الاستثمارات الأجنبية في الهند تتقدم على خلفية سياسية وإصلاحية قوية

تخطت الصين للمرة الأولى منذ 20 عاماً... واقتصادها أصبح الأسرع نمواً عالمياً

تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)
تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)
TT

الاستثمارات الأجنبية في الهند تتقدم على خلفية سياسية وإصلاحية قوية

تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)
تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)

بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الهند نحو 44.37 مليار دولار للسنة المالية 2018 - 2019، حيث حققت نمواً بنسبة 6 نقاط مئوية، إثر دعمها بحزمة تدفقات قوية في مجالات التصنيع التحويلي، والاتصالات، والخدمات المالية.
ووفقاً لتقرير الاستثمار العالمي لعام 2019 والصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، نجحت الهند في جذب 77 في المائة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي وصلت إلى منطقة جنوب آسيا. وكان إجمالي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى جنوب آسيا قد بلغ 54 مليار دولار. وتحتل الهند المرتبة التاسعة عالمياً من حيث جهات استقبال الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وتعتبر الاستثمارات الأجنبية ذات ضرورة حيوية للهند مع حاجة البلاد الماسة إلى نحو تريليوني دولار لإصلاح قطاع البنية التحتية، مثل الموانئ والمطارات والطرق السريعة، بهدف تعزيز النمو الاقتصادي في البلاد. ويساعد تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة القوي في البلاد على تحسين ميزان المدفوعات وتعزيز قيمة العملة المحلية مقابل العملات العالمية الأخرى، سيما الدولار الأميركي.
- كبار المستثمرين
وكانت سنغافورة قد برزت كأكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في الهند، مما يؤكد على العلاقات التجارية المتنامية بين البلدين، التي تليها اليابان، ثم الإمارات، وهولندا، وفرنسا، وألمانيا.
ووفقا لآخر الأرقام الصادرة عن وزارة تعزيز الصناعة والتجارة الداخلية الهندية، تلقت البلاد النصيب الأكبر من تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة من سنغافورة، بقيمة بلغت 16.23 مليار دولار، وذلك في السنة المالية الهندية الأخيرة التي انتهت في مارس (آذار) لعام 2019.
وإحقاقا للحق، فإن أغلب الاستثمارات الصادرة عن سنغافورة ليست لشركات سنغافورية بالضرورة، وإنما من الشركات الأجنبية التي لها تواجد تجاري ومالي في سنغافورة، والتي تأسست هناك للاستفادة من بيئة العمل الجيدة والمتيسرة بشكل كبير، فضلا عن وضعها الدولي كمركز مالي عالمي.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، كان أكبر استثمار في الهند من سنغافورة خلال السنة المالية الماضية ناشئ عن كيان «وولمارت» في سنغافورة الذي قام بشراء 77 في المائة من متاجر «فليبكارت» للتجزئة الهندية عبر الإنترنت مقابل مبلغ 16 مليار دولار في مايو (أيار) عام 2018، ويقع مقر ذلك الكيان المختار في سنغافورة.
وليست هذه المرة الأولى التي حازت فيها سنغافورة قصب السبق في هذا المجال. فلقد كانت مصدراً لتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الهند أيضاً في عام 2015 - 2016، الأمر الذي يمثل نحو ثلث إجمالي التدفقات المذكورة.
ويقول خبراء الاستثمار في الهند إن صعود سنغافورة في السوق الهندية كمصدر الاستثمارات الأجنبية المباشرة يرجع إلى التعديلات على المعاهدة الضريبية التي وقعت عليها الهند مع سنغافورة خلال السنوات الأخيرة، والتي تعززت بالمزايا الهيكلية التي تحظى بها سنغافورة على بلدان أخرى في المنطقة، مثل سهولة ممارسة الأعمال التجارية، وموقع البلد كمركز تجاري رئيسي مما يجعلها من أفضل الوجهات للشركات الرئيسية التي يجري من خلالها توجيه تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى بلدان أخرى.
تقول كالبانا مورباريا، المديرة التنفيذية لشؤون جنوب وجنوب شرقي آسيا لدى «جيه بي مورغان تشيس وشركاه»: «كانت لدى الهند قائمة مزدحمة من الاندماجات والاستحواذات، ولسوف نواصل رؤية المزيد من عوامل الجذب الجيدة في ذلك المجال. كما حققت الهند وثبات متعددة على مسار التطور التكنولوجي، ونتوقع الكثير من النشاط في المجال التقني والخدمات المالية خلال الفترة المقبلة».
وارتفعت صفقات الأسهم الخاصة في الهند إلى 19 مليار دولار في عام 2018، وهو أعلى مستوى مسجل خلال عشر سنوات على الأقل، وذلك وفقاً للبيانات الصادرة عن شركة «بيتشبوك». كما شاركت صناديق الثروة السيادية والصناديق التقاعدية في نحو ثلثي المبلغ المذكور. وبلغت قيمة تدفقات المستثمرين من المؤسسات الأجنبية إلى الأسهم الهندية حتى الآن نحو 11.42 مليار دولار، فضلاً عن 1.53 مليار دولار في أسواق الديون الهندية منذ بداية عام 2019 وحتى الآن.
وأسفرت تدفقات الصناديق الأجنبية مع تراجع الدولار الأميركي عن ارتفاع الاحتياطي الهندي من العملات الأجنبية التي بلغت مستوى قياسياً بقيمة 426.42 مليار دولار حتى نهاية يونيو (حزيران) الماضي.
وتواصل صناديق الثروة السيادية تدفقها صوب الهند، من حيث شراء الحصص في جميع المشاريع من المطارات إلى الطاقة المتجددة، وتجذبها إلى البلاد حالة الاستقرار السياسي، والطبقة الوسطى المتنامية، والإصلاحات المتعددة، الأمر الذي يجعلها أكثر استمالة لمغريات الاستثمار. كما توسع صناديق التقاعد والثروات الحكومية من آفاق أعمالها لتشمل الأسواق الخاصة استكمالا للتركيز الحالي على الأسهم والسندات.
ومن بين الصفقات المبرمة مؤخراً، يواصل صندوق الثروة السيادية السنغافوري مع هيئة أبوظبي للاستثمار الإماراتية الدخول في استثمارات إضافية بقيمة 495 مليون دولار في مؤسسة «غرينكو» القابضة للطاقة المتجددة، التي تعمل على مشاريع طاقة الرياح، والطاقة الشمسية، والطاقة المائية.
كما توسع الهند كذلك من نطاق استخدامات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح للمساعدة في الحد من اعتمادها على الوقود الأحفوري. وفي أبريل (نيسان) الماضي، قامت هيئة أبوظبي للاستثمار مع صندوق الاستثمار والبنية التحتية الوطني الهندي بشراء حصة تبلغ 49 في المائة في وحدة المطار لدى شركة «جي في كيه» للطاقة والبنية التحتية الهندية.
وأفاد أحد المصادر المطلعة بأن هناك صندوق ثروات آخر يجري حاليا محادثاته مع الحكومة الهندية بشأن الاستثمار في مشاريع البنية التحتية، في حين تسعى صناديق التقاعد الكندية إلى إبرام صفقات مماثلة. وشارك مجلس استثمار خطط التقاعد الكندية مع صندوق الثروة السيادية السنغافوري، في وقت سابق من العام الجاري، في شراء «مدرسة أوكريدج إنترناشيونال» بقيمة 145.8 مليون دولار، وهي من أبرز مؤسسات إدارة المدارس في الهند.
وقالت شخصيات على اطلاع بخطط هيئة أبوظبي للاستثمار الإماراتية، إن الهيئة التي تعتبر ثالث أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، والتي واصلت الاستثمار في الأسهم الهندية والدخل الثابت لسنوات، تخطط لتوسيع مجالات أعمالها كي تشمل فئات الأصول مثل البنية التحتية، والعقارات، والأسهم الخاصة. وينبع اهتمام الهيئة المتزايد بالعمل في الهند من واقع إمكانات النمو الاقتصادي القوية في البلاد، فضلاً عن التركيبة السكانية الإيجابية، والتنمية الاقتصادية المستمرة. وتأتي تلك الدفعة في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الهندية مع الحكومة الإماراتية إلى تعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية الثنائية.
وتمكن المستثمرون العالميون من جمع السندات الهندية بقيمة 216.3 مليون دولار بعد يوم واحد من فوز رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بفترة ولاية ثانية.
تقول لاكشمي أيير، كبيرة مسؤولي الاستثمار لشؤون الديون لدى شركة «كوتاك ماهيندرا» لإدارة الأصول: «لم يكن هناك خيار أمام الصناديق الأجنبية سوى التوجه صوب الهند في الآونة الراهنة. فإن كانت العقود الآجلة مستقرة والعائدات مرتفعة فذلك هو الوقت المناسب لجني المكاسب والأرباح الجيدة هناك. ومن شأن العائد أن يقترب من 7 نقاط مئوية دفعة واحدة».
ويبلغ إجمالي الناتج المحلي لدى الهند 2.9 تريليون دولار. وتهدف الهند لأن تصل باقتصاد البلاد إلى مرتبة 5 تريليونات دولار خلال السنوات الخمس القادمة.
- أسباب اجتذاب الهند للاستثمارات الأجنبية
ساعدت شخصية رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي المؤيدة لقطاع المال والأعمال، فضلا عن الشريحة الواسعة من الشباب الهندي، في جذب المزيد من المستثمرين الأجانب إلى البلاد.
وتحظى الهند بقاعدة واسعة من القوى العاملة المتعلمة والمتمرسة من المهندسين، والإداريين، والمحاسبين، والمحامين. كما يوجد في الهند قاعدة كبيرة ومتنامية من المستهلكين، مما يجعلها واحدة من أكبر الأسواق العالمية في قطاع السلع والخدمات المصنعة. وعلاوة على ذلك، فإن القرب من مواقع التصنيع الرئيسية، والموردين الرئيسيين، مع تكاليف التطوير المنخفضة، هي من العوامل التي تجعل من الهند قاعدة فعالة يمكن للشركات متعددة الجنسيات الاعتماد عليها في التصدير إلى الأسواق الناشئة الأخرى ذات حافظات النمو المرتفعة.
يقول الخبير الاقتصادي أشوين جيه. بونين: «يضمن النظام الديمقراطي عميق الجذور وفائق الفعالية توافر البيئة السياسية الهادئة والمستقرة. كما أن الإدارة المتطورة والنظام القضائي المستقل، فضلا عن الجغرافيا مترامية الأطراف، تجعل البلاد مستودعا هائلاً للموارد على اختلاف أنواعها».
ومنحت منظمة الشفافية الدولية الشركات الهندية المرتبة الأولى بين الشركات متعددة الجنسيات في الأسواق الناشئة من حيث احترام معايير الشفافية والامتثال.
وارتفع الحد الأقصى من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع الاتصالات، والطيران المدني، والدفاع في البلاد. كما سهلت الحكومة الهندية من معايير الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع تجارة التجزئة متعددة العلامات التجارية، مع الالتزام بنسبة 100 في المائة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تجارة التجزئة وحيدة العلامة التجارية. وتجري الآن معالجة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الكثير من القطاعات التي ينخفض فيها سقف الاستثمار عن 50 في المائة عبر المسار التلقائي.
ويتمكن المستثمرون الأجانب المؤهلون الآن من الاستثمار المباشر في صناديق الاستثمار، والأسهم، وسندات الشركات الهندية. وجرى تعزيز الحد الأقصى للديون في شركات الاستثمارات المالية على نحو تدريجي. ويستشهد بعض المراقبين بقوانين الضرائب الهندية، وبقاعدة مكافحة التهرب الضريبي العامة، ذات الأثر الرجعي، بأنهما من أبلغ الأضرار التي تلحق بالاستثمار في البلاد.
وخلال العام الماضي، تلقت الهند المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بأكثر مما حصلت عليه الصين؛ وذلك للمرة الأولى منذ عقدين من الزمان. وفي حين أن الاقتصاد الصيني قد تباطأ بشكل ملحوظ في العام الماضي، فقد برزت الهند بأنها الاقتصاد الرئيسي الأسرع نمواً على مستوى العالم.
وصرح الرئيس التنفيذي لشركة الاستثمارات المصرفية «غولدمان ساكس» في مقابلة مع صحيفة «ذي إيكونوميك تايمز» قائلاً، إننا «نأمل في ظل فترة الولاية الثانية لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن يستمر برنامج الإصلاح وتزداد وتيرته لتوفير أكبر قدر ممكن من النمو التصاعدي للاقتصاد وللشعب الهندي. وإذا استمر الأمر على منواله، فسوف يكون مثيراً للاهتمام إزاء منصة أعمالنا في الهند كذلك. وجاءت نتائج الانتخابات الأخيرة بدفعة قوية من الثقة في الاستثمارات التي قمنا بها في البلاد، فضلا عن الاستثمارات الأخرى التي نعتزم القيام بها قريباً هناك، في كل من بنغالورو ومومباي، ومع عملائنا أيضا سواء كمستثمرين أو كجهات مخصصة لرؤوس الأموال. وتبلغ حالتنا الأساسية على الناتج المحلي الإجمالي الهندي نسبة 7.5 نقطة مئوية، لكن مع النظر إلى أبحاثنا، فإنها تشير إلى أنه إذا تسارع برنامج الإصلاح فنرجو أن يؤدي ذلك إلى تحقيق نمو كبير في الناتج المحلي الإجمالي على اعتبارات آجلة».
وأضاف أنه بصفته مستثمراً متمرساً، من الذين ساعدوا بالفعل في تنمية وتطوير الشركات الهندية، فسوف تكون هناك فرص سانحة بالنسبة إلى شركته لإضافة المزيد من القيم عبر عدد من أعمالها هناك. «وبالإضافة إلى ذلك، وباعتبارنا من الوسطاء والمستثمرين في الأسواق الهندية، فمن شأن مؤسستنا جلب المزيد من المستثمرين الأجانب، وتسهيل الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البلاد. ولسوف يتطابق نمونا المتحقق مع نمو الاقتصاد الهندي بشكل وثيق».
هذا، وقد نجحت شركة «غولدمان ساكس»، كمستثمر كبير في الهند، في بناء رأس مال بقيمة تزيد على 3.6 مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية.
- الإصلاحات
منذ عام 2017، أطلقت الهند سلسلة من الإصلاحات المعنية بتحرير معايير الاستثمارات الأجنبية في مختلف القطاعات من شاكلة البنية التحتية، والتشييد والبناء، والتطوير، وتجارة التجزئة وحيدة العلامة التجارية. وكانت هذه الإصلاحات أساسية ومفيدة في تيسير الحصول على التصريحات والموافقات الحكومية اللازمة، وبالتالي تسهيل الاستثمارات الأجنبية في البلاد.
وفي الآونة الراهنة، تعتبر الهند من بين أكثر الأنظمة الاقتصادية انفتاحاً على مستوى العالم فيما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية. وتسمح الحكومة الهندية للاستثمارات الأجنبية المباشرة بالتدفق بنسبة تصل إلى 100 في المائة من حصص الأسهم ضمن أغلب القطاعات تحت مظلة المسار التلقائي.
كما اتخذت الحكومة الهندية الكثير من التدابير المهمة، مثل تحديد توقيت الحصول على الموافقات، وتبسيط الإجراءات بغية تحسين ممارسة الأعمال التجارية وجذب الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد.
يقول براسانتو روي، محلل السياسات التقنية ومستشار عدد من الشركات التكنولوجية العالمية: «من الواضح أن عودة رؤوس الأموال الأجنبية إلى الهند هي من الإشارات الجيدة على قوة الاقتصاد الهندي. ولكن ينبغي على صناع القرارات السياسية توخي المزيد من الحذر من اعتبار المستثمرين الأجانب كأمر مسلم به في البلاد. وينبغي على الحكومة الهندية الحذر لأن المستثمرين الأجانب يملكون خيارات أخرى في الخارج إن لم يتم التخفيف من السياسات والقوانين المالية الهندية الصارمة. ومن شأن الحد من البيروقراطية والرقابة الحكومية الروتينية أن يساعد كثيراً في هذا المضمار. إذ يحتاج المستثمر الأجنبي إلى الإحساس بالمرونة اللازمة لاستثمار، وتصفية، واستعادة أمواله ضمن دورة تتسم بالكفاءة والفعالية الضريبية. كما هناك حاجة أيضا إلى خلق الاستثمارات الأجنبية عبر أدوات الدين من دون المزيد من الشروط والإجراءات المتصلة بالاستخدام النهائي».
وأضاف روي: «ينبغي زيادة وتيرة الإصلاحات الهيكلية مع ضمان الإدارة السليمة للاقتصاد الكلي بمساعدة من البنك المركزي الهندي. وتعتبر الإصلاحات التي طال انتظارها في أسواق العمالة والأراضي من أكثر التغييرات الهيكلية ضرورة من حيث تأثيرها المباشر على مسار النمو طويل الأجل في البلاد. ويعد العجز المالي الكبير في الحكومة المركزية وحكومات الولايات التابعة، فضلا عن التدفقات المذهلة لرؤوس الأموال الأجنبية إلى البلاد من بين التحديات الاقتصادية الكلية الأخرى التي تطل برأسها على السياسات والإصلاحات القوية الجارية».



اجتماع لـ«الطاقة الدولية» وصندوق النقد والبنك الدولي لبحث تداعيات الحرب

رجال يحملون دراجات أطفال مع ازدياد الطلب عليها نتيجة ارتفاع أسعار الوقود في كويتا... باكستان (إ.ب.أ)
رجال يحملون دراجات أطفال مع ازدياد الطلب عليها نتيجة ارتفاع أسعار الوقود في كويتا... باكستان (إ.ب.أ)
TT

اجتماع لـ«الطاقة الدولية» وصندوق النقد والبنك الدولي لبحث تداعيات الحرب

رجال يحملون دراجات أطفال مع ازدياد الطلب عليها نتيجة ارتفاع أسعار الوقود في كويتا... باكستان (إ.ب.أ)
رجال يحملون دراجات أطفال مع ازدياد الطلب عليها نتيجة ارتفاع أسعار الوقود في كويتا... باكستان (إ.ب.أ)

أعلن المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، يوم الثلاثاء، أن قادة الوكالة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي سيعقدون اجتماعاً يوم الاثنين المقبل لمناقشة أزمة الطاقة المتفاقمة التي أشعلتها الحرب مع إيران.

وقال بيرول في منشور عبر منصة «إكس»: «أزمة الطاقة الحالية تتطلب تكاتف الجميع وتعاوناً دولياً وثيقاً»، مشدداً على ضرورة قيام المؤسسات الثلاث بدعم الحكومات في جميع أنحاء العالم وسط التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب.

وكان بيرول، ومديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، قد اتفقوا الأسبوع الماضي على تشكيل مجموعة تنسيق للمساعدة في التعامل مع الاضطرابات الإقليمية التي تسببت في واحدة من أكبر حالات نقص الإمدادات في تاريخ سوق الطاقة العالمي.

وأشارت المؤسسات الثلاث إلى أن آلية الاستجابة المقترحة قد تشمل تقديم مشورات سياسية مستهدفة، وتقييم احتياجات التمويل المحتملة، وتقديم الدعم من خلال تمويلات منخفضة أو معدومة الفائدة، بالإضافة إلى أدوات غير محددة لتخفيف المخاطر.

وجاء تصريح بيرول في وقت أصدر فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداً شديد اللهجة لإيران، قائلاً إن «حضارة بأكملها ستموت الليلة» ما لم تقبل طهران إنذاراً بفتح مضيق هرمز، الممر المائي الدولي الذي كان يمر عبره خمس النفط العالمي والغاز الطبيعي المسال.

وكان بيرول قد صرح لصحيفة «لو فيغارو» الفرنسية بأن أزمة النفط والغاز الحالية الناتجة عن حصار إيران لمضيق هرمز «أكثر خطورة من أزمات أعوام 1973 و1979 و2022 مجتمعة».


«برنت المؤرخ» يكسر حاجز 144 دولاراً في مستوى تاريخي

مستودع وقود غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
مستودع وقود غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

«برنت المؤرخ» يكسر حاجز 144 دولاراً في مستوى تاريخي

مستودع وقود غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
مستودع وقود غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

سجّل سعر خام «برنت المؤرخ» (Dated Brent) مستوى قياسياً جديداً، يوم الثلاثاء، ببلوغه 144.42 دولار للبرميل، وسط حالة من الذعر تسيطر على الأسواق العالمية، مع اقتراب نهاية المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة فتح مضيق هرمز.

ويأتي هذا الارتفاع التاريخي ليتجاوز القمم التي سجّلها الخام يوم الخميس الماضي، حينما تخطى حاجز 140 دولاراً لأول مرة منذ عام 2008.

وكان ترمب توعد باستهداف البنية التحتية المدنية في إيران، بما في ذلك محطات الطاقة والجسور، ما لم يتم إنهاء حصار المضيق بحلول مساء يوم الثلاثاء (بتوقيت واشنطن).

وفقاً لبيانات «إس آند بي غلوبال»، فإن القفزة الأخيرة في سعر التسليم الفعلي الأهم عالمياً تعكس حالة «الذعر الشرائي» في الأسواق. فبعد أن سجّل الخام 141.37 دولاراً منتصف الأسبوع الماضي، دفع النقص الحاد في الإمدادات الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، متجاوزةً ذروة الأزمة المالية العالمية قبل نحو 18 عاماً.

الطلب الفوري في ذروته

ويعكس «برنت المؤرخ» القيمة الحقيقية للنفط المتاح للتحميل الفوري، وهو السعر الذي تعتمد عليه كبرى شركات التكرير والمصافي لتسعير صفقاتها. ومع استمرار انقطاع الإمدادات الإقليمية، تزايدت الضغوط على خامات بحر الشمال البديلة، ما دفع الفارق السعري بين العقود الآجلة والنفط المادي إلى مستويات استثنائية، وسط مخاوف من امتداد أزمة الطاقة العالمية وتأثيرها على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي.


السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط ارتفاع قياسي للدولار الأميركي، تلاحق السلطات المصرية تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»، حيث أكدت وزارة الداخلية أنها تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي.

وأفادت «الداخلية» في بيان، الثلاثاء، بأن جهودها أسفرت خلال 24 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 9 ملايين جنيه»، وهو مبلغ يعادل نحو 165 ألف دولار.

يأتي هذا في وقت واصلت العملة الأميركية، الثلاثاء، موجة الارتفاعات التي سجلتها على مدار الأيام الماضية، وسجلت في معظم البنوك المصرية أدنى مستوى وهو 54.5 جنيه.

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة، الاثنين، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة». وشدد على تواصل التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي المصري لضمان الحفاظ على سعر صرف مرن ومُوحد للعملة الأجنبية.

وتواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، مما دعا إلى «قرارات استثنائية» في البلاد تضمنت رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، فضلاً عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وإغلاق المحال التجارية والمقاهي في التاسعة مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية، وتطبيق «العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع.

وأعلنت «الداخلية» على مدى الأيام الثلاثة الماضية ضبط مبالغ مالية متحصلة من قضايا «الاتجار في العملة» قُدِّرت بـ«نحو 22 مليون جنيه»، وفق إفادات رسمية.

وأكد مصدر أمني مطلع «تواصل جهود التصدي لجرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي»، مشيراً إلى تكثيف الحملات الأمنية لضبط المخالفين ودعم استقرار السوق.

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

ويتحدث المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، عن أهمية جهود السلطات المصرية لضبط قضايا الاتجار في العملة في الوقت الحالي، موضحاً: «بعض من يشتري الدولار الآن لا يفعل ذلك من أجل الاستيراد، أو حتى الاكتناز لتحقيق أرباح مستقبلية، إنما بهدف التجارة غير المشروعة».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد سبب الآن للسوق السوداء، فالعائد داخل القطاع المصرفي الرسمي أعلى من العائد والمضاربات، ومن يريد الحصول على الدولار من البنوك سواء لهدف الاستيراد أو للسفر يحصل عليه بشكل ميسر وفق الإجراءات المتبعة في هذا الشأن».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء» التي جاوز فيها آنذاك مستوى 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع وعلى الخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 50 جنيهاً.

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

ويشير النحاس في هذا الصدد إلى نجاح البنك المركزي في السيطرة على سعر الصرف داخل القطاع المصرفي، على الرغم من وجود «شبه نقص» في العملة خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تأثر تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس بسبب الحرب الإيرانية.

تأتي جهود وزارة الداخلية في وقت تواصل فيه الحكومة جهودها لضبط الأسواق ومواجهة أي غلاء في الأسعار وترشيد استهلاك الطاقة والنفقات. وأكد وزير المالية أحمد كجوك أن جميع جهات الدولة ملتزمة بترشيد المصروفات والإنفاق على الحتميات وضمان استمرار النشاط الاقتصادي والإنتاجي.

وقال في تصريحات، الثلاثاء، إن الحكومة «حريصة على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية للمواطنين»، مؤكداً ترشيد الصرف على بنود التدريب والسفر والفعاليات وباقي البنود التي يمكن تأجيلها في الوقت الراهن.

وأضاف أنه «تم إبطاء وإرجاء العمل بالمشروعات كثيفة الاستخدام للطاقة في ظل الظروف الحالية»، وأن هناك «تنسيقاً كاملاً بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية لترشيد الإنفاق الرأسمالي، وعدم البدء في تنفيذ أي مشروعات جديدة».

Your Premium trial has ended