إدوار الخراط.. عاشق الإسكندرية

أسّس لقيم الحداثة والتجريب في فن القص ونال «جائزة النيل» في الآداب لهذا العام

إدوار الخراط
إدوار الخراط
TT

إدوار الخراط.. عاشق الإسكندرية

إدوار الخراط
إدوار الخراط

استقبلت الأوساط الثقافية في مصر وأيضا الوطن العربي نبأ فوز الروائي إدوار الخرائط بجائزة النيل في الآداب لهذا العام، أكبر جوائز الدولة في مصر، بسعادة وارتياح شديدين، فهو أحد الحارثين المخلصين لفن القص العربي، خاض مغامرته قاصا ورائيا ومنظرا لمغامرته الجديدة، في تخوم الحداثة وما بعدها، من أشكال التجريب والتطوير، سواء على المستوى الفني والجمالي والفكري، أو على مستوى التمحيص والدرس النقدي للكثير من الأعمال الأدبية والشعرية، وما يناظرها من أنواع أخرى خاصة في الفن التشكيلي والمسرح والموسيقى.
88 عاما يحملها الخراط على كاهله، في رحلة طويلة وخصبة قطعها مبدع من طراز رفيع مع فن الكتابة، لم يراهن خلالها على أي شيء خارج نصه، ولم ينتظر سواه في محطتي الذهاب والإياب.. هكذا تعامل مع نفسه، وعلى عتبة هذه الرؤية، تعامل مع إبداع الآخرين، احتواه وهضمه، وأضاء عتمته، ودافع حتى عن نزقه وفوضاه، تحت مظلة «الحساسية الجديدة» أو «الكتابة عبر النوعية»، وغيرهما من القيم الجمالية التي أرسى دعائمها، وأصبحت معاول أساسية في التعامل النقدي مع هذا الإبداع، سواء في الشعر والرواية والقصة القصيرة، وفنون المسرح والفن التشكيلي والسينما، وقضايا الثقافة والترجمة والفكر الإنساني بشكل عام.
في جملة شجية من شعره الذي لا أحبه، وما زلت أعتبره مجرد خواطر نثرية لمبدع كبير، يقول الخراط: «أحب أن يأتي التاريخ على ذكري في صفحة لا يشاركني فيها أحد». ورغم تأثر الكثيرين هنا وهناك بالخراط، فإن أحدا لم ينازعه هذه الصفحة، وظلت لا تسع سواه، بينما يكتفي الآخرون بالتلصص عليها بين الحين والآخر بمحبة خالصة، ويبتسمون لرجل جعل صفحته بهذا الضيق الشاسع المضيء، وكأنها حصانة كاتب، ونموذج يستعصي على التقليد والاستنساخ.
اقترن هذه النموذج بسيرة حياة إدوار الخراط، والتي تشكل مخزن الذاكرة والحلم في تراثه كله، فببصيرة نحات وعين طفل، استطاع أن ينوع نوافذ ومجالات إدراك هذه الحياة القصية، وعاش يناوش فضاءاتها، ويجدد تساؤلاتها وشواغلها، ويقلب أزمنتها في جل كتاباته، وكأنها لا تزال حية وطازجة مفتوحة على قوسي البدايات والنهايات، قادرة على أن تمنحه نفسها كل يوم بشكل جديد.
في هذه السيرة تتربع الإسكندرية، مسقط رأس الخراط ومعشوقته الأثيرة على عرش هذا المخزون التراثي، فقدت شهدت أجراس مولده في 16 مارس (آذار) عام 1926، في كنف عائلة قبطية ترجع أصولها إلى الصعيد، ودرس في جامعتها وحصل على ليسانس الحقوق في عام 1946. وعلى شواطئها ورمالها وأرصفتها، كان دبيب خطواته الأولى في معترك الحياة الاجتماعية، وحسبما يقول الخراط نفسه: «لعلني لا أعرف كاتبا آخر في العربية توله بعشق هذا الموقع/ الحلم/ الواقع (الإسكندرية) كما فعلت. ومهما كان من حفاوة كاتب مثل نجيب محفوظ بأزقة وحواري الجمالية، أو كاتب مثل عبد الرحمن الشرقاوي، وغيره من كتاب الريف، بقراهم، فقد كانت المدينة/ الأرض عندهم، في نهاية الأمر، ديكورا خلفيا، أو في أحسن الأحوال موضوعا أو ساحة للفعل الروائي».
لقد صعد الخراط بعشقه للإسكندرية إلى مصاف أسطورة، في نسيجها يلتقي الناسك بالفاجر، الصوفي الورع التقي بالفوضوي الناتئ العابر، يتجاوران ويتقاطعان على أرضية من العلاقات المتعددة فنيا وإنسانيا. الإسكندرية ليست طاقة الحلم، بل هي الحلم نفسه هي قوة فاعلة من تلقاء نفسها، هي محراب عاشق وسفر رؤيا، ورمز يسع العالم كله. هكذا يخاطبها الخراط ويكتب: «حبيبتي الطيعة المنتهكة ينخر في جسدها عطب شهوات غابرة ومقيمة، تظلين مع ذلك لصيقة بالقلب، بل بالجسد مني، تهتز لك أشواق روحي، ومهما كنتِ صموتا أو مخرسة، تظل آيات مجدك مرفرفة في هذه السماء التي غاب عنها النور».
في القاهرة عمل الخراط مترجما بالسفارة الرومانية بالقاهرة. ثم في جمعية تضامن الشعوب الأفريقية - الآسيوية، وشارك في تأسيس مجلة «جاليري 68»، الثقافية ذائعة الصيت مع أحمد مرسي وإبراهيم منصور وغالب هلسا وسيد حجاب وجميل عطية إبراهيم. ورغم أن المجلة لم يصدر منها سوى 8 أعداد على مدار 3 سنوات، فإنها كانت الشرارة على أن ثمة جيلا جديدا.. يتخلق في جسد الكتابة الروائية والقصصية في مصر وفي النقد الأدبي والفني، واستطاعت المجلة أن تكون منبرا قويا لهذا الجيل. لكن الخراط مع ذلك يرى أن «تصنيف الكتّاب في أجيال وموجات لا ينطبق عليّ. فحتى في التصنيف الأدبي الأكاديمي والجامعي لم أحسب على جيل الستينات أو غيره».
لكن الخراط، مع ذلك يضع نفسه، وبنوع من التردد قائلا: «قد أكون من التيار الروائي والقصصي الذي سُمّي تيار ما بعد (المحفوظية) وجمع مروحة واسعة من الكتاب المصريين مثل صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني وغالب هلسا وبهاء طاهر وعبد الحكيم قاسم، والجامع المشترك بين هؤلاء هو التمرد على القواعد (المحفوظية) في الكتابة القصصية والروائية وكسرها. أما العنصر الآخر الجامع في هذه التجارب الكتابية، فقوامه إحساس هؤلاء الكتاب بأن هناك خطأ ما في التجربة السياسية - الاجتماعية للناصرية، خصوصا بعد الكارثة التي تكشفت عنها هزيمة 1967، ورغم أن نقد الناصرية لم يصل إلى إدانتها إدانة مباشرة وصريحة، فإن الحذر والتوجس من شعاراتها كشفا خواءها في مقابل القمع السياسي والثقافي للسلطة السياسية. وهذا ما انعكس في الأعمال الأدبية للكتاب والروائيين».
يحكي الخراط عن فضاء طفولته، في حوار أجري معه في بيروت بمناسبة إلقائه محاضرة «أيار التذكارية» في الجامعة الأميركية هناك في عام 2003 يقول: «ولدت في حي بجنوب الإسكندرية قريب من منطقة تسمّى بحيرة مريوط. كان معظم المقيمين في ذلك الحي من الفئات الشعبية القادمة من الصعيد إلى الإسكندرية. العمران ونمط الحياة فيه أقرب إلى الريف منهما إلى المدينة: شارع واحد رئيس مفروش بالإسفلت يسير فيه الترام وينتهي إلى قسم البوليس. وشوارع أخرى مفروشة بالحجارة والرمل الأبيض. البيوت كلها من طبقة واحدة أو اثنتين، على سطوحها عرائش من العنب. وقد وصفت ذلك الحي في مقاطع من روايتي (ترابها زغفران). على ناصية الشارع الرئيس كان منزل الخياطة اللبنانية السيدة روز التي تشتغل عندها فتيات في خياطة الثياب».
وبعين الوصّاف والحكّاء معا يتابع: «في الجلسات العائلية على سطح بيتنا تحت عرائش العنب، كانت جدتي وخالتي ترويان الحكايات عن الجن والعفاريت. ولكثرة ما سمعت هذه الحكايات في طفولتي، كان الطفل الذي كنته يحسب أن جنيات الحكايات وعفاريتها كائنات حية، ومن لحم ودم. كنت في السادسة أو السابعة من عمري حين التقيت مرة في الليل امرأة عجوزا فقيرة في شارع مهجور قريب من بيتنا، فأيقنت أنها عفريت من عفاريت الحكايات. لم تتلفظ المرأة - العفريت بكلمة واحدة، لكني لا أدري إن كنت وقفت جامدا قبالتها دقيقة واحدة أو 24 ساعة، قبل أن أروح أعدو هاربا بأسرع ما استطعت للوصول إلى بيتنا، حاملا في جوارحي ووعيي ومخيلتي الطفلية التجربة الأولى في الاتصال بقوة عالم الغيب فيما وراء الواقع والمحسوس. بتلقائية عن طفولته، هو أنه مس عصبا جماليا وفكريا، شكل تقاطعات ومفارقات وتجاورات إبداعه الروائي الخصب، فدهشة الطفل، رغم حداثة سنه في هذا المناخ، إلا أنها مسكونة بهوس السؤال وتوق المعرفة، مشدودة إلى ما وراء العناصر والأشياء».
هذا الانكشاف المبكر على الواقع بعيانه المادي المباشر الباذخ، في مقابل الغيب/ المجهول، المشطوف بروح المغامرة والمفاجأة، ظل أحد المقومات الأساسية الركينة في معمار الخراط الروائي، يتماثل فلسفيا في ثنائية المجرد والمحسوس، لكن هذه الثنائية وغيرها تنحل عقدها وفواصلها الزمنية السميكة بعفوية في صراعات القص، وتصعد بقوة المجرد الغيبي، إلى ما وراء العناصر والأشياء، ما وراء الجسد والروح، والحلم والذاكرة.
حتى إنه يمكنني أن أقول إن عالم الخراط الروائي، هو عالم صراعات محلولة، تتناقض فيه الأشياء وتتصارع، في فضاء البشر والتاريخ والميثولوجيا بكل طبقاتها المصرية الفرعونية، المسيحية، الإسلامية، لكنها في النهاية لا تنفي بعضها الأخرى، بل يجمعها مشترك وهم إنساني واحد، هو البحث عن الحرية. حرية الجسد والروح، حرية الوطن والتاريخ، حرية المعرفة والبحث عن السؤال، حرية الحب والعشق، حرية الكتابة والنص معا، حرية الذات والموضوع في الوقت نفسه، لا مسافة ولا انفصال بينهما، بل كلاهما يفضي للآخر.
فتحت هاجس الحرية أدار الخراط مناورته السردية، في أهم أعماله الروائية برأيي: «رامه والتنين» و«الزمن الآخر»، و«ترابها زعفران»، و«يقين العطش»، إضافة إلى مجموعته القصصية الفذة «حيطان عالية»، في جدلية حية، يتبادل فيها الثبات والتغير، القوة والضعف، النقص والإضافة، نقطتي البداية والنهاية، ومدارات الصراع في الداخل والخارج، بين بطلين (راما - ميخائيل)، يواجهان غوائل الموت والزمن بقوة الحب، ومصادفة العشق والوجود، وكأنهما حريتان تتصارعان من أجل حرية واحدة، هي حرية العشق، حرية الروح والجسد، حرية النص والكتابة. وكما يقول الخراط نفسه: «كانت الحرية، كانت ودائما، هي توق لتحقيق عدل مستحيل، وكمال ناقص، وجمال مطلق»!! ‬
إن الحرية لا تنمو وتصعد في تراث الخراط، الذي جاوز الخمسين مؤلفا، كنقطة شائكة تنحل في ظلالها جدائل هذه الثنائيات بكل مظانها الفكرية والفلسفية والمجتمعية، وإنما تشكل في الأساس عين الراوي وبصيرته الحية، هي التي تمنحه مساحة أبعد مما يراه الآخرون، وتجعل من طاقة السرد، بكل مقوماته ومناخاته داخل أغلب أعمال الخراط، ما يشبه الملحمة والمعزوفة البصرية، ففي فضاء الحرية تتضافر شتى حدوسات المعرفة الإنسانية. تصبح الكتابة بمثابة تميمة ضد الموت والزمن معا.
في هذه الأعمال السالفة الذكر وفي غيرها، أضاف الخراط لتكنيكه الروائي المتعدد الرؤى والمستويات قيمة فنية شديدة الأهمية برأيي، وهي تجذر البطل في المكان، فالمكان ليس مجرد مأوى ومسكن، أو حتى خشبة مسرح، وإنما هو وعاء للروح، يتحول بقوة السرد وطزاجته إلى أقانيم وأنساق لغوية رهيفة وأيقونات تشكيلية، تتماوج فيها الخطوط والألوان والفراغات ومساقط للضوء والظل، وكأن رحم النص، بكل أزمنته وأمكنته قماشة حية، نابضة بالحب والعشق، قابلة دوما للطي والاتساع، ما دامت ثمة إرادة للتشبث بالحياة.
فهكذا، شوارع الإسكندرية، البيوت والشقق، الأسواق والباعة والمحلات، البحر والكورنيش والميناء، الترام وسكة الحديد، المدرسة والكنيسة والجامع، مناخات الصعيد وأخميم وكهوف الفيوم، وحفائر الآثار، ومعابد الرهبان في بطن الجبل، إيقاعات الحياة اليومية المتربة بنثار الروح، وكد الإنسان وعرقه، ورائحة الطين والأرض، القاهرة الفاطمية وشارع المعز بالجمالية. طرز العمارة الإسلامية، والمشربيات، وعرائس الأرابيسك، وأبهة الضياء في جامع السلطان حسن، وحكمة الزمن في فضاء الكنيسة المعلقة، كلها أماكن تتجسد ببراعة وإتقان في أعمال الخراط، وتطرح عليه عبقها المعتق القديم النفاذ، حيث تتداخل السيرة الذاتية مع الوطن بكل تاريخه وإحباطاته، وتحلق النصوص في فضاءات شعرية، ينعجن فيها الزمان والمكان بالأحلام والكوابيس، وتشع روح الفوضى في النظام، والنظام في الفوضى، لكنها في النهاية تشكل لوحة سردية بفرشاة فنان خصبة، وقلم أشبه بنصل حاد، طارحة أسئلة ملتاثة وحائرة عن حقائق الفن والخير والجمال والعدل.



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».