عمرو موسى لـ {الشرق الأوسط}: أرجّح ترشح السيسي للرئاسة

رئيس لجنة الخمسين المصرية قال إنه كان يفضل أن ينص الدستور على إنشاء «مجلس شيوخ»

عمرو موسى لـ {الشرق الأوسط}: أرجّح ترشح السيسي للرئاسة
TT

عمرو موسى لـ {الشرق الأوسط}: أرجّح ترشح السيسي للرئاسة

عمرو موسى لـ {الشرق الأوسط}: أرجّح ترشح السيسي للرئاسة

لمصر تاريخ طويل من الدساتير والإعلانات الدستورية ارتبطت بأسماء حكام وسياسيين وفقهاء دستوريين، وعهود سياسية، بدءا من إصدار محمد علي اللائحة الأساسية للمجلس العالي في عام 1825، ولائحة تأسيس مجلس شورى النواب وانتخاب أعضائه في عام 1866 خلال حكم الخديوي إسماعيل، ثم دستور 1923 وبعده دستور 1930، الذي عمل به خمس سنوات فقط ليعود الدستور السابق طوال فترة الملكية. وأعقب ذلك دساتير مؤقتة بعد عام 1952، ودستور عام 1971 الذي أدخلت عليه تعديلات وألغي بعد عام 2011، لتشهد مصر دستور عام 2012 الذي كان عمره قصيرا وارتبط بحكم جماعة الإخوان المسلمين، والآن دستور عام 2014 الذي ذهب المصريون للاستفتاء عليه خلال اليومين الماضيين.
وكما ارتبطت الدساتير السابقة بشخصيات وسياسيين، فإن المؤرخين سيربطون دستور عام 2014 بعمرو موسى رئيس لجنة الخمسين التي أعدت مشروع الدستور المكون من 247 مادة على مدار نحو ثلاثة أشهر، والذي يحتل صدارة الاهتمام بطبيعة الحال خلال الفترة الحالية.
«الشرق الأوسط» التقت موسى في مكتبه في مقر مجلس الشورى السابق وسط القاهرة، وذلك بعد عودته من الإدلاء بصوته في اليوم الأول للاستفتاء. وهو يقول إنه رأى حماسا في التصويت، واهتماما غير مسبوق من كل فئات المصريين بالدستور الجديد. ويصفه بأنه دستور «الجمهورية الثالثة»، في إشارة إلى أن الجمهورية الثانية كانت «جمهورية الإخوان» قصيرة العمر.
ولا يخفي موسى دعمه لترشح الفريق عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع المصري للرئاسة، في ضوء أن الشعب يريده. ويعتقد موسى أن الفريق السيسي في طريقه إلى اتخاذ قراره في هذا الاتجاه، ويدعو إلى تجنب الاهتمام بالخارج، فالقرار يجب أن يكون داخليا، مؤكدا: «نحن نحتاج إلى أن نستثمر في الشخص الذي وثق فيه الناس ونشجعه».
وعن السيناريو المطروح في حال اتخاذ الفريق السيسي قراره، قال إنه «سيناريو طبيعي. فهو سيتعين عليه أن يترشح كمدني وليس كقائد عام للقوات المسلحة، وهذا يحتاج أن يتخلى عن منصبه العسكري عند الترشح».
موسى أيضا كان يتمنى أن يتضمن الدستور إنشاء مجلس شيوخ، لكنه أفاد أنه لم يستطع إقناع أعضاء لجنة الخمسين بذلك التوجه.
وإلى نص الحوار..

> مصر كانت في لحظة مفصلية خلال الاستفتاء على الدستور الذي رأست لجنة إعداده على مدار شهور.. ما هو شعورك وتعليقك على هذه اللحظة؟
- أدليت بصوتي صباح اليوم الأول، وتحدثت مع أناس كثيرين على اتساع مصر أسألهم عن الأوضاع ومدى الإقبال. وواضح أنه كان هناك زخم للمشاركة في هذا الاستفتاء على أساس أن هذا أضعف الإيمان حتى يساهم كل مصري في عملية إعادة بناء مصر. هناك إقبال كبير بقدر ما إنه كانت هناك بعض المحاولات لتعويق أو تعطيل المشاركة، لكن رأيت مراكز الاستفتاء ممتلئة والصفوف الطويلة من المواطنين تنتظر الإدلاء بأصواتها بما يجعلنا نتوقع أن تبلغ نسبة المشاركة أكثر من خمسين في المائة من عدد الناخبين. كان هناك حماس على الذهاب إلى لجان الاستفتاء، والجو العام في المجتمع هو الموافقة على الدستور.
والملاحظ أن العدد في كل الاستفتاءات والاقتراعات التي جرت في السنوات الثلاث الماضية لم يزد عن خمسين في المائة (ممن لهم حق التصويت).
> هل تعتقد أن المصريين العاديين قرأوا مواد الدستور؟
- نعم، أولا أهم ملاحظة هي أنه كان هناك اهتمام بين الجميع بالدستور، الفقير والغني، جميع فئات المجتمع كانت مهتمة جدا بدرجة غير مسبوقة ولم تحدث من قبل، وهذا عكسته التساؤلات والمناقشات، وأنا قمت بجولات كثيرة في المحافظات كان هناك خلالها إقبال على المناقشة، وطرح الكثير من التساؤلات وبعض الانتقادات. الاهتمام كان استثنائيا، ونحن طبعنا ما يصل إلى مليونين أو ثلاثة ملايين نسخة من الدستور وزعت وصورت، وآخرين نشروها، ونظمنا خدمة هاتفية يستطيع من خلالها المتصل الاستماع إلى مواد الدستور وشروحاتها، بخلاف برامج كثيرة تلفزيونية وإذاعية وندوات نظمناها.
ولاحظنا أنه مثلا على مستوى الفلاحين، كان هناك اهتمام كبير جدا، لأنه أصبحت هناك نصوص تعطيهم حقوقا معينة. فهي ليست نصوصا انتخابية فقط، لكنها نصوص تعني دخلا إضافيا للفلاح. نفس الشيء بالنسبة إلى العمال، كذلك بالنسبة إلى المعاقين، وأصبح هناك للمرة الأولى مواد تتعلق بالمعاقين في مصر.. المسنون والعاطلون والفقراء، كل هؤلاء كانت لهم نصوص في الدستور، اهتم بهم وأعطاهم حقوقا ومزايا.
ثم تعامل الدستور مع موضوع التعليم بالتفصيل، وموضوع الصحة والرعاية الصحية، والزراعة، والصناعة، والسياحة، إلى آخره.. حتى الصيادون كان لهم نص في الدستور، هذا كله جعل كل الفئات تهتم بما يتعلق بها، وفي الوقت ذاته بالمواد الأخرى، فإذا كنت صيادا ستهتم بالتعليم لأن هذا يتعلق بأطفالك، وأيضا الصحة لأنها تتعلق بصحة أسرتك.
الحقيقة أن إعداد الدستور لم يكن مثار اهتمام وحماس معين، وبحث وتساؤلات، إنما أيضا عملية تعليمية وتثقيفية. وأنا أتصور أنه من الآن فصاعدا لن يتسامح المواطنون من أي مستوى مع أي خرق للدستور.
ثم إنه في هذا الدستور هناك باب مهم جدا اسمه الإدارة المحلية، تحدثنا فيه عن اللامركزية، وعن الـ54 ألف مقعد انتخابي على مستوى الدولة كلها في المجالس القروية والمحلية والمحافظات، فهناك فرصة عظيمة لـ54 ألف كرسي منتخب، المرأة يجب أن تأخذ منها خمسة وعشرين في المائة، والشباب خمسة وعشرين في المائة، والعمال والفلاحون خمسين في المائة.
هذه النسب عندما تتداخل في بعضها تعني أن العمال والفلاحين سيكون بينهم نسبة كبيرة للمرأة والشباب، ونسبة كبيرة من المسيحيين، وجاء النص أيضا على أن تكون هناك نسبة للمعوقين.
> الإخوان قالوا إن المساواة بين المرأة والرجل في الدستور مخالفة للشريعة؟
- هم يقولون، وكذلك أصحاب النوايا السيئة في تفسيرهم، إن المساواة تعني أن يكون للمرأة حق الزواج من أربعة، وإن الميراث متساو.. إلى آخره. نص المساواة بين الرجل والمرأة هو في إطار الحقوق المنصوص عليها في الدستور، وأهمها أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع.
كلامهم غير صحيح، لكن هذا الدستور يلزم الدولة بأن المرأة يمكن أن تجلس على منصة القضاء.
> والرئاسة؟
- المسألة مفتوحة، فالنص يقول عن الطرف الآخر في المنصب الرئاسي، الزوجة أو الزوج، يعني أن الطرف الآخر من المنصب الرئاسي لا يقول الزوجة، أي إننا لا نفترض أنه من الضروري أن يكون الرئيس رجلا.
> ومسألة تمكين المرأة في مجلس النواب؟
- أولا، لا يمكن أن تكون المرأة جزءا سالبا تماما، لا بد للمرأة أن تناضل. وقد حصلت على (نسبة) 25 في المائة في المحليات. يجب أن تناضل المرأة وتدخل الانتخابات، حتى لو سقطت عدة مرات. أنا أطالب المرأة بأن تأخذ بيدها عملية فرض تمثيلها عن طريق إقناع الناخب بها.
> بماذا تصف هذا الدستور، هل هو دستور الجمهورية الثانية، أم الثالثة مثلا؟
- الجمهورية الثالثة.
> لماذا؟
- لأن الجمهورية المبتسرة أو المختصرة قصيرة العمر هي جمهورية (الرئيس السابق محمد) مرسي، كانت الجمهورية الثانية، أو جمهورية الإخوان المسلمين. والثالثة هي جمهورية هذا الدستور، أما الأولى فنعرفها جميعا.
> بماذا تعرف الجمهورية الثالثة التي هي في طور التشكيل ويؤسس لها هذا الدستور؟
- جمهورية الديمقراطية، الدولة المدنية، الدولة العصرية، التي فيها من الحريات والحقوق ما يتوازى مع أفضل الدساتير الديمقراطية في العالم.
> حتى دستور عام 1923؟
- طبعا دستور 1923 هو دستور بدايات القرن العشرين، وهذا هو دستور القرن الواحد والعشرين. دستور 1923 كان يترجم الحريات طبقا لإطار كان يعيش فيه العالم في الربع الأول من القرن العشرين، وهذا (الدستور الجديد) يترجم الحياة في مصر وما نأمل فيه ونعمل على تحقيقه طبقا لمعطيات القرن الحادي والعشرين.
> لماذا اخترتم في الدستور الحالي التوسع في التفاصيل؟
- لأن البلد حصل فيه خلل كبير جدا. لو كنا في حالة عادية لم نكن لنحتاج إلى التفاصيل، لكن هناك أبوابا كان لا بد فيها من الدخول في التفاصيل، لدرجة أن الدستور أكد على أن يكون الإنفاق الحكومي على التعليم العادي أربعة في المائة من الدخل القومي، واثنين في المائة على التعليم العالي، وواحدا في المائة على البحث العلمي، وثلاثة في المائة على الرعاية الصحية. كان هذا مهما، لأنه لو كانت الأمور تسير سيرا عاديا في مصر، لم نكن لنضطر إلى ذلك. اضطررنا للدخول في التفاصيل لأن هناك خللا يحتاج إلى بعض التفاصيل لإعادة الأمور إلى نصابها.
> هناك تصريحات أدليت بها حول أنك كنت تفضل استمرار أو وجود مجلس الشورى؟
- لا، غير صحيح، أنا كنت أفضل إعادة مجلس الشيوخ، ويكون له سلطة برلمانية أصيلة؛ وليس شورى. كان لمجلس الشيوخ المصري دور كبير إلى أن توقف عام 1952 حين توقفت الديمقراطية البرلمانية.
في تاريخ مصر، حينما نوقشت مسودة القانون المدني المصري، أقره مجلس النواب في ظرف عشرة أيام، بينما ظل مجلس الشيوخ يناقشه ستة أشهر، مادة بمادة، واستدعي خبراء من الخارج. وحتى الآن في عام 2014، عندما يحكم القضاء يشير إلى المادة وإلى شروحاتها، وإلى ما قيل عنها في مضابط مجلس الشيوخ، بعد 70 سنة.
مجلس الشيوخ كان له دور كبير جدا في الحياة السياسية، مثلا أول فكر للإصلاح الزراعي كان في مجلس الشيوخ عام 1948. كانت هناك مسائل كبرى تناقش في مجلس الشيوخ، واليوم أصبح لدينا احتياج له لأن لدينا غابة من القوانين صدرت خلال الـ60 أو 70 عاما الماضية؛ كثير منها مشخصن، والكثير منها ركيك ومتكرر ومتناقض، ولا بد من إعادة نظر فيها. من يفعل هذا؟ لا بد من مجلس متيقظ، ولذلك أنا ضغطت كثيرا في اتجاه أن يكون هناك مجلس شيوخ، لكن امتثلت للديمقراطية. فعندما طرحنا في مناقشات لجنة الخمسين قضية غرفة أم غرفتين في العملية البرلمانية، انتصر الاتجاه الذي يريد غرفة واحدة. لأن الفكر الذي ساد أننا نريد أن نعيد مجلس الشوري، وفي مصر - في بعض الأحيان - هناك صعوبة، إذا سادت قناعة، في إثبات أنك لم تقل ذلك، وأنك تتحدث في شيء آخر.
> بالنسبة إلى مجلس الشيوخ، في الماضي كان هناك وضع طبقي معين يعكسه مجلس الشيوخ، ولم يعد موجودا اليوم؟
- «الباشاوات» كانوا أيضا أعضاء في مجلس النواب مع زعماء القبائل والعمد، مجلس الشيوخ كان له معيار مختلف من حيث السن والتعليم، وهذا ما نحتاجه هنا. أنت تحتاج درجة معينة في مجلس الشيوخ وتطلب فيه تعليما معينا حتى تكون المناقشات على مستوى معين وتضيف إلى المستوى الشعبي الأوسع الموجود في مجلس النواب، وهو أيضا في نفس الأهمية.
> الرؤية أن هذا دستور دائم، أم أنه ربما يتغير أو يعدل حسب المراحل المقبلة؟
- هو دستور دائم، إنما سيخضع لتعديلات مع تقدم المسيرة حتى يخضع للعصر ومتطلباته. أنا مثلا أتوقع أن التعديل الأول سيكون لصالح إنشاء مجلس الشيوخ، أتصور أن مصر عندما تكون في ظرف عشر سنوات مائة مليون نسمة ستحتاج إلى نصوص مختلفة. هذه سيكون مكانها تعديل النصوص. أنا لا أرى أي فائدة أو نجاعة في تغيير الدستور، إنما يمكن تعديل بعض مواده، مثل الدستور الأميركي الذي تجري فيه تعديلات أو إضافات كلما احتاج الأمر.
> الدستور خطوة أساسية في طريق المرحلة الانتقالية.. رؤيتك للمرحلة المقبلة؟
- الخطوة الثانية هي انتخاب الرئيس والبرلمان، الخطوة الثالثة هي إنهاء المرحلة الانتقالية، ثم تبدأ مرحلة كاملة مستقرة، أربع سنوات للرئيس، وخمس سنوات لمجلس النواب والحكومة، وهذا يعني أن المرحلة المقبلة هي مرحلة الاستقرار.
> هل أنت متفائل بعبور هذه المراحل؟
- أنا متفائل فعلا، وأرى أن هناك فرصة جيدة جدا لمصر أن تعالج القصور الذي حدث لنا.
> لا يزال هناك جدل حول أيهما يسبق الآخر، انتخابات برلمانية أولا أم رئاسية؟
- أنا رأيي أن هذا ليس مهما، لأن الدستور يقول إن هذا كله يجب أن يجري خلال ستة أشهر.
> لكن يجب أن يحدث اختيار؟
- هذه متروكة لرئيس الجمهورية الحالي، أنا شخصيا أرى أن الانتخابات البرلمانية أولا، لماذا؟ لأن هناك رئيسا، أي أن المنصب غير شاغر. لكن إذا اخترنا انتخابات الرئاسة أولا، فلا مانع، لأن المسألة كلها تنتهي في ستة أشهر. فالفرق سيكون شهرين أو ثلاثة أشهر فقط بينهما.
> الانتخابات البرلمانية تحتاج إلى تنظيم وأن تكون الأحزاب والقوى السياسية جاهزة، هل حصل هذا في رأيك؟
- هذه مسؤوليتهم، وهناك خريطة طريق من يوليو (تموز) الماضي، وهم يعرفون ذلك. فإذا كانت الانتخابات البرلمانية ستجري قرب يونيو (حزيران) المقبل، فليرتبوا أنفسهم، وإلا متى ستكون الأحزاب جاهزة؟ بعد سنة، اثنتين، عشر سنوات، أو 15 سنة؟ فيعملون في إطار الديمقراطية ويرون ما هي الأخطاء ويصلحونها.
> إذا لم تكن تلك القوى مستعدة فهذا قد يعني أن ما حدث في البرلمان السابق يمكن أن يتكرر؟
- لا، لا.. هناك تغير في المناخ العام في مصر، ولا أعتقد أنه سيكون هناك ذلك الزخم الذي أخذه الإخوان سابقا، لأن الناس رأت ماذا حدث في الحكم الإخواني، والانهيار الذي كانت مصر تتعرض له؛ لذلك لن يتكرر ذلك. تستطيع أن تقول إنه لن تكون هناك أغلبية واضحة، فأنا أتنبأ بأن البرلمان المقبل سيكون برلمانا معلقا لا أغلبية فيه، ستكون هناك تحالفات وائتلافات وتحصل حركة ديمقراطية. لن تكون سهلة، لكن لا بد أن نمر بهذا. وهذا تطور.
> بالنسبة إلى المرشحين للرئاسة، ما رؤيتك؟
- أنا أرى أن الفريق السيسي يتجه لاتخاذ هذا القرار (الترشح)، وأرجح هذا.
> وما يقال عن ضغوط أو مواقف خارجية؟
- دعونا من هذا، موضوع اختيار رئيس جمهورية وبرلمان ومرشحين هذا موضوعنا نحن في مصر، وليس موضوعا خارجيا. ثم إن الضغوط الخارجية أدت إلى ماذا؟ أدت إلى ما حدث في سوريا والعراق، ولبنان يلحق بهما. هذا القرار يجب أن يكون قرارنا هنا حسب مصالحنا. وما يقال عن تدخلات خارجية أمر مؤقت، وإن كنا يجب أن نكون واعين لها، لكن أمورنا يجب أن نقرر فيها بأنفسنا، ولا نحتاج فيها إلى أي تأثير خارجي.
> هناك كلام كثير عن مؤامرات خارجية، أو تدخلات، وتبدو في بعض الأحيان تخيلات أكثر منها حقائق، ربما تكون هناك وجهات نظر خارجية نتيجة قراءة خاطئة للواقع؟
- دعنا من الكلام عن أنهم يتآمرون علينا، ونتكلم عما نعلمه جميعا. أليست مراكز البحث هذه هي التي تحدثت عن الفوضى الخلاقة، وعن الإسلام المتحدي أو الخصم الجديد؟ أليسوا هم الذين تحدثوا عن الإسلام السياسي، وعن الربيع العربي؟ وفي سوريا وهنا وهناك، ماذا فعل؟ هي مراكز البحث المتطرفة اليمينية وأضرت بنا أبلغ ضرر، الأفضل أن أقرر وفقا للواقع الموجود في بلدي هنا في مصر، لا أن أخضع لتحليلات «خواجات».. استفد منها إذا أردت، لكن الخضوع لها لا.
هم تنبأوا، ونحن أيضا. كثير من العرب والمصريين تنبأوا أيضا بأن الأمور ستتغير ولا يمكن استمرار الوضع على ما هو عليه، فرسموا خطة وكانت بشكل علمي. عندما تحدثوا عن الإسلام «العدو»، تحدثوا أيضا عن الإسلام «الصديق» ومثاله (رئيس الوزراء التركي رجب طيب) أردوغان. وهو صيغة ناجحة لإدارة دولة إسلامية؛ لو تركنا جانبا الخلافات الأخيرة. فماذا كان يمنع أن تأخذ مصر الصيغة الناجحة؟ لكن مع الأسف مصر أخذت الصيغة غير الناجحة، ولم يرتفع الإخوان المسلمون إلى مستوى التحدي، لم يأتوا بالتعريف الصحيح للتحدي الذي يواجهونه. و30 يونيو لم تكن شيئا قليلا في مصر، كان تغييرا لأمر واقع وتحديا لسياسات خارجية وضغوط، إلى آخره.
> كيف يمكن الخلاص من الحالة الحالية التي وضع الإخوان أنفسهم فيها؟
- ذلك في أيديهم. الحقيقة أن الدستور لم يقص أحدا، دستور 2012 كان فيه إقصاء للعهد الذي كان قبلهم، نحن في هذا الدستور اهتممنا بأن لا يكون هناك نص يقصي أحدا. إذن، أي مواطن إخواني أو غير إخواني الدستور أمامه يستطيع الاستفادة من كل المميزات. إذن لديهم فرصة، وهناك 54 ألف كرسي في المحليات، ولو كان هناك مجلسان سيكون هناك ألف كرسي. المسألة ليست مصالحة، لكن الدخول في العملية السياسية. إنما القتل والفوضى والعنف يعني أنهم يجعلون أنفسهم خارج المجتمع.
> هل شفي المجتمع المصري من مسألة الإخوان؟
- المسألة ليس «شفي»، المسألة أنهم أثبتوا أنهم لا يصلحون للحكم. عندما عارضت مرسي عارضته لأنه لم يكن قادرا على الحكم. لم يكن يقود حكما كفؤا يتماشى مع متطلبات البلد، والمطب التاريخي الذي نحن فيه؛ وليس لأنه إخوان مسلمون، أنا لم أعارضه لأنه إخوان، عارضته لأنه غير كفء أو مجموعته غير كفؤة.
> المعارضة كان فيها جزء من الخوف على هوية الدولة، فمثلا الناس تعودت أن يخرج رئيس الجمهورية ويقول أيها الإخوة المواطنون، وليس «أهلي وعشيرتي»؟
- المسألة من البداية خطأ، عندما يقول مواطنون فهو يخاطبنا كلنا، عندما يقول «أهلي وعشيرتي».. نحن لسنا عشيرة.
> الوفود الأجنبية التي تزور مصر، هل تشعر أن هناك تغيرا في النظرة إلى الواقع من 30 يونيو حتى الآن؟
- نعم، إنما لا تزال هناك تخفظات. ونحن يجب أن نعمل أكثر للحصول على التأييد والدعم الدوليين، فيقولون إن المصريين كان لديهم حق فيما فعلوه. نحن علينا أن نوضح ونشرح، وأول شيء هو الدستور، وهو واضح ومترجم. وأنا أرى أن هناك ارتياحا خارجيا له؛ ربما يكون غير كامل، لكنه جيد.
> هناك اعتراف خارجي بأن هناك شعبية جارفة للسيسي، وشعبية للتغيير الذي حدث، لكن لا تزال هناك رؤية بأن هذا مجتمع منقسم؟
- المجتمع المصري فيه انقسامات لكنه ليس منقسما، مثل موضوع الإخوان والتيار الديني الذي لا يترجم المزاج المصري العام. وهو مزاج يحترم الدين، لكنه لا يريد أن يخنقه أحد باسم الدين. وإذا عدنا لدستور 2012، فلقد كان دستورا يهدف إلى إقامة أشياء أشبه بالكيانات التي تراقب سلوكيات الناس، المجتمع المصري لا يمكن أن يقبل بهذا، يجب أن يكون الدين ميزة في تسامحه وفتح الآفاق، وليس تضييق الأمر على الناس.
المسألة ليست النصف بالنصف، فالخلاف بين أغلبية كبيرة وأقلية، والدستور عندما يعتمد بأغلبية كبيرة سيكون هو القاعدة المستقرة التي على أساسها يعمل الرئيس والحكومة ومجلس النواب، الدستور سيضع هذه الأمور في حجمها الطبيعي.
> لو استجاب الفريق السيسي للمطالب الشعبية، ما السيناريو الذي يمكن أن يحدث؟
- سيناريو عادي جدا، يجب أن يترشح.
> هل يعني ذلك التخلي عن منصبه العسكري أولا؟
- طبعا، وربما تجد بعض آراء تتحدث عن رئيس توافقي، لكن الضروري هو أن يكون منتخبا. وحتى يحدث ذلك يجب أن يكون مدنيا، ولذلك يجب أن يترك منصبه. وهذا حدث للجنرال أيزنهاور الذي ترك منصبه وأصبح رئيسا في أميركا. هناك وضع معين وفترة معينة، إنما الفريق السيسي سيترشح كمدني، وليس بصفته القائد العام.
نحن في مرحلة نحتاج فيها إلى الثقة، أن يكون الناس واثقين فيمن سيقودهم، وطالما أن الشعب أراد ولديه ثقة في شخص، أنا أرجح أنه (الفريق السيسي) سيترشح. مصلحة مصر فيما يتحدث فيه الشعب، هناك من انتقد موقفي هذا، لكن نحن نحتاج إلى أن يطمئن الشعب إلى شخص وطني يريده، نضمن أنه لن يقود البلاد إلى الهاوية، بالعكس يقود البلاد إلى ما هو أفضل. فالشعب متوجه إلى هذا، ونحن نحتاج إلى الاستثمار في هذه الثقة الموجهة إلى شخص بعينه في أننا نشجع هذا الشخص أن يتصرف ويقود ويعمل على إنقاذ البلد. الشعب وضع ثقته فيه، لماذا؟ لإنقاذ البلد وإصلاحه. وهناك دستور الآن، كتاب تستطيع أن تأخذ منه ما تريد.
> وهل لديك ثقة أن المجتمع لن يعود إلى الحكم الشمولي؟
- ضروري أن نعمل جميعا على أن لا يعود الحكم المطلق الشمولي. الذي نتحدث ونبدأ فيه اليوم هو نظام ديمقراطي، نريد انتخاب الفريق السيسي إذا كان مرشحا على أساس الديمقراطية، ولمدة أربع سنوات، وحتى يأخذ فترة جديدة لا بد أن يدخل الانتخابات مجددا، وهما فترتان فقط (المسموح بهما بحسب الدستور)، وسيكون على رأس حماة الدستور ومبادئه والحريات والمصالح والحقوق الواردة في الدستور.
> بعد كل ما حدث، ما رؤيتك للربيع العربي؟
- الحقيقة التعبير غير مضبوط، والأصح هو «التغيير» العربي، وهذا سوف يستمر، وسيدخل في غياهب وخنادق وغيره، لكنه لن يتوقف.
> ولكن تكلفته عالية؟
- أعرف ذلك، لكنه لن يتوقف. وعلى الحكومات القائمة أن تغير وتتماهى مع متطلبات المجتمعات والشباب. والمجتمعات العربية، مثل مصر، أصبح الشباب فيها أغلبية، وهو يحتاج إلى آفاق جديدة، يريد وظائف ومساكن وتكوين عائلات، ويريد أن يتنافس مع الشباب في إطار العولمة، ولديه لغة مختلفة عنا ويعرف ما يحدث في العالم، لا يمكن أن نتعامل مع الأجيال الحالية والمقبلة بنفس ما كنا نتعامل به منذ 20 عاما.. الدنيا تغيرت، والعرب سيتغيرون ومصر ستتغير. وفي خمس سنوات - وربما أقل - ستجد العالم العربي والشرق الأوسط شيئا مختلفا تماما.



«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.


نددت بـ«إبادة جماعية» في غزة... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
TT

نددت بـ«إبادة جماعية» في غزة... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)

دعت فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، إلى استقالة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، على خلفية ما وصفته بأنه «تصريحات شائنة ومستهجنة» أدلت بها ألبانيزي في مؤتمر عُقد السبت، وفق ما صرح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو اليوم (الأربعاء).

وقال بارو أمام أعضاء البرلمان: «تدين فرنسا بلا تحفظ التصريحات الشائنة والمستهجنة التي أدلت بها فرانشيسكا ألبانيزي والتي لا تستهدف الحكومة الإسرائيلية، التي يمكن انتقاد سياساتها، بل إسرائيل كشعب وكأمة، وهو أمر غير مقبول بتاتاً».

وكانت ألبانيزي قد حذرت من خطورة القرارات الأخيرة الصادرة عن الكابينت الإسرائيلي بشأن الضفة الغربية المحتلة، معتبرة أنها تأتي في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى الضم الكامل للأراضي الفلسطينية المحتلة.

خلال مداخلة عبر الفيديو السبت، تطرّقت ألبانيزي إلى «عدو مشترك»، سمح على حد تعبيرها بوقوع «إبادة جماعية» في غزة.

وقالت: «بدلاً من إيقاف إسرائيل، قامت معظم دول العالم بتسليحها، ومنحتها أعذاراً سياسية ومظلّة سياسية، ووفرت لها دعماً اقتصادياً ومالياً».

وأضافت: «نحن الذين لا نتحكم برؤوس أموال ضخمة، ولا بالخوارزميات، ولا بالأسلحة، ندرك الآن أنه، كبشرية، لدينا عدو مشترك».

في مقابلة أجرتها معها قناة «فرنس-24»، اليوم، قبل إدلاء بارو بموقفه، ندّدت ألبانيزي بـ«اتهامات كاذبة تماماً» وبـ«تحريف» لتصريحاتها.

وقالت المقررة الأممية: «لم أقل أبداً أبداً أبداً إن إسرائيل هي العدو المشترك للبشرية»، موضحة: «تحدثتُ عن جرائم إسرائيل، وعن الفصل العنصري، وعن الإبادة الجماعية، ودِنت النظام الذي لا يسمح بسوق إسرائيل إلى العدالة ولا بوقف جرائمها، بوصفه عدواً مشتركاً».

لكن وزير الخارجية الفرنسي اعتبر أن تصريحات ألبانيزي «تضاف إلى قائمة طويلة من المواقف الشائنة، من تبرير (هجوم) السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، أسوأ مجزرة معادية لليهود في تاريخنا منذ المحرقة، إلى التطرق إلى اللوبي اليهودي، وحتى تشبيه إسرائيل بالرايخ الثالث».

وقال في معرض ردّه على سؤال وجّهته النائبة في المعسكر الرئاسي كارولين يادن: «إنها ناشطة سياسية تروّج لخطابات كراهية تسيء إلى قضية الشعب الفلسطيني التي تزعم الدفاع عنها، وإلى الأمم المتحدة. لا يمكن بأي حال من الأحوال، وبأي صفة، أن تتحدث ألبانيزي باسمهم».

وطالبت يادن ومعها نحو عشرين نائباً في رسالة إلى الوزير، أمس، بأن تُجرَّد ألبانيزي «من أي تفويض أممي وبأثر فوري» بعد تصريحاتها.