الاستثمارات الأجنبية في الهند تتقدم على خلفية سياسية وإصلاحية قوية

تخطت الصين للمرة الأولى منذ 20 عاماً... واقتصادها أصبح الأسرع نمواً عالمياً

تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)
تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)
TT

الاستثمارات الأجنبية في الهند تتقدم على خلفية سياسية وإصلاحية قوية

تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)
تخطت الهند غريمتها الصين كأكبر متلقي للاستثمارات الأجنبية المباشرة للمرة الأولى منذ عقدين (رويترز)

بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الهند نحو 44.37 مليار دولار للسنة المالية 2018 - 2019، حيث حققت نمواً بنسبة 6 نقاط مئوية، إثر دعمها بحزمة تدفقات قوية في مجالات التصنيع التحويلي، والاتصالات، والخدمات المالية.
ووفقاً لتقرير الاستثمار العالمي لعام 2019 والصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، نجحت الهند في جذب 77 في المائة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي وصلت إلى منطقة جنوب آسيا. وكان إجمالي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى جنوب آسيا قد بلغ 54 مليار دولار. وتحتل الهند المرتبة التاسعة عالمياً من حيث جهات استقبال الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وتعتبر الاستثمارات الأجنبية ذات ضرورة حيوية للهند مع حاجة البلاد الماسة إلى نحو تريليوني دولار لإصلاح قطاع البنية التحتية، مثل الموانئ والمطارات والطرق السريعة، بهدف تعزيز النمو الاقتصادي في البلاد. ويساعد تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة القوي في البلاد على تحسين ميزان المدفوعات وتعزيز قيمة العملة المحلية مقابل العملات العالمية الأخرى، سيما الدولار الأميركي.
- كبار المستثمرين
وكانت سنغافورة قد برزت كأكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في الهند، مما يؤكد على العلاقات التجارية المتنامية بين البلدين، التي تليها اليابان، ثم الإمارات، وهولندا، وفرنسا، وألمانيا.
ووفقا لآخر الأرقام الصادرة عن وزارة تعزيز الصناعة والتجارة الداخلية الهندية، تلقت البلاد النصيب الأكبر من تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة من سنغافورة، بقيمة بلغت 16.23 مليار دولار، وذلك في السنة المالية الهندية الأخيرة التي انتهت في مارس (آذار) لعام 2019.
وإحقاقا للحق، فإن أغلب الاستثمارات الصادرة عن سنغافورة ليست لشركات سنغافورية بالضرورة، وإنما من الشركات الأجنبية التي لها تواجد تجاري ومالي في سنغافورة، والتي تأسست هناك للاستفادة من بيئة العمل الجيدة والمتيسرة بشكل كبير، فضلا عن وضعها الدولي كمركز مالي عالمي.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، كان أكبر استثمار في الهند من سنغافورة خلال السنة المالية الماضية ناشئ عن كيان «وولمارت» في سنغافورة الذي قام بشراء 77 في المائة من متاجر «فليبكارت» للتجزئة الهندية عبر الإنترنت مقابل مبلغ 16 مليار دولار في مايو (أيار) عام 2018، ويقع مقر ذلك الكيان المختار في سنغافورة.
وليست هذه المرة الأولى التي حازت فيها سنغافورة قصب السبق في هذا المجال. فلقد كانت مصدراً لتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الهند أيضاً في عام 2015 - 2016، الأمر الذي يمثل نحو ثلث إجمالي التدفقات المذكورة.
ويقول خبراء الاستثمار في الهند إن صعود سنغافورة في السوق الهندية كمصدر الاستثمارات الأجنبية المباشرة يرجع إلى التعديلات على المعاهدة الضريبية التي وقعت عليها الهند مع سنغافورة خلال السنوات الأخيرة، والتي تعززت بالمزايا الهيكلية التي تحظى بها سنغافورة على بلدان أخرى في المنطقة، مثل سهولة ممارسة الأعمال التجارية، وموقع البلد كمركز تجاري رئيسي مما يجعلها من أفضل الوجهات للشركات الرئيسية التي يجري من خلالها توجيه تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى بلدان أخرى.
تقول كالبانا مورباريا، المديرة التنفيذية لشؤون جنوب وجنوب شرقي آسيا لدى «جيه بي مورغان تشيس وشركاه»: «كانت لدى الهند قائمة مزدحمة من الاندماجات والاستحواذات، ولسوف نواصل رؤية المزيد من عوامل الجذب الجيدة في ذلك المجال. كما حققت الهند وثبات متعددة على مسار التطور التكنولوجي، ونتوقع الكثير من النشاط في المجال التقني والخدمات المالية خلال الفترة المقبلة».
وارتفعت صفقات الأسهم الخاصة في الهند إلى 19 مليار دولار في عام 2018، وهو أعلى مستوى مسجل خلال عشر سنوات على الأقل، وذلك وفقاً للبيانات الصادرة عن شركة «بيتشبوك». كما شاركت صناديق الثروة السيادية والصناديق التقاعدية في نحو ثلثي المبلغ المذكور. وبلغت قيمة تدفقات المستثمرين من المؤسسات الأجنبية إلى الأسهم الهندية حتى الآن نحو 11.42 مليار دولار، فضلاً عن 1.53 مليار دولار في أسواق الديون الهندية منذ بداية عام 2019 وحتى الآن.
وأسفرت تدفقات الصناديق الأجنبية مع تراجع الدولار الأميركي عن ارتفاع الاحتياطي الهندي من العملات الأجنبية التي بلغت مستوى قياسياً بقيمة 426.42 مليار دولار حتى نهاية يونيو (حزيران) الماضي.
وتواصل صناديق الثروة السيادية تدفقها صوب الهند، من حيث شراء الحصص في جميع المشاريع من المطارات إلى الطاقة المتجددة، وتجذبها إلى البلاد حالة الاستقرار السياسي، والطبقة الوسطى المتنامية، والإصلاحات المتعددة، الأمر الذي يجعلها أكثر استمالة لمغريات الاستثمار. كما توسع صناديق التقاعد والثروات الحكومية من آفاق أعمالها لتشمل الأسواق الخاصة استكمالا للتركيز الحالي على الأسهم والسندات.
ومن بين الصفقات المبرمة مؤخراً، يواصل صندوق الثروة السيادية السنغافوري مع هيئة أبوظبي للاستثمار الإماراتية الدخول في استثمارات إضافية بقيمة 495 مليون دولار في مؤسسة «غرينكو» القابضة للطاقة المتجددة، التي تعمل على مشاريع طاقة الرياح، والطاقة الشمسية، والطاقة المائية.
كما توسع الهند كذلك من نطاق استخدامات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح للمساعدة في الحد من اعتمادها على الوقود الأحفوري. وفي أبريل (نيسان) الماضي، قامت هيئة أبوظبي للاستثمار مع صندوق الاستثمار والبنية التحتية الوطني الهندي بشراء حصة تبلغ 49 في المائة في وحدة المطار لدى شركة «جي في كيه» للطاقة والبنية التحتية الهندية.
وأفاد أحد المصادر المطلعة بأن هناك صندوق ثروات آخر يجري حاليا محادثاته مع الحكومة الهندية بشأن الاستثمار في مشاريع البنية التحتية، في حين تسعى صناديق التقاعد الكندية إلى إبرام صفقات مماثلة. وشارك مجلس استثمار خطط التقاعد الكندية مع صندوق الثروة السيادية السنغافوري، في وقت سابق من العام الجاري، في شراء «مدرسة أوكريدج إنترناشيونال» بقيمة 145.8 مليون دولار، وهي من أبرز مؤسسات إدارة المدارس في الهند.
وقالت شخصيات على اطلاع بخطط هيئة أبوظبي للاستثمار الإماراتية، إن الهيئة التي تعتبر ثالث أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، والتي واصلت الاستثمار في الأسهم الهندية والدخل الثابت لسنوات، تخطط لتوسيع مجالات أعمالها كي تشمل فئات الأصول مثل البنية التحتية، والعقارات، والأسهم الخاصة. وينبع اهتمام الهيئة المتزايد بالعمل في الهند من واقع إمكانات النمو الاقتصادي القوية في البلاد، فضلاً عن التركيبة السكانية الإيجابية، والتنمية الاقتصادية المستمرة. وتأتي تلك الدفعة في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الهندية مع الحكومة الإماراتية إلى تعزيز الروابط الاقتصادية والتجارية الثنائية.
وتمكن المستثمرون العالميون من جمع السندات الهندية بقيمة 216.3 مليون دولار بعد يوم واحد من فوز رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بفترة ولاية ثانية.
تقول لاكشمي أيير، كبيرة مسؤولي الاستثمار لشؤون الديون لدى شركة «كوتاك ماهيندرا» لإدارة الأصول: «لم يكن هناك خيار أمام الصناديق الأجنبية سوى التوجه صوب الهند في الآونة الراهنة. فإن كانت العقود الآجلة مستقرة والعائدات مرتفعة فذلك هو الوقت المناسب لجني المكاسب والأرباح الجيدة هناك. ومن شأن العائد أن يقترب من 7 نقاط مئوية دفعة واحدة».
ويبلغ إجمالي الناتج المحلي لدى الهند 2.9 تريليون دولار. وتهدف الهند لأن تصل باقتصاد البلاد إلى مرتبة 5 تريليونات دولار خلال السنوات الخمس القادمة.
- أسباب اجتذاب الهند للاستثمارات الأجنبية
ساعدت شخصية رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي المؤيدة لقطاع المال والأعمال، فضلا عن الشريحة الواسعة من الشباب الهندي، في جذب المزيد من المستثمرين الأجانب إلى البلاد.
وتحظى الهند بقاعدة واسعة من القوى العاملة المتعلمة والمتمرسة من المهندسين، والإداريين، والمحاسبين، والمحامين. كما يوجد في الهند قاعدة كبيرة ومتنامية من المستهلكين، مما يجعلها واحدة من أكبر الأسواق العالمية في قطاع السلع والخدمات المصنعة. وعلاوة على ذلك، فإن القرب من مواقع التصنيع الرئيسية، والموردين الرئيسيين، مع تكاليف التطوير المنخفضة، هي من العوامل التي تجعل من الهند قاعدة فعالة يمكن للشركات متعددة الجنسيات الاعتماد عليها في التصدير إلى الأسواق الناشئة الأخرى ذات حافظات النمو المرتفعة.
يقول الخبير الاقتصادي أشوين جيه. بونين: «يضمن النظام الديمقراطي عميق الجذور وفائق الفعالية توافر البيئة السياسية الهادئة والمستقرة. كما أن الإدارة المتطورة والنظام القضائي المستقل، فضلا عن الجغرافيا مترامية الأطراف، تجعل البلاد مستودعا هائلاً للموارد على اختلاف أنواعها».
ومنحت منظمة الشفافية الدولية الشركات الهندية المرتبة الأولى بين الشركات متعددة الجنسيات في الأسواق الناشئة من حيث احترام معايير الشفافية والامتثال.
وارتفع الحد الأقصى من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع الاتصالات، والطيران المدني، والدفاع في البلاد. كما سهلت الحكومة الهندية من معايير الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع تجارة التجزئة متعددة العلامات التجارية، مع الالتزام بنسبة 100 في المائة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تجارة التجزئة وحيدة العلامة التجارية. وتجري الآن معالجة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الكثير من القطاعات التي ينخفض فيها سقف الاستثمار عن 50 في المائة عبر المسار التلقائي.
ويتمكن المستثمرون الأجانب المؤهلون الآن من الاستثمار المباشر في صناديق الاستثمار، والأسهم، وسندات الشركات الهندية. وجرى تعزيز الحد الأقصى للديون في شركات الاستثمارات المالية على نحو تدريجي. ويستشهد بعض المراقبين بقوانين الضرائب الهندية، وبقاعدة مكافحة التهرب الضريبي العامة، ذات الأثر الرجعي، بأنهما من أبلغ الأضرار التي تلحق بالاستثمار في البلاد.
وخلال العام الماضي، تلقت الهند المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بأكثر مما حصلت عليه الصين؛ وذلك للمرة الأولى منذ عقدين من الزمان. وفي حين أن الاقتصاد الصيني قد تباطأ بشكل ملحوظ في العام الماضي، فقد برزت الهند بأنها الاقتصاد الرئيسي الأسرع نمواً على مستوى العالم.
وصرح الرئيس التنفيذي لشركة الاستثمارات المصرفية «غولدمان ساكس» في مقابلة مع صحيفة «ذي إيكونوميك تايمز» قائلاً، إننا «نأمل في ظل فترة الولاية الثانية لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن يستمر برنامج الإصلاح وتزداد وتيرته لتوفير أكبر قدر ممكن من النمو التصاعدي للاقتصاد وللشعب الهندي. وإذا استمر الأمر على منواله، فسوف يكون مثيراً للاهتمام إزاء منصة أعمالنا في الهند كذلك. وجاءت نتائج الانتخابات الأخيرة بدفعة قوية من الثقة في الاستثمارات التي قمنا بها في البلاد، فضلا عن الاستثمارات الأخرى التي نعتزم القيام بها قريباً هناك، في كل من بنغالورو ومومباي، ومع عملائنا أيضا سواء كمستثمرين أو كجهات مخصصة لرؤوس الأموال. وتبلغ حالتنا الأساسية على الناتج المحلي الإجمالي الهندي نسبة 7.5 نقطة مئوية، لكن مع النظر إلى أبحاثنا، فإنها تشير إلى أنه إذا تسارع برنامج الإصلاح فنرجو أن يؤدي ذلك إلى تحقيق نمو كبير في الناتج المحلي الإجمالي على اعتبارات آجلة».
وأضاف أنه بصفته مستثمراً متمرساً، من الذين ساعدوا بالفعل في تنمية وتطوير الشركات الهندية، فسوف تكون هناك فرص سانحة بالنسبة إلى شركته لإضافة المزيد من القيم عبر عدد من أعمالها هناك. «وبالإضافة إلى ذلك، وباعتبارنا من الوسطاء والمستثمرين في الأسواق الهندية، فمن شأن مؤسستنا جلب المزيد من المستثمرين الأجانب، وتسهيل الاستثمارات الأجنبية المباشرة في البلاد. ولسوف يتطابق نمونا المتحقق مع نمو الاقتصاد الهندي بشكل وثيق».
هذا، وقد نجحت شركة «غولدمان ساكس»، كمستثمر كبير في الهند، في بناء رأس مال بقيمة تزيد على 3.6 مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية.
- الإصلاحات
منذ عام 2017، أطلقت الهند سلسلة من الإصلاحات المعنية بتحرير معايير الاستثمارات الأجنبية في مختلف القطاعات من شاكلة البنية التحتية، والتشييد والبناء، والتطوير، وتجارة التجزئة وحيدة العلامة التجارية. وكانت هذه الإصلاحات أساسية ومفيدة في تيسير الحصول على التصريحات والموافقات الحكومية اللازمة، وبالتالي تسهيل الاستثمارات الأجنبية في البلاد.
وفي الآونة الراهنة، تعتبر الهند من بين أكثر الأنظمة الاقتصادية انفتاحاً على مستوى العالم فيما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية. وتسمح الحكومة الهندية للاستثمارات الأجنبية المباشرة بالتدفق بنسبة تصل إلى 100 في المائة من حصص الأسهم ضمن أغلب القطاعات تحت مظلة المسار التلقائي.
كما اتخذت الحكومة الهندية الكثير من التدابير المهمة، مثل تحديد توقيت الحصول على الموافقات، وتبسيط الإجراءات بغية تحسين ممارسة الأعمال التجارية وجذب الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد.
يقول براسانتو روي، محلل السياسات التقنية ومستشار عدد من الشركات التكنولوجية العالمية: «من الواضح أن عودة رؤوس الأموال الأجنبية إلى الهند هي من الإشارات الجيدة على قوة الاقتصاد الهندي. ولكن ينبغي على صناع القرارات السياسية توخي المزيد من الحذر من اعتبار المستثمرين الأجانب كأمر مسلم به في البلاد. وينبغي على الحكومة الهندية الحذر لأن المستثمرين الأجانب يملكون خيارات أخرى في الخارج إن لم يتم التخفيف من السياسات والقوانين المالية الهندية الصارمة. ومن شأن الحد من البيروقراطية والرقابة الحكومية الروتينية أن يساعد كثيراً في هذا المضمار. إذ يحتاج المستثمر الأجنبي إلى الإحساس بالمرونة اللازمة لاستثمار، وتصفية، واستعادة أمواله ضمن دورة تتسم بالكفاءة والفعالية الضريبية. كما هناك حاجة أيضا إلى خلق الاستثمارات الأجنبية عبر أدوات الدين من دون المزيد من الشروط والإجراءات المتصلة بالاستخدام النهائي».
وأضاف روي: «ينبغي زيادة وتيرة الإصلاحات الهيكلية مع ضمان الإدارة السليمة للاقتصاد الكلي بمساعدة من البنك المركزي الهندي. وتعتبر الإصلاحات التي طال انتظارها في أسواق العمالة والأراضي من أكثر التغييرات الهيكلية ضرورة من حيث تأثيرها المباشر على مسار النمو طويل الأجل في البلاد. ويعد العجز المالي الكبير في الحكومة المركزية وحكومات الولايات التابعة، فضلا عن التدفقات المذهلة لرؤوس الأموال الأجنبية إلى البلاد من بين التحديات الاقتصادية الكلية الأخرى التي تطل برأسها على السياسات والإصلاحات القوية الجارية».



السعودية تتصدر صمود النمو خليجياً

بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
TT

السعودية تتصدر صمود النمو خليجياً

بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)

وسط الصورة القاتمة التي رسمها «صندوق النقد الدولي» بخفض توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي بمقدار 0.2 نقطة مئوية إلى 3.1 في المائة جراء الصراعات الجيوسياسية، برزت السعودية نموذجاً استثنائياً للصمود في منطقة الخليج.

فبينما تسببت «حرب إيران» في اختناق ممرات التجارة وتعطيل سلاسل الإمداد الدولية، نجحت الرياض في تحييد تلك المخاطر بفضل خطوط الأنابيب البديلة التي تربط شرق المملكة بغربها عبر البحر الأحمر، وهو ما مكّنها من تجاوز إغلاق مضيق هرمز وضمان تدفق النفط للأسواق العالمية من دون انقطاع، ووضعها في صدارة دول المنطقة بنمو متوقع قدره 3.1 في المائة لعام 2026، مع آفاق واعدة ترتفع إلى 4.5 في المائة في عام 2027.

وتترنح اقتصادات مجاورة تحت وطأة انكماش حاد وتعطل مرافقها الطاقوية، حيث يتوقع الصندوق انكماش الاقتصاد القطري بنسبة 8.6 في المائة، في مراجعة هي الأقسى للمنطقة بفارق 14.7 نقطة مئوية عن تقديرات يناير (كانون الثاني) الماضي، نتيجة توقف منشأة رأس لفان الحيوية.


الجدعان: اقتصاد السعودية أثبت كفاءته في مواجهة الصدمات

الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجدعان: اقتصاد السعودية أثبت كفاءته في مواجهة الصدمات

الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)

أكّد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المملكة أثبتت قدرة فائقة على التعامل مع الصدمات الاقتصادية العالمية والمحافظة على استقرارها المالي، مشدداً على مضي المملكة في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي تهدف إلى تنويع القاعدة الاقتصادية وتعظيم دور القطاع الخاص بوصفه شريكاً استراتيجياً في التنمية.

جاء ذلك خلال مشاركة الجدعان، الثلاثاء، في اجتماع الطاولة المستديرة الذي نظمته غرفة التجارة الأميركية في العاصمة واشنطن، بمشاركة نخبة من قيادات القطاع الخاص، وذلك على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين لعام 2026.

وأوضح الجدعان أن البيئة الاستثمارية في المملكة ترتكز على الشفافية والاستقرار، مما عزز ثقة المستثمرين الدوليين ودعم تدفق الاستثمارات الأجنبية بشكل مستدام.

وأشار إلى أن الاقتصاد السعودي يزخر بفرص استثمارية قيّمة في قطاعات حيوية؛ كالخدمات اللوجيستية، والتقنية، والصناعة، وذلك رغم حالة عدم اليقين التي تخيّم على الاقتصاد العالمي.

ووجّه الجدعان رسالة للمستثمرين بأن التركيز على الأسس الاقتصادية طويلة المدى هو المفتاح الحقيقي للاستفادة من التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة.

وأكد الدور الريادي للمملكة بوصفها شريكاً موثوقاً في دعم الاستقرار الاقتصادي العالمي، مستندة في ذلك إلى سياسات مالية متزنة ورؤية تنموية طموحة ترسّخ مكانتها بوصفها مركز جذب استثماري رائداً على خريطة الاقتصاد الدولي.


أزمات سلاسل الإمداد تضاعف احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي

شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
TT

أزمات سلاسل الإمداد تضاعف احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي

شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)

ضاعفت أزمات سلاسل الإمداد بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي. وسط محفزات للمزارعين بهدف زيادة معدلات توريد المحصول من بينها صرف المستحقات خلال 48 ساعة وتذليل العقبات خلال عمليتي الحصاد والتوريد.

وأعلنت وزارة الزراعة الاستعدادات النهائية لبدء موسم حصاد وتوريد القمح المحلي بجميع المحافظات. وقال وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، علاء فاروق، الثلاثاء، إن «الدولة تستهدف تسلم نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي من المزارعين خلال موسم الحصاد الحالي، بما يسهم بشكل مباشر في تضييق الفجوة الاستيرادية وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية للدولة».

وأشار وزير الزراعة المصري في بيان، إلى أن الموسم الحالي شهد قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح لتتخطى حاجز الـ3.7 مليون فدان بزيادة قدرها 600 ألف فدان على العام الماضي، ولفت إلى أن «الجهود البحثية المكثفة التي بذلتها المراكز التابعة للوزارة ساهمت في رفع كفاءة الفدان ليتراوح متوسط الإنتاجية ما بين 18 إلى 20 إردباً، وذلك نتيجة استنباط أصناف جديدة من التقاوي العالية الجودة وتطبيق أحدث الممارسات الزراعية».

وأكد «حرص الدولة على دعم الفلاح المصري وتشجيعه وضمان العائد المناسب له وتحسين مستوى دخله»، كما أشار إلى زيادة سعر توريد القمح هذا العام إلى 2500 جنيه للإردب (الدولار يساوي 52.5 جنيه) وذلك بتوجيه من الرئيس السيسي لدعم المزارعين مع التوجيه بالصرف الفوري للمستحقات المالية للمزارعين والموردين، وبحد أقصى 48 ساعة، لافتاً إلى أن «استقبال القمح المحلي سيبدأ من 15 أبريل (نيسان) الحالي ويستمر حتى انتهاء الموسم في 15 أغسطس (آب) المقبل».

اجتماع برئاسة السيسي لمتابعة «منظومة الأمن الغذائى» الأحد الماضي (الرئاسة المصرية)

وبحسب أستاذ الاقتصاد واللوجيستيات والنقل الدولي، محمد على إبراهيم، فإن «الحرب الإيرانية قد تكون ممتدة، وهناك أزمة في الأسمدة، وكل من (منظمة الفاو) و(برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) تحدثا عن مشاكل في تدفقات الغذاء ولا سيما القمح». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه «من المفترض أن تستبق مصر هذه التطورات، وهذا هو موسم حصاد القمح وسيتبعه موسم زراعة جديد، لذا من المناسب جداً رفع أسعار التوريد كما حدث».

ووفق اعتقاد إبراهيم فإن «الجهود الحكومية الموجودة خلال موسم القمح الحالي جيدة؛ لكن لابد من البناء عليها بشكل أكبر». ويفسر: «مثلاً تتم المقارنة ما بين سعر التوريد المحلي وسعر التوريد الدولي، ثم البدء في التسعير بشكل مناسب من أجل تنمية الزراعة ما يقربني كدولة من الاكتفاء الذاتي».

وسجلت واردات مصر من القمح ثاني أعلى مستوى تاريخي لها بنهاية العام الماضي وبانخفاض نسبته 12.7 في المائة على أساس سنوي، بحسب بيانات رسمية. وأوضحت البيانات أن «إجمالي واردات القمح خلال عام 2025 بلغ نحو 12.3 مليون طن مقارنة بنحو 14.1 مليون طن خلال 2024».

حول المحفزات الحكومية للمزارعين في موسم القمح الحالي. يرى أستاذ الاقتصاد واللوجيستيات والنقل الدولي أن «رفع أسعار التوريد مهم جداً، فضلاً عن آليات الصرف السريع للمزارعين وحل أي مشاكل تواجههم». ويلفت إلى أن » آثار الحرب الإيرانية سوف تستمر حتى لو انتهت، لذا لابد من الاستعداد الحكومي لهذه الفترات المقبلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع».

جولة ميدانية لمسؤولين في وزارة الزراعة (وزارة الزراعة)

ووجه وزير الزراعة المصري، الثلاثاء، بـ«ضرورة الجاهزية القصوى وتوفير جميع الآلات والمعدات اللازمة لمساعدة المزارعين في عمليات الحصاد الآلي»، مؤكداً «أهمية صيانة المعدات وتوزيعها بشكل عادل على مختلف المحافظات لضمان سرعة نقل المحصول إلى الصوامع والشون وتسهيل عملية التوريد ومنع التكدس». كما وجه بـ«تذليل أي عقبات تواجه عمليات التوريد بما يضمن استقرار السوق المحلية وتأمين مخزون استراتيجي آمن من المحصول».

في سياق ذلك، نشر «المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري»، الثلاثاء، إنفوغرافاً أشار فيه إلى زيادة المساحة المزروعة بالقمح خلال الموسم الحالي. وذكر أن «هذا التوسع الكبير جاء مدعوماً بجهود بحثية مكثفة من المراكز والمعاهد التابعة لوزارة الزراعة». وأكد أن «هذا التطور يعكس نجاح استنباط أصناف جديدة من التقاوي العالية الجودة، إلى جانب التوسع في تطبيق الممارسات الزراعية الحديثة، بما يعزز من إنتاجية المحصول ويدعم جهود تحقيق الأمن الغذائي».

مزراعون وسط حقل قمح الشهر الماضي (وزارة الزراعة)

وقال محافظ الفيوم، محمد هانئ غنيم، إن «محصول القمح يمثل أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية التي ترتكز عليها جهود الدولة لتحقيق الأمن الغذائي»، مشيراً إلى «حرص الدولة على تقديم مختلف أوجه الدعم والتيسيرات اللازمة للمزارعين بهدف التوسع في المساحات المنزرعة وزيادة الإنتاجية». وأضاف في تصريحات، الثلاثاء، أن «تحقيق معدلات توريد مرتفعة من محصول القمح يسهم في تقليل الفجوة الاستيرادية وتعزيز الاكتفاء الذاتي من القمح».