عامر منصور... فلسطيني يبهر الدنماركيين بأطباقه

المزج الجريء للنكهات «خبرة وتذوّق»

عامر منصور  -  عجة الخضار والبيض
عامر منصور - عجة الخضار والبيض
TT

عامر منصور... فلسطيني يبهر الدنماركيين بأطباقه

عامر منصور  -  عجة الخضار والبيض
عامر منصور - عجة الخضار والبيض

من تحت يديه تخرج أطباق ليست للشبع والسلام؛ بل كي تدندن حاسة التذوق أغنية المرح ومعها بقية الحواس، ولعل طبق زهرة الكوسا المحشية بقطع الدجاج والخضار واحد من أفضل الأمثلة.
عامر منصور شيف فلسطيني يعيش منذ سنوات طويلة في الدنمارك التي أحب أهلُها ما يقدمه من وصفات عربية تراثية خرج فيها عن القوالب الثابتة إلى مساحة من الابتكار، محاوِلاً إظهار ما يحمله طعام الشرق من جمالٍ جريء.
- الطبخ يُنسيه نفسه
يلعب في النكهات كما لو أنها صلصال ليخلق من مزيجها علاقة لطيفة غريبة مهما بدت متضاربة، وبين الحقول الخضراء يمشي الرجل الذي عانى كثيراً في الحياة باحثاً عن ثمار العلّيق (التوت البري) ليحضّر معها قطعة ستيك مشوية مع بطاطا حلوة وكوسا، حالة نقاء كهذه لا يجوز له إلا أن يستجيب لإلهام الطبيعة فيها من دون تلكؤ.
فلسفة عامر تتلخص في التركيز على نوع الطعام بعيداً عن كمّه، إذ يتحرى الصحي منه «لأن المعدة مسؤولية»، كما يقول، مما يزيده حرصاً على استخدام كثير من الخضراوات لأجل أطباق تحفظ «تاج الصحة»، وبقليل من التفحّص فإن منها ما يناسب المرضى، مثل وصفاتٍ خاصة يحضّرها من دون طحين.
يقول في حديث مع «الشرق الأوسط»: «أندفع بشغفٍ نحو مزج النكهات مع بعضها، الحامض مع الحار والحلو والمر، هذا الاندماج يثير بداخلي التحدي يتلخص في أن يلتبس الأمر على ضيفي من أول لقمة يضعها في فمه إلى درجة ألا يميز ما يأكله على وجه التحديد. وذلك يتطلب إجراء عدة تجارب لاستكشاف النكهات، وبطبيعة الحال لا أنجح في الوصول إلى المذاق المطلوب من المرة الأولى، ويا لسعادتي حين آتي به».
يتجاوز عامر ظروفه الشخصية فارّاً بنفسه إلى الطبخ، لعل أوجاعه في الحياة تُشفى، وحينها ينسى ما حوله عندما يحلّق إلى عالم آخر، كما تقول زوجته التي تساعده بصبر في خوض مغامراته، فما إن تخطر بباله فكرة حتى يهرع إلى مطبخه، ولن تصدقوا مقدار الفرح الذي يغمره إذا ما نجح في مراده.
وُلد وعاش في لبنان، إلا أن زيارة فلسطين في طفولته من أكثر ما علق بذاكرته، فما زالت وجوه النسوة وهن يحضّرن خبز الطابون والمسخن والمنسف حاضرة، وأكلات ونكهات لم يمحُها الزمن، ومن هنا استيقظ حس الاستكشاف فيه لتجريب العديد من الوصفات.
ولّى شباب الشيف عامر، إلا أن قلبه يستمر في الضحك رغماً عن المشيب عندما يستذكر تلك الأيام بحنين قائلاً: «كانت أمي تطهو أطباقاً تقليدية فيها مزيج من الطعام العثماني والعربي، أتذكر أكلة اللبنية التي كانت رديفاً للفقر في قاموسي، فقد عشنا حياة قاسية في المخيمات، وطعام على هذه الشاكلة لم يكن جاذباً لنا، لاعتقاد ساذج في ذلك الوقت بأن الطبخة الأمثل هي التي يدخل اللحم في مكوناتها، وحين كبرنا عرفنا أن العديد من الأطباق الشهية لا تحتوي على اللحم».
ويؤكد الصغير الذي بداخله أن طعم «الأرز بالشعرية» المنكّه بسحر أمه باقٍ حتى آخر نَبضة، وعلى سيرة الأرز، فإن الدنماركيين ينبهرون بطريقة عامر في تحضيره ويحلو لهم تناوله في مناسباتهم، لقد أحبوا طريقته في فلفلة الأرز؛ فالشعب الدنماركي العاشق للبطاطا لا يجيد طهي الأرز، حسب قول ابن قرية «كفر كنا».
«السلطة العربية على بساطتها أثارت دهشتهم أيضاً، بما فيها من ليمون وزيت زيتون وملح!»... يضيف عامر ببسمة ووقار لا يفارقان صوته: «أشعر بفخر كوني عربياً مسلماً، وأحظى بشعبية كبيرة في المدينة التي أقيم فيها، فقد بذلتُ قصارى جهدي لإبراز بعض من محاسن طعامنا برؤية خاصة. أطبخ من قلبي، وأعتقد أنه سبب كافٍ ليحب أصدقائي الدنماركيون أطباقي».
- الرمان بدل النبيذ
كَرنفال ألوان في سَلطة تتراقص فيها الفاكهة والخضراوات بخفة، وقد يحل سمك السالمون المشوي ضيف شرف على سلطة الفاكهة تلك، مضيفاً إليها أفوكادو وبصلاً أخضر ومانجو حامضة، والمانجو نفسها من الممكن أن تعاكس شرائح اللحم الطرية.
سافر عامر إلى دولة الإمارات في عمر التاسعة عشر، منضمّاً إلى إخوته للعمل في مطعمهم وحينها بدأ بتعلم الأبجديات، ثم عمل نادلاً في أحد الفنادق وأثناء ذلك بدأ يفكر بشكلٍ آخر، حقّاً لقد غيرّت هذه الموهبة منظوره للطعام، فبات يراه فناً وتذوقاً بالفطرة وخبرة متراكمة أكثر من مجرد تعليم رسمي، ووفقاً لذلك أخذ يطور من ممارسته العملية صابّاً اهتمامه على نوعية الأطباق. ومن العلامات الفارقة التي قدّمها على مدار السنوات شغفه بوصفات فاكهة الرمان، حتى إنه جمع ما يرتبط بها من سلطات وطبخات في كتاب يكشف عن جانب جديد من التراث الفلسطيني، وبانتظار أن تتهيأ الظروف المناسبة لطباعته، تبعاً له.
يخبر «الشرق الأوسط» عن «الحمراء الفاتنة» فيقول: «الرمان إرث رائع اشتهرت به قريتي (كفر كنا)، وقد حرصت في كل عام على زيارتها خصيصاً لحضور مهرجان الرمان، كنت أراقب بانبهار طرق تحضير (الختِيارات) - العجائز - لأطباق الرمان المتنوعة، ثم يأتي دوري، وأنكبّ على تحضير سلطات من وحي أفكاري من قبيل سلطة الرمان مع القمح، مما أثار استغراب نساء القرية، لأنهن لم يجربن الخروج عن المألوف».
وبحسب رأي عامر منصور، لم يكن للناس فيما مضى أن يستسيغوا مزج النكهات ببساطة إلا أن الوعي بأهمية التذوق المتجدد والانفتاح على التجارب الأخرى ساعد بعض الشيء في تقبل هذه التحولات.
«ما رأيكم باحتساء عصير الرمان بدلاً من النبيذ»؟! كان ذلك اقتراحاً من الشيف عامر لاقى تجاوب البعض ممن يثقون بأدائه، ولا يمانعون في تجربة خيارات جديدة.
سألتُه عن المكونات العربية التي يحب العزف عليها، فأجاب على الفور: «الرمان والزعفران والكركم، ناهيك بأنواع من الخضراوات لا تتوفر في الوطن العربي (مثل الشمندر)، إذ تعود الدنماركيون على تناولها، وبدوري أستخدمها بشكل يختلف عن النسق المكرر. حمداً لله أن مذاقاتي طابت لهم».
ويعطي أحياناً حصصاً في الطهي العربي للراغبين، مع العلم بأنه يُحضّر مأكولاته الشهية في البيت، متحفظاً على ذكر سبب عدم عمله في المطاعم الدنماركية.
يواصل حديثه بعد استراحة قصيرة: «لو كان لي مطعمي الخاص لأبدعتُ بلا حدود، ومع ذلك متفاءل بأني سأتقدم كثيراً في هذا المجال، لا سيما في تحضير المعجنات الصحية، في الفترة الأخيرة تشرفتُ بمتابعة طهاة كبار لأعمالي... وهذا مؤشر جيد».
وبالنظر إلى أسلوب تقديمه وتصويره، فله لمسة رشيقة وعفوية، ومع ذلك لا يُغفِل الإشادة بـالمستوى «المحترم» لـ«الفود ستايل» في الدنمارك مُقرّاً بأنه تعلم الكثير منه «المطبخ الغربي له فضل علينا في إكسابنا طرق التزيين وما شابه»، يقولها بنبرة امتنان.
- «شغلهم بجنّن»
يحيا مع أبنائه وأحفاده في أجواء أسرية حميمة لا سيما عندما يجتمعون على مائدة واحدة، ففي صباح النشاط قد يُحضّر الجد عامر الفطور الفلسطيني (القحّ) - كلمة شعبية تعني «على أصوله»؛ ويروق له أن يفاجئهم بين وقتٍ وآخر بأطباق يحبونها على مائدة الغداء مثل المعكرونة مع البيستو، وشوربة البطاطا الحلوة، وقد يكون إلى جانبهما «الأرضي شوكي»، وبروح الدعابة يصفها بالقول: «قاعدة زي العروس». إنه بالمختصر يتقنها فيحضرّها بحب.
«طهاة فلسطينيون في الأراضي المحتلة لديهم مواهب جبارة ولا تواتيهم الفرصة للانطلاق نحو الخارج» يحزن من أجلهم، وما يهوّن عليه نجاح البعض في السفر والانفتاح على المطابخ العالمية وتسجيلهم نجاحات «بترفع الراس»، معقّباً: «أفخر بكل فلسطيني في بلاد الغرب سعى وثابر حتى يقدم أطباقنا بشكل جذاب، وإن كان المطبخ الفلسطيني ينتشر بصعوبة في ظل تربّع المطبخ اللبناني على الساحة منذ زمن بعيد».
شخص إيجابي مثله يُمسك ببصيص النور ولا يفلته، فيلفت الأنظار إليه قائلاً: «بعد دخولي عالم (إنستغرام) دعيني أعترف أنني اندهشتُ من مواهب فلسطينيات وعربيات ليس على صعيد الطهي وحسب، وإنما في تصوير الطعام أيضاً... (شغلهم بجنن)، أذكر منهن سوسن أبو فرحة وفداء حداد وآسيا عثمان وليلى الهاشمي وأخريات».
«العم عامر» وفقاً للنداء الذي يحب مناداته به، يرى نفسه مَلكاً في الأسماك والباستات والسلطات، وقد أحسن صنعاً بابتكاره مشروبات صحية تنفعنا وتنعشنا، لنأخذ منه نصيحة مُجرِب يمنحنا أكثر من خيار: «قد تترددون أمام عصير السبانخ والمانجو، لكن يكفي أن تغمضوا عيونكم وتشربوه دفعة واحدة، ولا بأس إن جربتم عصير الأناناس مع الكركم، أو عصير الشمندر وبرتقال دم الزغلول، أما خليط الأفوكادو مع الموز وبذور الشيا بمنتهى الأمانة لا يُفوّت».
يتنفس بعمق في نهاية الحديث موجزاً قصته مع مزج النكهات بحلوها وحامضها ومرها: «الدافع عندي يُولد من جديد كلما قيلت هذه الجملة: (لو طبخ عامر الأحجار ستكون طيبة)».


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة
TT

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم الخضراء... اتجاه جديد ينعش المائدة ويمنح الأطباق أناقة خاصة، بعدما شقت طريقها إلى المطابخ الحديثة بوصفها إضافة حقيقية للوصفات الصحية.

فلم تعد البراعم النباتية كما كانت في السابق مجرد لمسة خضراء تزين أطباق السلطة، بل أصبحت من أبرز الاتجاهات الحديثة في عالم الطهي، مع ازدياد الاهتمام بالأطعمة الطازجة والمكونات التي تجمع بين الفائدة الصحية والمذاق المميز والشكل الأنيق. وخلال السنوات الأخيرة، بدأت هذه النباتات الصغيرة تنتقل من المطابخ العالمية إلى الموائد العربية، لتقدم حضوراً مختلفاً يثري الأطباق اليومية ويمنحها روحاً جديدة.

والبراعم هي المرحلة الأولى من نمو البذور، حيث تنبت في ظروف رطبة ونظيفة خلال أيام قليلة، ثم تخرج السيقان الدقيقة والأوراق الصغيرة الغنية بالعناصر الغذائية.

لفائف سوشي السلمون اللذيذة مع البراعم

ويشير خبراء التغذية إلى أن هذه المرحلة تشهد نشاطاً طبيعياً داخل البذرة؛ ما يجعل بعض مكوناتها أسهل في الهضم، مع ارتفاع نسبي في مستويات بعض الفيتامينات ومضادات الأكسدة.

كما تعد البراعم مصدراً جيداً للألياف والفيتامينات والمعادن، مع انخفاض نسبي في السعرات الحرارية، وهو ما يجعلها خياراً مناسباً للراغبين في تحسين نمطهم الغذائي أو تنويع وجباتهم اليومية بطريقة صحية وخفيفة.

يرى الشيف أحمد نبيل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البراعم من المكونات التي لفتت الانتباه بقوة خلال الفترة الأخيرة؛ لأنها تمنح قيمة غذائية مرتفعة في حجم صغير، كما أنها سهلة الاستخدام ويمكن إدخالها في عدد كبير من الوصفات من دون تعقيد.

ويقول إن «ما يميز البراعم قدرتها على تحويل طبق بسيط إلى وجبة أكثر أناقة وتوازناً، سواء من حيث اللون أو القوام أو النكهة، مشيراً إلى أن سر نجاحها في المطبخ يكمن في بساطتها؛ فهي لا تحتاج إلى مهارة خاصة ولا إلى تكلفة مرتفعة، لكنها تحدث فرقاً واضحاً في الطبق».

السلطات من أهم الأطباق التي تستخدم فيها البراعم لكنها لم تعد الوحيدة

براعم لكل مذاق

تتنوع البراعم الصالحة للأكل، ولكل نوع منها مذاقه واستخداماته الخاصة، ومن أبرز الأنواع الشائعة براعم الفاصوليا، والبروكلي، والعدس، والفجل، والبازلاء، ودوار الشمس، والجرجير، والحلبة.

ويشرح نبيل أن براعم الجرجير تتميز بنكهة عشبية خفيفة ولمسة منعشة؛ ما يجعلها مناسبة للسندويتشات والسلطات. أما براعم الفاصوليا فتشتهر بقوامها المقرمش وعصارتها الواضحة؛ ولذلك تُستخدم في الأطباق السريعة والشوربات وطواجن الخضراوات.

ويضيف أن براعم البروكلي تحظى بإقبال كبير؛ لما تحتويه من مركبات نافعة، إلى جانب مذاقها الخفيف المائل إلى الحدة الرقيقة.

في حين تعد براعم العدس خياراً مناسباً للمطبخ المصري والعربي؛ لأنها مألوفة في النكهة وغنية بالبروتين النباتي، ويمكن إضافتها إلى السلطات أو تقديمها مع الحبوب أو استخدامها في حشوات الفطائر.

أما براعم الفجل فتمنح الأطباق نكهة حارة ومنعشة تناسب محبي المذاقات القوية، بينما تضيف براعم دوار الشمس طعماً قريباً من المكسرات؛ وهو ما يجعلها مناسبة مع الجبن والخبز المحمص.

ولا تتوقف جاذبية البراعم عند حدود الفائدة الغذائية، بل تمتد إلى أثرها البصري في تقديم الطعام؛ فالألوان الخضراء الزاهية، والخيوط الدقيقة، والأوراق الصغيرة، تمنح الأطباق مظهراً أكثر حيوية وحداثة، وتجعل الوجبة تبدو أكثر عناية وتنسيقاً.

طريقة استخدامها

يقول الشيف أحمد نبيل إن الطاهي الذكي يمكنه استخدام البراعم بالطريقة نفسها التي يستخدم بها الأعشاب الطازجة أو اللمسات النهائية، أي بكميات محسوبة، تضيف نكهة ولمسة جمالية من دون أن تطغى على المكونات الأساسية.

كما تناسب البراعم نمط الحياة السريع؛ إذ لا تحتاج إلى وقت طويل في التحضير، ويمكن إضافتها نيئة إلى السلطات والسندويتشات، أو إدخالها في الطهي الخفيف خلال الدقائق الأخيرة حتى تحتفظ بقوامها ونضارتها. كذلك يمكن استخدامها فوق أطباق الشوربة الساخنة عند التقديم، أو إضافتها إلى البيض المخفوق، أو مزجها مع الأرز والخضراوات.

الشيف المصري أحمد نبيل (الشرق الأوسط)

وصفات سهلة وشهية

وفي المطبخ المصري يمكن إدخال البراعم بسهولة ومن دون خروج عن المألوف؛ فإضافتها على سبيل المثال إلى طبق الفول يمنح الوجبة نكهة طازجة وتوازناً مع القوام الكريمي. كما يمكن وضعها داخل ساندويتشات الجبن القريش مع شرائح الطماطم والخيار، أو إضافتها إلى الطعمية مع السلطة.

وتصلح أيضاً بجوار الكفتة المشوية أو شرائح اللحم البقري أو الدجاج؛ حيث تضيف خفة وانتعاشاً يوازنان النكهات المشوية والدسمة.

ومن الوصفات التي يقترحها نبيل سلطة مصرية بالبراعم، تتكون من الطماطم المقطعة والخيار والبصل الأحمر الرقيق وبراعم الفجل، مع عصير الليمون وزيت الزيتون ورشة سماق. ويقول إنها تصلح إلى جانب الأسماك أو المشويات، كما يمكن تقديمها وجبة خفيفة مستقلة.

ويقترح أيضاً طبق أرز بالخضراوات والبراعم، حيث يُطهى الأرز بالطريقة المعتادة، ثم تُضاف إليه في النهاية براعم البازلاء أو الفاصوليا مع الجزر المبشور والبصل الأخضر؛ ليحصل الطبق على لون جديد وملمس مقرمش محبب.

ويتابع: «وتتميز البراعم بمرونة كبيرة في الاستخدام داخل المطبخ، ومن أبرز طرق تقديمها مزجها مع سلطة الكولسلو أو السلطة المصرية، أو استخدامها في سلطة البطاطس مع براعم العدس أو الفاصوليا، ويمكن إضافتها إلى اللفائف والسندويتشات بدلاً من الخس».

ويواصل: «أيضاً أستخدمها في حشوات السندويتشات مع الجبن أو التونة، أو أضعها فوق ساندويتشات الجبن بعد تحميصها، أو أضيفها إلى الحساء أو اليخنات عند التقديم».

ويقترح أيضاً: «تقليبها مع الخضراوات المشوحة، أو خلطها مع الجبن الكريمي أو اللبنة لصنع صلصات تغميس، أو خلطها مع عجينة الفطائر أو المخبوزات المالحة، أو تناولها طازجة في أطباق البراعم المشكلة، وتُستخدم أيضاً في تزيين أطباق العجة أو البيض المخفوق بها، وفي لفائف الأرز أو السوشي النباتي».

أما لمحبي الوجبات السريعة الصحية، فينصح بإعداد سندويتش من خبز الحبوب الكاملة محشو بشرائح الدجاج المشوي واللبنة أو الجبن الطري، مع كمية وفيرة من دوار الشمس، مؤكداً أن هذه الإضافة البسيطة تجعل الساندويتش أكثر إشباعاً وتوازناً.

نصائح مهمة

ورغم سهولة استخدام البراعم، فإن اختيار المنتج الجيد يظل أمراً أساسياً، وينصح الشيف أحمد نبيل بشراء البراعم التي تبدو نضرة وجافة نسبياً وغير لزجة، وخالية من أي بقع داكنة أو رائحة غير طبيعية.

كما يفضل حفظها في الثلاجة داخل عبوة جيدة التهوية، واستهلاكها خلال فترة قصيرة؛ للحفاظ على جودتها وطزاجتها.

ومن المهم غسل البراعم جيداً قبل الاستخدام، والحرص على شرائها من مصادر موثوقة، مع تفضيل الطهي الخفيف لبعض الأنواع عند الحاجة؛ حيث ينصح بتجنب تناولها نيئة بالنسبة للأطفال والحوامل وكبار السن وذوي المناعة الضعيفة.

معكرونة مع شرائح السمك والبراعم

من السوق... أو من مطبخك

وبدأت شركات مصرية متخصصة في إنتاج البراعم الطازجة مثل «منابت» في طرح منتجاتها داخل الأسواق، مع التركيز على تقديمها جاهزة للاستخدام، والاهتمام بالنظافة وتعقيم المياه وبيئة الزراعة، وهو ما يعكس اتساع الطلب على هذا النوع من الأغذية.

ومن جهة أخرى يمكن زراعة البراعم في المنزل بسهولة باستخدام برطمان زجاجي نظيف وبذور مخصصة للإنبات.

وتُنقع البذور عدة ساعات، ثم تُصفى وتُشطف يومياً؛ حتى تظهر البراعم خلال ثلاثة إلى خمسة أيام.

ويؤكد نبيل أن هذه الطريقة تمنح الأسرة منتجاً طازجاً، كما تتيح تعريف الأطفال بالغذاء الصحي من خلال تجربة بسيطة وممتعة.

وما بين المذاق المقرمش، والمظهر الأنيق، والقيمة الغذائية المرتفعة، يرى نبيل أن البراعم تبدو مرشحة لحضور أوسع على المائدة اليومية، بوصفها مكوناً صغيراً يصنع فرقاً واضحاً في الطب.


رحلات «استكشاف المذاقات»...فكرة تبدأ من الأرض وتنتهي على الطاولة

تشكيلة من ثمار البحر (الشرق الأوسط)
تشكيلة من ثمار البحر (الشرق الأوسط)
TT

رحلات «استكشاف المذاقات»...فكرة تبدأ من الأرض وتنتهي على الطاولة

تشكيلة من ثمار البحر (الشرق الأوسط)
تشكيلة من ثمار البحر (الشرق الأوسط)

هناك إقبال شديد على ما يُعرف بسياحة فنون الطهي أو «استكشاف المذاقات»، بعدما أصبح الطعام عاملاً حاسماً يجذب الزوار ويؤثر في قراراتهم.

وتشير تقارير حديثة إلى أن نحو واحد من كل خمسة مسافرين حول العالم يضع تجربة الطعام في صدارة أولوياته، بينما يذهب نصفهم تقريباً إلى حجز المطاعم قبل تأكيد رحلات الطيران، في مؤشر واضح على التحول الكبير في مفهوم السفر الحديث. وتعتبر إزمير واحدة من أبرز الوجهات التي أعادت تعريف تجربة السفر من خلال المذاق. هذه المدينة المطلَّة على بحر إيجة تقدم أطباقاً تقليدية، وتروي حكاية غنية من التنوع الثقافي والمنتجات المحلية الطازجة، بدءاً من الأعشاب البرية، ووصولاً إلى أرقى تجارب الطعام العالمية.

تعتمد إزمير على الأسماك في مطبخها (الشرق الأوسط)

ومن المدن المشهورة بثرواتها النباتية التي تجعل من الأعشاب والخضراوات المحلية جزءاً أساسياً من هويتها الغذائية إزمير في تركيا، فالمعروف عن أطباقها أنها تعتمد على الهليون البري والخبيزة والقراص، إلى جانب «الجيبز»، تُحضَّر بزيت الزيتون الشهير في المنطقة، وتُقدَّم كمقبلات تجمع بين البساطة والعمق في النكهة.

ولا تكتمل التجربة دون مرافقة هذه الأطباق بالمأكولات البحرية الطازجة من بحر إيجه، مثل الروبيان والأخطبوط، في مزيج يعكس روح الساحل التركي. كما تبرز أطباق مثل أزهار الكوسا المحشوة والخرشوف بزيت الزيتون كرموز للمطبخ المحلي. وخلال فصل الربيع، تتحول المدينة إلى ساحة احتفال بالنكهات عبر مهرجانات موسمية، أبرزها مهرجان ألاجاتي للأعشاب، ومهرجان أورلا للأرضي شوكي؛ حيث تمتزج الثقافة بالطهي في أجواء نابضة بالحياة.

يعتبر الكوسا من المنتجات المحلية التي يتفنن بها الطهاة في إزمير (الشرق الأوسط)

ضمن رحلة الذواقة، تشكّل أورلا محطة لا يمكن تجاوزها. هذه البلدة الساحلية أصبحت مركزاً لتجارب الطهي الراقية التي تعتمد على مفهوم «من المزرعة إلى الطاولة»؛ حيث تُستخدم مكونات محلية طازجة في إعداد أطباق مبتكرة.

وقد نجح طهاة المنطقة في إعادة تقديم الوصفات التقليدية بروح عصرية، ما أكسبهم تقديراً عالمياً ووجوداً في «دليل ميشلان». وتتيح هذه التجارب للزوار تذوق أطباق مميزة تجمع بين الأصالة والإبداع.

زهرة الكوسا المحشوة (الشرق الأوسط)

كما تحتضن أورلا مساراً فريداً لمزارع الكروم؛ حيث يمكن للزوار التجول بين البساتين وتذوق منتجات محلية، بعضها أعيد إحياؤه بعد أن كان مهدداً بالاندثار.

بعيداً عن المطاعم الفاخرة، تحتفظ إزمير بسحرها الحقيقي في شوارعها. فمأكولات الشارع هنا ليست مجرد وجبات سريعة، بل تجربة ثقافية متكاملة.

من الفطور التقليدي الذي يشمل «البويوز» و«الجيفريك» و«البيشي»، إلى ساندويتش «الكومرو» الشهير، تقدم المدينة خيارات غنية تلبي مختلف الأذواق. ولا تغيب الحلويات عن المشهد؛ حيث تبرز «الشامبالي» وكرات العجين المقلية كوجبات خفيفة تحظى بشعبية واسعة.


مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
TT

مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)

تُعدّ لندن واحدة من أبرز العواصم الثقافية في العالم، ويحتل المسرح مكانة مركزية في هويتها الفنية والتاريخية. فمنذ قرون، شكّلت المدينة مسرحاً حياً للإبداع، احتضنت أعمال كبار الكتّاب مثل ويليام شكسبير، وأسهمت في تطور الفنون الأدائية لتصبح مقصداً عالمياً لعشاق المسرح من مختلف أنحاء العالم.

طبق «غوتي فانكايا» (الشرق الأوسط)

وتبرز منطقة كوفنت غاردن بوصفها قلباً نابضاً لهذا المشهد المسرحي، حيث تمتزج العراقة بالحداثة في فضاء يعجّ بالمسارح التاريخية والعروض المتنوعة.

شهرة لندن في مجال المسرح لا تقتصر على عدد مسارحها أو تنوع عروضها فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرها العالمي ودورها في دعم الإبداع وصناعة النجوم، لتبقى واحدة من أهم المراكز المسرحية التي ترسم ملامح الفن الحي على مستوى العالم.

ولم يعد المسرح في لندن تجربة فنية بحتة فحسب، بل أصبح جزءاً من أسلوب حياة متكامل يمزج بين الثقافة والترفيه والطعام، حيث برز في السنوات الأخيرة توجه لدمج تجربة الأكل مع العروض المسرحية.

حلوى أناناس جاليبي (الشرق الأوسط)

باتت الكثير من المطاعم والمقاهي تتعاون مع المسارح لتقديم عروض مشتركة، تشمل وجبات قبل العرض أو بعده، أو حتى تجارب طعام مستوحاة من موضوع المسرحية نفسها.

هذا التداخل بين فنون الطهي والمسرح يمنح الجمهور تجربة حسّية متكاملة، تعزز من جاذبية المشهد الثقافي في لندن، وتكرّس مكانتها بوصفها مدينة لا تكتفي بتقديم الفن، بل تعيشه بكل تفاصيله.َ

ومن الأمثلة اللافتة على هذا التقارب بين الفن والطعام، يقوم حالياً مطعم «كولونيل صعب» Colonel Saab بتقديم تجربة طعام هندية في فرعه في «ترافالغر سكوير» من خلال ابتكار لائحة طعام استوحى أسماءها من شخصيات بارزة في مسرحية «كينكي بوتس» البريطانية العالمية، ويتعاون المطعم مع العرض المسرحي الذي يُعرَض في مسرح «لندن كوليسيوم» في شارع سانت مارتنز لاين مع اهتمام خاص باستقبال رواد المسرح في أجواء مناسبة لما قبل العروض.

دجاج بالكاري (الشرق الأوسط)

ويقدم المطعم هذه التجربة فترة النهار والليل، اخترنا مشاهدة العرض المسرحي الليلي عند الساعة السابعة والنصف مساءً، فتم حجز العشاء الباكر عند الساعة الخامسة بعد الظهر.

لـ«كولونيل صعب» فرعان الأول في «هولبورن» والآخر في «ترافالغر سكوير» وكلاهما يتميز بالديكورات الرائعة والتحف الفنية التي جاء بها صاحب المطعم رجل الأعمال روب بارتاب شوداري من منزل أهله في الهند.

عند وصولك إلى المطعم ستكون لائحة الطعام الخاصة بالعرض المسرحي بانتظارك، رُسم عليها من الخارج صورة الحذاء الأحمر الذي تدور أحداث المسرحية حوله، واللافت أن أسماء جميع الأطباق لها علاقة بأسماء أبطال العرض المسرحي أو مستوحاة من أغانيه.

لحم بقري مشوي على الطريقة الهندية (الشرق الأوسط)

تتألف القائمة من أربعة أطباق بسعر 75 جنيهاً إسترلينياً، تبدأ بمشروب لذيذ يحمل اسم «كينكي بوتس» بممزوج بأزهار البيلسان والرمان والتوت ومقبل صغير بطعم الجوافة على شكل كعب، وصلصة التوت الأحمر، وصلصة التمر الهندي، وكريمة متبلة، ونودلز مقرمشة.

يمكنك اختيار أحد المقبلات من بين طبقين، مثل «لاند أوف لولا» وطبقين رئيسيين مثل Everybody Say Yeah (لحم بقري مقلي بالفلفل)، وHold Me In Your Heart، وهو كاري الباذنجان الصغير بطعم حامض.

وتُختتم هذه التجربة بلمسة حلوة تحمل اسم Raise You Up، وتتكون من كريمة، وجيلي الأناناس (جليابّي)، والفستق.

لقطة من مسرحية كينكي بوتس (الشرق الأوسط)

المعروف عن المطعم أن هدفه هو تعريف ذواقة لندن بالنكهات الأصلية والمتنوعة في الهند وتقديم ما يأكله الهنود في منازلهم والشوارع ، بالإضافة إلى الأكل الذي يقدم في القصور أيضاً.

وبعد تناول ألذ الأطباق ستفصلك دقيقة واحدة مشياً على الأقدام عن المسرح لتبدأ بالاستمتاع بقصة العرض المبهجة احتفالاً بالإنتاج الجديد لهذا العمل الموسيقي الفائز بجوائز «توني» و«غرامي» و«أوليفييه» الذي يجمع نجم برنامج «Strictly Come Dancing» يوهانس راديبي والمغني مات كاردل، وتدور أحداث القصة حول مالك معمل للأحذية يكوّن شراكة غير متوقعة مع شخصية مثيرة للجدل تدعى «لولا» لإنقاذ المصنع الذي ورثه عن أبيه من الإفلاس والإقفال.