إدوار الخراط.. عاشق الإسكندرية

أسّس لقيم الحداثة والتجريب في فن القص ونال «جائزة النيل» في الآداب لهذا العام

إدوار الخراط
إدوار الخراط
TT

إدوار الخراط.. عاشق الإسكندرية

إدوار الخراط
إدوار الخراط

استقبلت الأوساط الثقافية في مصر وأيضا الوطن العربي نبأ فوز الروائي إدوار الخرائط بجائزة النيل في الآداب لهذا العام، أكبر جوائز الدولة في مصر، بسعادة وارتياح شديدين، فهو أحد الحارثين المخلصين لفن القص العربي، خاض مغامرته قاصا ورائيا ومنظرا لمغامرته الجديدة، في تخوم الحداثة وما بعدها، من أشكال التجريب والتطوير، سواء على المستوى الفني والجمالي والفكري، أو على مستوى التمحيص والدرس النقدي للكثير من الأعمال الأدبية والشعرية، وما يناظرها من أنواع أخرى خاصة في الفن التشكيلي والمسرح والموسيقى.
88 عاما يحملها الخراط على كاهله، في رحلة طويلة وخصبة قطعها مبدع من طراز رفيع مع فن الكتابة، لم يراهن خلالها على أي شيء خارج نصه، ولم ينتظر سواه في محطتي الذهاب والإياب.. هكذا تعامل مع نفسه، وعلى عتبة هذه الرؤية، تعامل مع إبداع الآخرين، احتواه وهضمه، وأضاء عتمته، ودافع حتى عن نزقه وفوضاه، تحت مظلة «الحساسية الجديدة» أو «الكتابة عبر النوعية»، وغيرهما من القيم الجمالية التي أرسى دعائمها، وأصبحت معاول أساسية في التعامل النقدي مع هذا الإبداع، سواء في الشعر والرواية والقصة القصيرة، وفنون المسرح والفن التشكيلي والسينما، وقضايا الثقافة والترجمة والفكر الإنساني بشكل عام.
في جملة شجية من شعره الذي لا أحبه، وما زلت أعتبره مجرد خواطر نثرية لمبدع كبير، يقول الخراط: «أحب أن يأتي التاريخ على ذكري في صفحة لا يشاركني فيها أحد». ورغم تأثر الكثيرين هنا وهناك بالخراط، فإن أحدا لم ينازعه هذه الصفحة، وظلت لا تسع سواه، بينما يكتفي الآخرون بالتلصص عليها بين الحين والآخر بمحبة خالصة، ويبتسمون لرجل جعل صفحته بهذا الضيق الشاسع المضيء، وكأنها حصانة كاتب، ونموذج يستعصي على التقليد والاستنساخ.
اقترن هذه النموذج بسيرة حياة إدوار الخراط، والتي تشكل مخزن الذاكرة والحلم في تراثه كله، فببصيرة نحات وعين طفل، استطاع أن ينوع نوافذ ومجالات إدراك هذه الحياة القصية، وعاش يناوش فضاءاتها، ويجدد تساؤلاتها وشواغلها، ويقلب أزمنتها في جل كتاباته، وكأنها لا تزال حية وطازجة مفتوحة على قوسي البدايات والنهايات، قادرة على أن تمنحه نفسها كل يوم بشكل جديد.
في هذه السيرة تتربع الإسكندرية، مسقط رأس الخراط ومعشوقته الأثيرة على عرش هذا المخزون التراثي، فقدت شهدت أجراس مولده في 16 مارس (آذار) عام 1926، في كنف عائلة قبطية ترجع أصولها إلى الصعيد، ودرس في جامعتها وحصل على ليسانس الحقوق في عام 1946. وعلى شواطئها ورمالها وأرصفتها، كان دبيب خطواته الأولى في معترك الحياة الاجتماعية، وحسبما يقول الخراط نفسه: «لعلني لا أعرف كاتبا آخر في العربية توله بعشق هذا الموقع/ الحلم/ الواقع (الإسكندرية) كما فعلت. ومهما كان من حفاوة كاتب مثل نجيب محفوظ بأزقة وحواري الجمالية، أو كاتب مثل عبد الرحمن الشرقاوي، وغيره من كتاب الريف، بقراهم، فقد كانت المدينة/ الأرض عندهم، في نهاية الأمر، ديكورا خلفيا، أو في أحسن الأحوال موضوعا أو ساحة للفعل الروائي».
لقد صعد الخراط بعشقه للإسكندرية إلى مصاف أسطورة، في نسيجها يلتقي الناسك بالفاجر، الصوفي الورع التقي بالفوضوي الناتئ العابر، يتجاوران ويتقاطعان على أرضية من العلاقات المتعددة فنيا وإنسانيا. الإسكندرية ليست طاقة الحلم، بل هي الحلم نفسه هي قوة فاعلة من تلقاء نفسها، هي محراب عاشق وسفر رؤيا، ورمز يسع العالم كله. هكذا يخاطبها الخراط ويكتب: «حبيبتي الطيعة المنتهكة ينخر في جسدها عطب شهوات غابرة ومقيمة، تظلين مع ذلك لصيقة بالقلب، بل بالجسد مني، تهتز لك أشواق روحي، ومهما كنتِ صموتا أو مخرسة، تظل آيات مجدك مرفرفة في هذه السماء التي غاب عنها النور».
في القاهرة عمل الخراط مترجما بالسفارة الرومانية بالقاهرة. ثم في جمعية تضامن الشعوب الأفريقية - الآسيوية، وشارك في تأسيس مجلة «جاليري 68»، الثقافية ذائعة الصيت مع أحمد مرسي وإبراهيم منصور وغالب هلسا وسيد حجاب وجميل عطية إبراهيم. ورغم أن المجلة لم يصدر منها سوى 8 أعداد على مدار 3 سنوات، فإنها كانت الشرارة على أن ثمة جيلا جديدا.. يتخلق في جسد الكتابة الروائية والقصصية في مصر وفي النقد الأدبي والفني، واستطاعت المجلة أن تكون منبرا قويا لهذا الجيل. لكن الخراط مع ذلك يرى أن «تصنيف الكتّاب في أجيال وموجات لا ينطبق عليّ. فحتى في التصنيف الأدبي الأكاديمي والجامعي لم أحسب على جيل الستينات أو غيره».
لكن الخراط، مع ذلك يضع نفسه، وبنوع من التردد قائلا: «قد أكون من التيار الروائي والقصصي الذي سُمّي تيار ما بعد (المحفوظية) وجمع مروحة واسعة من الكتاب المصريين مثل صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني وغالب هلسا وبهاء طاهر وعبد الحكيم قاسم، والجامع المشترك بين هؤلاء هو التمرد على القواعد (المحفوظية) في الكتابة القصصية والروائية وكسرها. أما العنصر الآخر الجامع في هذه التجارب الكتابية، فقوامه إحساس هؤلاء الكتاب بأن هناك خطأ ما في التجربة السياسية - الاجتماعية للناصرية، خصوصا بعد الكارثة التي تكشفت عنها هزيمة 1967، ورغم أن نقد الناصرية لم يصل إلى إدانتها إدانة مباشرة وصريحة، فإن الحذر والتوجس من شعاراتها كشفا خواءها في مقابل القمع السياسي والثقافي للسلطة السياسية. وهذا ما انعكس في الأعمال الأدبية للكتاب والروائيين».
يحكي الخراط عن فضاء طفولته، في حوار أجري معه في بيروت بمناسبة إلقائه محاضرة «أيار التذكارية» في الجامعة الأميركية هناك في عام 2003 يقول: «ولدت في حي بجنوب الإسكندرية قريب من منطقة تسمّى بحيرة مريوط. كان معظم المقيمين في ذلك الحي من الفئات الشعبية القادمة من الصعيد إلى الإسكندرية. العمران ونمط الحياة فيه أقرب إلى الريف منهما إلى المدينة: شارع واحد رئيس مفروش بالإسفلت يسير فيه الترام وينتهي إلى قسم البوليس. وشوارع أخرى مفروشة بالحجارة والرمل الأبيض. البيوت كلها من طبقة واحدة أو اثنتين، على سطوحها عرائش من العنب. وقد وصفت ذلك الحي في مقاطع من روايتي (ترابها زغفران). على ناصية الشارع الرئيس كان منزل الخياطة اللبنانية السيدة روز التي تشتغل عندها فتيات في خياطة الثياب».
وبعين الوصّاف والحكّاء معا يتابع: «في الجلسات العائلية على سطح بيتنا تحت عرائش العنب، كانت جدتي وخالتي ترويان الحكايات عن الجن والعفاريت. ولكثرة ما سمعت هذه الحكايات في طفولتي، كان الطفل الذي كنته يحسب أن جنيات الحكايات وعفاريتها كائنات حية، ومن لحم ودم. كنت في السادسة أو السابعة من عمري حين التقيت مرة في الليل امرأة عجوزا فقيرة في شارع مهجور قريب من بيتنا، فأيقنت أنها عفريت من عفاريت الحكايات. لم تتلفظ المرأة - العفريت بكلمة واحدة، لكني لا أدري إن كنت وقفت جامدا قبالتها دقيقة واحدة أو 24 ساعة، قبل أن أروح أعدو هاربا بأسرع ما استطعت للوصول إلى بيتنا، حاملا في جوارحي ووعيي ومخيلتي الطفلية التجربة الأولى في الاتصال بقوة عالم الغيب فيما وراء الواقع والمحسوس. بتلقائية عن طفولته، هو أنه مس عصبا جماليا وفكريا، شكل تقاطعات ومفارقات وتجاورات إبداعه الروائي الخصب، فدهشة الطفل، رغم حداثة سنه في هذا المناخ، إلا أنها مسكونة بهوس السؤال وتوق المعرفة، مشدودة إلى ما وراء العناصر والأشياء».
هذا الانكشاف المبكر على الواقع بعيانه المادي المباشر الباذخ، في مقابل الغيب/ المجهول، المشطوف بروح المغامرة والمفاجأة، ظل أحد المقومات الأساسية الركينة في معمار الخراط الروائي، يتماثل فلسفيا في ثنائية المجرد والمحسوس، لكن هذه الثنائية وغيرها تنحل عقدها وفواصلها الزمنية السميكة بعفوية في صراعات القص، وتصعد بقوة المجرد الغيبي، إلى ما وراء العناصر والأشياء، ما وراء الجسد والروح، والحلم والذاكرة.
حتى إنه يمكنني أن أقول إن عالم الخراط الروائي، هو عالم صراعات محلولة، تتناقض فيه الأشياء وتتصارع، في فضاء البشر والتاريخ والميثولوجيا بكل طبقاتها المصرية الفرعونية، المسيحية، الإسلامية، لكنها في النهاية لا تنفي بعضها الأخرى، بل يجمعها مشترك وهم إنساني واحد، هو البحث عن الحرية. حرية الجسد والروح، حرية الوطن والتاريخ، حرية المعرفة والبحث عن السؤال، حرية الحب والعشق، حرية الكتابة والنص معا، حرية الذات والموضوع في الوقت نفسه، لا مسافة ولا انفصال بينهما، بل كلاهما يفضي للآخر.
فتحت هاجس الحرية أدار الخراط مناورته السردية، في أهم أعماله الروائية برأيي: «رامه والتنين» و«الزمن الآخر»، و«ترابها زعفران»، و«يقين العطش»، إضافة إلى مجموعته القصصية الفذة «حيطان عالية»، في جدلية حية، يتبادل فيها الثبات والتغير، القوة والضعف، النقص والإضافة، نقطتي البداية والنهاية، ومدارات الصراع في الداخل والخارج، بين بطلين (راما - ميخائيل)، يواجهان غوائل الموت والزمن بقوة الحب، ومصادفة العشق والوجود، وكأنهما حريتان تتصارعان من أجل حرية واحدة، هي حرية العشق، حرية الروح والجسد، حرية النص والكتابة. وكما يقول الخراط نفسه: «كانت الحرية، كانت ودائما، هي توق لتحقيق عدل مستحيل، وكمال ناقص، وجمال مطلق»!! ‬
إن الحرية لا تنمو وتصعد في تراث الخراط، الذي جاوز الخمسين مؤلفا، كنقطة شائكة تنحل في ظلالها جدائل هذه الثنائيات بكل مظانها الفكرية والفلسفية والمجتمعية، وإنما تشكل في الأساس عين الراوي وبصيرته الحية، هي التي تمنحه مساحة أبعد مما يراه الآخرون، وتجعل من طاقة السرد، بكل مقوماته ومناخاته داخل أغلب أعمال الخراط، ما يشبه الملحمة والمعزوفة البصرية، ففي فضاء الحرية تتضافر شتى حدوسات المعرفة الإنسانية. تصبح الكتابة بمثابة تميمة ضد الموت والزمن معا.
في هذه الأعمال السالفة الذكر وفي غيرها، أضاف الخراط لتكنيكه الروائي المتعدد الرؤى والمستويات قيمة فنية شديدة الأهمية برأيي، وهي تجذر البطل في المكان، فالمكان ليس مجرد مأوى ومسكن، أو حتى خشبة مسرح، وإنما هو وعاء للروح، يتحول بقوة السرد وطزاجته إلى أقانيم وأنساق لغوية رهيفة وأيقونات تشكيلية، تتماوج فيها الخطوط والألوان والفراغات ومساقط للضوء والظل، وكأن رحم النص، بكل أزمنته وأمكنته قماشة حية، نابضة بالحب والعشق، قابلة دوما للطي والاتساع، ما دامت ثمة إرادة للتشبث بالحياة.
فهكذا، شوارع الإسكندرية، البيوت والشقق، الأسواق والباعة والمحلات، البحر والكورنيش والميناء، الترام وسكة الحديد، المدرسة والكنيسة والجامع، مناخات الصعيد وأخميم وكهوف الفيوم، وحفائر الآثار، ومعابد الرهبان في بطن الجبل، إيقاعات الحياة اليومية المتربة بنثار الروح، وكد الإنسان وعرقه، ورائحة الطين والأرض، القاهرة الفاطمية وشارع المعز بالجمالية. طرز العمارة الإسلامية، والمشربيات، وعرائس الأرابيسك، وأبهة الضياء في جامع السلطان حسن، وحكمة الزمن في فضاء الكنيسة المعلقة، كلها أماكن تتجسد ببراعة وإتقان في أعمال الخراط، وتطرح عليه عبقها المعتق القديم النفاذ، حيث تتداخل السيرة الذاتية مع الوطن بكل تاريخه وإحباطاته، وتحلق النصوص في فضاءات شعرية، ينعجن فيها الزمان والمكان بالأحلام والكوابيس، وتشع روح الفوضى في النظام، والنظام في الفوضى، لكنها في النهاية تشكل لوحة سردية بفرشاة فنان خصبة، وقلم أشبه بنصل حاد، طارحة أسئلة ملتاثة وحائرة عن حقائق الفن والخير والجمال والعدل.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.