جاسوسة فلسطينية سابقة تلقي الضوء على عالم الجواسيس وكيف تجندهم تل أبيب

الأمن الإسرائيلي يستغل حاجتهم للمال.. وكثيرون يجندون عند معبر إيريز

صورة أرشيفية لعناصر من «الجهاد» الإسلامي وهم يقتادون «متعاونا» مع إسرائيل في قطاع غزة (أ.ب)
صورة أرشيفية لعناصر من «الجهاد» الإسلامي وهم يقتادون «متعاونا» مع إسرائيل في قطاع غزة (أ.ب)
TT

جاسوسة فلسطينية سابقة تلقي الضوء على عالم الجواسيس وكيف تجندهم تل أبيب

صورة أرشيفية لعناصر من «الجهاد» الإسلامي وهم يقتادون «متعاونا» مع إسرائيل في قطاع غزة (أ.ب)
صورة أرشيفية لعناصر من «الجهاد» الإسلامي وهم يقتادون «متعاونا» مع إسرائيل في قطاع غزة (أ.ب)

ألقت رواية أرملة فلسطينية، (48 سنة)، كانت حركة حماس اتهمتها هي وزوجها بالتجسس لمصلحة إسرائيل عام 2012، نظرة نادرة إلى جانب الجاسوسية السري في الحرب بين إسرائيل و«الحركة الإسلامية».
وقتل زوج هذه الفلسطينية في ذلك العام على يد مسلحين بالقطاع بسبب التجسس لمصلحة إسرائيل، واعتقلت هي أيضا، وهي أم لـ7 أبناء، على يد عناصر حماس بسبب تقديمها المساعدة لزوجها.
بناء على ذكرته هذه الفلسطينية، استغل عملاء أمنيون إسرائيليون مرور زوجها بضائقة مالية منذ 10 سنوات، وأغروه للتعاون معهم بأن عرضوا عليه تصريحا بالعمل في إسرائيل، ثم جندت هي أيضا لاحقا عندما سُمح لها باصطحاب أحد أبنائها إلى إسرائيل لتلقي علاج طبي.
ووصفت هذه المرأة الفلسطينية، في مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس»، السنوات التي قدمت خلالها، هي وزوجها، المعلومات إلى إسرائيل، بالقول: «كانت حياتنا جحيما. كنا مذعورين. كنت أنظر خلفي عندما أخرج إلى السوق وأشعر بالخوف لرؤية أي سيارة شرطة».
أفرج عن هذه السيدة، التي اشترطت حجب اسمها لأن حماس لا تسمح للعملاء المفرج عنهم بالحديث إلى الصحف، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وتعتمد إسرائيل، على مدار التاريخ، على عملاء يتعاونون معها ضد الحركات الفلسطينية والنشطاء، وكانت تجند هؤلاء بوسائل تتنوع ما بين الإيقاع في المصيدة، والابتزاز، إلى النقود والإكراميات. وبدورها، تبذل حماس كل ما في وسعها لوقف العملاء، خاصة بإعدامهم علنا لردع الآخرين، إذ إنها تحمّلهم مسؤولية مساعدة إسرائيل على اغتيال عشرات من كبار قادتها.
وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن طرقا مختلفة تؤدي إلى كشف العملاء، مثلا عن طريق تصرفاتهم كمشاهدتهم مرارا في محيط مقر أمني تقصفه إسرائيل لاحقا، أو استفساراتهم من الآخرين عن ناشطين. ويعتقل آخرون لأسباب أخرى مثل حيازة المخدرات، لكنهم يعترفون أثناء التحقيق بتورطهم في العمالة. بينما يعتقل آخرون بعد وشاية من عملاء آخرين.
ظهرت قضية العملاء من جديد مع الجولة الأخيرة من الحرب في غزة، بعدما أعدم مسلحون 22 عميلا في يوم واحد علنا، إثر مقتل 3 من كبار قادة حماس في غارة جوية إسرائيلية، في عملية يبدو أنها نفذت بمساعدة عملاء.
ووجهت جماعات حقوقية فلسطينية انتقادات حادة لحماس بسبب تنفيذ هذه الإعدامات خارج إطار القضاء. ويقول صلاح عبد العاطي، من الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في غزة: «كانت رسالة مفزعة إلى المجتمع ورادعة للعملاء الآخرين».
ولكن تلك المخاوف الحقوقية لا تحظى إلا بقليل من التعاطف بين الفلسطينيين الذين يعدون إبلاغ إسرائيل معلومات «خيانة لا تغتفر»، حتى بين أولئك الذي يعارضون قبضة حماس الحديدية على القطاع منذ عام 2007. ويقول رامز أبو جزار، وهو من سكان غزة، قُتل شقيقه على يد حماس خلال قتال داخلي بين الفصائل الفلسطينية عام2007، إنه يؤيد تماما قتل العملاء. وأضاف أنهم «مثل السرطان في المجتمع، وباعوا أنفسهم إلى الشيطان».
توجد أمثلة لبعض الفلسطينيين الذين تعاونوا مع إسرائيل بدافع من قناعة سياسية. وكان أكثر عملية تجسس تسببت في الإحراج لحركة حماس، تخص نجل مؤسس الحركة الشيخ حسن يوسف لمصلحة إسرائيل من عام 1997 إلى 2007، الذي وصف بـ«الأمير الأخضر». وكتب مصعب يوسف، الذي يقيم حاليا بالولايات المتحدة، لاحقا، إنه فعل ذلك بسبب كراهيته تصرفات حماس.
ولكن، من المعتقد أن الغالبية العظمى من العملاء يفعلون ذلك بسبب الابتزاز أو لتحقيق مكاسب مالية.
وقال أحد المسؤولين بوكالة الاستخبارات الداخلية في إسرائيل (شين بيت) التي تدير ملف العملاء الفلسطينيين: «كل شيء يبدأ وينتهي بالمال». ويجند كثيرون عند معبر إيريز الحدودي بين إسرائيل وغزة، عندما يطلبون الحصول على تصريح بالدخول، على حد قول المسؤول الذي اشترط عدم ذكر اسمه.
في جانب غزة من المعبر، توجد لافتة كبيرة وضعتها حماس لتحذير الفلسطينيين من الوقوع في شرّك التجنيد على يد الإسرائيليين.
ونقلت «أسوشييتد برس» مشاهداتها لتجربة مباشرة لكيفية استخدام الجيش الإسرائيلي المعبر للحصول على معلومات من الفلسطينيين المارين خلاله. وعلى الجانب الإسرائيلي، خارج المعبر، جلس رجل أعمال فلسطيني دخل لتوه من غزة، وكان ينتظر شقيقه الذي كان يمر معه من المعبر، لكن مسؤولي المعبر احتجزوه في الداخل.
اقترب ملازم في الجيش يرتدي الزي العسكري ويتحدث بالعربية من الرجل ووعده بمساعدة شقيقه، ولكنه طرح عليه أولا عشرات الأسئلة عن الحياة في غزة وعدد المصانع المتضررة في الحرب الأخيرة، والمزاج السائد في الشوارع وإمدادات الكهرباء. استمرت الأسئلة، التي حملت نبرة عادية، 15 دقيقة، وأجاب عنها الرجل بقليل من التردد.
وفي النهاية، أصر الضابط على الحصول على رقم هاتف الرجل. وظهر شقيقه سريعا بعد ذلك.
وكانت وزارة الداخلية التابعة لحماس أعلنت أنها أعدمت 12 عميلا منذ عام 2007 بعد محاكمات سرية. وتقول جماعات حقوقية، إن 53 ممن يزعم تورطهم في العمالة أعدموا على يد مسلحين من حماس في الفترة ذاتها.
جند زوج الأرملة الفلسطينية منذ 10 سنوات تقريبا، عندما كانت إسرائيل تملك سيطرة مباشرة على غزة قبل انسحابها من القطاع عام 2005. عمل الرجل في السابق جامع قمامة بإسرائيل، وقتما كان الآلاف من سكان غزة مسموح لهم بالدخول إلى إسرائيل يوميا للعمل. ولكن ألغي تصريحه بسبب تورطه في سرقة سيارة، على حد قول زوجته.
بدأت الزوجة بزيارات متكررة إلى مصر لشراء بعض السلع لتبيعها في غزة. وعندما حاول أن يفعل زوجها مثلها، أوقفه عملاء الأمن الإسرائيليون على الحدود من جانب القطاع. وقالت زوجته بأنهم عرضوا عليه إعادة تصريحه للعمل في إسرائيل مقابل التعاون معهم. بعد ذلك، ساورت الشكوك زوجته لأنه كان يصعد إلى سطح منزلهم باستمرار لإجراء مكالمات هاتفية. وعندما واجهته، اعترف لها وقال لها: «أنا لا أؤذي أحدا. أعطيهم فقط رقم هاتف أو اسم أو معلومة عن أحد الأنفاق».
ولكنها لم تنضم إلى زوجها في العمالة إلا في عام 2008، عندما سُمح لها باصطحاب أحد أبنائها لتلقي العلاج في مستشفى إسرائيلي. وطُلب منها التوجه إلى مكتب الأمن في المستشفى، وهناك أعطاها شخص إسرائيلي مالا لشراء هدايا لها ولأبنائها. وبعد عدة أيام، أعطاها 14 ألف دولار أميركي وتعليمات بترك المال في نقاط متعددة بغزة لدفع مستحقات عملاء آخرين. وقالت: «تركنا المال تحت الصخور، وفي صناديق القمامة، وإلى جانب الجدران».
وتابعت السيدة قائلة إنه قبل اعتقالهما بفترة قصيرة عام 2011، تلقى زوجها اتصالا من الإسرائيليين وصفوا له سيارة وطلبوا منه التوجه فورا إلى الطريق الرئيس خارج منزله وانتظارها. عندما رأى السيارة، اتصل بالإسرائيليين وأخبرهم بأن رجلين بداخلها. وبعد أكثر من ساعة، فجّر الإسرائيليون السيارة، وقتلوا من فيها، وفيما يبدو كانا من المقاتلين.
وكشفت تحقيقات فلسطينية مستفيضة عن أن كل عملية اغتيال نفذتها إسرائيل في الضفة الغربية أو غزة شارك فيها، بصورة أو بأخرى، عملاء فلسطينيون، حتى إن بعضهم شاركوا في تنفيذ هذه الاغتيالات.
وخلال حرب 2012 بين إسرائيل وحماس، قتل الكثير من قيادات حماس في غارات جوية، اقتاد، على أثرها، رجال ملثمون زوج الأرملة و5 آخرين من العملاء من السجن وأعدموهم رميا بالرصاص عند أحد التقاطعات في غزة، ثم سحلت جثة واحد على الأقل من الستة في الشارع بواسطة دراجة نارية، رغم أنه من غير المعلوم ما إذا كان ذلك جثمان زوجها أم لا.
أدينت الأرملة أيضا في محكمة أقامتها حماس وصدر ضدها حكم بالحبس 7 سنوات. ولكن، صدر عفو عنها في ديسمبر (كانون الأول) كي ترعى أطفالها.
واستخدمت حماس في سنوات سابقة سياسة فتح الباب للتوبة مع العملاء، لكن وفقا لمدى تورطهم مع إسرائيل.
وتكافح الأرملة الآن من أجل تربية أبنائها بدخل قليل، ولم تذكر التعرض لمضايقات بسبب الحكم الصادر بإدانتها، ولكنها قالت: «يبدي لي الجيران ابتسامات غير صادقة، ولكني أعلم ماذا يدور في أذهانهم تجاهنا».
وعن صحة أو خطأ العمل مع إسرائيل، تظهر على وجه الأرملة تعابير هي مزيج من الإنكار والرغبة في الدفاع عن سمعة زوجها، والشعور بالارتياح لانتهاء أعوام الخوف. وأكدت: «كان زوجي رجلا طيبا. لم يكن يضر أي شخص».



اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended