القاهرة مراراً عبر ضغوط.

ويعتقد منير أديب، الباحث المصري المتخصص في الشؤون السياسية والاستراتيجية وقضايا الأمن القومي والإرهاب، أن فوز السيد «يمثل تطوراً يستحق المتابعة المصرية، ليس بسبب أصوله المصرية أو خلفيته الدينية، وإنما بالنظر إلى مواقفه السياسية السابقة، ورؤيته لقضايا الشرق الأوسط، وطبيعة علاقاته بالتيارات السياسية والدينية والمنظمات ذات الحضور في الولايات المتحدة».

وأضاف أديب أن تقييم تأثير أي عضو في الكونغرس على العلاقات المصرية - الأميركية يجب ألا ينطلق من جنسيته الأصلية أو ديانته، وإنما من مواقفه المعلنة، وسجله التشريعي، وتحركاته داخل المؤسسات الأميركية، وقدرته على التأثير في دوائر صنع القرار، فعضوية مجلس الشيوخ تمنح صاحبها أدوات مهمة، تشمل المشاركة في مناقشة المساعدات الخارجية، والرقابة على السياسة الخارجية، والتصويت على التعيينات والاتفاقيات ذات الصلة بالأمن القومي الأميركي.

وأكد أن «عبدول سبق أن واجه اتهامات سياسية بوجود صلات له بجماعة الإخوان المسلمين، استند بعضها إلى مواقف وتصريحات سابقة، من بينها توقيعه على رسالة عام 2012 مؤيدة لقرارات الرئيس الأسبق محمد مرسي»، مشدداً على أنه «رغم نفيه مراراً وجود أي صلة له بالجماعة، فإنه يتبنى رؤية الإخوان وتصوراتهم بواقع انتمائه إلى جناح في الحزب الديمقراطي يتقاطع مع قراءات الإخوان لبعض أبرز ملفات المنطقة».