عامر منصور... فلسطيني يبهر الدنماركيين بأطباقه

المزج الجريء للنكهات «خبرة وتذوّق»

عامر منصور  -  عجة الخضار والبيض
عامر منصور - عجة الخضار والبيض
TT

عامر منصور... فلسطيني يبهر الدنماركيين بأطباقه

عامر منصور  -  عجة الخضار والبيض
عامر منصور - عجة الخضار والبيض

من تحت يديه تخرج أطباق ليست للشبع والسلام؛ بل كي تدندن حاسة التذوق أغنية المرح ومعها بقية الحواس، ولعل طبق زهرة الكوسا المحشية بقطع الدجاج والخضار واحد من أفضل الأمثلة.
عامر منصور شيف فلسطيني يعيش منذ سنوات طويلة في الدنمارك التي أحب أهلُها ما يقدمه من وصفات عربية تراثية خرج فيها عن القوالب الثابتة إلى مساحة من الابتكار، محاوِلاً إظهار ما يحمله طعام الشرق من جمالٍ جريء.
- الطبخ يُنسيه نفسه
يلعب في النكهات كما لو أنها صلصال ليخلق من مزيجها علاقة لطيفة غريبة مهما بدت متضاربة، وبين الحقول الخضراء يمشي الرجل الذي عانى كثيراً في الحياة باحثاً عن ثمار العلّيق (التوت البري) ليحضّر معها قطعة ستيك مشوية مع بطاطا حلوة وكوسا، حالة نقاء كهذه لا يجوز له إلا أن يستجيب لإلهام الطبيعة فيها من دون تلكؤ.
فلسفة عامر تتلخص في التركيز على نوع الطعام بعيداً عن كمّه، إذ يتحرى الصحي منه «لأن المعدة مسؤولية»، كما يقول، مما يزيده حرصاً على استخدام كثير من الخضراوات لأجل أطباق تحفظ «تاج الصحة»، وبقليل من التفحّص فإن منها ما يناسب المرضى، مثل وصفاتٍ خاصة يحضّرها من دون طحين.
يقول في حديث مع «الشرق الأوسط»: «أندفع بشغفٍ نحو مزج النكهات مع بعضها، الحامض مع الحار والحلو والمر، هذا الاندماج يثير بداخلي التحدي يتلخص في أن يلتبس الأمر على ضيفي من أول لقمة يضعها في فمه إلى درجة ألا يميز ما يأكله على وجه التحديد. وذلك يتطلب إجراء عدة تجارب لاستكشاف النكهات، وبطبيعة الحال لا أنجح في الوصول إلى المذاق المطلوب من المرة الأولى، ويا لسعادتي حين آتي به».
يتجاوز عامر ظروفه الشخصية فارّاً بنفسه إلى الطبخ، لعل أوجاعه في الحياة تُشفى، وحينها ينسى ما حوله عندما يحلّق إلى عالم آخر، كما تقول زوجته التي تساعده بصبر في خوض مغامراته، فما إن تخطر بباله فكرة حتى يهرع إلى مطبخه، ولن تصدقوا مقدار الفرح الذي يغمره إذا ما نجح في مراده.
وُلد وعاش في لبنان، إلا أن زيارة فلسطين في طفولته من أكثر ما علق بذاكرته، فما زالت وجوه النسوة وهن يحضّرن خبز الطابون والمسخن والمنسف حاضرة، وأكلات ونكهات لم يمحُها الزمن، ومن هنا استيقظ حس الاستكشاف فيه لتجريب العديد من الوصفات.
ولّى شباب الشيف عامر، إلا أن قلبه يستمر في الضحك رغماً عن المشيب عندما يستذكر تلك الأيام بحنين قائلاً: «كانت أمي تطهو أطباقاً تقليدية فيها مزيج من الطعام العثماني والعربي، أتذكر أكلة اللبنية التي كانت رديفاً للفقر في قاموسي، فقد عشنا حياة قاسية في المخيمات، وطعام على هذه الشاكلة لم يكن جاذباً لنا، لاعتقاد ساذج في ذلك الوقت بأن الطبخة الأمثل هي التي يدخل اللحم في مكوناتها، وحين كبرنا عرفنا أن العديد من الأطباق الشهية لا تحتوي على اللحم».
ويؤكد الصغير الذي بداخله أن طعم «الأرز بالشعرية» المنكّه بسحر أمه باقٍ حتى آخر نَبضة، وعلى سيرة الأرز، فإن الدنماركيين ينبهرون بطريقة عامر في تحضيره ويحلو لهم تناوله في مناسباتهم، لقد أحبوا طريقته في فلفلة الأرز؛ فالشعب الدنماركي العاشق للبطاطا لا يجيد طهي الأرز، حسب قول ابن قرية «كفر كنا».
«السلطة العربية على بساطتها أثارت دهشتهم أيضاً، بما فيها من ليمون وزيت زيتون وملح!»... يضيف عامر ببسمة ووقار لا يفارقان صوته: «أشعر بفخر كوني عربياً مسلماً، وأحظى بشعبية كبيرة في المدينة التي أقيم فيها، فقد بذلتُ قصارى جهدي لإبراز بعض من محاسن طعامنا برؤية خاصة. أطبخ من قلبي، وأعتقد أنه سبب كافٍ ليحب أصدقائي الدنماركيون أطباقي».
- الرمان بدل النبيذ
كَرنفال ألوان في سَلطة تتراقص فيها الفاكهة والخضراوات بخفة، وقد يحل سمك السالمون المشوي ضيف شرف على سلطة الفاكهة تلك، مضيفاً إليها أفوكادو وبصلاً أخضر ومانجو حامضة، والمانجو نفسها من الممكن أن تعاكس شرائح اللحم الطرية.
سافر عامر إلى دولة الإمارات في عمر التاسعة عشر، منضمّاً إلى إخوته للعمل في مطعمهم وحينها بدأ بتعلم الأبجديات، ثم عمل نادلاً في أحد الفنادق وأثناء ذلك بدأ يفكر بشكلٍ آخر، حقّاً لقد غيرّت هذه الموهبة منظوره للطعام، فبات يراه فناً وتذوقاً بالفطرة وخبرة متراكمة أكثر من مجرد تعليم رسمي، ووفقاً لذلك أخذ يطور من ممارسته العملية صابّاً اهتمامه على نوعية الأطباق. ومن العلامات الفارقة التي قدّمها على مدار السنوات شغفه بوصفات فاكهة الرمان، حتى إنه جمع ما يرتبط بها من سلطات وطبخات في كتاب يكشف عن جانب جديد من التراث الفلسطيني، وبانتظار أن تتهيأ الظروف المناسبة لطباعته، تبعاً له.
يخبر «الشرق الأوسط» عن «الحمراء الفاتنة» فيقول: «الرمان إرث رائع اشتهرت به قريتي (كفر كنا)، وقد حرصت في كل عام على زيارتها خصيصاً لحضور مهرجان الرمان، كنت أراقب بانبهار طرق تحضير (الختِيارات) - العجائز - لأطباق الرمان المتنوعة، ثم يأتي دوري، وأنكبّ على تحضير سلطات من وحي أفكاري من قبيل سلطة الرمان مع القمح، مما أثار استغراب نساء القرية، لأنهن لم يجربن الخروج عن المألوف».
وبحسب رأي عامر منصور، لم يكن للناس فيما مضى أن يستسيغوا مزج النكهات ببساطة إلا أن الوعي بأهمية التذوق المتجدد والانفتاح على التجارب الأخرى ساعد بعض الشيء في تقبل هذه التحولات.
«ما رأيكم باحتساء عصير الرمان بدلاً من النبيذ»؟! كان ذلك اقتراحاً من الشيف عامر لاقى تجاوب البعض ممن يثقون بأدائه، ولا يمانعون في تجربة خيارات جديدة.
سألتُه عن المكونات العربية التي يحب العزف عليها، فأجاب على الفور: «الرمان والزعفران والكركم، ناهيك بأنواع من الخضراوات لا تتوفر في الوطن العربي (مثل الشمندر)، إذ تعود الدنماركيون على تناولها، وبدوري أستخدمها بشكل يختلف عن النسق المكرر. حمداً لله أن مذاقاتي طابت لهم».
ويعطي أحياناً حصصاً في الطهي العربي للراغبين، مع العلم بأنه يُحضّر مأكولاته الشهية في البيت، متحفظاً على ذكر سبب عدم عمله في المطاعم الدنماركية.
يواصل حديثه بعد استراحة قصيرة: «لو كان لي مطعمي الخاص لأبدعتُ بلا حدود، ومع ذلك متفاءل بأني سأتقدم كثيراً في هذا المجال، لا سيما في تحضير المعجنات الصحية، في الفترة الأخيرة تشرفتُ بمتابعة طهاة كبار لأعمالي... وهذا مؤشر جيد».
وبالنظر إلى أسلوب تقديمه وتصويره، فله لمسة رشيقة وعفوية، ومع ذلك لا يُغفِل الإشادة بـالمستوى «المحترم» لـ«الفود ستايل» في الدنمارك مُقرّاً بأنه تعلم الكثير منه «المطبخ الغربي له فضل علينا في إكسابنا طرق التزيين وما شابه»، يقولها بنبرة امتنان.
- «شغلهم بجنّن»
يحيا مع أبنائه وأحفاده في أجواء أسرية حميمة لا سيما عندما يجتمعون على مائدة واحدة، ففي صباح النشاط قد يُحضّر الجد عامر الفطور الفلسطيني (القحّ) - كلمة شعبية تعني «على أصوله»؛ ويروق له أن يفاجئهم بين وقتٍ وآخر بأطباق يحبونها على مائدة الغداء مثل المعكرونة مع البيستو، وشوربة البطاطا الحلوة، وقد يكون إلى جانبهما «الأرضي شوكي»، وبروح الدعابة يصفها بالقول: «قاعدة زي العروس». إنه بالمختصر يتقنها فيحضرّها بحب.
«طهاة فلسطينيون في الأراضي المحتلة لديهم مواهب جبارة ولا تواتيهم الفرصة للانطلاق نحو الخارج» يحزن من أجلهم، وما يهوّن عليه نجاح البعض في السفر والانفتاح على المطابخ العالمية وتسجيلهم نجاحات «بترفع الراس»، معقّباً: «أفخر بكل فلسطيني في بلاد الغرب سعى وثابر حتى يقدم أطباقنا بشكل جذاب، وإن كان المطبخ الفلسطيني ينتشر بصعوبة في ظل تربّع المطبخ اللبناني على الساحة منذ زمن بعيد».
شخص إيجابي مثله يُمسك ببصيص النور ولا يفلته، فيلفت الأنظار إليه قائلاً: «بعد دخولي عالم (إنستغرام) دعيني أعترف أنني اندهشتُ من مواهب فلسطينيات وعربيات ليس على صعيد الطهي وحسب، وإنما في تصوير الطعام أيضاً... (شغلهم بجنن)، أذكر منهن سوسن أبو فرحة وفداء حداد وآسيا عثمان وليلى الهاشمي وأخريات».
«العم عامر» وفقاً للنداء الذي يحب مناداته به، يرى نفسه مَلكاً في الأسماك والباستات والسلطات، وقد أحسن صنعاً بابتكاره مشروبات صحية تنفعنا وتنعشنا، لنأخذ منه نصيحة مُجرِب يمنحنا أكثر من خيار: «قد تترددون أمام عصير السبانخ والمانجو، لكن يكفي أن تغمضوا عيونكم وتشربوه دفعة واحدة، ولا بأس إن جربتم عصير الأناناس مع الكركم، أو عصير الشمندر وبرتقال دم الزغلول، أما خليط الأفوكادو مع الموز وبذور الشيا بمنتهى الأمانة لا يُفوّت».
يتنفس بعمق في نهاية الحديث موجزاً قصته مع مزج النكهات بحلوها وحامضها ومرها: «الدافع عندي يُولد من جديد كلما قيلت هذه الجملة: (لو طبخ عامر الأحجار ستكون طيبة)».


مقالات ذات صلة

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق حمية الملك تشارلز صحية مع بعض الاستثناءات (أ.ف.ب) p-circle 01:25

على مائدة الملك تشارلز... أطعمةٌ عضويّة وبيض الدجاجات التي يعتني بها شخصياً

يدخل الملك تشارلز غداً عامه الـ77 وهو ما زال يحافظ على قوامٍ رشيق بفَضل نظامٍ رياضيّ وحمية صحية قائمة على المأكولات العضوية الطبيعية.

كريستين حبيب (بيروت)

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».