نائب وزير الحج السعودي: مشروع جديد لخفض الحرارة وقياسها في المشاعر المقدسة

رجح ارتفاع عدد المعتمرين إلى 15 مليوناً خلال العام المقبل... وأكد تطويع التقنية لخدمة حجاج قطر

عبد الفتاح مشاط
عبد الفتاح مشاط
TT

نائب وزير الحج السعودي: مشروع جديد لخفض الحرارة وقياسها في المشاعر المقدسة

عبد الفتاح مشاط
عبد الفتاح مشاط

أكد الدكتور عبد الفتاح مشاط نائب وزير الحج والعمرة في السعودية استحداث مشروع يخفض درجة الحرارة في المشاعر، ويقيسها كل 10 ثوانٍ، مشددا على أن بلاده ترحب بجميع المسلمين باختلاف ثقافاتهم ولغاتهم وانتماءاتهم ومن جميع دول العالم، للقدوم للأراضي السعودية بهدف أداء الركن الخامس من أركان الإسلام وتأديتهم مناسكهم وسط منظومة من الخدمات المتقدمة بما يحقق الراحة والاطمئنان لحجاج بيت الله الحرام لتمكنهم من أداء شعائرهم على أكمل وجه.
ورجح نائب وزير الحج والعمرة في حديث أجرته معه لـ«الشرق الأوسط» ارتفاع عدد المعتمرين خلال العام المقبل ليصل إلى 15 مليونا. مشيراً إلى استحداث وزارة الحج والعمرة العديد من البرامج واللجان لضمان جودة الخدمات المقدمة للحجاج، مشيراً إلى أن خدمة الحجاج شرف للجميع.
ودعا الدكتور مشاط الحجاج للالتزام بالسلم والتفرغ لأداء النسك والابتعاد عن الرفث والفسوق، والنأي عن كل ما يعكر صفوف حجاج بيت الله الحرام، إيماناً بعظم الشعيرة، منوهاً أن بلاده ترحب دائماً انطلاقا من مبادئها الراسخة في تمكين جميع المسلمين باختلاف ثقافاتهم ولغاتهم وانتماءاتهم ومن جميع بلدان العالم من الوصول إلى المملكة العربية السعودية لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام وتأديتهم مناسكهم وسط منظومة من الخدمات المتقدمة بما يحقق الراحة والاطمئنان لحجاج بيت الله الحرام لتمكنهم من أداء شعائرهم على أكمل وجه.
استعدادات ومشاريع
تستعد وزارة الحج والعمرة لموسم الحج كل عام بعد نهاية الموسم الذي سبقه، حيث بدأت الاستعدادات المبكرة لحج العام الحالي قبل مغادرة الحجاج موسم الحج الماضي، من خلال دراسة تقارير الأداء ومطابقة مؤشرات الأداء مع أهداف الخطط التشغيلية، ودعم المبادرات الإيجابية وتلافي جوانب القصور أياً كانت.
كذلك تقدم الوزارة كل عام حزما من البرامج والمبادرات الجديدة التي يتم إعدادها بعناية بالتعاون مع الاستشاريين وبيوت الخبرة، ومن تلك المبادرات التي تم تفعيلها هذا العام الاستعداد لاستقبال ومغادرة الحجاج عبر مطار الأمير عبد المحسن بن عبد العزيز في ينبع لأول مرة، لينضم لمطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، ومطار الأمير محمد بن عبد العزيز بالمدينة المنورة، وفي الحقيقة هذا الإجراء سيسهم في تقليل مدد الانتظار وإنهاء إجراءات الوصول بشكل سريع لراحة ضيوف الرحمن.
وكشف مشاط عن استحداث وزارة الحج والعمرة لجنة لمراقبة جاهزية مساكن الحجاج قبل السماح لهم بالتعاقد، وهذه اللجنة تشكل ضمانة لجاهزية المساكن بالمعايير التي وضعتها الوزارة في إطار استراتيجيتها لتعزيز صناعة الضيافة لضيوف الرحمن.
كما أشار إلى إنشاء الوزارة وحدة للمسؤولية المجتمعية لتعزيز الشراكة مع المجتمع بما يخدم ضيوف الرحمن، حيث انطلقت الأعمال التطوعية في منافذ الوصول والحرمين الشريفين والمواقيت يشارك بها أبناء وبنات الوطن لتقديم العون لضيوف الرحمن عبر برنامج كن عوناً الذي أطلقته الوزارة هذا العام بالتعاون مع مسك الخيرية، إضافة إلى تطبيق إلكتروني للتعامل مع شكاوى ممثلي شؤون الحجاج، ضمن الجهود الحثيثة للوزارة لتقديم الدعم للمستفيدين، واستخدام التقنية في معالجة الشكاوى والبلاغات بشكل آمن وسريع، مع استحداث نظام إلكتروني للمفقودات وتتبعها. وأوضح نائب وزير الحج والعمرة أن الوزارة تنفذ العديد من المشاريع الإنشائية ومشاريع الطرق والرصف في المشاعر المقدسة بمنى ومزدلفة وعرفات وتعديل مدخل (التبة) المصطبة العلوية بمشعر عرفات لتيسير عملية دخول الحافلات، فضلا عن أتمتة الإجراءات والتكامل مع وزارة الصحة (فتح المقرات الطبية وتصريح الكوادر الطبية وإغلاق المقرات)، مبادرة نوعية لنقل أمتعة الحجاج من منافذ القدوم إلى مقرات سكنهم، كما جرى تطوير مراكز الإرشاد والخدمات وتزويدها بالتجهيزات والتقنيات التي تساعد في تقديم خدمة راقية لضيف الرحمن، إضافة إلى تركيب الشاشات الإرشادية بمجمع صالات الحج والعمرة بمطار جدة على طول مسار القدوم والمغادرة حتى الحافلات.
«طريق مكة»
أكد الدكتور مشاط أن مبادرة طريق مكة هي «إحدى المبادرات التي تسهم في تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 ضمن مبادرات برنامج خدمة ضيوف الرحمن وتضيف انطباعاً متميزاً في رقي الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن حيث تسمح بإنهاء إجراءات وصول الحجاج المستفيدين من المبادرة من مطارات خمس دول وهي: تونس، وباكستان، وبنجلاديش، وإندونيسيا، وماليزيا إلى السعودية وذلك بالتعاون مع عدد من الجهات الحكومية والتي تعكس حرص واهتمام حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، على الارتقاء بجودة الخدمات التي يتم تقديمها لضيوف الرحمن»، مشيراً إلى أن شمولية المبادرة على كافة الحجاج وبلدانهم مستقبلا متاحة، وعلى الجهات المعنية في الدول الراغبة بالاستفادة من خدمات طريق مكة، من خلال التقدم لوزارة الحج والعمرة أو عبر ممثليات المملكة في الخارج، لدراسة الطلب.
حجاج قطر
وزارة الحج والعمرة في السعودية دعت السلطات المعنيّة في دولة قطر إلى تسهيل إجراءات قدوم الأشقاء القطريين الراغبين في أداء مناسك الحج، وإزالة العقبات التي تفرضها حكومة قطر لمنعهم من القدوم لأداء هذه الشعيرة العظيمة، كما وجهت وزارة الحج والعمرة الدعوة للمسؤولين عن شؤون الحج في دولة قطر هذا العام ١٤٤٠هـ كغيرهم من المسؤولين في الدول الإسلامية للقدوم للمملكة لترتيب قدوم الحجاج القطريين.
وأضاف: «عُقد الاجتماع مع القطريين بتاريخ 13 فبراير (شباط) الماضي، وبُحثت كافة الأمور المتعلقة بتنظيم قدوم الحجاج والمقيمين من قطر لأداء مناسك الحج، ولكن الوفد القطري غادر دون أن يوقع على اتفاقية الحج، وبالتالي لم تمنح السلطات القطرية الفرصة لشركات الحج القطرية من القدوم للاتفاق مع مقدمي خدمات الحجاج في المملكة».
واستطرد مشاط «في ظل تعنت السلطات القطرية وعدم استجابتها لدعوة المملكة الجهات المعنية بالحجاج القطريين بدولة قطر إلى تسهيل قدوم الأشقاء القطريين الراغبين في أداء مناسك الحج، قامت وزارة الحج والعمرة انطلاقا من مبادئ المملكة الراسخة بتسهيل وصول المسلمين من جميع أنحاء العالم، باختلاف انتماءاتهم وثقافاتهم ولغاتهم، بتخصيص رابط لتمكين الراغبين بأداء فريضة الحج من الأشقاء القطريين من تسجيل بياناتهم واختيار الخدمات التي تتناسب مع احتياجاتهم حيث أنهت وزارة الحج والعمرة كافة الترتيبات اللازمة لخدمتهم».
تقنيات الحرارة
كشف الدكتور مشاط عن قيام وزارة الحج والعمرة بالتعاون مع أمانة العاصمة المقدسة بمبادرة للتخفيف من وطأة الحرارة المرتفعة بالمشاعر المقدسة، وذلك بتنفيذ مشروع طلاء الأسفلت الخافض للحرارة بطرق المشاة حيث يساهم ذلك في تخفيض درجة الحرارة من ١٥ إلى ٢٠ درجة مئوية، وجرى تغطية ٣٥٠٠ متر مربع، منوهاً أنه سيتم تغطية مواقع أخرى خلال العام المقبل، وتابع بأن المشروع يتضمن قياس درجة الحرارة كل ١٠ ثوان من خلال حساسات تم وضعها تحت الأسفلت، كما ذكّر بوجود عدد من المستشفيات بالمشاعر المقدسة إضافة إلى العيادات المتنقلة الجاهزة والفرق الطبية الميدانية على مدار الساعة لخدمة ضيوف الرحمن ومعالجة أعراض الإعياء والإجهاد الحراري بالإضافة إلى توزيع مظلات واقية من الشمس وتوفير المياه الباردة، وغيرها من الوسائل التي من شأنها التقليل من التعرض لارتفاع بدرجات الحرارة.
كما أكد عدم صدور أي قرار رسمي بإنشاء مخيمات ذات دورين وما أنشئ كان لأغراض خاصة بإحدى مؤسسات أرباب الطوائف كمبنى مخصص لأغراض إدارية، وموضوع المخيمات بطابقين هو تحت الدراسة من الجهات المعنية ولم يتخذ أي قرار بشأنه.
الحجاج المخالفون
تخلف بعض الحجاج لم يعد ظاهرة، وفق النائب، الذي قال «إن الحجاج القادمين إلى المملكة على وعي بأنظمة وتعليمات الحج، وهذا بفضل الله ثم التنسيق المبكر مع بعثات مكاتب شؤون الحج، وتعمل الوزارة بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة على ضبط تخلف أعداد الحجاج من خلال فرض غرامات على مؤسسات الطوافة والتشديد بالتزامها بعودة حجاجها في الوقت المحدد حسب جدول الرحلات». وتوقع أن تتضاعف أعداد المعتمرين خلال السنوات المقبلة قياساً بالمعطيات الموجودة على الأرض وما يجري توفيره من خدمات، متوقعاً أن تستقبل السعودية 15 مليون معتمر خلال العام المقبل 2020.


مقالات ذات صلة

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

الخليج مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً.

عزيز مطهري (الرياض)
الخليج تحرص السعودية على تمكين الحجاج من أداء مناسكهم في بيئة آمنة ومنظمة (تصوير: محمد المانع)

السعودية تُشدِّد على إلزامية تصريح الحج

شدَّدت السعودية على ضرورة التزام مكاتب شؤون الحجاج بتوعية ضيوف الرحمن بضرورة الحصول على التصريح الرسمي لأداء مناسك الحج لهذا العام، واتباع المسارات النظامية.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج «الجوازات» السعودية سخَّرت جميع إمكاناتها لتسهيل إجراءات دخول الحجاج عبر المنافذ الدولية (واس)

السعودية تبدأ استقبال طلائع الحجاج

أكملت السعودية جاهزيتها لاستقبال حجاج هذا العام الذين يبدأون، السبت، التوافد على البلاد من مختلف أنحاء العالم وسط خدمات متكاملة، ليؤدوا مناسكهم بيسر وطمأنينة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج تعمل مبادرة «طريق مكة» على إنهاء إجراءات الحجاج في بلدانهم بكل يسر وسهولة (واس)

السعودية تواصل تنفيذ مبادرة «طريق مكة» في 10 دول

تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» في المغرب وإندونيسيا وماليزيا وباكستان وبنغلاديش وتركيا وساحل العاج والمالديف والسنغال وبروناي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج وزارة الداخلية السعودية شدَّدت على أهمية الالتزام بأنظمة وتعليمات الحج (واس)

السعودية: غرامات تصل إلى 26 ألف دولار لمخالفي أنظمة الحج

أعلنت وزارة الداخلية السعودية العقوبات المقررة بحق مخالفي التعليمات التي تقضي بالحصول على تصريح لأداء الحج، حيث تتضمن غرامات مالية تصل إلى 26.6 ألف دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.