الحكومة اليمنية تشدد على الانسحابات قبل «حوار جدة»... والإمارات تنفي اتهامات دعم «الانتقالي»

تأكيد سعودي على دعم «الشرعية» اليمنية وضرورة حل القضايا بالحوار بعيداً عن استخدام القوة

صورة تظهر عودة محطة الحصوة للكهرباء في عدن وموظفيها إلى العمل (أ.ف.ب)
صورة تظهر عودة محطة الحصوة للكهرباء في عدن وموظفيها إلى العمل (أ.ف.ب)
TT

الحكومة اليمنية تشدد على الانسحابات قبل «حوار جدة»... والإمارات تنفي اتهامات دعم «الانتقالي»

صورة تظهر عودة محطة الحصوة للكهرباء في عدن وموظفيها إلى العمل (أ.ف.ب)
صورة تظهر عودة محطة الحصوة للكهرباء في عدن وموظفيها إلى العمل (أ.ف.ب)

جددت الحكومة اليمنية رفضها بدء أي حوار مع وفد «المجلس الانتقالي الجنوبي» الذي وصل إلى جدة، أول من أمس (الثلاثاء)، تلبية للدعوة السعودية، مشترطة أن يتم أولاً انسحاب قوات المجلس من المعسكرات والمقرات الحكومية في عدن وأبين.
ورفضت الإمارات ما وصفته بـ«مزاعم» الحكومة اليمنية حول مساندتها ودعمها «الانتقالي الجنوبي»، من أجل الانقلاب على الشرعية في عدن، وأبين وبقية المناطق الجنوبية، مؤكدة ثبات موقف أبوظبي ضمن تحالف دعم الشرعية ومواجهة الانقلاب الحوثي.
وجاء رفض الحكومة الشرعية لبدء الحوار مع «الانتقالي» خلال تصريحات رسمية، أمس، لنائب وزير الخارجية اليمني محمد الحضرمي أثناء لقائه القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن، جنيد منير، أمس، حيث أشارت المصادر إلى أنه بحث مع الأخير «عملية السلام وتطورات الأوضاع في محافظتي عدن وأبين، على ضوء التمرُّد المسلح الذي قام به ما يسمى بالمجلس الانتقالي الجنوبي».
وكانت قوات «الانتقالي» سيطرت على مقرات الحكومة الشرعية ومعسكراتها في عدن، قبل أن تسيطر على معسكرين آخرين، أول من أمس (الثلاثاء) في مدينة زنجبار كبرى مدن أبين (شرق عدن) وهي مسقط رأس الرئيس عبد ربه منصور هادي.
ونسبت المصادر الرسمية اليمنية للحضرمي تأكيده أن «الحكومة لن تتوانى في مواجهة كل ما يمسّ بأمن واستقرار اليمن، وأنها ستعمل على إنهاء التمرد المسلح الذي أقدم عليه (المجلس الانتقالي) المدعوم إماراتياً بكل الوسائل التي يخولها الدستور والقانون وذلك انطلاقاً من مسؤولياتها في حماية الجمهورية والحفاظ على الأمن والاستقرار وسلامة الأراضي اليمنية».
وفيما أفادت وكالة «سبأ» اليمنية الرسمية بأن نائب وزير الخارجية محمد الحضرمي حمّل المجلس الانتقالي والإمارات تبعات التمرد المسلح في عدن وأبين، ونقلت الوكالة عنه أنه «جدد المطالبة بإيقاف الدعم المالي وسحب الدعم العسكري المقدَّم من الإمارات للمجلس الانتقالي، وأنه «لفت إلى أن الحكومة بصدد التحرك لاتخاذ الإجراءات اللازمة وفقاً لما يخوله القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة لضمان إيقاف الدعم الذي مكّن عملية التمرد المسلح في عدن وأبين».
ودعا نائب وزير الخارجية اليمني «المجتمع الدولي، لا سيما مجلس الأمن، إلى إدانة التمرد على الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً»، وقال إن ذلك «سيقوّض ليس فقط جهود التهدئة التي دعت إليها المملكة العربية السعودية الشقيقة، بل أيضاً الجهود الأممية لإنهاء التمرد الحوثي في اليمن».
وجدد الحضرمي موقف الحكومة من الحوار مع «الانتقالي»، وقال إن «الحكومة مستمرة في الترحيب بهذه الدعوة من السعودية غير أنها لن تشارك إلا بعد امتثال المجلس الانتقالي لما ورد في بيان التحالف بهذا الشأن، الذي طالب بضرورة الانسحاب من المواقع التي تم الاستيلاء عليها من قبل (المجلس الانتقالي)، بالإضافة إلى تسليم السلاح الذي تم أخذه نتيجة للتمرُّد وعودة القوات الحكومية لمواقعها، وإيقاف جميع الانتهاكات بحق المواطنين الأبرياء بمن فيهم الصحافيون، والقيادات العسكرية والأمنية والمدنية».
وفيما يتصل بعملية السلام وتنفيذ «اتفاق استوكهولم»، أشار الحضرمي إلى أن الحكومة ماضية في التعامل بإيجابية مع جهود المبعوث الأممي، وأنها وفقاً لتوجيهات الرئيس عبد ربه منصور هادي، لن تدخر جهداً في الانخراط والتعامل بكل مرونة وفقاً للمرجعيات الثلاث وبناء على ما تم التوافق عليه في الاجتماعات السابقة بهذا الشأن.
في السياق نفسه، وصف وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني ما حدث في عدن من تمرُّد على الحكومة من قبل «المجلس الانتقالي» بأنه «فوضى غير مقبولة»، مؤكداً أنه «من واجب الحكومة تأمين سلامة المواطنين والحفاظ على مصالحهم وعدم الانجرار وراء العنف والفوضى التي تحقق أجندة تخدم إيران وميليشياتها الحوثية».
وقال الإرياني في سلسلة تغريدات على «تويتر» إن «المستفيد الوحيد مما يحدث في عدن هي إيران التي تعيش أزمة حقيقة جراء الحصار، والتي تعتقد ميليشياتها في صنعاء أن ما يحدث في المناطق المحررة سيرفع الثقل عن كاهل ذلك النظام الإرهابي ويحقق أهدافه في اقتحام عدن». وأوضح الوزير اليمني أن الشعب يقف «صفاً واحداً مع الحكومة الشرعية، وأن أي تأييد للفوضى في عدن والمناطق المحررة هو تأييد مطلق لإيران وميليشياتها الإرهابية» وقال: «لن نقف مكتوفي الأيدي وما زلنا نتملك أدواتنا للتعامل مع هكذا أحداث».
ووصف احتضان السعودية حواراً في جدة مع «الانتقالي» بأنه «يمثل مبادرة أخوية صادقة» لكنه قال إن «الشرعية حريصة على انسحاب كل مسلحي المجلس الانتقالي من جميع المؤسسات والمحافظات، ولن تخوض في أي حوار ما لم يتم الانسحاب».
وأشار الإرياني إلى «ثقة الحكومة والشعب في اليمن بالمملكة وقيادتها الرشيدة»، وقال: «الشعب اليمني لن ينسى عاصفتي الحزم والأمل، ولن ينسى الدعم السخي الذي تقدمه المملكة؛ سواء عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، أو مركز إسناد العمليات الإنسانية، أو الدعم النفطي والاقتصادي، وكذلك التضحية الجسيمة التي يقدمها أبطال الجيش السعودي في الميدان، جنباً إلى جنب مع إخوانهم اليمنيين».
على صعيد متصل، أعربت دولة الإمارات «عن أسفها الشديد ورفضها القاطع جملة وتفصيلاً لجميع المزاعم والادعاءات التي وُجهت إليها حول التطورات في عدن»، وشددت على أنها «تجدد موقفها الثابت كشريك في التحالف، والعازم على مواصلة بذل قصارى جهودها لتهدئة الوضع الراهن في جنوب اليمن».
نائب المندوبة الدائمة الإمارتية في الأمم المتحدة سعود حمد الشامسي، تلا بياناً أمام الاجتماع الوزاري الخاص الذي عقده مجلس الأمن الدولي، أول من أمس (الثلاثاء)، حول التحديات التي تعترض تحقيق السلام والأمن في الشرق الأوسط في إطار البند المعنون «صون السلم والأمن الدوليين»، وأكد خلاله على «قلق دولة الإمارات البالغ الذي عبرت عنه في تصريح رسمي قبل أيام، إزاء المواجهات المسلحة في عدن بين الحكومة اليمنية الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي، وعلى دعوتها للتهدئة وعدم التصعيد من أجل الحفاظ على أمن وسلامة المواطنين اليمنيين».
وأوضح أن «هذا هو الموقف نفسه الذي اتخذته دولة الإمارات كشريك رئيسي في إطار التحالف، بقيادة المملكة العربية السعودية الشقيقة»، مذكراً بالتضحيات الكبيرة التي قدمتها الإمارات العربية المتحدة في سبيل تحقيق ذلك، مما «يدحض جملة تلك المزاعم التي يتم الترويج لها اليوم في سياق الخلافات والانقسامات التي لا ترى دولة الإمارات نفسها طرفاً فيها».
وفيما ذكّر الشامسي بموقف دولة الإمارات الساعي نحو دعم إعادة الشرعية والاستقرار لليمن أشار إلى ما قامت به أبوظبي من إجراءات حاسمة ضد اعتداءات الحوثيين من أجل دعم الحكومة الشرعية في اليمن.
وقال: «لا ننسى الدور المهم الذي قامت به بلادي في تحرير عدن، ومعظم الأراضي التي احتلها الانقلاب الحوثي، ومنعت بدورها الجماعات الإرهابية من استغلال الفراغ الأمني خلال هذه المراحل الحساسة والصعبة».
وتابع أن «دولة الإمارات استطاعت لعب دور في الجهود الكبيرة التي بُذِلت لإعادة إعمار المناطق المحررة، وتقديم الدعم المادي والتقني السخي للشعب اليمني، وأسهمت في مواجهة التهديد الذي يشكله تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، كما دعمت كافة جهود التحالف لحماية حرية الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر».
واتهم الشامسي الحكومة الشرعية في اليمن بأنها «عاجزة عن إدارة شؤونها الداخلية»، إضافة إلى «ضعف أدائها» و«أجواء الانقسام الداخلي السياسي والمناطقي المستشري» الذي قال إن الحكومة «لم تستطع إدارته بالحوار البنّاء، والتواصل مع المكونات اليمنية كافة». وقال الشامسي: «ليس من اللائق أن تعلق الحكومة اليمنية شمّاعة فشلها السياسي والإداري على دولة الإمارات، الذي تجلى في البيان السلبي للحكومة». وأضاف أن «دولة الإمارات وبصفتها شريكاً في التحالف، ستبذل قصارى جهدها لخفض التصعيد في جنوب اليمن»، مؤكداً أنها كانت جزءاً من الفريق المشترك مع المملكة العربية السعودية الذي سعى إلى الحفاظ على المؤسسات الوطنية في عدن، إبان أحداث المجلس الانتقالي الجنوبي، وأيضاً إلى تنسيق الحوار وتحقيق التهدئة والاستقرار بين الأطراف. وتابع قائلاً: «إن هذا هو الدور المتوقع من الدول التي تضع أمن وسلم المنطقة، موضوع نقاش اليوم، نصب عينها». وأكد الشامسي موقف دولة الإمارات الداعي لجميع الأطراف على التركيز على الأهداف المشتركة في اليمن، كما جدد دعم بلاده لجهود المبعوث الخاص إلى اليمن، مارتن غريفيث. وكان المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث ندد خلال إحاطته أمام مجلس الأمن، أول من أمس (الثلاثاء)، بسلوك «الانتقالي»، وقال: «أنا أُدين الجهود غير المقبولة التي يبذلها (المجلس الانتقالي) الجنوبي للسيطرة على مؤسسات الدولة بالقوة. كما أشجب مضايقة اليمنيين من الأصل الشمالي في عدن، مثل العنف الجسدي والتهجير القسري والحرمان من حرية التنقل، بما في ذلك استهداف المسؤولين الحكوميين والمؤيدين».
ورحب غريفيث «بجهود التحالف لاستعادة الهدوء والجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية لعقد حوار في جدة لمناقشة الوضع وحل مشاكله»، وقال: «من الضروري أن يُعقد الاجتماع في المستقبل القريب لمنع المزيد من التدهور ولضمان استمرارية الحكم والأمن وتوفير الخدمات الأساسية، تحت السلطة الحصرية للدولة، في عدن وغيرها من المناطق ذات الصلة».
وكان وفد «المجلس الانتقالي الجنوبي» برئاسة محافظ عدن السابق عيدروس الزبيدي وصل في وقت سابق إلى جدة السعودية، مؤلفا من ست شخصيات برئاسة الزبيدي الذي يطمح إلى فصل جنوب اليمن عن شماله.
وتشير المعلومات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» إلى لقاء عقده الأمير خالد بن سلمان نائب وزير الدفاع السعودي، مع قيادات من المجلس الانتقالي برئاسة الزبيدي. وجرى التأكيد خلال اللقاء على دعم السعودية للشرعية اليمنية، والحفاظ على مؤسسات الدولة، واستعادة الأمن والاستقرار، كما تمت مناقشة الأحداث الأخيرة في عدن.
وثمّن الأمير خالد قبول المجلس لدعوة المملكة للحوار، واستجابتهم لطلب التحالف بوقف إطلاق النار، وعدم التصعيد عسكرياً أو إعلامياً، مطالباً بالتهدئة الكاملة. وشدد نائب وزير الدفاع السعودي على ضرورة حل الخلافات بالحوار، بعيداً عن استخدام القوة، والعمل على توحيد الصفوف لمواجهة خطر الميليشيات الحوثية، المهدد والعدو الرئيسي لليمن، أرضاً وشعباً، وعدم القبول بتسليم اليمن لولاية الفقيه. وأشار الأمير إلى أهمية حل القضية الجنوبية بالحوار، بعيداً عن استخدام القوة، حيث لن يستفيد من ذلك سوى النظام الإيراني وذراعه الحوثية في اليمن.


مقالات ذات صلة

إحباط تهريب معدات لتصنيع المسيّرات الحوثية في «باب المندب»

المشرق العربي القارب كان ينقل معدات تُستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة والزوارق الانتحارية (قوات العمالقة)

إحباط تهريب معدات لتصنيع المسيّرات الحوثية في «باب المندب»

ضبط قارب كان ينقل معدات تُستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة والزوارق الانتحارية، خلال محاولته العبور إلى سواحل محافظة الحديدة على البحر الأحمر.

«الشرق الأوسط» (عدن)
خاص التحق بالمجمع منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق (الشرق الأوسط)

خاص مجمع الموهوبين في مأرب... من قلب الحرب إلى صناعة المستقبل

شكّل مجمع الموهوبين نقطة تحول في مسيرة التعليم النوعي في محافظة مأرب، والتحق به منذ افتتاحه عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق.

عبد الهادي حبتور (اليمن مأرب)
خاص أكد بن عزيز أن العلاقة مع السعودية ليست مجرد تنسيق... بل شراكة حقيقية على الأرض (سبأ) p-circle

خاص رئيس هيئة الأركان اليمنية: أعدنا بناء الجيش... والقرار العسكري أصبح موحداً

أكد الفريق صغير بن عزيز أن القيادة والقرار العسكري أصبح واحداً، وذلك في إطار توحيد كل التشكيلات تحت مظلة وزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة.

عبد الهادي حبتور (اليمن - مأرب)
خاص اللواء يحيى حميد مدير أمن محافظة مأرب (إدارة أمن مأرب) p-circle

خاص مدير أمن مأرب لـ«الشرق الأوسط»: ضبطنا عشرات الخلايا الحوثية

نجحت محافظة مأرب في ترسيخ نفسها واحدة من أقل المحافظات اليمنية تسجيلاً للجريمة، وأكبرها استقراراً من الناحية الأمنية...

عبد الهادي حبتور (مأرب (اليمن))
خاص صرف المستشفى أكثر من 150 ألف نظارة طبية و342 ألف وصفة دوائية مجانية (الشرق الأوسط)

خاص مستشفى العيون في مأرب... مشروع سعودي أعاد النور إلى عيون اليمنيين

تحوّل المستشفى التخصصي لطب وجراحة العيون الممول بالكامل من السعودية ويقدم خدماته مجاناً بنسبة 100 في المائة، إلى نافذة أمل لآلاف اليمنيين من مختلف المحافظات.

عبد الهادي حبتور (مأرب)

البابا يشيد بالمهاجرين «الذين بنوا الولايات المتحدة» في يوم استقلال أميركا

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
TT

البابا يشيد بالمهاجرين «الذين بنوا الولايات المتحدة» في يوم استقلال أميركا

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)
يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ليحيي قداساً بين المهاجرين (إ.ب.أ)

معروف أنَّ دبلوماسية الفاتيكان هي الأعرق في العالم، وليس من باب الصدف، أنَّ البابا ليو الرابع عشر، اختار الرابع من يوليو (تموز)، يوم العيد الوطني الأميركي والاحتفالات الضخمة التي ينظِّمها دونالد ترمب بمناسبة مرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة، ليمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا؛ ليحيي قداساً بين المهاجرين، ويضع إكليلاً من الزهور على ضريح طفل أفريقي قضى في الثانية من عمره مع أسرته التي كانت تحاول عبور البحر إلى أوروبا.

صورة مركَّبة لبابا الفاتيكان ليو الرابع عشر والرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وقبل أن يغادر روما صباح السبت، كان البابا قد وجَّه رسالةً بالفيديو إلى «المركز الوطني الدستوري» في فيلادلفيا، الذي منحه ميدالية الحرية، جاء فيها: «المجد لأولئك الرجال والنساء الشجعان الذين كانوا يحلمون بالحرية وبحياة أفضل لهم ولأبنائهم».

وتأتي هذه التصريحات لأول بابا أميركي في التاريخ، بعد أيام على صدور قرار المحكمة العليا الأميركية الذي يكبح محاولة ترمب إلغاء حق الحصول على الجنسية لكل الذين يشهدون النور على الأراضي الأميركية، والذي يُشكِّل إحدى الدعائم الأساسية في تاريخ الولايات المتحدة.

وذكّر روبرت فرنسيس بريفوست (اسم البابا عند الولادة في 14 سبتمبر/ أيلول 1955)، بفقرة من إعلان استقلال الولايات المتحدة جاء فيها: «كل الرجال والنساء يولدون متساوين بنعمة الخالق الذي يمنحهم حقوقاً ثابتة، منها الحق في الحياة، والحرية، والسعي وراء السعادة». ثم أضاف: «تلك الرؤية السامية جعلت من الولايات المتحدة مرادفاً للحرية، إذ فتحت الأبواب أمام موجات متتالية من المهاجرين، وسمحت لهم ولأولادهم بأن يلعبوا دوراً أساسياً في بناء مستقبل الأمة».

بارك البابا لوحةً تذكاريةً تكريماً لسلفه البابا فرنسيس بنقطة وصول رئيسية للمهاجرين في البحر المتوسط (إ.ب.أ)

وكان ليو الرابع عشر، المولود في شيكاغو من أبوين مهاجرَين، قد نأى بنفسه بعيداً عن دونالد ترمب، عندما رفض دعوة البيت الأبيض لزيارة الولايات المتحدة هذه السنة بمناسبة احتفالات مرور 250 سنة على الاستقلال الأميركي، وقرَّر تمضية هذا اليوم في الجزيرة التي أصبحت رمزاً لمأساة المهاجرين الذين يحاولون عبور البحر المتوسط إلى أوروبا.

وفي لامبيدوسا، قال البابا: «إن العظمة الأخلاقية للأمم تُقاس، قبل أي شيء، بقدرتها على مساندة وحماية وتقدير حياة كل أبنائها، خصوصاً منهم الضعفاء، والذين تدور شكوك حول قيمتهم بوصفهم بشراً».

وضع البابا إكليلاً من الزهور في مدفن يضم قبوراً لمهاجرين مجهولي الهوية وزار «بوابة أوروبا» وهو نصب تذكاري مخصص للضحايا (رويترز)

وأضاف: «الحرية الحقيقية أعمق بكثير من التَّصرُّف وفقاً لمشيئتنا، فهي تقوم على قدرتنا على معرفة الحقيقة، والتزام الخير مهما كان الثمن باهظاً».

ومن غير أن يسمّي الرئيس الأميركي قال: «يعرف الأميركيون جيداً أنَّ الطريق إلى بناء مجتمع يجسِّد قيم الحرية والعدالة السامية للجميع، لم يكن سهلاً أبداً، وهذه معركة تنتقل من جيل إلى آخر، على أمل أن تبقى الولايات المتحدة دائماً وفيّة للحلم الذي منحها لقب أرض الأحرار وموئل الشجعان». وذكّر البابا ليو الرابع عشر أيضاً بالحرية الدينية التي كانت دائماً من السمات المُميِّزة للمجتمع الأميركي. وأعرب عن أمله بأن يبقى هذا التقليد حياً ومثمراً للأجيال المقبلة.

يلقي موعظته خلال زيارته الجزيرة الإيطالية (إ.ب.أ)

وخلال زيارته إلى الجزيرة الإيطالية في البحر المتوسط، بارك البابا لوحةً تذكاريةً، تكريماً لسلفه البابا فرنسيس، الذي سيُطلَق اسمه فصاعداً على نقطة وصول رئيسية للمهاجرين في البحر المتوسط. وسيُطلَق على هذه النقطة، التي كانت تُعرَف سابقاً باسم «مولو فافالورو»، الآن «مولو بابا فرنسيسكو». وتهدف تلك الخطوة إلى إحياء ذكرى التزام البابا الراحل تجاه اللاجئين.

وندَّد البابا بالإجراءات الرامية إلى قمع الهجرة غير القانونية. ووصف معاملة الإدارة الأميركية للمهاجرين بأنَّها «غير إنسانية». وحضَّ المهاجرين على الاندماج من خلال تعلم لغة البلد المستضيف، واحترام قوانينه، والتَّعرُّف إلى عاداته وتقاليده.

وحثَّ البابا أوروبا على معالجة مشكلة ⁠الهجرة «بشكل شامل من خلال دمج ‌جهود الإغاثة الفورية ‌في خطة استراتيجية طويلة الأمد قادرة ​على استقبال المهاجرين وحمايتهم ‌ودعمهم وإدماجهم». وناشد أيضاً القادة الأوروبيين المساعدة في ‌تحسين الأوضاع في بلدان المهاجرين الأصلية حتى يقل عدد الذين يشعرون بأنَّهم مضطرون إلى المغادرة.

يمضي نهاره في جزيرة لامبيدوسا ويحيي قداساً فيها (إ.ب.أ)

ورأى الناطق باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو أونغارو، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «وجود البابا ليو الرابع عشر يُشكِّل رسالةً واضحةً في زمن يتركَّز فيه النقاش السياسي العالمي حول الهجرة أكثر فأكثر على الحدود وسياسات المنع، بدلاً من الحماية وتقاسم المسؤولية».

وجزيرة لامبيدوسا هي ثاني وجهة أوروبية للهجرة. ويُعدُّ عبور وسط البحر الأبيض المتوسط من شمال أفريقيا أخطر مسار للهجرة في العالم، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.

وتقع لامبيدوسا بين صقلية وتونس على بعد 145 كيلومتراً من السواحل التونسية، وتعدُّ الجزيرة الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 6000 نسمة، منذ زمن طويل من المراكز الرئيسية للمهاجرين الذين يسافرون من أفريقيا إلى أوروبا. وقد تحوَّلت إلى أحد أبرز رموز أزمة الهجرة في أوروبا.

‌وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والبابا ليو الرابع عشر في الفاتيكان (الفاتيكان)

وفي عام 2025، لقي نحو 1330 شخصاً حتفهم أو فُقدوا خلال محاولتهم عبور هذا المسار، بحسب تقارير للمنظمة. يُراقب هذا المسار عدد قليل من السفن التابعة لمنظمات إنسانية تتّهم الاتحاد الأوروبي بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات لمنع تسجيل حوادث غرق سفن.

وقال البابا في عظته في الجزيرة: «إن أوروبا قادرة (...) على معالجة الأزمة بشكل متكامل، عبر إدراج عمليات الإغاثة الأولية ضمن خطة استراتيجية طويلة الأمد، وقادرة على الترحيب بالمهاجرين وحمايتهم ودمجهم، مع العمل في الوقت نفسه على التنمية، حتى لا يضطر أحد للهجرة».

وندَّد بـ«اللامبالاة تجاه الصالح العام، والفساد في البلدان الأصلية للمهاجرين، والنظام الاقتصادي العالمي الذي يولد الفقر والإقصاء، والخوف الذي يغذي الأحكام المسبقة والازدراء (...) والحسابات الإجرامية لمَن يستفيدون من مأساة الآخرين».

البابا ليو الرابع عشر رئيس الكنيسة الكاثوليكية (رويترز)

وقبل عظته، وضع البابا إكليلاً من الزهور في مدفن يضم قبوراً لمهاجرين مجهولي الهوية، وزار «بوابة أوروبا»، وهو نصب تذكاري مخصص للضحايا، حيث وقف وحيداً على صخرة تواجه البحر، وعباءته ترفرف بفعل الرياح.

وجعل البابا من الدفاع عن المهاجرين موضوعاً أساسياً في حبريته، يركّز عليه تكراراً على غرار ما فعل خلال زيارته أرخبيل جزر الكناري الإسباني الشهر الماضي، شاكراً مَن يمدّون يد العون للمعوزين الذين يتركون بلدانهم، ومندداً بعمليات الترحيل الجماعي في بلده، الولايات المتحدة.


«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
TT

«الناتو» يعيد رسم شراكته الأطلسية... وتركيا في قلب المعادلة

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي

منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، تصاعد الكلام عن أفول الشراكة عبر الأطلسي؛ بل ذهب بعض المحللين إلى حد الجزم بأن حلف شمال الأطلسي دخل مرحلة التراجع التاريخي. إلا أن الوقائع تشير إلى مسار مختلف؛ فالحلف لا ينهار بقدر ما يعيد تعريف قواعد العلاقة بين ضفتي الأطلسي، في ظل انتقال تدريجي من نموذج اعتمد لعقود على القيادة الأميركية، إلى نموذج يقوم على توزيع أكبر للأعباء والمسؤوليات بين الولايات المتحدة وأوروبا.

وطوال أكثر من 70 عاماً، شكّلت المظلة الأمنية الأميركية حجر الأساس في الدفاع الأوروبي عبر حلف شمال الأطلسي (ناتو). لكن التحولات الدولية، وتبدل أولويات واشنطن، وتصاعد المنافسة مع الصين، دفعت الإدارات الأميركية المتعاقبة إلى مطالبة الأوروبيين بتحمل نصيب أكبر من مسؤولية أمنهم. صحيح أن ترمب عبّر عن هذه المطالب بصوت مرتفع، إلا أن جذور الموقف الأميركي تعود إلى سنوات سابقة، عندما بدأت الولايات المتحدة توجيه اهتمامها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، معتبرة أن التحدي الصيني يمثل أولويتها الاستراتيجية الأولى.

جنديان نرويجيان خلال تدريب مشترك مع قوات بحرية أميركية قبالة ساحل ولاية نورث كارولاينا الأميركية (رويترز)

في المقابل، تختلف نظرة الأوروبيين إلى مصادر التهديد؛ فبالنسبة لمعظم العواصم الأوروبية، لا تزال روسيا الخطر المباشر على الأمن القاري، وهو ما كرسته الحرب في أوكرانيا التي أعادت الدفاع الجماعي إلى الصدارة. أما واشنطن، فترى أن المنافسة مع الصين ستحدد شكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة، حتى إن بقيت ملتزمة بالدفاع عن أوروبا.

* «الناتو» وقدرة الدول الأعضاء على التكيّف

إلا أن هذا التباين في ترتيب الأولويات لا يعني انهيار التحالف؛ بل يفرض إعادة صَوغ العلاقة على أسس أكثر واقعية، فـ«الناتو» لم يقم يوماً على تطابق كامل في الرؤى السياسية، وإنما على وجود مصالح أمنية مشتركة وشعور بوجود تهديدات تستدعي العمل الجماعي. لذلك، فإن استمرار الحلف يعتمد اليوم على قدرة أعضائه على التكيف مع بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً، وليس على العودة إلى نموذج ما بعد الحرب الباردة.

وقد دفعت هذه البيئة الجديدة، الدول الأوروبية، إلى خطوات غير مسبوقة في مجال الإنفاق العسكري؛ فبعد سنوات من الانتقادات الأميركية بشأن غياب الإنصاف في تقاسم الأعباء، رفعت غالبية الدول الأعضاء موازناتها الدفاعية بصورة كبيرة، بينما شرعت دول مثل ألمانيا في مراجعة سياساتها التقليدية تجاه الإنفاق العسكري، في حين تواصل بولندا ودول الجناح الشرقي التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي، الاستثمار بكثافة في تعزيز قدراتها الدفاعية خوفاً من روسيا.

ويعكس هذا التحول إدراكاً أوروبياً متزايداً لواقع أن أمن القارة لم يعد من الممكن أن يبقى معتمداً كلياً على الضمانات الأميركية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته في البيت الأبيض يوم 26 يونيو (حزيران) الماضي (رويترز)

ولا تقتصر عملية إعادة التفاوض على الجانب العسكري؛ بل تمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية، فالاستثمارات المتبادلة بين الولايات المتحدة وأوروبا لا تزال من الأكبر عالمياً، كما أن الصناعات الدفاعية الأميركية ترى في خطط التسلح الأوروبية فرصاً اقتصادية هائلة؛ ففرنسا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متكاملة نسبياً، بينما يعتمد معظم الدول الأوروبية الأخرى بدرجات متفاوتة على استيراد الأسلحة والتقنيات العسكرية.

وفي الوقت نفسه، يسعى الأوروبيون إلى تعزيز استقلالهم الصناعي والتكنولوجي من دون التخلي عن التحالف مع واشنطن، في معادلة دقيقة تجمع بين الاستقلال الاستراتيجي واستمرار الشراكة.

*قمة «الناتو» في أنقرة

من هنا، تبدو قمة «الناتو» المرتقبة في أنقرة أكثر من مجرد اجتماع دوري لقادة الحلف؛ إذ تمثل محطة لاختبار قدرة الطرفين على بلورة صيغة جديدة للعلاقة الأطلسية، فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل الضامن الوحيد لأمن أوروبا؛ بل كيف يمكن للطرفين بناء شراكة أكثر توازناً؟

وفي هذا السياق، تبرز تركيا بوصفها إحدى أكثر الدول تأثيراً وإثارة للجدل داخل الحلف؛ فمن الناحية العسكرية، تمتلك ثاني أكبر جيش في «الناتو»، ويمنحها موقعها الجغرافي قدرة استثنائية على الربط بين البحر الأسود وشرق المتوسط والشرق الأوسط والقوقاز. ومع تصاعد التوتر مع روسيا واستمرار الاضطرابات في جوار أوروبا الجنوبي، تزداد أهمية هذه المزايا بالنسبة إلى الحلف.

لكن هذه القيمة الاستراتيجية تقابلها تحديات سياسية معقدة؛ فقد شهدت السنوات الماضية خلافات متكررة بين تركيا وعدد من حلفائها بشأن منظومة الصواريخ الروسية «إس-400»، والدور التركي في سوريا، والعلاقات مع اليونان وقبرص، إضافة إلى استخدام أنقرة آليات الإجماع داخل الحلف للدفاع عن أولوياتها الأمنية. لذلك، ينظر كثير من الحلفاء إلى تركيا باعتبارها شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه ليس شريكاً سهلاً.

دورية للشرطة في أنقرة التي تستعد لاستضافة قمة أطلسية (رويترز)

ورغم ذلك، تشير التجربة التاريخية إلى أن أهمية تركيا ترتفع كلما ازدادت الأخطار الأمنية التي تواجه أوروبا؛ ففي أوقات الأزمات، تعود الجغرافيا والقدرات العسكرية لتتقدم على الخلافات السياسية، بينما تتصدر هذه الخلافات المشهد عندما تتراجع مستويات التهديد. ومن المرجح أن يستمر هذا النمط خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا استمرت الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتراجعت قدرة الولايات المتحدة أو رغبتها في تحمل العبء الأمني الأوروبي بمفردها.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام «الناتو» لا يتمثل في الحفاظ على شكله التقليدي؛ بل في «كتابة» صيغة جديدة لآليات عمله بما ينسجم مع موازين القوى الجديدة، فنجاح الحلف سيقاس بقدرته على تحقيق توازن بين دور أوروبي أكثر استقلالية، واستمرار الالتزام الأميركي، والاستفادة من القدرات الاستراتيجية لدول محورية مثل تركيا، رغم استمرار الخلافات السياسية معها.

وعليه، فإن الحديث عن نهاية الشراكة الأطلسية يبدو سابقاً لأوانه، فما يجري اليوم ليس انهياراً للنظام الذي حكم العلاقات عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ بل عملية إعادة توزيع للأدوار داخل الحلف، تفرضها التحولات الدولية وتغير أولويات القوى الكبرى. وقد تكون قمة أنقرة واحدة من أبرز المحطات التي ستكشف ما إذا كان «الناتو» قادراً على تحويل هذه المرحلة الانتقالية إلى نموذج أكثر توازناً وفاعلية في مواجهة تحديات العقد المقبل.


وزير ألماني سابق: أميركا في طريقها للخروج من «الناتو»

أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
TT

وزير ألماني سابق: أميركا في طريقها للخروج من «الناتو»

أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)
أعلام الدول الأعضاء في «الناتو» ترفرف في مقر الحلف في بروكسل (رويترز)

أعرب وزير الخارجية الألماني الأسبق يوشكا فيشر عن شكوكه في استمرار الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس دونالد ترمب ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال فيشر (78 عاماً) في تصريحات لصحف مجموعة «فونكه» الألمانية الإعلامية: «في الواقع، الأميركيون في طريقهم إلى الخروج»، داعياً إلى أن يواصل الحلفاء المتبقون عمل التحالف من دون أميركا في حال حدوث ذلك، وأن يقيموا مظلة ردع نووي بالاعتماد على الأسلحة النووية لكل من فرنسا وبريطانيا.

ومن المقرر أن يعقد قادة «الناتو» قمة في العاصمة التركية أنقرة اعتباراً من يوم الثلاثاء المقبل.

وقبل القمة، جدَّد ترمب انتقاداته لألمانيا وحلفاء آخرين بسبب مساهماتهم في «الناتو»، رغم أنهم زادوا في الفترة الأخيرة إنفاقهم الدفاعي بشكل ملحوظ.

وقال فيشر: «قادة الدول والحكومات الأوروبية والأمين العام للناتو يتقربون إلى دونالد ترمب بقدر كبير من التملق للإبقاء عليه داخل الحلف»، مضيفاً أنه لا ينتقد هذا السلوك، وقال: «يتعين عليهم فعل ذلك، ولا أرى بديلاً. لكنني لا أعتقد أن الناتو سيستمر على المدى الطويل بهذه الطريقة».

وأكد فيشر أنه يعول على تعزيز الطابع الأوروبي داخل الحلف، قائلاً: «يجب أن يبقى الجزء الأوروبي من الناتو متماسكاً، ويفضل أن يكون ذلك بمشاركة كندا»، وأضاف: «لدينا إجراءات وآليات مجربة، ويجب الحفاظ عليها ونقلها إلى هيكل جديد».

وفي معرض رده على سؤال بشأن استمرار المظلة النووية الأميركية، قال فيشر: «لم أعد أعول عليها»، مضيفاً أنه من الصواب «إغداق كثير من المديح على ترمب»، لكنه أشار إلى شكوكه في أن يكون ذلك كافياً «إذا وصلت الأمور إلى لحظة الحسم».

وأفاد وزير الخارجية الأسبق أنه إذا انسحبت الولايات المتحدة فإنها ستسحب معها مظلتها النووية، وأضاف: «عندها سيتعين علينا أن نحاول بناء مظلة حماية خاصة بنا انطلاقاً من القدرات الموجودة في بريطانيا وفرنسا، ومن القدرات غير النووية للجزء الأوروبي من الناتو»، موضحاً أن ذلك سيعني أن تكون الكلمة الأخيرة في اتخاذ القرار للرئيس الفرنسي أو رئيس الوزراء البريطاني، كما هو الحال حالياً بالنسبة للرئيس الأميركي.

وأضاف: «سيتعين التفاوض بشأن مسائل التمويل».

وشغل فيشر منصب وزير الخارجية ونائب المستشار الألماني خلال الفترة من 1998 إلى 2005 في حكومة الائتلاف بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر بقيادة المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر.