متحف المركبات الملكية في القاهرة يستعيد بريقه

أنشأه الخديو إسماعيل... ويضم عربات نادرة وهدية من الإمبراطورة أوجيني

عرض للمركبات الملكية بالمتحف
عرض للمركبات الملكية بالمتحف
TT

متحف المركبات الملكية في القاهرة يستعيد بريقه

عرض للمركبات الملكية بالمتحف
عرض للمركبات الملكية بالمتحف

تواصل مصر عمليات تطوير وترميم متحف المركبات الملكية بمنطقة بولاق أبو العلا (وسط القاهرة)، تمهيداً لإعادة افتتاحه خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل، حيث تفقد الدكتور خالد العناني، وزير الآثار المصري، أول من أمس، أعمال التطوير بالمتحف.
وقال المهندس وعد أبو العلا، رئيس قطاع المشروعات بوزارة الآثار المصرية، في بيان صحافي، إن «مشروع تطوير المتحف بدأ عام 2001. وتوقف عدة مرات، ليتم استئناف العمل به مرة أخرى في عام 2017»، مشيراً إلى أن «المشروع تضمن إعادة تأهيل المبنى، وتدعيمه إنشائياً، وترميم الواجهات، والانتهاء من التشطيبات المعمارية، وتجهيز قاعات العرض الخاصة به، وتزويده بأحدث نظم الإضاءة، والإطفاء، والتأمين، والإنذار ضد السرقة، إضافة إلى معمل حديث للترميم».
وأضاف أبو العلا أنه «تم استغلال جميع المساحات بالمتحف، لتوفير خدمات للزوار، مثل قاعة للعرض المرئي لعرض أفلام وثائقية عن المركبات الملكية في ذلك الوقت، وخاصة مركبات الأسرة العلوية، وكافتيريا، ومصعد لذوي الاحتياجات الخاصة»، مشيراً إلى أنه «تم الانتهاء من تنفيذ أكثر من 80 في المائة من المشروع».
يقع المتحف بالقرب من جامع السلطان أبو العلا في منطقة بولاق أبو العلا بالقاهرة، وأنشأه الخديو إسماعيل، في الفترة ما بين عامي 1863 و1879 ميلادي، وتمت إضافة بعض التعديلات إليه في عهد الملك فؤاد (1917 – 1936)، ويضم المتحف 78 عربة ملكية، ويتكون من مبانٍ كانت عبارة عن حجرات للعربات وإسطبلات الخيول وحجرات خاصة بإعداد أطقم الخيل، وورش للقطار وسكن لمبيت سائقي العربات ومكاتب للعاملين وحجرات للإسعاف، ويتضمن مجموعة من العربات الملكية من طرز مختلفة، استخدمت عند استقبال الملوك والسفراء والنبلاء وأهم هذه العربات الآلاي الكبرى.
وقال الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، لـ«الشرق الأوسط»: «إن هذا المتحف هو أحد المتاحف التاريخية في مصر»، مشيراً إلى أن «المتاحف في مصر تنقسم إلى 3 أنواع، وهي المتاحف القومية مثل المتحف المصري بالتحرير، والمتاحف الإقليمية بالمحافظات، والمتاحف التاريخية».
وأضاف عبد البصير إن «متحف المركبات واحد من المتاحف المهمة جداً، إذ يعرض المركبات التي شاركت في حفل افتتاح قناة السويس». مشيراً إلى أنه «تم نقل المتحف في فترة من الفترات إلى قلعة صلاح الدين، قبل عودته إلى موقعه الأصلي ببولاق أبو العلا.
وأوضح عبد البصير أن «منطقة بولاق أبو العلا منطقة مهمة تاريخياً، حيث شهدت بداية وجود المتحف المصري قبل نقله للتحرير، وعدد من المناطق المهمة من بينها متحف المركبات، حيث ركز الخديو إسماعيل على المنطقة في محاولته لتحويل القاهرة إلى قطعة من أوروبا»، مشيراً إلى أنه «كان إسطبلاً للخيول قبل أن يحوله الخديو إسماعيل إلى متحف للمركبات الملكية».
ونقلت بعض مقتنيات المتحف إلى قلعة صلاح الدين الأيوبي الأثرية في القاهرة، حيث تم عرضها في متحف للمركبات الملكية تم افتتاحه عام 1983. قبل أن يبدأ مشروع لإعادة المركبات إلى متحفها الأصلي بسيناريو عرض جديد.
وشرحت الدكتورة نيفين نزار، معاون وزير الآثار لشؤون المتاحف، سيناريو العرض المتحفي الجديد للمتحف، وقالت، في بيان صحافي، إن «المتحف يعرض المركبات الملكية الفريدة، والإكسسوارات المتنوعة الخاصة بها، من خلال 5 قاعات للعرض».
وأوضحت أن «القاعة الأولى تسمى قاعة الهدية، وتعرض العربات والمركبات المهداة إلى الأسرة العلوية خلال المناسبات المختلفة، وأهمها العربة التي أهدتها الإمبراطورة الفرنسية أوجيني إلى الخديو إسماعيل بمناسبة افتتاح قناة السويس، وملحق بها قاعة للعرض المؤقت والمتغير».
أما القاعة الثانية، فهي قاعة العرض المكشوف وتعرض أندر أنواع المركبات، ومن بينها عربة الآلاي، وهي عربات يجرها الخيول، وكان يتم تصنيعها بمواصفات معينة للملوك وكبار رجال الدولة، وحظيت بشهرة كبيرة في تلك الفترة من الزمن، بينما تعتبر القاعة الثالثة هي القاعة الرئيسية للمتحف، وستضم مجموعة من العربات التي كان يستخدمها أفراد الأسرة العلوية خلال المناسبات الرسمية المختلفة، مثل حفلات الزفاف، والمراسم الجنائزية، والأعياد والمتنزهات وغيرها، إضافة إلى لوحات زيتية عبارة عن بورتريهات لملوك وملكات، وأميرات، وأمراء الأسرة العلوية، وتضم القاعة الرابعة الملابس الخاصة بسائقي الخيول، بينما يعرض بالقاعة الخامسة مجموعة من الإكسسوارات الخاصة التي كانت تستخدم لتزيين الخيول، مثل الحدوة، واللجام، والسرج، وغيرها.



بعد 35 عاماً من الشغف… «ساعات الأجداد» الأثرية تُعرض في مزاد ببريطانيا

مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
TT

بعد 35 عاماً من الشغف… «ساعات الأجداد» الأثرية تُعرض في مزاد ببريطانيا

مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)

تُطرح مجموعة خاصة من الساعات الأثرية الطويلة، المعروفة باسم «ساعات الأجداد»، للبيع في مزاد علني، بعدما جُمعت على مدى 35 عاماً بدافع شغف الاقتناء والترميم.

وتنتمي هذه الساعات إلى بلدات ديفايز، ورويال، ووتون باسيت، وكالن في مقاطعة ويلتشير البريطانية، وهي مملوكة للزوجين بول وجان سوكوني، اللذين قررا أن الوقت حان لانتقال هذه القطع التاريخية إلى «أيدٍ أمينة»، عند عرضها في مزاد تنظمه دار «RWB Auctions» في 4 مارس (آذار)؛ وفق هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وقال بول سوكوني: «لقد تجاوزت السبعين من عمري، وما زلت أعمل مستشاراً في قطاع الأغذية. شعرنا أنا وزوجتي بأن الوقت قد حان للتخلي عن بعض الساعات، ولا سيما تلك التي لا تزال تحتاج إلى ترميم. علينا التفكير في المستقبل، وليس من العملي الاحتفاظ بكل ما نملك».

وتضم مجموعة الزوجين ساعات متنوعة، إضافة إلى أجزاء ميكانيكية مرتبطة بها. وما بدأ بعملية شراء شخصية بسيطة تحوَّل مع مرور السنوات إلى شغف عمر، قادهما إلى البحث عن ساعات صنعها حرفيون محليون والعمل على ترميمها.

ويضيف بول، المقيم قرب ديفايز: «كانت لدى زوجتي رؤية رومانسية؛ أن تجلس بجوار مدفأة الحطب، تقرأ روايات توماس هاردي، في حين يملأ المكان صوت دقات ساعة عتيقة تبعث على الطمأنينة. لذلك اشتريت لها، قبل 35 عاماً، ساعة من هذا الطراز».

وتابع: «من هنا بدأت الحكاية. أصبحنا نبحث عن ساعات تحمل طابعاً محلياً وتاريخاً خاصاً؛ فلكل ساعة شخصيتها وهويتها».

ويبلغ عدد الساعات في مجموعتهما اليوم أكثر من 60 ساعة، وقد باع الزوجان عدداً منها لمشترين من مختلف أنحاء العالم، سعياً من هؤلاء إلى استعادة صلتهم بتاريخهم أو بجذورهم العائلية.

ومن المتوقع أن تحقق القطع المعروضة أكثر من ألف جنيه إسترليني عند عرضها للبيع هذا الأسبوع، وفق تقديرات دار المزاد.

وقال مساعد المزادات وخبير التقييم ويل والتر: «هذه قطع محلية لافتة للاهتمام، ومن المرجح أن تجذب هواة جمع من المنطقة، أو أشخاصاً يقيمون في الخارج لكن تربطهم صلة بهذه البلدات».

ويُنتظر أن يستقطب المزاد اهتمام المهتمين بالساعات الأثرية وتاريخ الحِرف المحلية في منطقة ويلتشير.


«كنوز غارقة» يعيد قراءة ذاكرةٍ ظلت قروناً تحت الماء

أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
TT

«كنوز غارقة» يعيد قراءة ذاكرةٍ ظلت قروناً تحت الماء

أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)

على طول الساحل الغربي للمملكة، يمتد تاريخ لا يمكن رؤيته من اليابسة. تحت طبقات المياه في البحر الأحمر، ترقد موانٍ قديمة، ومسارات تجارة اندثرت، وسفن توقفت رحلاتها قبل أن تصل إلى وجهتها الأخيرة. ولقرون طويلة، ظل هذا التاريخ صامتاً، ومحفوظاً في الأعماق، وبعيداً عن السرد التاريخي التقليدي.

اليوم، يحاول معرض «كنوز غارقة: التراث البحري للبحر الأحمر»، الذي افتتحه متحف البحر الأحمر في جدة التاريخية، إعادة هذا التاريخ إلى المجال العام، ليس بوصفه اكتشافاً أثرياً فحسب، بل باعتباره جزءاً من الهوية الحضارية للساحل السعودي. المعرض، الذي جاء ثمرة تعاون بين متحف البحر الأحمر وهيئة التراث وعدد من الشركاء البحثيين، يقدّم قراءة موسّعة لدور البحر الأحمر بوصفه أحد أهم الممرات البحرية في التاريخ، حيث التقت عبره طرق الحج، والتجارة، والهجرة، وربطت موانيه الجزيرة العربية بآسيا، وأوروبا، وأفريقيا.

مديرة متحف البحر الأحمر إيمان زيدان ترى أن الحاجة إلى هذا المعرض نشأت من طبيعة الساحل السعودي نفسه، الذي وصفته بأنه ساحل غني شهد عبور الحجاج، والرحالة، وازدهار موانٍ رئيسة، مثل الشعيبة، وجدة، إلى جانب مرافق ساحلية في فرسان، والسيرين، والحفز، شكّلت عبر القرون شبكات تجارة واسعة نقلت السلع، والمعرفة، والثقافات بين القارات.

وتوضح زيدان لـ«الشرق الأوسط» أن جزءاً كبيراً من هذا الإرث ظل غير مكتشف، أو غير متاح للمجتمع، رغم أعمال المسح الأثري التي شهدتها مواقع عدة على الساحل السعودي، إضافة إلى مواقع التراث الثقافي المغمور بالمياه، ومن أبرزها حطام سفينة أملج التي كشفت مكتشفاتها عن روابط تجارية وثقافية امتدت من شرق آسيا إلى مواني البحر الأحمر.

أوانٍ خزفية اكتشفت في باب البنط على ساحل البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

يضم المعرض نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، تتراوح تواريخها بين ما يقارب 1600 عام، بينها قطع خزفية، وفناجين بورسلين صينية تعود إلى فترات ازدهار التجارة البحرية، في شواهد تعكس حجم التبادل التجاري بين الصين والجزيرة العربية.

وتشير زيدان إلى أن طبيعة البحر الأحمر الجغرافية -كونه بحراً ضحلاً تحيط به الشعاب المرجانية والتيارات المتغيرة- دفعت البحارة تاريخياً إلى تطوير سفن تقليدية مختلفة في تصميمها عن غيرها من سفن العالم، كما اعتمدوا على الخرائط، وأدوات الملاحة، مثل الأسطرلاب، للاستدلال على الطرق البحرية.

وفي سياق الكشف عن حجم التراث غير المكتشف، أوضحت زيدان أن الدراسات الحالية تشير إلى وجود 40 سفينة غارقة على الساحل السعودي، وهو رقم لا يزال قيد الدراسة، ومرشح للارتفاع مع استمرار أعمال الاستكشاف والتوثيق، ما يعكس اتساع المخزون الثقافي الكامن تحت مياه البحر الأحمر.

من جانبه، أكد ماجد العنزي، مدير عام التراث الثقافي المغمور بالمياه المكلف في هيئة التراث، أن مشاركة الهيئة في المعرض تأتي ضمن جهود وطنية متواصلة في المسح والتنقيب عن مواقع التراث البحري، وحمايتها، مشيراً إلى أن الهيئة عرضت خلال المعرض عدداً من المكتشفات الناتجة عن أعمال ميدانية حديثة.

فناجين خزف صيني (الشرق الأوسط)

وأوضح العنزي، خلال الجلسة الحوارية المصاحبة للمعرض، أن فهم التراث المغمور لا يقتصر على دراسة الحطام، أو القطع المكتشفة، بل يتطلب قراءة أوسع للتغيرات البيئية والتاريخية، خصوصاً تحولات مستوى سطح البحر عبر آلاف السنين، إذ إن الحدود الساحلية التي نراها اليوم تختلف عمّا كانت عليه في العصور الحجرية، والبرونزية، ما يعني أن مواقع استيطان بشرية قديمة أصبحت اليوم تحت الماء.

وأشار إلى أن هذه الدراسات تساعد الباحثين على تحديد أماكن عيش الإنسان القديم، ومسارات الحركة البشرية والتجارية عبر الزمن، ما يمنح علم الآثار البحري دوراً متقدماً في إعادة فهم تاريخ المنطقة. ولم تغب مسألة الحماية عن النقاشات المصاحبة للمعرض؛ إذ شدد كل من زيدان والعنزي على أن التراث المغمور يمثل منظومة أثرية وبيئية متكاملة يجب الحفاظ عليها في موقعها الطبيعي، مع دعوة خاصة للغواصين والهواة بعدم العبث بحطام السفن، لأنها سجلات تاريخية قائمة بذاتها.

كما ناقشت الجلسة أهمية إشراك المجتمع في حماية هذا الإرث، عبر برامج التطوع التي تتيح للمهتمين والمتخصصين، خصوصاً الغواصين، المشاركة في أعمال التوثيق، والحفاظ على مواقع التراث الثقافي المغمور بالمياه. في النهاية، يكشف «كنوز غارقة» أن البحر الأحمر لا يزال يحتفظ بتاريخ لم يُقرأ كاملاً بعد.

فكل بعثة استكشاف، وكل قطعة تُكتشف، لا تضيفان معلومة جديدة فحسب، بل تعيدان رسم صورة المنطقة باعتبارها نقطة التقاء حضارات، لا مجرد ساحلٍ على خريطة. فالتاريخ هنا لم يختفِ... بل انتظر تحت الماء حتى يحين وقت ظهوره.


الشيف طرفة الفوزان: السمبوسة والفوانيس دخيلة… والسفرة تحكي أطباق رمضان

الشيف السعودية طرفة الفوزان خلال حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)
الشيف السعودية طرفة الفوزان خلال حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)
TT

الشيف طرفة الفوزان: السمبوسة والفوانيس دخيلة… والسفرة تحكي أطباق رمضان

الشيف السعودية طرفة الفوزان خلال حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)
الشيف السعودية طرفة الفوزان خلال حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

السفرة الرمضانية في السعودية تتجاوز كونها أطباقاً تُرصّ قبيل أذان المغرب، فهي مشهد اجتماعي مكتمل تتجاور فيه الذاكرة مع الرائحة، وتتكئ فيه الجغرافيا على قدر يغلي منذ عشرات السنين. هكذا تصف الشيف السعودية طرفة إبراهيم الفوزان مائدة الإفطار، بوصفها «حكاية بيت» قبل أن تكون وصفة مطبخ، مؤكدة أن لكل منطقة بصمتها الخاصة، وإن اجتمعت القلوب على طقس واحد.

المرقوق أحد الأطباق الشعبية التي أعدتها الشيف السعودية طرفة الفوزان

وتأتي نجد بأطباق رمضانية مثل «التاوة»، حيث تُخبز على الصاج وتُقدَّم مع الدبس أو السمن، و«اللقيمات» وهي كرات صغيرة من العجين تُقلى في الزيت ثم تُغمس في الدبس، بالإضافة إلى حلوى «التطلي» التي تُعرف اليوم بالكاسترد، والمهلبية البيضاء، والشعيرية المحلّاة بالسكر؛ وهي حلويات بسيطة في مكوّناتها وعميقة في رمزيتها. وأوضحت الفوزان أن «السمبوسة» لم تكن دائماً بنت البيت، بل كانت تُشترى أحياناً من الباعة في الشوارع، في مشهد يعكس بساطة الحياة آنذاك.

وأشارت الفوزان إلى أن الفطور النجدي في شهر رمضان يشمل تحضير «القرصان» و«السليق» بالحليب، ومعهما المكرونة الطويلة التي كانت تُكسر 5 كسرات قبل طهيها، في حين يتصدر «الجريش» و«المرقوق» المائدة، إلى جانب أطباق مثل «المراصيع».

اللقيمات أحد الأطباق التي أعدتها الشيف السعودية طرفة الفوزان

واستعادت خلال حديثها مع «الشرق الأوسط» زمناً كانت فيه بعض الأكلات حكراً على شهر رمضان، حتى إن تناول «الجلي» في غيره كان يُعد خروجاً عن المألوف، في إشارة إلى الارتباط الوثيق بين هذه الأطباق والشهر الكريم، وحضورها الموسمي الذي كان يمنحها طابعاً خاصاً في الذاكرة الاجتماعية.

المائدة الشرقية... نكهات البحر والهريس

من الأحساء إلى الجبيل، يفرض «الهريس» حضوره بوصفه سيد الشوربات، فيما تتزين المائدة بـ«الساقو»، وهي حلوى تقليدية تُطهى بالسكر والزعفران وتُقدَّم باردة، و«البلاليط» المطهية بالهيل والزعفران والمكللة بقرص من البيض، على خلاف الطريقة النجدية في إعداد الشعيرية. كما يحضر «الرز الأحمر» المطهو مع الكنعد أو الهامور، بلونه المائل إلى البني بعد تحميصه، إلى جانب «التشريبة»، حيث تبدو النكهات أكثر اقتراباً من البحر وأشد التصاقاً بتفاصيل البيئة الساحلية.

المائدة الغربية... قمر الدين والدخن

تستقبل المنطقة الغربية الصائمين بنكهة مختلفة، حيث يتقدم عصير «قمر الدين» المائدة بلونه البرتقالي الكثيف، في تقليد استقر منذ عقود، وأصبح جزءاً من ذاكرة الإفطار في مدن مثل جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة. وإلى جانبه تحضر «شوربة الدخن» غير المحمصة، بقوامها ونكهتها الهادئة التي تعكس اعتماد المنطقة تاريخياً على الحبوب، كما تتربع «شوربة الحب» المصنوعة من القمح الكامل على عرش الأطباق المشبعة.

ولا تغيب المهلبية والشعيرية عن المشهد، حيث تُزيَّن أحياناً بالقرفة أو المكسرات، وتُقدَّم في صحون فردية صغيرة، كما تحضر أطباق الأرز واللحوم المطهوة بتتبيلات تميل إلى التنوع، متأثرة بحركة التجارة والحجاج التي مرّت عبر مواني البحر الأحمر لقرون طويلة، فحملت معها نكهات وتوابل من بلدان عدّة اندمجت تدريجياً في المطبخ المحلي.

جنوب المملكة... العريكة والخبز على الحطب

ويمتد هذا التنوع جنوباً، في مناطق عسير وجازان والباحة، حيث تتشكل المائدة الرمضانية من علاقة وثيقة بالأرض والموسم. وتُطهى «العريكة» المصنوعة من الدقيق الأسمر أو الدخن والممزوجة بالسمن والعسل، و«المعصوب» بطبقاته الدافئة من الخبز والموز والقشطة، بوصفهما خيارين مثاليين لبداية الإفطار أو ختامه. كما يبرز خبز «الملّة» و«الميفا» المخبوزان على الحطب، برائحتهما المدخنة، في مشهد يستحضر الأفران الحجرية والبيوت الجبلية القديمة.

وتُعد أطباق الدخن والعصيدة من الأطباق الرئيسية، تُسكب في صحون واسعة ويتشكل في وسطها تجويف صغير يُملأ بالمرق أو السمن، فيما تنضم أطباق اللحم المطهو ببطء إلى جانبها، وتُصنع الشوربات من الحبوب المحلية التي تمنح الدفء والشبع بعد الصيام.

المنطقة الشمالية... الدسامة والكرم البدوي

تميل المائدة الرمضانية في مدن شمال المملكة إلى الأطباق الدسمة، خصوصاً في مناطق الجوف والحدود الشمالية وتبوك، وتنسجم هذه الأطباق مع طبيعة الطقس البارد واتساع المساحات المفتوحة. ويتميز «الجريش» بقوامه الكثيف المطهو لساعات حتى يلين تماماً، ويجاوره «المطازيز» المحضّر من أقراص عجين صغيرة تُطهى مع اللحم والخضار في قدر واحد، بينما يأتي «القرصان» بطبقاته المشبعة من الخبز الرقيق والمرق الغني.

وغالباً ما تبدأ السفرة بشوربات القمح أو الشعير قبل أن تصل أطباق اللحم، سواء كانت على هيئة قطع مطهية في المرق أو أطباق أرز يعلوها اللحم، في انعكاس واضح لثقافة الكرم المتجذرة في المجتمعات البدوية، حيث تتعدد أطباق السفرة الشمالية وطرق تقديمها.

وأوضحت طرفة الفوزان، رغم كل هذا التنوع في المأكولات الرمضانية، أن هناك أطباقاً أساسية لا غنى عنها في السفر، مثل «التاوة واللقيمات والسمبوسة»، مع شوربة الجريش أو الشوفان، قائلة: «هي أطباق انتقلت من جيل إلى جيل، ولذلك ارتبطت في وعينا الجمعي برمضان نفسه».

المرقوق أحد الأطباق الشعبية التي أعدتها الشيف السعودية طرفة الفوزان

وقالت الفوزان إن شكل السفرة شهد تغيّرات ملحوظة في العقود الأخيرة؛ فبعد أن كانت تُفرش على الخوص ويُضاء فوقها سراج صغير، دخلت الفوانيس ذات الطابع غير المحلي، وتسللت ألوان وزينات مستوردة لا تعكس البيئة السعودية التقليدية، وهو ما أدى، حسب وصفها، إلى ترسيخ تصور لدى الأطفال والشباب بأن بعض هذه العناصر جزء من التراث، في حين غابت عنهم التفاصيل المحلية الأصيلة التي كانت تميز سفرتهم الرمضانية.

وبيّنت الفوزان أن الحفاظ على هوية المائدة يشمل أدوات الضيافة وطريقة التقديم وحتى المفردات المستخدمة أثناء الإفطار، مشيدة بجهود المؤسسات المعنية بالتراث التي تسعى لإعادة الاعتبار للموروث الرمضاني، لكنها تؤكد أن الدور الأهم يبقى للأسرة ووسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز الوعي الغذائي المحلي، ونشر الثقافة المرتبطة بالتمر والقهوة العربية، وهما عنصران أساسيان يجتمع عليهما السعوديون في كل منطقة، ليكونا العامل المشترك الذي يوحد المائدة رغم اختلاف الأطباق والألوان.