«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (1): مهرجان فينيسيا يرفض الانصياع لما يهم الإعلام

دورته السادسة والسبعون تبدأ اليوم

فيلم «قصة زواج» من نتفلكس
فيلم «قصة زواج» من نتفلكس
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (1): مهرجان فينيسيا يرفض الانصياع لما يهم الإعلام

فيلم «قصة زواج» من نتفلكس
فيلم «قصة زواج» من نتفلكس

تنطلق الدورة السادسة والسبعون من مهرجان فينيسيا السينمائي اليوم ويتقدم بمجموع أفلامه المبهرة حتى السابع من الشهر المقبل. المهرجان السينمائي الأقدم كان من المفترض به، لو أخذنا بعين الاعتبار سنواته المديدة، أن يشعر بعبء تلك السنوات ويحني ظهره تعباً من تكرارها. لكن اسأل أي إعلامي دأب على تغطية المهرجان منذ مطلع الثمانينات (كهذا الناقد) وسيقول لك إن هذا المهرجان الإيطالي يزداد شباباً كلما تقدم به العمر.

حكاية الجواهر الثلاث
لقد سبق لنا هنا أن تحدثنا عن أسباب هذه الشبابية الدائمة أو المتجددة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار النجاحات المتوالية له منذ مطلع العقد الثاني من هذا القرن. الأفلام مختارة بعناية تتجاوز اختيارات سواه. السينمائيون يعتبرونه من أكثر مناسبات العالم السنوية رقياً. لا يحتوي على سوق كحال برلين وكان، لكن المتسوّقين موجودون والأفلام تشحن نفسها بما يلزم لبدء مشوار يتجاوز فينيسيا إلى تورونتو ونيويورك من المهرجانات والغولدن غلوبز والأوسكار من المناسبات السنوية.
وكما ذكرنا آنفاً أيضاً ليس علينا سوى النظر إلى كل تلك الأفلام التي شهدت عروضها العالمية الأولى في المهرجان الإيطالي وطارت منه إلى تلك العروض الأخرى حول العالم.
في الواقع ما يهتم به السينمائيون الذين لديهم أفلام يعرضونها هنا هو كيف سيستقبل الجمهور المشاهد أفلامهم؟ ما الحجم الإعلامي الذي ستغطيه وما إذا كان الفيلم لديه ما يلزم لكي يواصل النجاح في المناسبات الأخرى؟
لكن ما الذي يتميّز به مهرجان فينيسيا فعلياً عن المهرجانات الكبيرة الأخرى؟ كيف يعمل بعيداً عنها وكم يؤثر عليها أو يتأثر بها؟
بالنسبة لبرلين، فإن المهرجان الألماني ينأى بنفسه عن الدخول في المقارنة مع منافسيه الإيطالي والفرنسي. لا يعني ذلك أنه لا يكترث لاكتشاف الجديد الجيد واحتوائه، لكنه - حتى الآن حيث الدورة المقبلة هي الأولى لإدارة جديدة - يتمتع بالرصانة المطلقة وبثقة الكثيرين للتوجه إليه مع مطلع عام جديد.
لجان التحكيم التي يختارها غالباً أهل للثقة والعروض منتظمة والانتقال بينها سهل والإدارة تعمل بنظام الساعة السويسرية. على ذلك، الدورة الأخيرة منه لم تتميز بأفلام رائعة تخرج من جناح المهرجان البرليني لتلتحق بأجواء المهرجانات والمناسبات الأخرى الفاعلة. تلك التي جاءت من فرنسا مثل فيلم «بعناية الله»، وألمانيا «إليسا ومارسيلا» لإيزابيل كويكست، وتركيا «حكاية الشقيقات الثلاث»، وبولندا «مستر جونز»، والصين «وداعاً يا ابني» أو حتى الفيلم الألماني الجيد «القفاز الذهبي» لم تكن بالمستوى الذي يرتفع عالياً ثم يحلق بعيداً صوب مستقبل عريض.
وضع مهرجان كان مع منتخباته من الأفلام المتسابقة لم يكن أفضل بكثير هذا العام. أفضل أفلامه لم تنل الجائزة باستثناء «طفيلي»، ذلك الفيلم الكوري الذي نال السعفة الذهبية. وكما قدمنا آنذاك فإن الجهد الممتاز للمخرج ترنس مالك واجه تعنت لجنة التحكيم التي تميل، ومنذ سنوات، إلى الأفلام الواقعية بدليل تعاقب أفلام هذا النوع على قطف جوائزه الرئيسية.
لكن «كان» محكوم بعوامل مؤثرة من بينها تعاونه مع جمعيات المنتجين والموزعين وأصحاب الصالات الذين يمارسون ضغوطاً دائمة من شأنها الاتكال دوماً على ذات الزبائن من المخرجين نظراً لأن أفلامهم عادة ما تكون من تمويل شركات فرنسية. هذا مطبق منذ سنوات بعيدة وما زال حتى ولو اقتضى الأمر استقبال أفلام سخيفة المعالجة ممهورة بأسماء معروفة كما حدث هذا العام مع فيلم الأخوين داردين «الفتى أحمد». أو حتى أفلام من نوع «البحلقة» في الأجساد كحالة فيلم «مكتوب، حبي: إنترميزو» لعبد اللطيف كشيش.

بادرة لافتة
المشكلة التي يواجهها «كان» ولا يواجهها فينيسيا هي اشتراك شركات الإنتاج المبثوثة مباشرة إلى المنازل. حكاية قيام «كان» بصد أفلام شركة نتفلكس صارت معروفة. لكن مآزق مهرجانات عند مهرجانات أخرى فوائد. «فينيسيا» لم يقل لا لأي شركة إنتاج لأنه لا يكترث إذا ما تم عرض الفيلم المنتج في صالة سينما أو في غرفة البيت.
هذا العام لدى مهرجان فينيسيا ثلاثة أفلام مشتركة في عروضه الرسمية وكلها من إنتاج نتفلكس وهي فيلم نواح بومباخ «قصة زواج» مع سكارلت جوهانسن وأدام درايفر ولورا ديرن وراي ليوتا، وفيلم ستيفن سودربيرغ «مغسلة الملابس» مع ميريل ستريب وأنطونيو بانديراس. الفيلم الثالث هو «الملك» لديفيد ميشو الذي سيعرض خارج المسابقة ويقود بطولته تيموثي شالامت في دور الملك هنري الخامس وروبرت باتنسون في دور غريمه الفرنسي.
بما أنه من الصعب التكهن بجودة كل واحد من هذه الأفلام فإنه من السابق لأوانه الحكم عليها أو لها. لكن ما هو ثابت أن النصر الكبير في حياة العلاقة ما بين فينيسيا ونتفلكس تبلور في العام الماضي عندما فاز «روما» بالأسد الذهبي وانتقل بنجاحه هذا ليحصد 3 مرات أوسكار و211 جائزة أخرى (حسب IMDB Pro).
لكن الغالب أن مستوى هذه الأفلام لن يكون الشاغل الأكبر بالنسبة للإعلاميين الذين يعرفون مسبقاً أين سيتسابقون لتغطية ما يعتبرونه الأكثر إثارة لاهتمام المتابعين القابعين خارج جزيرة الليدو، حيث يُقام المهرجان.
المسألة الغالبة هي استقبال المهرجان لمخرجين حامت حولهما قضايا اعتداءات جنسية: الأميركي نات باركر والبولندي - الفرنسي رومان بولانسكي.
بولانسكي ما زال يدفع ثمن ما قام به في ليلة غاب فيها ضوء القمر قبل 51 سنة. ولهه بالصغيرات عمراً دفعه للاعتداء على فتاة دون السادسة عشر عاما، والمحكمة التي أدانته بالجريمة كانت بمثابة الأزمة الكبرى التي شهدها في حياته (ربما الثانية تأثيراً كونه نجا من الهولوكوست بسبب صغر سنه لكنه عانى من ذكريات مرّة خلال احتلال الألمان لبولندا). بولانسكي هرب إلى فرنسا التي احتضنته لكن الاتفاقات المتبادلة بين الولايات المتحدة والكثير من الدول حول العالم جعلت بولانسكي حذرا أثناء السفر إلى بلد ما خوفاً من أن يضطر بوليس ذلك البلد لإلقاء القبض عليه وتسليمه للأميركيين.
مهرجان فينيسيا في بادرة لافتة اختار عرض فيلم بولانسكي الجديد «إني أتهم» الذي يتحدث فيه عن تجربة الضابط اليهودي الفرنسي درايفوس الذي أدين في مطلع القرن الماضي بالتجسس والخيانة العظمى رغم أن الأدلة التي سيقت لم تكن كافية لذلك. هل سيعمد بولانسكي لتوفير المقاربات بين وضعه ووضع درايفوس؟ هل سينقلب على التوقعات ويعرض ما مفاده أن الضابط درايفوس خان فرنسا فعلاً؟ ثم ما هي الرسالة التي أراد مهرجان فينيسيا توجيهها للعالم من خلال اختيار فيلم بولانسكي للمسابقة؟

العدالة الغائبة
مثله في الورطة المخرج الأفرو - أميركي نات باركر لكن الوضع يختلف تماماً.
في أواخر التسعينات جرى اتهامه باغتصاب فتاة في الكلية. المحكمة أدانت شريكه في التهمة (اسمه جان سيليستن) وبرأته هو والفتاة انتحرت بعد سنوات قليلة. نايت باركر اعتبر أن المسألة انتهت عند هذا الحد وامتهن التمثيل ثم قام سنة 1977 بإخراج فيلم «مولد أمّة» الذي عكس فيلم غريفيث بالعنوان ذاته سنة 1915 ناهض التفرقة العنصرية من خلال فيلم تم تقديمه في شهر يناير (كانون الثاني) في مهرجان صندانس الأميركي.
تهافت الموزعون على الفيلم وفازت به شركة فوكس التي دفعت فيه 17 مليون دولار و500 ألف دولار. عندما حان وقت عرض الفيلم تجارياً في خريف العام ذاته، وجد المخرج والفيلم وشركة فوكس أنفسهم محاصرين بمن فتح ملفات الأمس ونبش في التهمة التي وجهت إليه. ومع أن المخرج نال براءة من المحكمة إلا أن سيف المواقع المسيسة في زمن «مي تو» وسواها كان أمضى ووجد المخرج نفسه معزولاً وفيلمه لا يقوى على التمتع بفرصة العرض الصحيحة ناهيك عن حلم استحواذ جائزة الأوسكار.
الفيلم الجديد الذي أنجزه في أسابيع قليلة قبل تقديمه للمسابقة عنوانه «جلد أميركي» (Aerican Skin) وفيه يواصل التعرض للعنصرية التي تستفيد من قدر غياب القانون بعذر عدم وجود أدلة فاعلة. تدور الحكاية هنا حول كنّاس في الكلية يفاجأ بمقتل ابنه الشاب على يدي رجل بوليس من دون دافع أو تبرير. المحكمة تخلي سبيل القاتل لكن الكنّاس (يقوم بدوره أوماري هاردويك) سيعرض كيف ينتقم لغياب العادلة.
رسالة فينيسيا في هذا الصدد هي أن الحكم ليس على الشخص بل على الفيلم، وبالتالي، لا فرق إذا ما كانت خلفية المخرج مثقوبة وسجله لا يخلو من السواد. المهم هو أن يتيح المهرجان للفيلم المنجز العرض المناسب لأن هذا يبقى حق المخرج الشخصي ومطلب المهرجان ورواده.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».