«المنطقة الآمنة» بين أميركا وتركيا تهدد «مسار آستانة»

دورية أميركية في رأس العين شمال سوريا (أ.ف.ب)
دورية أميركية في رأس العين شمال سوريا (أ.ف.ب)
TT

«المنطقة الآمنة» بين أميركا وتركيا تهدد «مسار آستانة»

دورية أميركية في رأس العين شمال سوريا (أ.ف.ب)
دورية أميركية في رأس العين شمال سوريا (أ.ف.ب)

أعادت التطورات المتسارعة في سوريا بعد انتهاء أعمال الجولة 13 في إطار «مسار آستانة» تساؤلات كثيرة إلى الواجهة، في شأن الاستراتيجية الروسية، التي عمل الكرملين على بلورتها خلال 4 سنوات منذ بدء التدخل العسكري الروسي المباشر في الحرب السورية، في نهاية سبتمبر (أيلول) 2015. وفور إسدال الستار على الجولة الأخيرة من المفاوضات بين ضامني آستانة، تلاحقت التطورات الميدانية والسياسية بشكل وضع الكرملين أمام استحقاقات جديدة. إذ حملت التفاهمات التركية - الأميركية حول المنطقة الآمنة في الشمال السوري، تحدياً جديداً لموسكو تزامن مع تزايد المؤشرات إلى قيام واشنطن بتكثيف الحضور في مناطق الشمال والشرق، بشكل مباشر عبر تعزيز قدرات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، أو غير مباشر من خلال التقارير الروسية التي تحدثت عن زج وحدات من شركات عسكرية خاصة (مرتزقة) في المنطقتين. تزامن ذلك مع انفجار الوضع مجدداً في إدلب، وعودة شبح «الحسم العسكري» إلى الواجهة بعد الانهيار السريع للهدنة الهشة التي أعلنت في إطار مفاوضات آستانة.

- صعوبات للكرملين
هذه التطورات المتسارعة لا تأتي في توقيت ملائم بالنسبة إلى الكرملين، الذي يعاني أصلاً خلال الفترة الأخيرة من صعوبات جدية على المستوى الداخلي؛ تمثلت في تصاعد مزاج التذمر والاحتجاجات على تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية وعلى الفساد وآليات إدارة السياسات الداخلية. وانعكست من خلال تراجع نسب التأييد للرئيس فلاديمير بوتين إلى أدنى مستوياتها منذ الفترة التي سبقت قرار ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014. ومنحت أحدث الاستطلاعات حول نسب تأييد السياسات الداخلية لبوتين نحو 40 في المائة فقط، وهي نسبة غير مسبوقة بالنسبة إلى الرئيس الذي حصد العام الماضي أصوات نحو 80 في المائة من الناخبين في استحقاق الانتخابات الرئاسية، فيما عكست الاحتجاجات المتواصلة تقريباً فقدان الثقة بالنظام الحزبي في البلاد الذي يقوده حزب السلطة «روسيا الموحدة»، وفقدان الثقة أيضاً بالسلطات المحلية في موسكو ومدن كبرى أخرى، كما في الأقاليم التي تعاني أكثر من غيرها من مشكلات الفساد والتسيب. كما برزت التحديات على المستوى الخارجي في بدء تفكك منظومة الرقابة على التسلح في العالم، مع انهيار معاهدة الحد من الصواريخ النووية المتوسطة وقصيرة المدى، ما أبرز احتدام الوضع على صعيد ضمانات الأمن الاستراتيجي، ووضع القيادة الروسية أمام تحدٍ قوي وسط مؤشرات إلى اندلاع ما وصف بأنه «سباق تسلح جديد». يضاف إلى ذلك أن العلاقات الروسية - الأميركية التي كانت وصفت بأنها «وصلت إلى الحضيض» لم تبدأ وفقاً لتوقعات سابقة للكرملين في تجاوز أزمتها، برغم كل الآمال التي تعلقت باحتمال حدوث تغير في سياسة الرئيس دونالد ترمب بعد انتهاء المحقق الخاص بقضية «التدخل الروسي» مولر من تحقيقاته، وفشله في تقديم أدلة ملموسة على التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأميركية. وخلافاً لما كان متوقعاً، واصلت واشنطن استخدام «سياسة العقوبات» للتضييق على موسكو، وتبعها في ذلك حلفاء واشنطن في الغرب.

- نقاش حول الاستراتيجية
على خلفية هذه الأجواء المعقدة، كان للتأكيد على أهمية «الإنجاز» الذي تحقق في سوريا أهمية خاصة، برزت من خلال التركيز في التصريحات والتغطيات الإعلامية الموجهة إلى الداخل الروسي على الأبعاد «الاستراتيجية» لنجاحات موسكو في الحرب، ورغم أن المزاج العام أظهر تراجعاً في نسب تأييد تحركات الكرملين على الصعيد الخارجي، خصوصاً في إطار الانخراط في الحرب السورية، فإن التفاوت ظل واسعاً وفقاً لأحدث استطلاعات الرأي بين تعامل الروس الانتقادي مع الوضع الداخلي، وتأييدهم سياسات الكرملين الخارجية الذي حافظ على معدلات عالية نسبياً، وإن كان تراجع بعض الشيء عن الفترات الماضية. لكن «الإنجازات» التي تؤكدها موسكو لم تنعكس أصداؤها في جولات محادثات آستانة، وأظهرت نتائج الجولتين الأخيرتين تفاقم الصعوبات أمام الكرملين في دفع الملفات المطروحة من جانب موسكو، وحشد تأييد دولي وإقليمي حولها، خصوصاً على صعيد ملفي اللاجئين وإعادة الأعمار، في حين راوحت عملية تشكيل اللجنة الدستورية طويلاً. وخلافاً لتأكيدات سابقة، فقد تعمقت أكثر الخلافات بين روسيا وحليفيها الأساسيين في «مسار آستانة» تركيا وإيران. وأظهرت نقاشات جرت أخيراً في إطار ندوة خصصت للبحث في الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط، أن تقويم الوضع من جانب الخبراء الروس تغير جذرياً، من حديث في بداية التدخل المباشر في سوريا عن «حملة سريعة هدفها تعزيز الحضور الروسي وترتيب موازين القوى لدفع عملية سياسية مقبولة» إلى «انخراط كامل في تعقيدات إقليمية ودولية، أسفر عن اضطرار الكرملين إلى زج كل قدراته في المسار السوري».
بهذا الفهم يتعامل فريق من الخبراء الروس مع الفارق على المستوى الميداني بين الرؤية الأولى لحجم وطبيعة التدخل الروسي في سوريا كما كان مرسوماً، واضطرار موسكو تدريجياً إلى الانزلاق نحو «تورط» كامل في هذه الأزمة، انعكس من خلال زج الشرطة العسكرية ووحدات برية في أكثر من منطقة، فضلاً عن غض النظر عن استخدام وحدات من شركات مسلحة روسية خاصة في عمليات عسكرية واسعة النطاق. أما على الصعيد السياسي، فإن موسكو باتت تواجه صعوبة أكبر في المحافظة على توازنات القوى التي أقامتها في سوريا، ومع التأكيد على أن روسيا «لن تقبل بعقد صفقات على حساب مصالح حلفائها» وفقاً لتشديد الرئيس فلاديمير بوتين أخيراً، فإن تعقيدات التعامل مع التناقضات القائمة في رؤى روسيا وتركيا وإيران باتت أكثر وضوحاً أخيراً، مع تداخل تأثير القوى الأخرى وعلى رأسها الولايات المتحدة.

- مسار وتعقيدات
حملت نتائج جولة المحادثات السورية الأخيرة في إطار «مسار آستانة» إشارات واضحة إلى هشاشة التحالف القائم مع أنقرة وطهران، إذ إن الزخم الكبير الذي رافق انطلاقه في يناير (كانون الثاني) 2017 تقلص كثيراً. ويواجه الموقف الروسي الرسمي صعوبة متزايدة في الترويج لـ«إنجازات» هذا المسار. تصر موسكو على رؤيتها حول أن «مسار آستانة» نجح في خفض التوتر في سوريا وتوسيع رقعة وقف النار على غالبية الأراضي السورية، كما وضع، وهو الأمر الأهم من وجهة نظرها، الأساس لإطلاق العملية السياسية وفقاً للتأويل الروسي للقرار «2254»، بمعنى الانطلاق من «ضرورة الحوار بين كل مكونات الشعب السوري»، وهو أمر أطلقته موسكو في مؤتمر سوتشي في 30 يناير 2018 وانتقلت منه إلى النشاط المتعلق بتشكيل اللجنة الدستورية، متجاهلة البنود الأخرى في القرار الدولي، خصوصاً تلك التي تتحدث عن «عملية سياسية تفضي إلى قيام هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية». لكن في المقابل، بدا أن المسار الذي عولت عليه موسكو كثيراً، تحول منذ الجولة الرابعة له إلى ساحة للحوار بين موسكو وأنقرة وطهران، مع تراجع دور وأهمية حضور كل من طرفي الأزمة السورية: السلطة والمعارضة. ناهيك بالعنصر الأهم المتعلق بمسألة «وقف النار»، إذ شهدت «مناطق خفض التصعيد» أوسع عمليات قتالية لم تُبقِ من تسميتها شيئاً، ومع نجاح موسكو وطهران في مساعدة النظام على بسط سيطرة كاملة على هذه المناطق لـ«تخرج من أجندة الحوار بسبب انتهاء المشكلة فيها»، وفقاً لما قاله الوزير سيرغي لافروف بعد السيطرة على الغوطة الشرقية. لكن الأطراف أخفقت في وضع أجندة مشتركة للخطوات اللاحقة، وهو أمر برز في تعثر محاولات التقدم على المسارات المختلفة وبروز المشكلات الجدية بين أطراف المسار.
وتبدو الهواجس الإيرانية من احتمال أن تقدم موسكو على مقايضات حول الوجود الإيراني في سوريا، أكثر وضوحاً من الفترات السابقة، رغم تأكيد موسكو رفضها مبدأ «الصفقات». كما أن الصراع على النفوذ في عدد من المناطق السورية بدا واضحاً خلال الفترة الأخيرة. أما مع «الحليف» التركي، فالمشكلة أكثر تعقيداً، فمن جانب تسعى موسكو وأنقرة إلى إظهار عمق وقوة التعاون، الذي اتخذ بعداً جديداً ومهماً بعد صفقة «إس400»، لكن من جانب آخر، راقبت موسكو بحذر الحوارات التركية - الأميركية حول مسألة «المنطقة الآمنة» في الشمال، وأبلغت الجانب التركي رفضها أي خطوات أحادية في هذا الشأن، كما أن معضلة إدلب ما زالت تشكل نقطة خلافية كبرى، ويدفع التصعيد العسكري الحاصل حالياً حول إدلب إلى تكهنات بشأن مزيد من التعقيدات في العلاقة بين موسكو وأنقرة. بهذا المعنى، فإن ما تبقى من «مسار آستانة» وفقاً لآراء خبراء هو الحاجة المشتركة لكل من طهران وموسكو وأنقرة إلى التمسك بـ«آلية العمل المقبولة للأطراف الثلاثة».

- المنطقة الآمنة وآستانة؟
فور الإعلان عن توصل واشنطن وأنقرة إلى تفاهمات حول إنشاء غرفة عمليات مشتركة في منطقة الشمال، ما يعني إطلاق عملية تأسيس «منطقة آمنة» على طول الحدود التركية - السورية، طرحت وسائل الإعلام الروسية الكبرى أسئلة حول مصير «مسار آستانة»، ورأت أن هذا التطور ستكون له آثار مباشرة وقوية، على العلاقة بين موسكو وأنقرة في الملف السوري تحديداً. ورغم أن موسكو تجنبت على المستوى الرسمي المسارعة في التعليق على التطور، وهو أمر فسره مراقبون بأنه هدف إلى استطلاع آليات التنفيذ ومدى تأثير التفاهم في تحولات العلاقات بين أنقرة وواشنطن، لكن أوساطاً دبلوماسية روسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» لم تخفِ قلقها بسبب التطور، وقالت إنه «يضع واقعاً جديداً في منطقة الشمال السوري، لا يقتصر على منح الوجود الأميركي غير الشرعي وضعاً مختلفاً، لكنه يزيد أيضاً من تعقيدات بلورة ملامح التسوية السياسية النهائية في سوريا».
وتعكس العبارة خيبة أمل روسية عميقة بسبب تجاهل أنقرة الدعوات الروسية المتكررة حول ضرورة العمل بشكل مشترك، وعدم القيام بتصرف أحادي الجانب، خصوصاً أن المسؤولين الروس شددوا أكثر من مرة على تفهم موسكو الحاجات الأمنية التركية، وضرورة حصول أنقرة على ضمانات كاملة في هذا الشأن.
وكانت موسكو تفضل دفع تركيا إلى مسار آخر، يقوم على فتح قنوات اتصال بشكل مباشر أو غير مباشر مع دمشق، للتفاهم على الترتيبات الأمنية المطلوبة للجانبين، وطرحت رؤيتها حول ضرورة العودة إلى «اتفاق أضنة» المبرم بين دمشق وأنقرة في عام 1998 كونه يشكل «أساساً للتفاوض»، بمعنى أن موسكو لم تكن تعارض أن يتم توسيع هذا الاتفاق الذي يمنح أنقرة حق التوغل لمسافة 5 كيلومترات داخل الأراضي السورية لضرورات مواجهة الخطر الإرهابي. ويفضل الخبراء الروس عدم إعطاء تقويمات لطبيعة التحرك الروسي اللاحق، بعدما غدا الاتفاق التركي - الأميركي أمراً واقعاً، لكن بعضهم نبه إلى رهان روسي على أن التفاهمات التركية - الأميركية سوف تفشل ولن يكون من الممكن تنفيذها عملياً، بسبب تضارب المصالح، والتحالفات، والرؤية النهائية للوضع في المنطقة بين الجانبين. لكن في المقابل، يرى جانب آخر من المراقبين أن التصعيد الحاصل في إدلب، يشكل واحدة من آليات الضغط الروسي على أنقرة، وأن موسكو تفضل استعادة الحوار مع الجانب التركي حول آليات مشتركة لتسوية الملف الأمني في الشمال، بدلاً من الاعتماد على تفاهمات «غير قابلة للتنفيذ» مع واشنطن. وبانتظار أن تتضح الملامح النهائية للتحركات المقبلة، يبدو أن مسار آستانة يواجه أكبر ضربة جدية، ما دفع معلق في صحيفة روسية كبرى إلى أن يتوقع قبل يومين أن الجولة 13 في هذا المسار، قد تكون آخر الجولات التي يجري فيها حوار ثلاثي بين موسكو وطهران وأنقرة.
وفي ظل الشكوك التي تحيط بعلاقة موسكو وأنقرة، على خلفية تأكيد الطرفين عمق واستراتيجية التعاون من جانب، وبروز ملفات خلافية واسعة من الجانب الآخر، فإن الاستحقاق الآخر الذي تسعى موسكو إلى التعامل معه وفقاً لرأي خبير في مجلس السياسة الخارجية الروسي هو وضع آليات جديدة للنقاش مع الولايات المتحدة حول الوضع في سوريا.



رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
TT

رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

زار الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، يوم الجمعة، عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، وذلك في زيارة هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

تأتي الزيارة إلى لاسعانود، العاصمة الإدارية لمحافظة صول، في خِضم توترات تشهدها منطقة القرن الأفريقي، على خلفية اعتراف إسرائيل مؤخراً باستقلال جمهورية أرض الصومال المعلَنة من جانب واحد، وهو ما أثار حفيظة مقديشو.

وحضر محمود في لاسعانود مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

تضم ولاية شمال شرقي الصومال أجزاء من ثلاث محافظات صومالية هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته لاسعانود لحضور مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

كانت جمهورية أرض الصومال الانفصالية تسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواتها اضطرت للانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو، خلّفت عشرات القتلى.

وقالت الرئاسة الصومالية إن زيارة محمود ترمز إلى تعزيز الوحدة والجهود التي تبذلها الحكومة الفيدرالية لتكريس وحدة أراضي الدولة الصومالية وشعبها.

وسارعت جمهورية أرض الصومال للرد، إذ قال وزير شؤون الرئاسة في الإقليم الانفصالي، خضر حسين عبدي، إن لاسعانود هي أرض الصومال، مشدّداً على وجود تصميم على حل الخلافات بالحوار والوسائل السلمية.

وشدّد على أن الاعتراف بأرض الصومال أصبح، الآن، «واقعاً»، وعَدَّ أن «أحداً لا يمكنه تغيير ذلك».

Your Premium trial has ended


انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.