عمرو موسى لـ {الشرق الأوسط}: أرجّح ترشح السيسي للرئاسة

رئيس لجنة الخمسين المصرية قال إنه كان يفضل أن ينص الدستور على إنشاء «مجلس شيوخ»

عمرو موسى لـ {الشرق الأوسط}: أرجّح ترشح السيسي للرئاسة
TT

عمرو موسى لـ {الشرق الأوسط}: أرجّح ترشح السيسي للرئاسة

عمرو موسى لـ {الشرق الأوسط}: أرجّح ترشح السيسي للرئاسة

لمصر تاريخ طويل من الدساتير والإعلانات الدستورية ارتبطت بأسماء حكام وسياسيين وفقهاء دستوريين، وعهود سياسية، بدءا من إصدار محمد علي اللائحة الأساسية للمجلس العالي في عام 1825، ولائحة تأسيس مجلس شورى النواب وانتخاب أعضائه في عام 1866 خلال حكم الخديوي إسماعيل، ثم دستور 1923 وبعده دستور 1930، الذي عمل به خمس سنوات فقط ليعود الدستور السابق طوال فترة الملكية. وأعقب ذلك دساتير مؤقتة بعد عام 1952، ودستور عام 1971 الذي أدخلت عليه تعديلات وألغي بعد عام 2011، لتشهد مصر دستور عام 2012 الذي كان عمره قصيرا وارتبط بحكم جماعة الإخوان المسلمين، والآن دستور عام 2014 الذي ذهب المصريون للاستفتاء عليه خلال اليومين الماضيين.
وكما ارتبطت الدساتير السابقة بشخصيات وسياسيين، فإن المؤرخين سيربطون دستور عام 2014 بعمرو موسى رئيس لجنة الخمسين التي أعدت مشروع الدستور المكون من 247 مادة على مدار نحو ثلاثة أشهر، والذي يحتل صدارة الاهتمام بطبيعة الحال خلال الفترة الحالية.
«الشرق الأوسط» التقت موسى في مكتبه في مقر مجلس الشورى السابق وسط القاهرة، وذلك بعد عودته من الإدلاء بصوته في اليوم الأول للاستفتاء. وهو يقول إنه رأى حماسا في التصويت، واهتماما غير مسبوق من كل فئات المصريين بالدستور الجديد. ويصفه بأنه دستور «الجمهورية الثالثة»، في إشارة إلى أن الجمهورية الثانية كانت «جمهورية الإخوان» قصيرة العمر.
ولا يخفي موسى دعمه لترشح الفريق عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع المصري للرئاسة، في ضوء أن الشعب يريده. ويعتقد موسى أن الفريق السيسي في طريقه إلى اتخاذ قراره في هذا الاتجاه، ويدعو إلى تجنب الاهتمام بالخارج، فالقرار يجب أن يكون داخليا، مؤكدا: «نحن نحتاج إلى أن نستثمر في الشخص الذي وثق فيه الناس ونشجعه».
وعن السيناريو المطروح في حال اتخاذ الفريق السيسي قراره، قال إنه «سيناريو طبيعي. فهو سيتعين عليه أن يترشح كمدني وليس كقائد عام للقوات المسلحة، وهذا يحتاج أن يتخلى عن منصبه العسكري عند الترشح».
موسى أيضا كان يتمنى أن يتضمن الدستور إنشاء مجلس شيوخ، لكنه أفاد أنه لم يستطع إقناع أعضاء لجنة الخمسين بذلك التوجه.
وإلى نص الحوار..

> مصر كانت في لحظة مفصلية خلال الاستفتاء على الدستور الذي رأست لجنة إعداده على مدار شهور.. ما هو شعورك وتعليقك على هذه اللحظة؟
- أدليت بصوتي صباح اليوم الأول، وتحدثت مع أناس كثيرين على اتساع مصر أسألهم عن الأوضاع ومدى الإقبال. وواضح أنه كان هناك زخم للمشاركة في هذا الاستفتاء على أساس أن هذا أضعف الإيمان حتى يساهم كل مصري في عملية إعادة بناء مصر. هناك إقبال كبير بقدر ما إنه كانت هناك بعض المحاولات لتعويق أو تعطيل المشاركة، لكن رأيت مراكز الاستفتاء ممتلئة والصفوف الطويلة من المواطنين تنتظر الإدلاء بأصواتها بما يجعلنا نتوقع أن تبلغ نسبة المشاركة أكثر من خمسين في المائة من عدد الناخبين. كان هناك حماس على الذهاب إلى لجان الاستفتاء، والجو العام في المجتمع هو الموافقة على الدستور.
والملاحظ أن العدد في كل الاستفتاءات والاقتراعات التي جرت في السنوات الثلاث الماضية لم يزد عن خمسين في المائة (ممن لهم حق التصويت).
> هل تعتقد أن المصريين العاديين قرأوا مواد الدستور؟
- نعم، أولا أهم ملاحظة هي أنه كان هناك اهتمام بين الجميع بالدستور، الفقير والغني، جميع فئات المجتمع كانت مهتمة جدا بدرجة غير مسبوقة ولم تحدث من قبل، وهذا عكسته التساؤلات والمناقشات، وأنا قمت بجولات كثيرة في المحافظات كان هناك خلالها إقبال على المناقشة، وطرح الكثير من التساؤلات وبعض الانتقادات. الاهتمام كان استثنائيا، ونحن طبعنا ما يصل إلى مليونين أو ثلاثة ملايين نسخة من الدستور وزعت وصورت، وآخرين نشروها، ونظمنا خدمة هاتفية يستطيع من خلالها المتصل الاستماع إلى مواد الدستور وشروحاتها، بخلاف برامج كثيرة تلفزيونية وإذاعية وندوات نظمناها.
ولاحظنا أنه مثلا على مستوى الفلاحين، كان هناك اهتمام كبير جدا، لأنه أصبحت هناك نصوص تعطيهم حقوقا معينة. فهي ليست نصوصا انتخابية فقط، لكنها نصوص تعني دخلا إضافيا للفلاح. نفس الشيء بالنسبة إلى العمال، كذلك بالنسبة إلى المعاقين، وأصبح هناك للمرة الأولى مواد تتعلق بالمعاقين في مصر.. المسنون والعاطلون والفقراء، كل هؤلاء كانت لهم نصوص في الدستور، اهتم بهم وأعطاهم حقوقا ومزايا.
ثم تعامل الدستور مع موضوع التعليم بالتفصيل، وموضوع الصحة والرعاية الصحية، والزراعة، والصناعة، والسياحة، إلى آخره.. حتى الصيادون كان لهم نص في الدستور، هذا كله جعل كل الفئات تهتم بما يتعلق بها، وفي الوقت ذاته بالمواد الأخرى، فإذا كنت صيادا ستهتم بالتعليم لأن هذا يتعلق بأطفالك، وأيضا الصحة لأنها تتعلق بصحة أسرتك.
الحقيقة أن إعداد الدستور لم يكن مثار اهتمام وحماس معين، وبحث وتساؤلات، إنما أيضا عملية تعليمية وتثقيفية. وأنا أتصور أنه من الآن فصاعدا لن يتسامح المواطنون من أي مستوى مع أي خرق للدستور.
ثم إنه في هذا الدستور هناك باب مهم جدا اسمه الإدارة المحلية، تحدثنا فيه عن اللامركزية، وعن الـ54 ألف مقعد انتخابي على مستوى الدولة كلها في المجالس القروية والمحلية والمحافظات، فهناك فرصة عظيمة لـ54 ألف كرسي منتخب، المرأة يجب أن تأخذ منها خمسة وعشرين في المائة، والشباب خمسة وعشرين في المائة، والعمال والفلاحون خمسين في المائة.
هذه النسب عندما تتداخل في بعضها تعني أن العمال والفلاحين سيكون بينهم نسبة كبيرة للمرأة والشباب، ونسبة كبيرة من المسيحيين، وجاء النص أيضا على أن تكون هناك نسبة للمعوقين.
> الإخوان قالوا إن المساواة بين المرأة والرجل في الدستور مخالفة للشريعة؟
- هم يقولون، وكذلك أصحاب النوايا السيئة في تفسيرهم، إن المساواة تعني أن يكون للمرأة حق الزواج من أربعة، وإن الميراث متساو.. إلى آخره. نص المساواة بين الرجل والمرأة هو في إطار الحقوق المنصوص عليها في الدستور، وأهمها أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع.
كلامهم غير صحيح، لكن هذا الدستور يلزم الدولة بأن المرأة يمكن أن تجلس على منصة القضاء.
> والرئاسة؟
- المسألة مفتوحة، فالنص يقول عن الطرف الآخر في المنصب الرئاسي، الزوجة أو الزوج، يعني أن الطرف الآخر من المنصب الرئاسي لا يقول الزوجة، أي إننا لا نفترض أنه من الضروري أن يكون الرئيس رجلا.
> ومسألة تمكين المرأة في مجلس النواب؟
- أولا، لا يمكن أن تكون المرأة جزءا سالبا تماما، لا بد للمرأة أن تناضل. وقد حصلت على (نسبة) 25 في المائة في المحليات. يجب أن تناضل المرأة وتدخل الانتخابات، حتى لو سقطت عدة مرات. أنا أطالب المرأة بأن تأخذ بيدها عملية فرض تمثيلها عن طريق إقناع الناخب بها.
> بماذا تصف هذا الدستور، هل هو دستور الجمهورية الثانية، أم الثالثة مثلا؟
- الجمهورية الثالثة.
> لماذا؟
- لأن الجمهورية المبتسرة أو المختصرة قصيرة العمر هي جمهورية (الرئيس السابق محمد) مرسي، كانت الجمهورية الثانية، أو جمهورية الإخوان المسلمين. والثالثة هي جمهورية هذا الدستور، أما الأولى فنعرفها جميعا.
> بماذا تعرف الجمهورية الثالثة التي هي في طور التشكيل ويؤسس لها هذا الدستور؟
- جمهورية الديمقراطية، الدولة المدنية، الدولة العصرية، التي فيها من الحريات والحقوق ما يتوازى مع أفضل الدساتير الديمقراطية في العالم.
> حتى دستور عام 1923؟
- طبعا دستور 1923 هو دستور بدايات القرن العشرين، وهذا هو دستور القرن الواحد والعشرين. دستور 1923 كان يترجم الحريات طبقا لإطار كان يعيش فيه العالم في الربع الأول من القرن العشرين، وهذا (الدستور الجديد) يترجم الحياة في مصر وما نأمل فيه ونعمل على تحقيقه طبقا لمعطيات القرن الحادي والعشرين.
> لماذا اخترتم في الدستور الحالي التوسع في التفاصيل؟
- لأن البلد حصل فيه خلل كبير جدا. لو كنا في حالة عادية لم نكن لنحتاج إلى التفاصيل، لكن هناك أبوابا كان لا بد فيها من الدخول في التفاصيل، لدرجة أن الدستور أكد على أن يكون الإنفاق الحكومي على التعليم العادي أربعة في المائة من الدخل القومي، واثنين في المائة على التعليم العالي، وواحدا في المائة على البحث العلمي، وثلاثة في المائة على الرعاية الصحية. كان هذا مهما، لأنه لو كانت الأمور تسير سيرا عاديا في مصر، لم نكن لنضطر إلى ذلك. اضطررنا للدخول في التفاصيل لأن هناك خللا يحتاج إلى بعض التفاصيل لإعادة الأمور إلى نصابها.
> هناك تصريحات أدليت بها حول أنك كنت تفضل استمرار أو وجود مجلس الشورى؟
- لا، غير صحيح، أنا كنت أفضل إعادة مجلس الشيوخ، ويكون له سلطة برلمانية أصيلة؛ وليس شورى. كان لمجلس الشيوخ المصري دور كبير إلى أن توقف عام 1952 حين توقفت الديمقراطية البرلمانية.
في تاريخ مصر، حينما نوقشت مسودة القانون المدني المصري، أقره مجلس النواب في ظرف عشرة أيام، بينما ظل مجلس الشيوخ يناقشه ستة أشهر، مادة بمادة، واستدعي خبراء من الخارج. وحتى الآن في عام 2014، عندما يحكم القضاء يشير إلى المادة وإلى شروحاتها، وإلى ما قيل عنها في مضابط مجلس الشيوخ، بعد 70 سنة.
مجلس الشيوخ كان له دور كبير جدا في الحياة السياسية، مثلا أول فكر للإصلاح الزراعي كان في مجلس الشيوخ عام 1948. كانت هناك مسائل كبرى تناقش في مجلس الشيوخ، واليوم أصبح لدينا احتياج له لأن لدينا غابة من القوانين صدرت خلال الـ60 أو 70 عاما الماضية؛ كثير منها مشخصن، والكثير منها ركيك ومتكرر ومتناقض، ولا بد من إعادة نظر فيها. من يفعل هذا؟ لا بد من مجلس متيقظ، ولذلك أنا ضغطت كثيرا في اتجاه أن يكون هناك مجلس شيوخ، لكن امتثلت للديمقراطية. فعندما طرحنا في مناقشات لجنة الخمسين قضية غرفة أم غرفتين في العملية البرلمانية، انتصر الاتجاه الذي يريد غرفة واحدة. لأن الفكر الذي ساد أننا نريد أن نعيد مجلس الشوري، وفي مصر - في بعض الأحيان - هناك صعوبة، إذا سادت قناعة، في إثبات أنك لم تقل ذلك، وأنك تتحدث في شيء آخر.
> بالنسبة إلى مجلس الشيوخ، في الماضي كان هناك وضع طبقي معين يعكسه مجلس الشيوخ، ولم يعد موجودا اليوم؟
- «الباشاوات» كانوا أيضا أعضاء في مجلس النواب مع زعماء القبائل والعمد، مجلس الشيوخ كان له معيار مختلف من حيث السن والتعليم، وهذا ما نحتاجه هنا. أنت تحتاج درجة معينة في مجلس الشيوخ وتطلب فيه تعليما معينا حتى تكون المناقشات على مستوى معين وتضيف إلى المستوى الشعبي الأوسع الموجود في مجلس النواب، وهو أيضا في نفس الأهمية.
> الرؤية أن هذا دستور دائم، أم أنه ربما يتغير أو يعدل حسب المراحل المقبلة؟
- هو دستور دائم، إنما سيخضع لتعديلات مع تقدم المسيرة حتى يخضع للعصر ومتطلباته. أنا مثلا أتوقع أن التعديل الأول سيكون لصالح إنشاء مجلس الشيوخ، أتصور أن مصر عندما تكون في ظرف عشر سنوات مائة مليون نسمة ستحتاج إلى نصوص مختلفة. هذه سيكون مكانها تعديل النصوص. أنا لا أرى أي فائدة أو نجاعة في تغيير الدستور، إنما يمكن تعديل بعض مواده، مثل الدستور الأميركي الذي تجري فيه تعديلات أو إضافات كلما احتاج الأمر.
> الدستور خطوة أساسية في طريق المرحلة الانتقالية.. رؤيتك للمرحلة المقبلة؟
- الخطوة الثانية هي انتخاب الرئيس والبرلمان، الخطوة الثالثة هي إنهاء المرحلة الانتقالية، ثم تبدأ مرحلة كاملة مستقرة، أربع سنوات للرئيس، وخمس سنوات لمجلس النواب والحكومة، وهذا يعني أن المرحلة المقبلة هي مرحلة الاستقرار.
> هل أنت متفائل بعبور هذه المراحل؟
- أنا متفائل فعلا، وأرى أن هناك فرصة جيدة جدا لمصر أن تعالج القصور الذي حدث لنا.
> لا يزال هناك جدل حول أيهما يسبق الآخر، انتخابات برلمانية أولا أم رئاسية؟
- أنا رأيي أن هذا ليس مهما، لأن الدستور يقول إن هذا كله يجب أن يجري خلال ستة أشهر.
> لكن يجب أن يحدث اختيار؟
- هذه متروكة لرئيس الجمهورية الحالي، أنا شخصيا أرى أن الانتخابات البرلمانية أولا، لماذا؟ لأن هناك رئيسا، أي أن المنصب غير شاغر. لكن إذا اخترنا انتخابات الرئاسة أولا، فلا مانع، لأن المسألة كلها تنتهي في ستة أشهر. فالفرق سيكون شهرين أو ثلاثة أشهر فقط بينهما.
> الانتخابات البرلمانية تحتاج إلى تنظيم وأن تكون الأحزاب والقوى السياسية جاهزة، هل حصل هذا في رأيك؟
- هذه مسؤوليتهم، وهناك خريطة طريق من يوليو (تموز) الماضي، وهم يعرفون ذلك. فإذا كانت الانتخابات البرلمانية ستجري قرب يونيو (حزيران) المقبل، فليرتبوا أنفسهم، وإلا متى ستكون الأحزاب جاهزة؟ بعد سنة، اثنتين، عشر سنوات، أو 15 سنة؟ فيعملون في إطار الديمقراطية ويرون ما هي الأخطاء ويصلحونها.
> إذا لم تكن تلك القوى مستعدة فهذا قد يعني أن ما حدث في البرلمان السابق يمكن أن يتكرر؟
- لا، لا.. هناك تغير في المناخ العام في مصر، ولا أعتقد أنه سيكون هناك ذلك الزخم الذي أخذه الإخوان سابقا، لأن الناس رأت ماذا حدث في الحكم الإخواني، والانهيار الذي كانت مصر تتعرض له؛ لذلك لن يتكرر ذلك. تستطيع أن تقول إنه لن تكون هناك أغلبية واضحة، فأنا أتنبأ بأن البرلمان المقبل سيكون برلمانا معلقا لا أغلبية فيه، ستكون هناك تحالفات وائتلافات وتحصل حركة ديمقراطية. لن تكون سهلة، لكن لا بد أن نمر بهذا. وهذا تطور.
> بالنسبة إلى المرشحين للرئاسة، ما رؤيتك؟
- أنا أرى أن الفريق السيسي يتجه لاتخاذ هذا القرار (الترشح)، وأرجح هذا.
> وما يقال عن ضغوط أو مواقف خارجية؟
- دعونا من هذا، موضوع اختيار رئيس جمهورية وبرلمان ومرشحين هذا موضوعنا نحن في مصر، وليس موضوعا خارجيا. ثم إن الضغوط الخارجية أدت إلى ماذا؟ أدت إلى ما حدث في سوريا والعراق، ولبنان يلحق بهما. هذا القرار يجب أن يكون قرارنا هنا حسب مصالحنا. وما يقال عن تدخلات خارجية أمر مؤقت، وإن كنا يجب أن نكون واعين لها، لكن أمورنا يجب أن نقرر فيها بأنفسنا، ولا نحتاج فيها إلى أي تأثير خارجي.
> هناك كلام كثير عن مؤامرات خارجية، أو تدخلات، وتبدو في بعض الأحيان تخيلات أكثر منها حقائق، ربما تكون هناك وجهات نظر خارجية نتيجة قراءة خاطئة للواقع؟
- دعنا من الكلام عن أنهم يتآمرون علينا، ونتكلم عما نعلمه جميعا. أليست مراكز البحث هذه هي التي تحدثت عن الفوضى الخلاقة، وعن الإسلام المتحدي أو الخصم الجديد؟ أليسوا هم الذين تحدثوا عن الإسلام السياسي، وعن الربيع العربي؟ وفي سوريا وهنا وهناك، ماذا فعل؟ هي مراكز البحث المتطرفة اليمينية وأضرت بنا أبلغ ضرر، الأفضل أن أقرر وفقا للواقع الموجود في بلدي هنا في مصر، لا أن أخضع لتحليلات «خواجات».. استفد منها إذا أردت، لكن الخضوع لها لا.
هم تنبأوا، ونحن أيضا. كثير من العرب والمصريين تنبأوا أيضا بأن الأمور ستتغير ولا يمكن استمرار الوضع على ما هو عليه، فرسموا خطة وكانت بشكل علمي. عندما تحدثوا عن الإسلام «العدو»، تحدثوا أيضا عن الإسلام «الصديق» ومثاله (رئيس الوزراء التركي رجب طيب) أردوغان. وهو صيغة ناجحة لإدارة دولة إسلامية؛ لو تركنا جانبا الخلافات الأخيرة. فماذا كان يمنع أن تأخذ مصر الصيغة الناجحة؟ لكن مع الأسف مصر أخذت الصيغة غير الناجحة، ولم يرتفع الإخوان المسلمون إلى مستوى التحدي، لم يأتوا بالتعريف الصحيح للتحدي الذي يواجهونه. و30 يونيو لم تكن شيئا قليلا في مصر، كان تغييرا لأمر واقع وتحديا لسياسات خارجية وضغوط، إلى آخره.
> كيف يمكن الخلاص من الحالة الحالية التي وضع الإخوان أنفسهم فيها؟
- ذلك في أيديهم. الحقيقة أن الدستور لم يقص أحدا، دستور 2012 كان فيه إقصاء للعهد الذي كان قبلهم، نحن في هذا الدستور اهتممنا بأن لا يكون هناك نص يقصي أحدا. إذن، أي مواطن إخواني أو غير إخواني الدستور أمامه يستطيع الاستفادة من كل المميزات. إذن لديهم فرصة، وهناك 54 ألف كرسي في المحليات، ولو كان هناك مجلسان سيكون هناك ألف كرسي. المسألة ليست مصالحة، لكن الدخول في العملية السياسية. إنما القتل والفوضى والعنف يعني أنهم يجعلون أنفسهم خارج المجتمع.
> هل شفي المجتمع المصري من مسألة الإخوان؟
- المسألة ليس «شفي»، المسألة أنهم أثبتوا أنهم لا يصلحون للحكم. عندما عارضت مرسي عارضته لأنه لم يكن قادرا على الحكم. لم يكن يقود حكما كفؤا يتماشى مع متطلبات البلد، والمطب التاريخي الذي نحن فيه؛ وليس لأنه إخوان مسلمون، أنا لم أعارضه لأنه إخوان، عارضته لأنه غير كفء أو مجموعته غير كفؤة.
> المعارضة كان فيها جزء من الخوف على هوية الدولة، فمثلا الناس تعودت أن يخرج رئيس الجمهورية ويقول أيها الإخوة المواطنون، وليس «أهلي وعشيرتي»؟
- المسألة من البداية خطأ، عندما يقول مواطنون فهو يخاطبنا كلنا، عندما يقول «أهلي وعشيرتي».. نحن لسنا عشيرة.
> الوفود الأجنبية التي تزور مصر، هل تشعر أن هناك تغيرا في النظرة إلى الواقع من 30 يونيو حتى الآن؟
- نعم، إنما لا تزال هناك تخفظات. ونحن يجب أن نعمل أكثر للحصول على التأييد والدعم الدوليين، فيقولون إن المصريين كان لديهم حق فيما فعلوه. نحن علينا أن نوضح ونشرح، وأول شيء هو الدستور، وهو واضح ومترجم. وأنا أرى أن هناك ارتياحا خارجيا له؛ ربما يكون غير كامل، لكنه جيد.
> هناك اعتراف خارجي بأن هناك شعبية جارفة للسيسي، وشعبية للتغيير الذي حدث، لكن لا تزال هناك رؤية بأن هذا مجتمع منقسم؟
- المجتمع المصري فيه انقسامات لكنه ليس منقسما، مثل موضوع الإخوان والتيار الديني الذي لا يترجم المزاج المصري العام. وهو مزاج يحترم الدين، لكنه لا يريد أن يخنقه أحد باسم الدين. وإذا عدنا لدستور 2012، فلقد كان دستورا يهدف إلى إقامة أشياء أشبه بالكيانات التي تراقب سلوكيات الناس، المجتمع المصري لا يمكن أن يقبل بهذا، يجب أن يكون الدين ميزة في تسامحه وفتح الآفاق، وليس تضييق الأمر على الناس.
المسألة ليست النصف بالنصف، فالخلاف بين أغلبية كبيرة وأقلية، والدستور عندما يعتمد بأغلبية كبيرة سيكون هو القاعدة المستقرة التي على أساسها يعمل الرئيس والحكومة ومجلس النواب، الدستور سيضع هذه الأمور في حجمها الطبيعي.
> لو استجاب الفريق السيسي للمطالب الشعبية، ما السيناريو الذي يمكن أن يحدث؟
- سيناريو عادي جدا، يجب أن يترشح.
> هل يعني ذلك التخلي عن منصبه العسكري أولا؟
- طبعا، وربما تجد بعض آراء تتحدث عن رئيس توافقي، لكن الضروري هو أن يكون منتخبا. وحتى يحدث ذلك يجب أن يكون مدنيا، ولذلك يجب أن يترك منصبه. وهذا حدث للجنرال أيزنهاور الذي ترك منصبه وأصبح رئيسا في أميركا. هناك وضع معين وفترة معينة، إنما الفريق السيسي سيترشح كمدني، وليس بصفته القائد العام.
نحن في مرحلة نحتاج فيها إلى الثقة، أن يكون الناس واثقين فيمن سيقودهم، وطالما أن الشعب أراد ولديه ثقة في شخص، أنا أرجح أنه (الفريق السيسي) سيترشح. مصلحة مصر فيما يتحدث فيه الشعب، هناك من انتقد موقفي هذا، لكن نحن نحتاج إلى أن يطمئن الشعب إلى شخص وطني يريده، نضمن أنه لن يقود البلاد إلى الهاوية، بالعكس يقود البلاد إلى ما هو أفضل. فالشعب متوجه إلى هذا، ونحن نحتاج إلى الاستثمار في هذه الثقة الموجهة إلى شخص بعينه في أننا نشجع هذا الشخص أن يتصرف ويقود ويعمل على إنقاذ البلد. الشعب وضع ثقته فيه، لماذا؟ لإنقاذ البلد وإصلاحه. وهناك دستور الآن، كتاب تستطيع أن تأخذ منه ما تريد.
> وهل لديك ثقة أن المجتمع لن يعود إلى الحكم الشمولي؟
- ضروري أن نعمل جميعا على أن لا يعود الحكم المطلق الشمولي. الذي نتحدث ونبدأ فيه اليوم هو نظام ديمقراطي، نريد انتخاب الفريق السيسي إذا كان مرشحا على أساس الديمقراطية، ولمدة أربع سنوات، وحتى يأخذ فترة جديدة لا بد أن يدخل الانتخابات مجددا، وهما فترتان فقط (المسموح بهما بحسب الدستور)، وسيكون على رأس حماة الدستور ومبادئه والحريات والمصالح والحقوق الواردة في الدستور.
> بعد كل ما حدث، ما رؤيتك للربيع العربي؟
- الحقيقة التعبير غير مضبوط، والأصح هو «التغيير» العربي، وهذا سوف يستمر، وسيدخل في غياهب وخنادق وغيره، لكنه لن يتوقف.
> ولكن تكلفته عالية؟
- أعرف ذلك، لكنه لن يتوقف. وعلى الحكومات القائمة أن تغير وتتماهى مع متطلبات المجتمعات والشباب. والمجتمعات العربية، مثل مصر، أصبح الشباب فيها أغلبية، وهو يحتاج إلى آفاق جديدة، يريد وظائف ومساكن وتكوين عائلات، ويريد أن يتنافس مع الشباب في إطار العولمة، ولديه لغة مختلفة عنا ويعرف ما يحدث في العالم، لا يمكن أن نتعامل مع الأجيال الحالية والمقبلة بنفس ما كنا نتعامل به منذ 20 عاما.. الدنيا تغيرت، والعرب سيتغيرون ومصر ستتغير. وفي خمس سنوات - وربما أقل - ستجد العالم العربي والشرق الأوسط شيئا مختلفا تماما.



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended